التحقيق والإيضاح 81 وأما ما رواه مسلم عن جابر{أن النبي وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا } (1) . طوافهم الأول فهو مح مول على من ساق الهدي من الصحابة لأنهم بقوا على إحرامهم مع النبي حتى حلوا من الحج والعمرة جميعا. والنبي قد أهل بالحج والعمرة وأمر من ساق الهدي أن يهل بالحج مع العمرة وألا يحل حتى يحل منهما جميعا والقارن بين الحج والعمرة ليس عليه إلا سعي واحد كما دل عليه حديث جابر المذكور وغيره من الأحاديث الصحيحة. وهكذا من أفرد الحج وبقي على إحرامه إلى يوم النحر ليس عليه إلا سعي واحد، فإذا سعى القارن والمفرد بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة وهذا هو الجمع بين حديثي عائشة (1) مسلم الحج1215) ، الترمذي الحج 947) ، النسائي مناسك الحج2986) ، أبو داود المناسك 1895 ) ، ابن ماجه المناسك2972 .)
عدد الصفحات ٨١التحقيق والإيضاح 82 وابن عباس وبين حديث جابر المذكور وبذلك يزول التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها. ومما يؤيد هذا الجمع أن حديثي عائشة وابن عباس حديثان صحيحان وقد أثبتا السعي الثاني في حق المتمتع وظاهر حديث جابر ينفي ذلك والمثبت مقدم على النافي كما هو مقرر في علمي الأصول ومصطلح الحديث والله سبحانه وتعالى ا لموفق للصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عدد الصفحات ٨٢التحقيق والإيضاح 83 فصل في بيان أفضلية ما يفعله الحاج يوم النحر والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة يوم النحر كما ذكر فيبدأ أولا برمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع وكذلك للمفرد و القارن إذا لم يسعيا مع طواف القدوم، فإن قدم بعض هذه الأمور على بعض أجزأه ذلك؛ لثبوت الرخصة عن النبي في ذلك، ويدخل في ذلك تقديم السعي على الطواف لأنه من الأمور التي تفعل يوم النحر فدخل في قول الصحابي. فما سئل يومئذ عن ش يء قدم ولا أخر إلا قال " افعل ولا حر ج " ولأن ذلك مما يقع في النسيان والجهل فوجب دخوله في هذا العموم لما في ذلك من التيسير والتسهيل. وقد ثبت عن النبي أنه{سئل عمن سعى
عدد الصفحات ٨٣التحقيق والإيضاح 84 قبل أن يطوف فقال لا حرج } (1) أخرجه أبو داود من حديث أسامة بن شريك بإسناد صحيح. فاتضح بذلك دخوله في العموم من غير شك، والله الموفق. والأمور التي يحصل للحاج بها التحلل التام ثلاثة وهي رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة مع السعي بعده لما ذكر آنفا، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل ش يء حرم عليه بالإحرام من النساء والطيب وغير ذلك، ومن فعل اثنين منها حل له كل ش يء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويسمى هذا ب: التحلل الأول. ويستحب للحاج الشرب من ماء زمزم والتضلع منه، والدعاء بما تيسر من الدعاء النافع، وماء زمزم لما شرب له كما روي عن النبي في صحيح مسلم عن (1) البخاري الحج 1634) ، مسلم الحج 1307) ، النسائي مناسك الحج 3067) ، أبو داود المناسك (1983) ، ابن ماجه المناسك3050) ، أحمد1/311 .)
عدد الصفحات ٨٤التحقيق والإيضاح 85 أبي ذر{أن النبي قال في ماء زمزم: إنه طعام طعم } (1) زاد أبو داود{وشفاء سقم } . وبعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي يرجع الحجاج إلى منى فيقيمون بها ثلاثة أيام بلياليها ويرمون الجمار الثلاث في كل يوم من الأ يام الثلاثة بعد زوال الشمس ويجب الترتيب في رميها. فيبدأ بالجمرة الأولى: وهي التي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده عند كل حصاة ويسن أن يتأخر عنها ويجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويكثر من الدعاء والتضرع. (1) مسلم فضائل الصحابة2473) ، أحمد5/175 .)
عدد الصفحات ٨٥التحقيق والإيضاح 86 ثم يرمي الجمرة الثانية كالأولى، ويسن أن يتقدم قليلا بعد رميها ويجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرفع يديه فيدعو كثيرا. ثم يرمي الجمرة الثالثة ولا يقف عندها. ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول اقتداء بالنبي . والرمي في اليومين الأولين من أيام التشريق واجب من واجبات الحج وكذا المبيت بمنى في الليلة الأولى والثانية واجب إلا على السقاة والرعاة ونحوهم فلا يجب. ثم بعد الرمي في اليومين المذكورين من أحب أن يتعجل من منى جاز له ذلك ويخرج ق بل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات
عدد الصفحات ٨٦التحقيق والإيضاح 87 في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجرا كما قال تعالى { } (1) [203] رخص للناس في التعجل ولم يتعجل هو بل أقام بمنى حتى رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال ثم ارتحل قبل أن يصلي الظهر. ويجوز لولي الصبي العاجز عن مباشرة الرمي أن يرمي عنه جمرة العقبة وسائر الجمار بعد أن يرمي عن نفسه، وهكذا البنت الصغيرة العاجزة عن الرمي يرمي عنها وليها لحديث جابر قال {حججنا مع رسول (1) سورة البقرة آية203 .
عدد الصفحات ٨٧التحقيق والإيضاح 88 الله ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم } (1) أخرجه ابن ماجه ويجوز للعاجز عن الرمي لمرض أو كبر سن أو حمل أن يوكل من يرمي عنه لقول الله تعالى: { } (2) [16] مزاحمة الناس عند الجمرات وزمن الرمي يفوت و يشرع قضاؤه لهم فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك فلا ينبغي للمحرم أن يستنيب من يؤديه عنه ولو كان حجه نافلة لأن من أح رم بالحج أو العمرة ولو كانا نفلين لزمه إتمامهما لقول الله تعالى: { (1) الترمذي الحج 927) ، ابن ماجه المناسك3038 .) (2) سورة التغابن آية: 16 .
عدد الصفحات ٨٨التحقيق والإيضاح 89 } (1) [196] والسعي لا يفوت بخلاف زمن الرمي. وأما الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى فلا شك أن زمنها يفوت ولكن حصول العاجز في هذه المواضع ممكن ولو مع المشقة بخلاف مباشرته للرمي ولأن الرمي قد وردت الاستنابة فيه عن السلف الصالح في حق المعذور بخلاف غيره. والعبادات توقيفية ليس لأحد أن يشرع منها شيئا إلا بحجة ويجوز للنائب أن يرمي عن نفسه ثم عن مستنيبه كل جمرة من الجمار الثلاث وهو في موقف واحد، ولا يجب عليه أن يكمل رمي الجمار الثلاث عن نفسه ثم يرجع فيرمي عن مستنيبه في أصح قولي العلماء لعدم الدليل الموجب لذلك ولما في ذلك من (1) سورة البقرة آية196 .
عدد الصفحات ٨٩التحقيق والإيضاح 90 المشقة والحرج والله سبحانه وت عالى يقول: { } (1) [78] {يسروا ولا تعسروا } (2) ولأن ذلك لم ين قل عن أصحاب رسول الله حين رموا عن صبيانهم والعاجز منهم ولو فعلوا ذلك لنقل لأنه مما تتوافر الهمم على نقله والله أعلم. (1) سورة الحج آية78 . (2) البخاري العلم69) ، مسلم الجهاد والسير 1734) ، أحمد3/209 .)
عدد الصفحات ٩٠التحقيق والإيضاح 91 فصل في وجوب الدم على المتمتع والقارن ويجب على الحاج إذا كان متمتعا أو قارنا ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، دم وهو شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. ويجب أن يكون ذلك من مال حلال وكسب طيب؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا. وينبغي للمسلم التعفف عن سؤال الناس هديا أو غيره سواء كانوا ملوكا أو غيرهم إذا يسر الله له من ماله ما يهديه عن نفسه ويغنيه عما في أيدي الناس لما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي في ذم السؤال وعيبه، ومدح من تركه. فإن عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم
عدد الصفحات ٩١التحقيق والإيضاح 92 النحر وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة. قال تعالى: { } (1) الآية196 .] وفي صحيح البخاري عن عائشة وابن عمر قا{لم يرخص في أيام ا لتشريق أن يُصَممنَ إلا لمن لم يجد الهدي } (2) وهذا في حكم المرفوع إلى النبي . والأفضل أن يقدم صوم الأيام الثلاثة على يوم عرفة ليكون في يوم عرفة مفطرا لأن النبي وقف يوم عرفة مفطرا ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، ولأن الفطر في هذا (1) سورة البقرة آية196 . (2) البخاري الصوم1894) ، مالك الحج972 .)
عدد الصفحات ٩٢التحقيق والإيضاح 93 اليوم أنشط له على الذكر والد عاء ويجوز صوم الثلاثة الأيام المذكورة متتابعة ومتفرقة، وكذا صوم السبعة لا يجب عليه التتابع فيها بل يجوز صومها مجتمعة ومتفرقة لأن الله سبحانه لم يشرط التتابع فيها وكذا رسوله عليه الصلاة والسلام، والأفضل تأخير صوم السبعة إلى أن يرجع إلى أهله، لقوله تعالى { } (1) . والصوم للعاجز عن الهدي أفضل من سؤال الملوك وغيرهم هديا يذبحه عن نفسه، ومن أعطي هديا أو غيره من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به و لو كان حاجا عن غيره أي إذا لم يشترط عليه أهل النيابة شراء الهدي من المال المدفوع له، وأما ما يفعله بعض الناس من سؤال الحكومة أو غيرها شيئا من الهدي (1) سورة البقرة آية196 .
عدد الصفحات ٩٣التحقيق والإيضاح 94 باسم أشخاص يذكرهم وهو كاذب فهذا لا شك في تحريمه لأنه من التأكل بالكذب، عافانا الله والمسلمين من ذلك.
عدد الصفحات ٩٤التحقيق والإيضاح 95 فصل في وجوب الأمر بالمعروف على الحجاج وغيرهم ومن أعظم ما يجب على الحجاج وغيرهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة كما أمر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله . وأما ما يفعله الكثير من الناس من سكان مكة وغيرها من الصلاة ف ي البيوت وتعطيل المساجد فهو خطأ مخالف للشرع فيجب النهي عنه، وأمر الناس بالمحافظة على الصلاة في المساجد؛ لما قد ثبت عنه أنه{قال لابن أم مكتوم لما استأذنه أن يصلي في بيته لكونه أعمى بعيد الدار عن المسجد: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم قال فأجب } (1) . (1) مسلم المساجد وموا ضع الصلاة (653) ، النسائي الإمامة 850 .)
عدد الصفحات ٩٥التحقيق والإيضاح 96 وفي رواية {لا أجد لك رخصة } (1) وقال {لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أنطلق إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار } (2) وفي سنن ابن ماجه وغيره بإسناد حسن عن ابن عباس أن النبي قال{ من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر } (3) وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: {من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدي ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة (1) النسائي الإمامة 851) ، أبو داود الصلاة552) ، ابن ماجه المساجد والجماعات792 .) (2) البخاري الخصومات 2288) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة 651) ، الترمذي الصلاة 217) ، النسائي الإمامة ( 848) ، أبو داود الصلاة (548) ، ابن ماجه المساجد والجماعات 791) ، أحمد (2/531) ، مالك النداء للصلاة292) ، الدارمي الصلاة1212 .) (3) أبو داود الصلاة551) ، ابن ماجه المساجد والجماعات793 .)
عدد الصفحات ٩٦