4 كتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين ومنهم من قال : ينبغى للعبد أن لايختار ترك الحلال بتكلفه » ولاطلب الفضل مما لايحتاج إليه » ويراعى القسمة › فإن رزقه الله » سبحانه وتعالى › مالا من حلال » شكره » وإن وقفه الله تعالى على حد الكفاف لم يتكلف فى طلب ما هو فضول المال » فالصير أحسن بصاحب الفقر » والشكر آليق بصاحب المال الحلال»() . وأهل الزهد على معان شتى فى نظر بى سعيد الخراز » فمنهم من زهد لفراغ القلب من الشغل » وجعل همه فى طاعة الله تعالى وذكره وخدمته»› فكفاه الله عند ذلك » ومنهم من زهد لخفة الظهر » وسرعة الممر على الصراط › إذا حبس أصحاب الأثقال للسؤال » ومنهم من زهد رغبة فى الجنة واشتياقا إليها . . وأعلى درجات الذين زهدوا فى الدنيا » هم الذين وافقوا الله تعالى فى محبته » فکانوا عبيدا عقلاء عن الله عز وجل أکياسا » سمعوا الله ۔ جل ذكره - ذم الدنيا ووضع من قدرها » ولم يرضها دارا لأولياثه » فاستحيوا من الله عز وجل آن يراهم راكنين إلى شئ ذمه ولم يرضنه . وجعلوا ذلك على أنفسهم فرضاء لم یبتغوا عليه من الله عز وجل جزاء » ولکن وافقوا الله فی محبته كرما منه سبحانه وتعالی . فأهل الموافقة لله تعالى فى الأمور : هم أعقل العبيد وأرفعهم عند الله قدرا)) . وكما يقول الطوسى فى اللمع :< من لم يحكم أساسه فى الزهد» لم يصح له شىء مما بعده » لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة » والزهد فى الدنيا رأس كل خير وطاعة»0) . . ۳١١ القشيرى › الرسالة » جا ص )١( ( الخراز » أيو سعيد » الطريق إلى الله أو الصدق » تحقيق : د . عبد الحليم محمود » نشر دار الإتسان بالقاهرة » ٠۹۷۲ من ص ۷۵ لی ص ۸۰ ۰ باختصار, (۴) الطوسى » أبو نصر السراج » اللمع » تحقيق : عبد الحليم محمود وطه عبد الباقی سرور : ۱۳۸۵ ه/ ۰٦۱۹م ط دار الكت الحديثة بمصر › والمثنس بہغداد › مس۷۲ ١
عدد الصفحات ٢٤لأ بى سعيد الأعرابى o التصوف اللإنسانى فى كل العصور » فعن طريق الزهد يستطيع الصوفى أن يسيطر على نوازع نفسه ورغباتها » کما یمکنه ن يقهر شهراته الدنية ويهزم لذاته الرخحيصة . أفرض آم نفل؟ فقال : «فرض الله تعالى على العباد الزهد فى حرامه » ونفلهم الزهد فى حبس حلاله » لموضع الفضل » وأمرهم بالرغبة فيما فيه رغبهم › وبالزهد فما فيه زهدهم . فإذا کان الرجل يحسن التمییز بين الفرض والنفل لم يقدم على الحرام » ولم يزهد فى الحلال . إلا أن الله تعالى لم يغفل أن يزهد الإنسان فى حلاله»٠٠) لعباده والطَيبات من الرزفق (الأعراف : )١١ . فواجب اللإنسان أن لا پیپحبس ماله الحلال عن الإنفاق فی وجه الخير المختلفة » وفى سبيل الله . .فالإنسان كما يرى المحاسبى «إن أعطى الدنيا لم يمنعه حلول النعمة عن أداء شكرها » وإن منع لم يمنعه نزول البلية عن النظر إلى موضصع الخيرة») أى الاختبار. ويقول المحاسبى : «لرب مقل قد ظهر الزهد على ظاهر بدنه » وقلبه مشغول بالرغبة » فقد استقل كل ما صار إليه من الدنيا » وإن كان فى العدد كثيرا » ويستكثر ما بيد غيره » وإن كان فى العدد قليلا . . أما الزاهد فقد طهر قلبه من الدنيا » واستراح من ضيق الرغبة »› فعلاه الوقار » وصار من الراحة إلى ما صار» فمن علم عاقبة الزهد » هان عليه فى الابتداء مؤنة الشدة» ومن حلع الهوى » جانب عيش الدنيا » إذا وزن الأشياء بمعيار العدل» . . ۲٤۲ المحاسبى » المسائل فى الزهد › تحشيق مصطفى عبد القادر عطا ء مكتبة التراث الإسلامی › القاهرة » ۱۹۹1۲ »ص )١( , ۲١ المرجح السابق » ص () Tet المرجع السابق » ص (e)
عدد الصفحات ٢٥۴٦ كتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين وكان الحسن البصرى(ت ١٠١١ه) سيد التابعين » زاهدا من كبار الزهاد ء تأثر تأثرا بالغا بكلمات الله فى قرآنه المجيد . ويقال إنه إذا قرأ الآية الشريغة يرم تبيض وجره وتسود وجوه )(آل عمران :١٠٠)أخذ فى البكاء بکاء شدیدا . وکان یعظ فی مجلسه دائما بذکر قول الله تعالى : لمن کان یرید حرث الآخرة نزد له في حرله ومن کان یرید حرث الدیا ننه منها وما له في الآخرة من نصيب )(الشورى )٠٠: . إن الزهد الحقيقى عندنا هو ترك كل مايشغل القلب والعقل عن الله تعالی » فیکون مع الله فی سائر سکناته وحرکاته . ويفهم بعض الناس خط أن الزهد يعنى تجنب المال بالكلية » إنما الزهد الحقيقى أن يتساوى عندك وجود المال وعدمه » وألايشغل قلبك المال وحب الدنيا ء فالدنيا لا تذم لذاتها فإنها مزرعة الآخحرة » فمن أخد منها مراعيا للقوانين الشرعية أعانته على آخرته » ومن ثم قيل : «لا تركن إلى الدنيا » فإنها لاتبقى على أحد » ولا تتركها » فإن الآخرة لاتنال إلا بها»() زليس الزهد حمولا وكسلا وتواكلا » وإنما هو قوة إيمان ورضا بعطاء الله فى حالة بسطه أو قبضه . وليس الزهد حرمانا من الطعام والشراب » ولكن الزاهد یهتدی بهدی رسول الله ل فى الطعام . پقول رسول الله ج :«ما ملا آدمی وعاء شرا من بطنه » فحسب ابن آدم أکلات يقمن صلبه » فإِن کان لإ محالة فثلث لطعامه » وثلث لشرابه » وثلث لنفسه»(الترمذى) . وهنا لابد لنامن وقفة »فلا زهد فيما أحله الله سبحانه وتعالى من طيبات » فلازاهد أن يأخذ منها دون إسراف » ولیس له أن يحرم نفسه فيضعف جسده مما قد يؤدى إلى عجزه عن السعى على نفسه أو من يعول . والله سبحانه وتعالی یقول : بل ارا تفترا انفسکم (النساء :۲۹) . )0 المنارى ؛ فيس القدير شرح الجاع الصغير طبع مطبعة مصطفی محمد بالقاهرة ۹ ٩ه »ص o
عدد الصفحات ٢٦لأ بى سعيد الأعرابى ¥ ويقول أيضا : #يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر &(البقرة : )۱۸١ » فلا زهد من ترك مطعم ولا مشرب » وتارکه قاتل لنفسه ومن يعول » وهو من آهل النار » والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعى على نفسه أو على من يعول » مخالفا لما أمر الله به وأرشد إليه . وليس الزهد فى أن يحرم الإنسان نفسه من متعة حلال» کالنکاح › ورسول الله يل يقول : «النكاح من سنتى فمن رغب عن سنتى فليس منى . [رواه ابن ماجة] . ويقول الإمام أحمد بن حنبل : «ليس العزوبة من أمر الإسلام فى شىء . . لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولن يحجوا ولم يكن كذا . وقد كان يختار النكاح ويحث عليه وينهى عن التبتل » فمن رغب عن فعل ب فهو على غير الحق»" . ) أن الزاهد الحقيقى قلبه معلق بربه ولا يتعلق به سواه » وهذا هو زهد تحاصة الخحاصة » فالزهد على مراتب ثلاث كما قال ابن عجيبة : «فزهد العامة : ترك ما فضل عن الحاجة فى كل شى » وزهد الحاصة : ترك ما يشغل عن التقرب إلى الله فى كل حال » وزهد خحاصة الخاصة : ترك النظر إلى ما سوى الله فى جميع الأوقات»' . والزهد ليس إنهزاما ولا ضعفا ولا سلبية فى الحياة » وإنما هو قوة روحية عظيمة » وإيمان صادق » وما أحوج إنسان هذا العصر الذى يعيش فى مادية محضة أن يتنسم عبق الحياة الروحية » فيتعرف على الإيثار » ويلوذ بالإيمان › ويتدثر بالأخحلاق » وتطمئن نفسه القلقة حين يدرك لوأ إلى رك المتتهى »(النجم : )٤١ . (1) الشوكانى ؛ زبدة التفسير من فتح القدیر » احتصار محمد سلیمان الأشقر ء ط الکویت ۱۲۰۸ ه/ ۹۸۸١م . (۲) ابن الجوزی » أبو الغرج » تلبيس إبليس » طبعة المنيرية ۰ ۱۳۹۸ه» ص٤۲۹ . )( أبن عجيبة معراج العشوف إلى حقائق التصوف » مطبعة الاعتدال » ۵۵٠١ه »ص ۷ .
عدد الصفحات ٢٧۸ كتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين وإن حياة الزهاد الأوائل قطعة ناصعة من تاريخنا الإسلامى العظيم . فهم كوكبة نيرة أضاءوا الحضارة الإسلامية وصنعوا مجد الإسلام بزهدهم وجهادهم العظيم . إنهم أسماء نابهة أشرقت فى سماء الإسلام لتصنع أمة عظيمة » كان ارز حصائصها إعلاء شأن الروح . لقد صنعوا أسمى العلاقات الإنسانية والسمو الروحى الصادق » وضربو أروع المشل الإنسانية العالية » وارتفعوا بالإنسان عن أدران المادية الزاثلة . هذه الكوكبة الخالدة العظيمة من الزهاد الأوائل » منهم أبو بكر الصديق › وعمر بن الخطاب » وعشمان بن عفان » وعلى بن أبى طالب » وطلحة بن عبیدالله » وأبو ذر الغفارى » وسلمان الفارسى » وأبو هريرة » والزبير بن العوام » وأبو الدرداء » وحذيفة بن اليمان » ومعاذ بن جبل » وأبوعبيدة بن الجراح وعبدالله بن عباس » وعبد الله بن عمر » والأحنف بن قيس » ووهب بن منبه › وطاووس بن كيسان » وسعيد بن المسيب » ومجاهد بن جبير» وعطاء بن رباح » وسعيد بن جبير › وآويس القرنى » وسفيان الثورى » وعاصم بن هبيرة » والحسن البصرى › وأبو حنيفة النعمان » وأبو سلي مان الدارانى » وسهل التسترى » وأحمد بن أبى الحوارى » وعمر بن عبد العزيز » والأوزاعى » وأبو مسلم الخولانى » والسرى السقطى » ومعروف الكرخى » والجنيد » والشافعى › وأحمد بن حنبل » وإبراهيم بن أدهم » وعبد الله بن المبارك » والفضيل بن عیاض » وأبو عثمان الحيرى النيسابورى » والمحاسبى » والحكيم الترمذى . . مثات من الزهاد العظام الذين أثروا الإنسانية بأروع نفحات روحهم الزكية الطاهرة المباركة » وتركوا لنا تراثا روحيا نابضا بالحياة » يشهد لهم بأن الزهد لم يكن إنهزاسا فى الحياة ولا سلبية وخمولا » بل كان إرتفاعا بالإنسان » وسموا بالمبادئ والمثل الإنسانية الرفيعة . ولقد ساعد العصر الذى عاش فيه بى سعيد بن الأعرابى على ظهور الزهد كرد فعلل لحياة الترف التى عاشها العباسيون . فقد ماجت الخلافة الإسلامية ببغداد ببذخ لا حداله » وعاش الولاه والحلفاء والأمراء > وعمالهم » فى
عدد الصفحات ٢٨بحبوحة من العيش والسرف البالغ السفه » فقد تدفقت على خزائن الدولة ملايين الدنانير من كل حدب وصوب نتيجة لإزدهار التجارة والزراعة آنذاك› فخراسان مثلا كانت تصنع عشرين ألف ثوب فى السنة » وطبرستان ونهاوند ستمائة قطعة من الفرش ومائتين من الأكسية »› يضاف إلى هذا لوف القناطير من الزيت والعسل والتمر من سائر أنحاء المملكة»' . ولذلك فليس غريبا أن نعرف أن هارون الرشيد يموت عن تسعمائة مليون درھ 7 . وأن المقتدر كان فى داره أحد عشر آلف خادم حصی » وکان فی داره شجرة من الفضة وزنها خحمسمائة آلف درهم) ء ويقال أن غلة الخيزران - زوجة المهدى _ من إقطاعاتها كانت تبلغ مائة وستين مليونا من الدراهم سنویا)() . وذكر آنه كان بدار الرشيد خاتم بأربعين آلف دينار نقش عليه سمه . وكانت زوجة الرشيد ترتدى الثياب المرصعة بالوشى والجواهر › وقيل إنها أول من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجواهر » وصنع لها الرفيع من الوشى حتى بلغ الثوب من الوشى الذى اتخذ لها خمسين ألف دينار" . وکی نتصور مدی بذخ نساء قصر الخحلافة يكفى أن نعلم أن امرأة منهن › ھی ام المستعين » أنفقت فى صنع بساط لها مائة وثلائين مليون درھ 0 أنه كان يعبق بالطيب والزعفران والأفاويه من كل شكل»" . وإن جعفر (1) ابن خلدون » المقدمة > ص ٠١۷ . (۲) الطبری › تاریخ › جا › ص ٥٤٤ . (۳) المسعودی › مروج الذهب › ج۲ › ص ٤۱۸ . )4( المرجع الساہق › ج۲ » ص ۴٦۷ . (o) المسعودى » مروج الذهب ٠ج۲ ٤ ص . (Y المرجع السابق » ج٣ » ص ۵٩ . 0 الحضرى ٠ التمدن الإسلامى جا ص 81 (N الطبری › تاریخ » جا »> ص ۳۷ .
عدد الصفحات ٢٩٠ كتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين البرمكى ساوم جوهريا على عقد من الجوهر بسبعة ملايين درهم » وأنفق المتوكل على قصوره التى بناها فى «سر من رأى» مائة ألف آلف وأربعة وتسعين آلف آلف درھہ ٩ »وکان المعتصم إذا أعجبه قول الشاعر فيه ملا فمه اھ 0( . ٠ جواهرا أما حفلات الأمراء والخلفاء ووزراثهم فكانت مثالا للترف والبذخ الذى لا حر لے () » بينما كان العامة یعیشون فی شلف من العيش والحرمان > فأحدث ذلك رد فعل عنيف لدى النفوس الورعة التقية من المؤمنين . أيضا أنتشرت فى ذلك الوقت حلقات الوعظ فى كثير من المساجد تذكر الناس بأن الآخرة هى الأبقى » وأن الحياة الدنيا متاع الخرور » والصبر والزهد فى الدنيا طريق المؤمنين إلى النعيم الأبدى والفردوس المقيم » فأثر الوعاظ فى بعض ذوى القلوب الرقيقة ورغبوهم فى الزهد . دی بهم فشلهم فی الدنيا وإحباطهم فيها إلى ميحاولة طلب الخحرة للفوز بنعيمها . ولكن هذا التفسير يحتاج إلى نظر » فليس كل من فشل فى دنياه لجأ إلى الزهد فيها» وإنما قد يكون ذلك دافعا للإإنسان لأن يلجا إلى الله » ففى لحظة الفشل والضعف › يشعر الإنسان أن لا ملجأ إلا إليه » فيدفعه ذلك إلى السير فى طريق الله تعالى . والحقيقة . . أن الظروف الإجتماعية والنفسية والإقتصادية تلعب - أحيانا ومن زاوية أخرى نجد أن كشيرا من الزهاد » اتجهوا إلى الزهد والحياة الروحية باختيارهم وإرادتهم الحرة » طمعا فى القرب من الله تعالى » فتعلقوا به وزهدوا فی الدنيا الفانية » ملا فى حب الله وإبتغاء مرضاته ورضوانه . ( اسرد جا 1 . ٠۷۲ص الأغائی › ج ۷ء یناهفصألا (r › لمن آراد الاستزادة فليرجع إلى تاريخ الطبرى » وابن كثير فى البداية والنهاية » والأغانى للأصفهانى » وتاريخ اليعقوبى )٤ . وفيها أخبار زواج الخحلفاء » کالمأمون بہوران » والمعتضد بقطر الندى بنت خحمارويه ) )
عدد الصفحات ٣٠لكن من الملاحظ أنه بعد أن انفتحت الدنيا على المسلمين › وأقبل كثير منهم عليها يعبون من مالها وجمالها وبريقها وذهبها وزبرجدها» زهد بعضهم فيها لأ نهم يعلمون أن بريق الدنيا سرعان ما يخبو» وأن فناءها آت لا محالة › فزهدوا قيها طلبا لمرضاة الله تعالى ومحبته . ومن أعلام الصوفية الزهاد فى الإسلام » عبد الله بن المبارك > وإبراهيم ابن دهم » وأبو سليمان الدارانى .
عدد الصفحات ٣١۳۲ كاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين من أبرز زهاد القرن الثانى الهجرى » عبد الله بن المبارك -١١۸[ ١۸٠ه آ کان تا جرا الحا » وعالما ورعا » وکان محبا للتر حال طاہا للعلم والتجارة وقد تلقى العلم عن كثير من العلماء » منهم بحيى بن سعيد الأنصارى »› والأوزاعى » وروى الموطأً عن مالك بن نس" . ولم يكن أشد منه حبا لحديث رسول لل » وكان أبو سلمة يقول عنه : ابن المبارك فى الحديث مثل أمير المؤمنين فى الناس . فابن المبارك أحد المحدثين الثقات » وعلم من أعلام الرواية فى الحديث النبوى » وحافظ من حفاظ وقته للحديث الشريف . ويعد عبد الله بن المبارك > نموذجا رائعا للزهاد المجاهدين العظام » فقد عرف عنه أنه کان پيحج عاماء ويغزو عاما . وقد شارك بنفسه فى غزو الروم » كما كان ينفث فى روع المجاهدين روح القتال » ويعظهم ويدعوهم للشهادة فى سبيل الله تعالی . وکان یکسب مالا کثیرا من تجارته ینفقه کله فی سبیل الله وعلی فقراء المسلمين وطلبة العلم . ويؤكد عبد الله بن المبارك على أهمية الاعتكاف عن الداس من وقت لآخحر» فينبغى على المؤمن الصادق أن يقسم وقته بين الخلق وخالقهم » قيل له مرة : ما دواء القلب ؟ فقال : قلة الملاقاة للناس » وقال : إذا راد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة » آنسه بالوحدة » وأغناه بالقناعة » وبصره بعيوب نفسه » فمن أعطى ذلك » فقد أعطى خير الدنيا والآخرة»" . (۱) اليافعی » مرآة الجنان » ص ۳۷۹ . ( البغدادى ۽ تاریخ پغداد ad ٤ص 10 . ( القشيرى » الرسالة القشيرية »ص 9٩ .
عدد الصفحات ٣٢وکان يرى أن الجهاد من أعظم القربات إلى الله » لأن الشهداء أحياء عند ربهم یرزقون کما قال الله تعالی : دولا تحسبن الُذين فوا في سبيل الله أَمواتا بل آحاء عند رهم رفون »(آل عمران : 14( . فكان يرفع من شأن الجهاد عن أى عبادة من العبادات . ياعابد الحرمين لو أبصرتنا من کان یخضب جیده بدموعه أو کان یتعب خیله فی باطل ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ولقد أتانا من مقال نبينا لا تستوى أغبار خيل الله فى لعلمت أنك فى العبادة تلعب فنحورنا بماءنا تت خضب فخيولنا يوم الصبيحة تتعب وهج السنابك والغبار الأطيب قول صحیح صادق لا یکذب أنف إمرئ ودخان نار تلهب هذا تاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذ" ومن خلال حياة ابن المبارك يستطيع أى باحث أ ن يستشف بسهولة كيف كان الرجل إيجابيا فى الحياة » يعيش فى قلب الحياة » لا ينفصل عنها »› فقد کان تاجرا » وکان عالما » وزاهدا من کبار الزهاد » وضع کل ٹروته فی خدمة العلم » وطلبته » وأنفق ماله كله على فقراء المسلمين وذوى الخصاصة والحاجة . ومن سلوكه العملى الرائد استطاع أن يصحح المقولة الخاطئة حول الزهد فى الإسلام بأنه خمول وسلبية وبعد عن المجتمع » وعن الجهاد فى سبيل الله » فقد كان يحج عاما ويغزو عاما . ويدعو بسلوكه العظيم إلى فهم الحياة الروحية فى الإسلام فهما صحيحا » فكان إلى جانب زهده العظيم وورعه المعروف » وكشرة إنقطاعه للخحلوة والعبادة » كان يعرق ويعمل بالتجارة . قال له الزاهد الكبير الفضيل بن عياض مرة : يا ابن المبارك : أنت تأمرنا بالزهد )( اہن تغری بردى » النجوم الراهرة » ج۲ :ص ۱۹۳ .
عدد الصفحات ٣٣۳4 کتاب فيه معنی الزهد والمقالات وصفة الزاهدين والتقلل والبلغة » ونراك تأتى بالبضائع من بلاد خراسان إلى البيت الحرام وكيف ذاك ؟ فقال : إنما أفعل ذلك لأصون ماء وجهى » وکرم به عرضی › وأستعين به على طاعة ریی . لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتی آقوم به › فقال الفضيل : يا ابن المبارك » ما أحسن ذا إن تم ذا): مثل عبد الله بن المبارك» وأن يقول فيه سفيان الثورى : لو جهدت جهدى أن أكون فى السنة ثلائة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر» . إبراهيم بن أدهم ات سنة ۱١۲ ها » كان أميرا من أمراء بلخ » ولكنه شعر أن زخارف الدنيا لا تساوى شيا عند الله » وأن الآخرة هى المقام » فزهد الشام » وعمل بيده فی اعمال محتلفة . وقد سثل ابن دهم مرة لم هجرت الناس؟ فقال : (آمسکت بدینی بين صدری » وبرزت من بلد إلى بلد » أرض ترفعنى » وأرض تضعنى » فمن رآنى ظننی راعيا أو مجنونا» أفعل ذلك لعلى أصون دینی من وساوس الشیطان وأمر إیمانی سالما من باب الموت0 . . الزهد فيها : «تريدون آن تجاوروا الله فی داره » وتحطوا رحالکم بقربه بين آولیاثه وأصفیائه وهل ولایته » وأنتم غرقی فی بحار الدنیا » حیاری ترتعون فی زھواتها وتتمتعون فى لذاتها » وتتنافسون فى غمراتها » فمن جمعها ما تشبعون » (۱) البغدادی » تاریخ بخداد » ج٠۱ ء ص۳١٠ . ٠١۷ ص » ١ ٠ج » المرجع السابق (Y) . ٠١۴ حلية الأولياء » ج۸ » ص ١ الأصبهانى )۴( . ٤۸ تيكولسن » فى التصوف الإسلامی وتاريخة » تعریب وتعلیق : الدکترر أبو العلا عفیفی » ص )(
عدد الصفحات ٣٤ومن التنافس فيها ما تملون . كذبتم والله أنفسكم » وغرتكم ومنتکم الأمانى › وعللتکم بالتوانی . . أما تعلمون أنه لا نال جنته إلا بطاعته » ولا ثنال ولایته إل بمحبته » ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته › فإن الله تعالى قد أعد المغفرة للأوابين › وأعد الحنة للخائفین»' . وإبراهيم بن دهم نموذج للزاهد المجاهد » فقد كان يعمل ويعرق ليأكل › ومات وهو پغزو فی بلاد الروم . ومن أبرز تلاميذ ابن دهم شقیق بن إبراهیم البلخی (ت ٤۹٠ه) وله کلام طيب فى الزهد والزاهدين » قال : «الزاهد هو الذى يقيم زهده بفعله › والمترهد هو الذى يقم زهده بلسانه , ۳ آبو سلیمان الد ارانی بو سليمان الدارانى [ت ١٠۲ها] » أصله من أهل واسط بالعراق » ولكنه أرتحل إلى بلاد الشام » واستوطن منطقة «دارايا» التى تقع غربى مدينة دمشق وإليها ينتسب . يقول الدارانى عن حقيقة الزهد : «لا يزهد فى شهوات هذه الدنيا ء إلا من وضع الله فى قلبه نورا يشغله دائما بأمور الآخحرة» . وکان الدارانى > من أكثر الزهاد حبالله تعالی »وکم تمنی رژيته يوم القيامة . حدث أحمد بن آبی الحرارى قال : حلت على أبى سليمان الدارانی › وهو یبکی > فقلت له : ما پبکیك؟ فقال : «یا أحمد ولم لا أبکی › وإذا جن الليل › ونامت العيون » وخلا کل حبیب بحبیبه » وافترش آهل المحبة أقدامهم » وجرت دموعهم » وتفطرت فى محاريبهم » شرف الجليل . ۲٤ الأصبهانى › حلية الأولیاء »ج۸ »› ص )١( )( القشيرى » الرسالة ص ۱۷۰۱٩ . (۳) فريد الدين العطار » تذكرة الأولياء > جاص ۲۳۲ .
عدد الصفحات ٣٥۳٢ كتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين سبحانه وتعالی فنادی : یا جبریل : بعینی من تلذذ بکلامی » واستراح إلى ذکری » وإنی لمطلع علیهم فی خلوتهم آسمع آنینهم » وآری بکاءهم »فلم لا تنادی فیهم ؟ ياجبریل ما هذا البکاء . هل رأیتم حبیبا يعذب أحباءه ؟ أم كيف يجمل بى آن آحذ قوما إذا جنهم الليل تملقوا لى » فبى حلفت أنهم إذا وردوا على القيامة لأكشفن لهم عن وجهى الكريم حتى ينظروا إلى وأنظر إليهي . وقال الدارانى محذرًا من غرور الدنيا وضرورة الزهد فيها : «من ترك الدنيا للآخحرة ربحهما » ومن ترك الآخحرة للدنيا خسرهما » وكل أم يتبعها بنوها » وبنو الدنيا تسلمهم إلى خزى شديد » ومقامع من حدید » وشراب الصديد » وينو الآخرة تسلمهم إلى عيش رغد ونعيم » فى ظل ممدود »وماء مسكوب » وأنهار تجرى بغير أخدود ... من نظر إلى الدنيا مولية صح عنده غرورها » ومن نظر إليها مقبلة بزينتها شاب فى قلبه حبها» . رحم الله الدارانى » فقد كان مثلا صادقا للزاهد الحق . & 9( القشيرى » الرسالة القشيرية » ص١٠ . 9( الأصبهانى ۽ حلية الأولياء ۰ ج ۲ ص ۳۷۸ .
عدد الصفحات ٣٦سعد العراییس آبو سعب موّلف الكتاب
عدد الصفحات ٣٧(p0 - A: = Af )67ھ هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم » أبو سعيد بن الأعرابى › زاهد صوفى من أيمة العارفين بالله تعالى » وكان عالما بالحديث والطبقات . والأعرابى من أهل البصرة بالعراق حيث كان مولده سنة نيف وأربعين ومائتین . ٹم انشقل إلى الحجاز وأصبح شیضخا للحرم المکی ٠ وفی مکة کانت وفاته حيث توفى بها فى شهر ذى القعدة سنة أربعين وثلاث مائة › وله أربع وتسعون سنة . قال عنه الذهبى فى سير أعلام النبلاء : «هو الإمام المحدث القدوة الصدوق الحافظ » شيخ الإسلام » أبوسعيد الأعرابى البصرى الضوفى › نزيل مكة » وشخ الحرم . ۰ ۰ وقد أخحذ العلم عن عدد كبير من العلماء » منهم : الحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانى ۾ وعېد الله بن يوب المخرمى » وسسعدال بن نصر » ومعحمد أبن عبد الملك الدقيقى » وأباجعفر محمد بن عبد الله المتادى وعباساً الترقفى ْ وعبہأاس بن محمد الدودى وإبراهيم بن عيكد الله القبسى 6 وأمما سواهم » خَرّج عنهم معجما كبيرا » ورحل إلى الأقاليم » وجمع وصنف › وتعبد وتأله » ولف مناقب الصوفية ٤ وحمل السنة عن أبی داود » وله فی غعضصون الكتاب زيادات فى المتن والسنة»" . ومن المعروف أن با سعيد الأعرابى بحب طاووس الصوفية الجنيد 4 )١( الإمام الذهبى » شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان » سير أعلام النبلاء » تمحقيق شعيب أرناط › ابراهيم اليبق » مۇسسة الرسالة بیروت › جه ۱ ص۱۷٤ . (r) المرجع الساہق س۸ ۰
عدد الصفحات ٣٩3 کتاب فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين وكان متسننا عالما بحديث رسول الله يو عالى الإسناد » يعد من ثقات المحدثين روى عنه : أبو عبد الله بن خفيف » وأبوبكر بن المقرئ » وأبو عبد الله بن مَندة » والقاضى أبو عبد الله بن مفرج » وعد الله بن يوسف الأصبهانى » ومحمد بن أحمد بن جُمَّيع الصيداوى » وعبد الله بن محمد الدمشقى القطان » وصدقة بن الدلم » وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس » وعد الوهاب بن منير المصريان » ومحمد بن عباد الملك بن طنيغون » شيخ م آبى عمر بن عبد البر » وعدد كبير من الحجاج والمجاورين تصوفه وطريقته الصوفية : طريقته الصوفية مقيدة بالكتاب والسنة » وذلك لأن ابن الأعرابى كا عالما بالآثار والسنة . فكان لا يأخذ إلاعن أصل صحيح من السنة أو عن أصحاب رسول الله بي عليه وسلم » وكان يرى «إنما التصوف والتأله والساوك والسير والمحبة » ماجاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا عن الله » ولزوم تقوى الله » والجهاد فى سبيل الله » والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر » والقيام بخشية وخحشوع » وصوم وقت » وإفطار وقت » وبذل المعروف » وكثرة الإيشار » وتعليم العوام » والتواضع للمؤمنين » والتعزز على الكافرين » ومع هذا فالله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم » والعالم إذا عرى من التصوف والتألة فهو فارغ » كما أن الصوفى إذا عرى من علم السنة » زل عن سواء السبيل . وقد كان ابن الأعرابى من علماء الصوفية › فتراه لايقبل شيا من اصطلاحات القوم إلابحجة» . وقال ابن الأعرابى : «المعرفة كلها الاعتراف بالجهل » والتصوف كله ترك الفضول » والزهد كله أخحذ ما لابد منه » والمعاملة كلها استعمال الأؤلى فالأولى » والرأضى كله ترك الاعتراض »والعافية كلها سقوط التكلف بلا تکلف» . . 6۸ الذهيى : سير أعلام التبلاء ج ص )١( , ٤٠١ص» ٠٠جب » الھب › مير أعلام النہلاء )۲( . ٤۲۸ السّلمى » أبو عبد الرحمن » طبقات الصوفية (
عدد الصفحات ٤٠