المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحذف في سورة يس دراسة بلاغية

محمد خالد رحال العبيدي

صفحة ٢ من ٤

01 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس ٔ. الحذؼ لمعجمة، والإسراع بقصد الفراغ مف الكلاـ بسرعةٍ، نحو قولؾ: خالد احذر، وكقولؾ: أحمد أحمد انتبو. ٕ. وقد يكوف الحذؼ للإيجاز، وذلؾ؛ لأف المقاـ قد يكوف مقاـ إيجازٍ واختصارٍ لا مقاـ تبسط وا طالةٍ، نحو قولو تعالى: ﮋﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﮊ الأعراؼ: ٓ٘ٔ، فحذؼ حرؼ النداء (يا)، مف المنادى (ابف أـ) في حيف قاؿ في سورة طو: ﮋﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜﮊ طو: ٜٗ، بذكر (يا)، والسبب والله أعمـ، أف السياؽ في سورة الأعراؼ سياؽ إيجازٍ واختصارٍ، بخلاؼ السياؽ في سورة طو (ٔ). ٖ. قد يكوف حذؼ حرؼ النداء لمدلالة عمى قرب المنادى، سواء كاف القرب حقيقيِّا ماديِّا، أـ معنويًا، فكأفَّ المنادى لقربو لا يحتاج إلى واسطةٍ لندائو، ولو كاف حرؼ نداء، كأف تقوؿ لمف تناديو، وىو قريب منؾ: خالد أتدري ماذا حؿَّ بفلافٍ؟، نحو قولو تعالى: ﮋﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁ ﮂﮊ الأحزاب: ٖٖ؛ لقربيـ المعنوي، في حيف قاؿ في مناداة أىؿ الكتاب بذكر حرؼ النداء؛ لبعدىـ عف الحؽ(ٕ)، والله أعمـ. قاؿ الزمخشري عف حذؼ حرؼ النداء في قولو تعالى: ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔﰔﮊ يوسؼ: ٜٕ: ((ﮋﰔﮊ حذؼ منو حرؼ النداء ؛ لأنو منادً ى قريب مفاطف لمحديث، وفيو تقريب لو وتمطيؼ لمحمو ))(ٖ). وفي قولو تعالى: ﮋﭮ ﭯ ﭰﭱ ﮊ يس: ٜ٘، حذؼ حرؼ النداء مف المنادى، وحذفو ىنا لمعجمة، والإسراع بقصد الفراغ مف الكلاـ بسرعةٍ ؛ لأنيـ ليسوا ممف يُطاؿ الكلاـ معيـ، فيـ غير مرغوبٍ بيـ، فكيؼ يطيؿ الحؽ معيـ الكلاـ مف خلاؿ ذكر حرؼ النداء؟، لذلؾ حذؼ حرؼ النداء، فالحؽ سبحانو (ٔ) ينظر: المصدر السابؽ: ٗ / ٕٙٚ – ٕٚٚ. (ٕ) ينظر: المصدر السابؽ: ٗ / ٕٛٚ – ٜٕٚ. (ٖ) الكشاؼ: ٕ / ٖ٘ٗ.

عدد الصفحات ١٧

22 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس لا يطيؿ الكلاـ معيـ؛ لأنيـ ليسوا ممف يحبيـ، ودائمًا وأبدًا الإنساف يطيؿ الكلاـ مع يحب، ويستأنس بقربو، ويحاوؿ التممص مف الكلاـ، أو عدـ الكلاـ مع مف لا يحبو، والله أعمـ. وقد ذكروا مما أُطيؿ الكلاـ بو للاستئناس، إطالة سيدنا موسى عميو وعمى نبينا الصلاة والسلاـ الكلاـ مع رب العزة، عندما سألو عمَّا بيمينو، فأطاؿ سيدنا موسى عميو السلاـ الكلاـ، لاستئناسو برب العزة، قاؿ تعالى: ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮊ طو: ٚٔ – ٛٔ، قاؿ الشعراوي معمقًا عمى كلاـ سيدنا موسى عميو السلاـ، وسبب الإطالة: ((أمّا موسى عميو السلاـ فيو يعرؼ أف الله تعالى ىو الذي يسأؿ، ولا يَخْفَى عميو ما في يده، ولكنو كلاـ الإيناس؛ لأف الموقؼ صعب عميو، ويريد ربو أفْ يُطمئنَو ويُؤنِسَو، وا ذا كاف الإيناس مف الله، فعمى العبد أفْ يستغؿَّ ىذه الفرصة ويُطيؿ أمدَ الائتناس بالله عَزَّ وَجَؿَّ، ولا يقطع مجاؿ الكلاـ ىكذا بكممة واحدة؛ لذلؾ رد موسى عميو السلاـ: ﮋﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮆﮊ))(ٔ). ومما يُشير إليو حرؼ النداء، كما ىو معروؼ قرب المنادى سواء كاف قربًا معنويِّا، أو ماديِّا، ولكف حذؼ حرؼ النداء ىنا ليس مف ىذا القبيؿ؛ لأنو لا يُعقؿ أف يكوف عدوُّؾ قريبًا منؾ قربًا معنويِّا، أو ماديِّا، فالمجرموف أعداء، فممَّا كاف المجرموف مف أعداء الله تعالى، وىو آخذىـ لا محالة ولا يحوؿ بينو وبينيـ حائؿ حذؼ حرؼ الند اء لمدلالة عمى أنو متمكف مف أخذىـ مف دوف عائؽ، والله أعمـ. وأشار البقاعي إلى ىذه الغاية ىنا، بقولو: ((وحذؼ أداة النداء لا لقرب الكرامة ، بؿ لمدلالة عمى أنيـ في القبضة لا مانع مف غاية التصرؼ فييـ لكؿ ما يراد ؛ لأنو لا حائؿ دونيـ))(ٕ). (ٔ) تفسير الشعراوي : ٘ٔ / ٕٜٛٗ. (ٕ) نظـ الدرر في تناسب الآيات والسور: ٙٔ / ٓ٘ٔ.

عدد الصفحات ١٨

24 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس حذف حرف الدر لما نرجع إلى كتب النحاة فإننا نجد أكثرىـ لـ يتكمموا في ىذا الموضوع، وذلؾ يأتي مف قمة حذؼ حروؼ الجر في الكلاـ، ومف ىؤلاء ابف عصفور (تٙٙٙىػ)؛ إذ يقوؿ: ((ولا يجوز إضمار حرؼ الخفض، وا بقاء عممو إلا في ضرورةٍ))(ٔ). غير أف ابف يعيش يرى خلاؼ ىذا، ويعدُّ حذؼ حروؼ الجر طمبًا لمخفة، والاختصار، فقاؿ: ((وا نيا قد تحذؼ في المفظ اختصارًا، واستخفافًا إذا كاف في المفظ ما يدؿُّ عمييا، فتجري لقوة الدلالة عمييا مجرى الثابت الممفوظ بو، وتكوف مرادةً في المحذوؼ فيو))(ٕ). وقد جاءت حروؼ الجر محذوفةً عمى ضربيف: بيَّنيما ابف يعيش، بقولو: ((وىي في ذلؾ عمى ضربيف: أحدىما: ما يحذؼ ثـ يوصؿ الفعؿ إلى الاسـ، فينصبو كالظروؼ، إذا قمت: قمت اليوـ، وأنت تريد في اليوـ، ونحو: اخترت الرجاؿ زيدًا، واستغفرت الله ذنبي، ونظائره، والثاني: ما يحذؼ ولا يوصؿ الفعؿ، فيكوف الحرؼ المحذوؼ كالمثبت في المفظ، فيجروف بو الاس ـ، كما يجروف بو وىو مثبت ممفوظ بو، وىو نظير حذؼ المضاؼ، وتبقية عممو، نحو: ما كؿُّ سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، وكقولو: أكأأأأأأرإ امأأأأأأررٍ حسأأأأأأرين امأأأأأأرءًا ولأأأأأأأأأأأارٍ وَ إأأأأأأأأأأأَ رالميأأأأأأأأأأأر لأأأأأأأأأأأارًا عمى إرادة (كؿٍّ) ))(ٖ). ويبدو أف الغرض مف حذؼ حرؼ الجرّْ ىو الاختصار، والتخفيؼ، والله أعمـ. (ٔ) المقرب: ٕٙٔ، وينظر: عمؿ التعبير القرآني عند الرازي في التفسير الكبير: ٕٜٔ. (ٕ) شرح المفصؿ لابف يعيش: ٛ / ٕ٘. (ٖ) شرح المفصؿ لابف يعيش: ٛ / ٕ٘، وينظر: عمؿ التعبير القرآني عند الرازي: ٕٜٔ.

عدد الصفحات ١٩

20 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس وقد ذكر الزمخشري في قولو تعالى: ﮋﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﮊ يس: ٙٙ، أف ما في الآية يجوز أف يكوف مف حذؼ حرؼ الجر (إلى)، أي: حذؼ حرؼ الجر، وا يصاؿ الفعؿ إلى الاسـ فنصبو الفعؿ، أو عمى التضميف، فضمَّف (استبقوا) معنى ابتدروا، قاؿ: ((ﮋﮱ ﯓﮊ لا يخمو مف أف يكوف عمى حذؼ الجار، وا يصاؿ الفعؿ ، والأصؿ : فاستبقوا إلى الصراط ، أو يضمف معنى ابتدروا))(ٔ). ووافؽ الفخر الرازي الزمخشري فيما ذىب إليو مف أف الصراط منصوب عمى نزع الخافض؛ إذ إنو نقؿ قوؿ الزمخشري مسمّْمًا بو(ٕ). وقاؿ الآلوسي: (( وقولو تعالى : ﮋﮱ ﯓ ﮊ عطؼ عمى (لطمسنا) عمى الفرض ، والصراط منصوب بنزع الخافض ، أي: فأرادوا الاستباؽ إلى الطريؽ الواضح المألوؼ ليـ))(ٖ). وعمؿ الآلوسي نصب (الصراط) عمى نزع الخافض، ولـ ينصب عمى الظرفية، كما يذىب إليو ابف يعيش في نصو السابؽ، بقولو: (( ونصب الصراط (بنزع الخافض )، ولـ ينصب عمى الظرفية ؛ لأنو كالطريؽ مكاف مختص ، ومثمو لا ينتصب عمى الظرفية ، وجوز كون و مفعولا بو لتضميف (استبقوا) معنى (ابتدروا)، ونقؿ عف الأساس في قسـ الحقيقة: (استبقوا الصراط ) ابتدروه))(ٗ). ونصَّ البقاعي عمى أف الفعؿ (استبؽ) مضمَّف معنى ابتدر؛ لقصد السرعة؛ لأف الابتدار أقوى في دلالتو عمى السرعة، والعجمة مف الاستباؽ، والابتدار يتعدى بنفسو، عمى عكس الفعؿ (استبؽ)؛ لأنو ىنا لازـ؛ إذ ىو بمعنى تسابؽ، وىو مأخوذ مف (فاعَؿ) المتعدي إلى مفعوؿٍ واحدٍ، جاء في (ٔ) الكشاؼ: ٗ / ٕٚ. (ٕ) ينظر: التفسير الكبير: ٕٙ / ٜٓ. (ٖ) روح المعاني : ٖٕ/ ٗٗ. (ٗ) روح المعاني : ٖٕ/ ٘ٗ.

عدد الصفحات ٢٠

22 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس تدريج الأداني: ((وعمى ىذا، أي: المذكور مف كوف (تفاعؿ) الذي م ف (فاعَؿ) المتعدي إلى مفعوليف متعديًا إلى مفعوؿٍ واحدٍ القياس، يعني إف كاف (تفاعؿ) مأخوذًا مف (فاعَؿ) المتعدي إلى واحدٍ، فيكوف غير متعدٍّ؛ لأف (تفاعؿ) دوف مرتبة (فاعؿ) بمرتبةٍ))(ٔ). قاؿ البقاعي: (( ﮋﮱﮊ، أي: كمَّفوا أنفسيـ ذلؾ، وأوجدوه، ولمَّ ا كاف المقصود بياف إسراعيـ في اليرب، عدَّ ى الفعؿ مضمنً ا لو معنى (ابتدروا)، كما قاؿ تعالى: ﮋ ﭯ ﭰﭱﮊ البقرة: ٛٗٔ، فقاؿ: (الصراط )، أي: الطريؽ الواضح الذي ألفوه واعتادوه، وليـ بو غاية المعرفة ))(ٕ). فكوف (استبؽ) يحتمؿ في ىذه الآية أف يكوف مضمَّنًا معنى (ابتدر) سببو حذؼ حرؼ الجرّْ؛ إذ لو ذكر حرؼ الجر انتفى التضميف المحتمؿ، وعمى ىذا ففائدة التضميف تقضي بإرادة المعنييف المحتمميف، وىذا ما أكَّده الدكتور فاضؿ السامرائي (ٖ). وأجازوا أف يكوف الفعؿ (استبؽ) مضمنًا معنى التجاوز، وليس التبادر، وىذا ىو الظاىر مف معنى الآية؛ لأف المعنى أنيـ تجاوزوا الصراط المستقيـ، ولـ يبتدروا إليو مسرعيف، قاؿ الشياب: ((ولمَّا كاف الصراط كالطريؽ مكانًا مختصِّا، ومثمو لا ينصب عمى الظرفية أوَّلوه بأف أصمو إلى الصراط فنصبو بنزع الخافض، أو ىو مفعوؿ بو؛ لتضمينو معنى ابتدروا، وليس حقيقةً كما توىـ، ونُقؿ عف الأساس، أو بجعمو مفعولا بو؛ لأف استبقوا يجيء بمعنى سبقوا، فجعؿ مسبوقًا عمى التجوز في النسبة، أو الاستعارة المكنية، أو عمى أنو بمعنى جاوزوه كما ستعرفو، أو ىو منصوب عمى الظرفية عمى خلاؼ القياس، أو (ٔ) تدريج الأداني إلى قراءة شرح السعد عمى تصريؼ الزنجاني: ٕٛ. (ٕ) نظـ الدرر في تناسب الآيات والسور: ٙ / ٕٙٚ. (ٖ) ينظر: عمى طريؽ التفسير البياني: ٕ / ٜٕٕ – ٖٕٓ.

عدد الصفحات ٢١

21 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس عمى قوؿ بعض النحاة كابف الطراوة أنو غير مختصٍّ، وا ف صرح سيبويو بخلافو))(ٔ). وقاؿ أيضًا: ((فالظاىر أنو أراد بو التجوز باستعمالو في معنى جاوزه مجازًا؛ لأنو لازـ لو؛ إذ المقصود مف المبادرة مجاوزتو))(ٕ). وكذلؾ في قولو تعالى: ﮋﭭ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﮊ يس: ٖٗ - ٗٗ، جوَّزوا أف يكوف (رحمة) منصوبًا بنزع الخافض، أي: حذؼ حرؼ الجر، فانتصب المجرور عمى نزع الخافض، وتقديره: برحمة، قاؿ الآلوسي: ((وجوز أف يكوف النصب بتقدير الباء، أي: إلا برحمة ومتاع ، والجار متعمؽ بػ (ينقذوف)، ولما حذؼ انتصب مجروره بنزع الخافض ، وقيؿ: ىو عمى المصدرية لفعؿ محذوؼ ، أي: إلا أف نرحميـ رحمة ونمتعيـ تمتيعً ا، ولا يخفى حالو، وكذا حاؿ ما قبمو))(ٖ). وكوف رحمة ىنا منصوب بنزع الخافض ضعيؼ، كما يُشير إليو كلاـ الآلوسي، وسبب ضعفو عندىـ أف حذؼ حرؼ الجر ، وا ف كاف استخفافً ا لا يقاس عميو، وأكثر ما يحذؼ منو حرؼ الجر إذا كاف في الفعؿ دليؿ عم يو، ألا ترى أف قولؾ: اخترت الرجاؿ زيدً ا، أف لفظ الاختيار يقتضي تبعيضً ا، فميذا جاز حذؼ (مف) لدلالة الفعؿ عمييا. قاؿ ابف عقيؿ: ((ومذىب الجميور أنو لا ينقاس حذؼ حرؼ الجر مع غير (أفَّ وأفْ )، بؿ يقتصر فيو عمى السماع ، وذىب أبو الحسف عمي بف سميماف البغدادي ، وىو الأخفش الصغير إلى أنو يجوز الحذؼ مع غيرىما قياسً ا بشرط تعيُّ ف الحرؼ ، ومكاف الحذؼ، نحو: بريت القمـ بالسكيف ، فيجوز (ٔ) حاشية الشياب: ٛ / ٖٛ. (ٕ) حاشية الشياب: ٛ / ٖٛ، وينظر: تيذيب المغة للأزىري: ٛ / ٖٛٔ، ولساف العرب: ٓٔ / ٕ٘ٔ. (ٖ) روح المعاني : ٖٕ / ٕٛ، وينظر: حاشية الشياب: ٛ / ٕٛ.

عدد الصفحات ٢٢

21 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس عنده حذؼ الباء، فتقوؿ: بريت القمـ السكيف ، فإف لـ يتعيف الحرؼ لـ يجز الحذؼ، نحو: رغبت في زيد فلا يجوز حذؼ (في)؛ لأنو لا يدرى حينئذ ، ىؿ التقدير رغبت عف زيد ، أو في زيد ؟ وكذلؾ إف لـ يتعيف مكاف الحذؼ لـ يجز، نحو: اخترت القوـ مف بني تميـ ، فلا يجوز الحذؼ فلا تقوؿ: اخترت القوـ بني تميـ؛ إذ لا يدرى ، ىؿ الأصؿ اخترت القوـ مف بني تميـ ، أو اخترت مف القوـ بني تميـ؟))(ٔ). ومف حذؼ حرؼ الجر حذؼ لاـ التعميؿ، وحذفيا لمتخفيؼ والاختصار، ففي قولو تعالى: ﮋﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈﮊ يس: ٙٚ، افترضوا أنو لو قرأ قارئ بفتح اليمزة مف (إنا نعمـ)، فقراءتو صحيحة، وذلؾ بناءً عمى حذؼ حرؼ الجر، وىو لاـ التعميؿ، وىو يُشير بذلؾ إلى أنو لـ يُقرأ بو(ٕ)، والله أعمـ. قاؿ الزمخشري: (( فإف قمت: ما تقوؿ فيمف يقوؿ: إف قرأ قارئ (أنا نعمـ) بالفتح انتقضت صلاتو وا ف اعتقد ما يعطيو مف المعنى كفر ؟، قمت: فيو وجياف: أحدىما: أف يكوف عمى حذؼ لاـ التعميؿ، وىو كثير في القرآف ، وفي الشعر وفي كؿِ كلاـ، وقياس مطرد ، وىذا معناه ومعنى الكسر سواء، وعميو تمبية رسو ؿ الله ))(ٖ). والذي يبدو أفَّ كسر ىمزة (إفَّ) أقوى في التعميؿ مف فتح ىمزتيا؛ لأفَّ فتح اليمزة يعني أنيا مؤولة بمفرد مجرور بلاـ التعميؿ المحذوفة كما مرَّ، وىو تعميؿ متعمؽ بعدـ الحزف، أي تعميؿ مقيَّد، وليس مطمقًا، أما كسر ىمزة (إفَّ) فإنيا تؤوؿ بجممةٍ، وىي جممة استئنافية غير متعمقة بما قبميا، ولكنيا عامَّة في كؿّْ شيءٍ، فيي لمتعميؿ المطمؽ، والله أعمـ. (ٔ) شرح ابف عقيؿ عمى ألفية ابف مالؾ: ٔ / ٚٓٗ، وينظر: حاشية الخضري عمى ابف عقيؿ: ٔ / ٚٓٗ. (ٕ) ينظر: حاشية الشياب: ٛ / ٗٗ. (ٖ) الكشاؼ: ٗ / ٖٔ.

عدد الصفحات ٢٣

21 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس ذكر البيضاوي (ت ٜٔٙىػ) أنو لو قرأ قارئ بفتح ىمزة (إفَّ) مف قولو تعالى: ﮋ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮊ يس: ٙٚ، لجاز، وجواز فتح ىمزة (إفَّ) مبني عمى حذؼ لاـ التعميؿ، فقاؿ: ((ﮋ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈﮊ فنجازييـ عميو ، وكفى ذلؾ أف تتسمى بو، وىو تعميؿ لمنيي عمى الاستئناؼ، ولذلؾ لو قرئ : (إنا) بالفتح عمى حذؼ لاـ التعميؿ جاز))(ٔ). وقاؿ أبو السعود: ((وقولو تعالى: ﮋﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈﮊ يس: ٙٚ، تعميؿٌ صريحٌ لمنَّيي بطريؽِ الاستئناؼِ بعد تعميموِ بطريؽِ الإشعارِ ، فإفَّ العمـَ بما ذُكر مستمزـٌ لممجازاةِ قطعً ا، أي: إنَّا نجازييـ بجميعِ جناياتيـ الخافية))(ٕ). وذكروا في قولو تعالى: ﮋ ﭼ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮊ يس: ٓٙ – ٔٙ، أفَّ (أف) (( فييا مفسرة لمعيد الذي فيو معنى القوؿ دوف حروفو، أو مصدرية حذؼ عنيا الجار ، أي: ألـ أعيد إليكـ في ترؾ عبادة الشيطاف، وفي عبادتي))(ٖ). وقطع ابف عاشور بأف (أف) تفسيرية، بقولو: (( وأَفْ تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَرَتْ إِجْمَاؿَ الْعَيْدِ ؛ لأَِفَّ الْعَيْدَ فِيوِ مَعْنَى الْقَوْؿِ دُوفَ حُرُوفِوِ فَ ػ ( أَفْ ) الْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرِيَّةٌ ))(ٗ). حذف المفعور حذؼ المفعوؿ بو عمى ضربيف (٘): ٔ. أف يحذؼ مف الكلاـ لفظًا، لكنو مراد معنًى، وتقديرًا، وىو الذي يسميو النحويوف (الحذؼ اختصارًا)، ولا يحذؼ إلا لدليؿٍ، وذلؾ نحو قولو (ٔ) تفسير البيضاوي: ٛ / ٖٗ. (ٕ) تفسير أبي السعود (إرشاد العقؿ السميـ إلى مزايا الكتاب الكريـ ): ٚ / ٜٚٔ. (ٖ) روح المعاني : ٖٕ / ٓٗ، وينظر: المباب في عموـ الكتاب: ٙٔ / ٕٔ٘. (ٗ) تفسير التحرير والتنوير : ٖٕ / ٚٗ. (٘) ينظر: معاني النحو: ٕ / ٔٛ – ٕٛ.

عدد الصفحات ٢٤

21 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس تعالى: ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔﮊ المدثر: ٔٔ، أي: مف خمقتو وحيدًا؛ لأف الاسـ الموصوؿ لا بدَّ لو مف عائدٍ، ومف ىذا الحذؼ قولو تعالى: ﮋ ﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶﮊ البقرة: ٓٗ، أي: أنعمتيا. ٕ. أف لا يذكر المفعوؿ بو، وىو غير مراد، وىو الذي يسميو النحويوف (الحذؼ اقتصارًا). وعمَّؽ الدكتور فاضؿ السامرائي عمى ىذا النوع مف الحذؼ بقولو: ((والحقيقة أف ىذا ليس مف باب الحذؼ، بؿ ىو أف تقتصر عمى الحدث، وصاحبو مف غير إرادةٍ لممفعوؿ، وليس لو تقدير ولا نية، وذلؾ بحسب الحاجة والقصد، فقد تكوف الحاجة إلى أف تذكر مفعوليف، كقولو تعالى: ﮋﮈ ﮉ ﮂ ﮊ الكوثر: ٔ، وكقولو: ﮋ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮊ الكيؼ: ٘ٙ، وكقولو: (ىو يكرـ السائميف الدنانير، ويطعـ المحتاجيف القوت، ويمنح طلاب العمـ الكتب)، فقيدتَ الإكراـ، والإطعاـ، والمنح، بالمعطى، والمعطى لو، وقد يتعمؽ الغرض بذكر مفعوؿٍ واحد، وذلؾ نحو قولو تعالى: ﮋﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮊ الضحى: ٘، فقد ذكر مفعولا؛ لأنو ىو الذي تعمؽ الغر ض بذكره، ولـ يذكر ما سيعطيو؛ لأنو لا يتعمؽ غرض بذكره)) (ٔ). قاؿ السيوطي: ((قاعدة في حذؼ المفعوؿ اختصارً ا واقتصارً ا، قاؿ ابف ىشاـ: جرت عادة النحوييف أف يقولوا بحذؼ المفعوؿ اختصارً ا واقتصارً ا، ويريدوف بالاختصار الحذؼ لدليؿ ، ويريدوف بالاقتصار الحذؼ لغير دليؿ، ويمثمونو بنحو: ﮋﮂ ﮃ ﮊ البقرة: ٓٙ، أي: أوقعوا ىذيف الفعميف، والتحقيؽ أف يقاؿ: يعني كما قاؿ أىؿ البياف: تارة يتعمؽ الغرض بالإعلاـ بمجرد وقوع الفعؿ مف غير تعييف مف أوقعو ومف أوقع عميو، فيجاء بمصدره مسندً ا إلى فعؿ كوف عاـ، فيقاؿ حصؿ حريؽ ، أو نيب، وتارة يتعمؽ بالإعلاـ بمجرد إيقاع الفعؿ لمفاعؿ فيقتصر عمييما، ولا يذكر المفعوؿ ولا ينوى ؛ إذ المنو ي كالثابت (ٔ) معاني النحو: ٕ / ٕٛ.

عدد الصفحات ٢٥

21 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس ولا يسمى محذوفً ا؛ لأف الفعؿ ينزؿ ليذا القصد منزلة ما لا مفعوؿ لو ، ومنو: ﮋ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮊ البقرة: ٕٛ٘، ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﰔ ﮊ الزمر: ٜ، و ﮋ ﭙ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﮊ الأعراؼ: ٖٔ، ﮋ ﯥ ﯦ ﯧﮊ الإنساف: ٕٓ؛ إذ المعنى ربي الذي يفعؿ الإحياء والإماتة، وىؿ يستوي مف يتصؼ بالعمـ ومف ينتفي عنو العمـ ، وأوقعوا الأكؿ والشرب ، وذروا الإسراؼ وا ذا حصمت منؾ رؤية))(ٔ). ولحذؼ المفعوؿ أغراض بلاغية، ذكرىا الزركشي بقولو: (( والغرض حينئذ بالحذؼ أمور: منيا: قصد الاختصار عند قياـ القرائف ، والقرائف إما حالية كما في قولو تعالى: ﮋ ﯤ ﯥ ﯢ ﯣﯦﮊ الأعراؼ: ٖٗٔ؛ لظيور أف المراد أرني ذاتؾ ، ويحتمؿ أف يكوف ىاب المواجية بذلؾ ثـ براه الشوؽ ، ويجوز أف يكوف أخر ليأتي بو مع الأصرح ؛ لئلا يتكرر ىذا المطموب العظيـ عمى المواجية إجلالا، ومنو قولو تعالى: ﮋ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ القصص: ٕٚ، الظاىر أنو متعد حذؼ مفعولو، أي: تأجرني نفسؾ ، وجعؿ منو السكاكي قولو تعالى: ﮋﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶﭷﮊ القصص: ٖٕ، فمف قرأ بكسر الداؿ مف (يصدر) فإنو حذؼ المفعوؿ في خمسة مواضع ، والأقرب أنو مف الضرب الثاني كما سنبينو فيو إف شاء الله تعالى ... ، ومنيا قصد الاحتقار: كقولو: ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﰔﮊ المجادلة: ٕٔ، أي: الكفار، ومنيا قصد التعميـ ولا سيما إذا كاف في حيز النفي كقولو تعالى: ﮋ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖﮊ يونس: ٔٓٔ، وكذا ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﮊ الأعراؼ: ٕٚ، وكثيرً ا ما يعترى الحذؼ في ر ؤ وس الآي نحو: ﮋﮟ ﮠ ﮡ ﭨﮊ البقرة: ٕٓٔ، و ﮋ ﭢ ﭣﮊ الأعراؼ: ٛ٘))(ٕ). (ٔ) الإتقاف في عموـ القرآف : ٕ /٘٘ٔ - ٙ٘ٔ. (ٕ) البرىاف في عموـ القرآف : ٖ / ٖٙٔ.

عدد الصفحات ٢٦

21 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس وقاؿ عبد القاىر الجرجاني (ت ٔٚٗىػ): (( وليس لنتائجِ ىذا الحذؼِ أعني حذؼَ المفعوؿ نياية ، فإنو طريؽٌ إلى ضُروبٍ مف الصّْنعة ، وا لى لطائؼَ لا تُحصى))(ٔ). وقاؿ ابف جني: ((وعمى ذكر حذؼ المفعوؿ، فما أغربو وأعذبو في الكلاـ، ألا ترى إلى قولو تعالى: ﮋ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﮊ القصص: ٖٕ، تذوداف إبميما، ولو نطؽ بالمفعوؿ لما كاف في عذوبة حذفو، ولا في عموّْه))(ٕ). وقاؿ أيضًا عف حذؼ المفعوؿ: ((وىو في المفعوؿ كثير وفصيح وعذب، ولا يركبو إلا مف قويَ طبعو، وعذب وضعو))(ٖ). ومف حذؼ المفعوؿ في سورة يس قراءة طمحة، و عيسى، وحمزة ، والكسائي، وأبي بكر، بحذؼ الياء مف (عممتو)، في قولو: ﮋ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩ ﮤﮥ ﮦ ﮦﮊ يس: ٖ٘. وىذا الحذؼ جائز، وىو حذؼ مشيور، أي: حذؼ المفعوؿ مف صمة الموصوؿ، قاؿ الزمخشري: (( وقر ئ عمى الوجو الأوّؿ (وما عممت) مف غير راجع ، وىي في مصاحؼ أىؿ الكوفة كذلؾ ، وفي مصاحؼ أىؿ الحرميف والبصرة والشاـ مع الضمير ))(ٗ). وقاؿ أبو السعود: (( ( عممت) بلا ىاء ، فإف حذؼ العائد مف الصمة أحسف مف الحذؼ مف غيرىا ))(٘). (ٔ) دلائؿ الإعجاز: ٕٖٔ. (ٕ) المحتسب: ٔ / ٖٖٖ، وينظر: عمـ المعاني في التفسير الكبير لمفخر الرازي، وأثره في الدراسات البلاغية: ٗٙ. (ٖ) المحتسب: ٔ / ٖٖ٘. (ٗ) الكشاؼ: ٗ / ٛٔ. (٘) تفسير أبي السعود: ٚ / ٚٙٔ.

عدد الصفحات ٢٧

12 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس واختمفوا في نوع (ما) ىذه فمنيـ مف ذىب إلى أنيا موصولة، أو نافية، وىذا بناءً عمى القراءة المشيورة، أي: بالياء، أما عمى قراءة حذؼ الضمير فيي تحتمؿ أف تكوف موصولةً، وأف تكوف نافيةً، وأف تكوف مصدريةً. قاؿ الفخر الرازي: (( المسألة الثالثة : ( ما) في قولو : ﮋﭨ ﭩ ﮊ مف أي الماءات ىي؟ نقوؿ: فييا وجوه أحدىا: نافية كأنو، قاؿ: وما عممت التفجير أيدييـ بؿ الله فجر ، وثانييا: موصولة بمعنى الذي كأنو قاؿ : والذي عممتو أيدييـ مف الغراس بعد التفجير يأكموف م نو أيضً ا، ويأكموف مف ثمر الله الذي أخرجو مف غير سعي مف الناس ، فعطؼ الذي عممتو الأيدي عمى ما خمقو الله مف غير مدخؿ للإنساف فييا، وثالثيا: ىي مصدرية عمى قراءة مف قرأ (وما عممت) مف غير ضمير عائد معناه : ليأكموا مف ثمره ، وعمؿ أيدييـ يعني يغرسوف ، والله ينبتيا ويخمؽ ثمرىا فيأكموف مجموع عمؿ أيدييـ وخمؽ الله ، وىذا الوجو لا يمكف عمى قراءة مف قرأ مع الضمير ))(ٔ). وأيَّد البقاعي كوف المفعوؿ المحذوؼ في قولو: (وما عممتو) ىو مف باب التعميـ لممفعوؿ؛ لأف في ذلؾ ردُّ جميع الأمور إلى الحؽ سبحانو وتعالى، ((سواء كانت بسببٍ، أو بغير سببٍ، أي: ولـ يكف لأيدييـ عمؿ لشيء مف الأشياء لا ليذا، ولا لغيره مما لو مدخؿ في عيشيـ ومف غيره، ولذلؾ حسف كؿ الحسف إنكاره عمييـ عدـ الشكر بقولو: ﮋﮦ ﮦﮊ))(ٕ). وقاؿ ابف عاشور: ((ويجوز أف يكوف مف حذؼ المفعوؿ لإرادة العموـ ، والتقدير: وما عممت أيدييـ شيئً ا مف ذلؾ))(ٖ). فبحذؼ الياء مف (عممت) صارت (ما) محتممةً لثلاثة أوجوٍ، وىي (النافية، والموصولة، والمصدرية)، ولولا حذؼ الياء ما صحَّ كونيا مصدرية، (ٔ) التفسير الكبير: ٕٙ / ٓٙ. (ٕ) نظـ الدرر في تناسب الآيات والسور: ٙٔ / ٕٙٔ. (ٖ) تفسير التحرير والتنوير: ٕٔ/ ٜٗ.

عدد الصفحات ٢٨

14 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس ففائدة الحذؼ ىنا ىو التوسع في المعنى، أي: إف ىذه الاحتمالات كميا مرادة، ومطموبة، وذلؾ مف باب التوسع في المعنى، والله أعمـ. قاؿ الدكتور فاضؿ السامرائي عف قولو تعالى : ﮋﭨ ﭩ ﮤﮥﮊ: ((تحتمؿ أف تكوف (ما) نافية، أي: أف الثمر لـ تعممو أيدييـ، وا نما ىو مف فعؿ الله، كقولو تعالى: ﮋ ﭑ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭦ ﭧ ﭨﮊ يس: ٔٚ، فالثمر لـ تعممو أيدي الناس، وا نما يد القدرة الإليية، وتحتمؿ أف تكوف اسمًا موصولا أيضًا، والمعنى: (ليأكموا مف ثمره، ومف الذي عممتو أيدييـ)، والموصولة تكوف عمى أكثر مف معنًى. مف ذلؾ أف المعنى ليأكموا مف ثمره، ومما يعمموف مف الثمار مف الشراب، والدبس، وغيرىما مما يعممو الناس مف الثمار. وقيؿ: إف المعنى عمى الموصولة: ليأكموا مما عممتو أيدييـ مف الغرس، والسقي والكدّْ، والقياـ عمى أمرىا حتى تنضج. وقيؿ: إف المعنى يحتمؿ أيضًا أف يذكرنا أف الثمر عمى نوعيف: قسـ لا يدخؿ فيو عمؿ الإنساف، وا نما يخرجو الله مف دوف أف تعمؿ فيو يد الإنساف. وقسـ يتعب فيو الإنساف، ويكد مف غرسٍ، وتعيد، وتأبير، وما إلى ذلؾ فتعمؿ فيو يد الإنساف. فذكر ىنا نوعي الثمر: ما لـ تعمؿ فيو أيدييـ، وما عممتو أيدييـ. والوجو الأوؿ أقوى في معنى الموصولة. ويترجح عندي معنى النفي، وكلاىما محتمؿ)) (ٔ). ومف حذؼ المفعوؿ حذؼ المنادى؛ لأف المنادى مفعوؿ بو في المعنى، كما ذىب إليو جميور النحاة، وىو منصوب بفعؿ مقدر تقديره: (أنادي)، ومنو (ٔ) عمى طريؽ التفسير البياني: ٕ / ٕٚٔ - ٕٛٔ.

عدد الصفحات ٢٩

10 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس ما جاء في قولو تعالى: ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﰔﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﮊ يس: ٕ٘، فػػ (يا) حرؼ نداء، والمنادى محذوؼ، أي: يا ىلاكنا، أو يا قومنا انظروا، قاؿ الآلوسي: (( ﮋﰔﮊ أي: ىلاكنا أحضر، فيذا أوانؾ وقيؿ : أي: يا قومنا انظروا انظروا، ويمنا وتعجبوا منو ، وعمى ىذا حذؼ المنادى))(ٔ). ومنيـ مف يذىب إلى أف (يا) في مثؿ ىذا الموضع حرؼ تنبيو، وليس حرؼ نداء، والمنادى محذوؼ؛ لأفّ في جعؿ (يا) نداء يحصؿ حذؼ جممة النداء، أي: فعؿ النداء، والمنادى، و ىذا إجحاؼ كثير بالكلاـ، وأما لو جعمنا (يا) لمتنبيو فميس ىناؾ حذؼ، فالحذؼ خلاؼ الأصؿ(ٕ)، والله أعمـ. وفي الآية ىذه أيضًا حذؼ مفعوؿ الفعؿ (وعد)، وتقديره: وعدناه، وحذؼ مفعوؿ الفعؿ (صدؽ)، وتقديره: صدقناه، قاؿ السميف الحمبي: (( و(ما) يَصِحُّ أَفْ تكوفَ موصولةً اسميةً ، أو حرفيةً كما تقدَّـ تقريرُه ، ومفعولا الوعدِ والصدؽِ محذوفاف، أي: وعَدَناه الرحمف وصَدَقَناه المرسموف ، والأصؿ: صَدَقَنا فيو ، ويجوز حَذْؼُ الخافض وقد تقدَّـ لؾ نحو : (صَدَقني سِفَّ بَكْرِهِ )، أي: في سِنّْو، وتقدَّـ قراءتا ﮋ ﭣ ﭤ ﮊ يس: ٜٕ نصبً ا ورفعً ا))(ٖ). حأأذف المضأاف ومما يحذؼ مف الجممة العربية المضاؼ، وحذفو كثير إذا أخذ المضاؼ إليو إعرابو، أما إذا حذؼ المضاؼ وبقي عممو في المضاؼ، فإف حذفو ضعيؼ قياسًا، وقميؿ استعمالا، ولا بدَّ لكؿ محذوؼٍ مف قرينة تدؿُّ عميو، وتدفع المبس، قاؿ ابف يعيش: ((اعمـ أف المضاؼ قد حذؼ كثيرًا مف الكلاـ، وىو سائغ في سعة الكلاـ وحاؿ الاختيار إذا لـ يشكؿ، وا نما سوغ ذلؾ الثقة بعمـ المخاطب؛ إذ الغرض مف المفظ الدلالة عمى المعنى، فإذا حصؿ المعنى بقرينة (ٔ) روح المعاني: ٖٕ/ٕٖ، وينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز : ٗ/ٚ٘ٗ. (ٕ) ينظر: تفسير البحر المحيط: ٗ/ٚٓٔ، وٛ/ٖٕٓ. (ٖ) الدر المصوف في عمـ الكتاب المكنوف: ٔ/ٖ٘ٛٗ.

عدد الصفحات ٣٠

12 أ. م. د. محمد خالد & د. محمود سليمان مجلة مداد الآداب العدد الخامس حاؿٍ، أو لفظٍ آخر استغنى عف المفظ الموضوع بإزائو اختصارًا، وا ذا حذؼ المضاؼ أُقيـ المضاؼ إليو مقامو وأعرب بإعرابو، والشاىد المشيور في ذلؾ قولو تعالى: ﮋﮚ ﮛﮊ يوسؼ: ٕٛ، والمراد أىؿ القرية؛ لأنو قد عمـ أف القرية مف حيث ىي مدر وحجر لا تسأؿ؛ لأف الغرض مف السؤاؿ ردُّ الجواب، وليس الحجر والمدر مما يجيب واحد منيما)) (ٔ). و حذؼ المضاؼ كثير جدِّ ا في القرآف، حتّى عَدَّ ابف جنّي منو زُىاءَ ألؼ موضع(ٕ). ومف حذؼ المضاؼ وا قامة المضاؼ إليو مقامو قولو تعالى: ﮋﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩ ﮤﮊ يس: ٜ، فإف التقدير: أغشينا أبصارىـ، فحذؼ الأبصار وأقاـ الضمير مقامو، قاؿ ابف عاشور: (( والإِغشاء: وضع الغشاء ، وىو ما يغطي الشيء، والمراد: أغشينا أبصارىـ، ففي الكلاـ حذؼ مضاؼ دؿّ عميو السياؽ، وأكّده التفريع بقولو: ﮋﭨ ﭩ ﮤﮊ))(ٖ). ومنو قولو تعالى: ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﮊ يس: ٗ٘، فإف الآية فييا مضاؼ محذوؼ، وأقيـ المضاؼ إليو مقامو، والتقدير: إلا جزاءَ ما كنتـ تعمموف، قاؿ أبو السعود: ((ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔﮊ مف النُّفوسِ برةً كانتْ أو فاجرةً (شَيْئً ا) مف الظُّمـ ﮋﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔ ﰔﮊ، أي: إلا جزاءَ ما كنتُـ تعممونَوُ في الدُّنيا عمى الاستمرار مف الكفر والمعاصي عمى حذؼِ المضاؼِ وا قامةِ المضاؼِ إليو مقامو ؛ لمتَّنبيو عمى قُوَّةِ التَّلازـِ والارتباط بينيما كأنَّيما شيءٌ واحدٌ ، أو إلا بما كنتُـ تعممونَو، أي: بمقابمتِو، أو بسببوِ ))(ٗ). (ٔ) شرح المفصؿ: ٖ / ٖٕ. (ٕ) ينظر: البلاغة العربية : ٕ/ٚ٘. (ٖ) التحرير والتنوير : ٕٔ/ٗٙ، وينظر: الدر المصوف في عموـ الكتاب المكنوف: ٜ/ٜٕٗ. (ٗ) تفسير أبي السعود: ٚ / ٕٚٔ، وينظر: روح المعاني : ٖٕ / ٖٗ.

عدد الصفحات ٣١

11 الحذف في سورة يس– دراسة بلاغية مجلة مداد الآداب العدد الخامس ومنو قولو تعالى: ﮋ ﭑ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭖ ﭗ ﭘﮊ يس: ٖٔ، فقد ضمف الفعؿ (اضرب) معنى الجعؿ، وىو يتعدى لمفعوليف، الأوؿ المضاؼ المحذوؼ، تقديره: مثؿ أصحاب القرية، والثاني مثلا المذكور، وليس القوؿ بحذؼ المضاؼ (المفعوؿ الأوؿ) وا قامة المضاؼ إليو مقامو (أصحاب القرية) مجمعًا عميو، فإنو يحتمؿ أف يكوف أصحاب القرية المفعوؿ الأوؿ مف غير تقدير مضاؼٍ، قاؿ الرازي: (( المسألة الثانية: أصحاب القرية معناه : واضرب ليـ مثلاً مثؿ أصحاب القرية ، فترؾ المثؿ وأقيـ الأصحاب مقامو في الإعراب ، كقولو: ﮋﮚ ﮛﮊ يوسؼ: ٕٛ، ىذا قوؿ الزمخشري في الكشاؼ ، ويحتمؿ أف يقاؿ: لا حاجة إلى الإضمار ، بؿ المعنى : اجعؿ أصحاب القرية ليـ مثلاً ، أو مثؿ أصحاب القرية بيـ ))(ٔ). ومنو قولو تعالى: ﮋﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩ ﮤﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮊ يس: ٖٗ – ٖ٘، فالضمير في قولو: ﮋ ﮠ ﮡ ﮊ يعود عمى لفظ الماء المحذوؼ لدلالة العيوف عميو؛ إذ أصمو: ماء العيوف، فحذؼ المضاؼ وأقاـ المضاؼ إليو مقامو، واعاد الضمير عمى المضاؼ المحذوؼ، قاؿ أبو حياف: ((والضمير في (ثمره) عا ئد عمى الماء، قيؿ: لدلالة العيوف عميو، ولكونو عمى حذؼ مضاؼ، أي: مف ماء العيوف))(ٕ). ومنو قولو تعالى: ﮋﯥ ﯢ ﯣﯦ ﯧ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﮊ يس: ٖٚ، فقد حذؼ المضاؼ وأقاـ المضاؼ إليو مقامو؛ لأف المسموخ منو ضوء النيار، وليس النيار نفسو، ويمكف حممو عمى المجاز، بأف يكوف المراد مف النيار الضوء، قاؿ الآلوسي: ((فالنيار عبارة عف الضوء ، إما عمى التجوز، أو عمى حذؼ المضاؼ))(ٖ). (ٔ) التفسير الكبير: ٕٙ / ٘ٗ، وينظر: تفسير البيضاوي: ٛ / ٛ - ٜ. (ٕ) تفسير البحر المحيط: ٚ / ٕٖٓ، وينظر: المحرر الوجيز: ٗ / ٖ٘ٗ. (ٖ) روح المعاني : ٖٕ / ٓٔ.

عدد الصفحات ٣٢