012 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى الأولِ وقال فيه: «مثقالُ حبةٍ من خردلٍ، قال: فأ فعلُ ثم أ رجعُ » وذكر مثل ما تقدمَ وقال فيه: «من كان في قلبه أدن أدن أدن مِن مثقالِ حبةٍ مِ ن خردلٍ فأفعل » وذكر في المرة الرابعة: «فيقالُ لي ارفعْ رأس ك، وقل يُسمع، واشفعْ تشفعُ، وسل تُعطه، فأقولُ: يا ربِّ، ائذن لي فيم ن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعِزتِ وكبريائي وعظم تي وجِبريائي، لأُخرج ن مِن النار م ن قال: لا إله إلا الله » ومِن روايةِ قتادةَ عنه قال «فلا أ دري في الثالثة أو الرابعة، فأقولُ: يا ربِّ، ما بقي في النارِ إلا م ن ح بس ه القرآنُ » أي: مَن وجبَ عليه الخلودُ فقدِ اجتمَع مِنِ اختِلاف ألفاظ هذه الآثارِ أن شفاعتَه ﷺ ومَقامه المحمودَ من أوَّل الشفاعات إلى آخِرها من حين يجَتمِع الناس للحَشرْ وتَضيق بهم الحناجِر، ويَبلُغ منهم العرَقُ والشمس والوقوفُ مبلَغه، وذلك قبلَ الحِساب، فيَشفَع حينئذ لإراحة الناس من المَوقِف، ثُم يُوضَع الصراطُ ويحُاسَب الناس، فيَشفَع في تَعجيل مَن لا حِسابَ عليه من أُمَّته إلى الجنة، ثم يَشفَع فيمَن وجَب عليه العذابُ ودخل النار مِنهم حسبَما تَقتَضيه الأحاديثُ الصحيحة، ثُم فيمَن قال: لا إلهَ إلاَّ اللهُ. وليس هذا لسِواهُ ﷺ، وفي الحديثِ المُنتشرِ الصحيحِ: «لِكُلِّ نبيٍّ د عوةٌ ي دْعو بِا، واخت ب أْتُ د عْوتِ ش فاعةً لأُمَّتي يوم القِيامةِ »(1). فتكون هذه الدعوةُ المذكورة مخَصوصةً بالأُمَّة مَضمونة الإجابة، وإلاَّ فقَدْ أَخبرَ ﷺ أنه سأَل لأُمَّته أشياءَ من أمورِ الدين والدنيا فأُعطِيَ بعضَها ومُنِعَ بعضها، وادَّخر لهم هذه الدعوةَ ليومِ الفاقة، وخاتمة المِحَن، وعَظيم السؤال والرغبة: جَزاهُ الله أحسنَ ما جَزَى نبياا عن أُمَّته و ﷺ كَثيرًا. (1) أخرجه البخاري6340)، ومسلم522.)
عدد الصفحات ١٠٣مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|013 6- فصل في تفضيلِ ه في الجنةِ بالوسيلةِ ، والدرجةِ الرفيعةِ ، والكوثرِ ، والفضيلةِ عن عبدِ الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقولُ: «إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثل ما يقولُ، ثم ص لوا علي؛ فإنه م ن صلى علي مرةً صلى الله عليه عشَا، ثم س لوا الله لي الوسيلة ، فإنَّا منزلةٌ في الجنةِ لا ت نبغي إلا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أن أكون أنا ،و، فم ن سأل الله لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعةُ »(1). وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرةَ: الوسيلةُ: أعلى درجةٍ في الجنةِ (2). وعن أنسٍ قال: قال رسولُ ا ﷺ: «ب ينا أنا أسيرُ في الجنةِ إذ عرض لي نَّرٌ حافَّتاه قبابُ اللؤلؤِ، قلتُ لجبريل : ما ،ذا؟ قال: ،ذا ا لكوثرُ الذي أعطاك ه الله. قال: ثم ضرب بيدِه إلى طينِه فاستخرج مسكًا »(3). وعن عائشةَ(4) وعبدِ الله بنِ عُمر مثلِه، قال «ومجراهُ على الدرِ والياقوتِ، وماهُه أحلى مِن العسلِ، وأبيضُ من الثلجِ »(5). وفي روايةٍ عنه «فإذا ،و يج ري، ولم يشقَّ شقًا، عليه حوضٌ ت ردُ عليه أُمتي » وذَكر حديثَ الحوضِ (6). (1) أخرجه مسلم320.) (2) أخرجه الترمذي3655.) (3) أخرجه البخاري6125)، والترمذي3364) واللفظ له (4) أخرجه البخاري0261.) (5) أخرجه الترمذي3365)، وابن ماجه0330.) (6) أخرجه أحمد55/544 (53172.)
عدد الصفحات ١٠٤014 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 7- فصل [ ﷺ عن التفضيل فإن قلتَ: إذا تقررَ من دليلِ القرآنِ، وصحيح الأثرِ، وإيعاعِ الأمةِ، كونُه أكرمَ البشرِ، وأفضلَ الأنبياءِ، فما معنى الأحاديثِ الواردةِ بنهيِه عن التفضيلِ كقولِه: «ما ي نبغي لِعبدٍ أن ي قول : أنا خيرٌ من يونس بنِ متَّ »(1). وفي حديثِ أبي هريرةَ في اليهوديِّ الذي قال: والذي اصطَفى موسى ع البشرِل فلطمَه رجلٌ من الأنصارِ، وقال: تقولُ ذلك ورسولُ الله ﷺ بين أظهرِنا، فبلغَ ذلك النبيُّ ﷺ فقالَ: «لا تُفضِّلوا بين الأنبياءِ »(2). فاعلَم، أن للعلماءِ في هذه الأحاديثِ تأويلاتٍ : أحدُ،ا : أن نهيَه عن التفضيلِ كان قبلَ أن يعلمَ أنه سيدُ ولدِ آدمَ فنهى عن التفضيلِ إذ يحتاجُ إلى توقيفٍ، وأن مَن فضَّل بلا علمٍ فقد كذبَ. الوجهُ الثاني : أنه قاله ﷺ على طريقِ التواضعِ ونفيِ التكبرِ والعجبِ، وهذا لا يَسلمُ م ن الاعتراضِ. الوجهُ الثالثُ : ألا يفضلَ بينهم تَفضيلاً يؤدي إلى تنقصِ بعضِهم أو الغضِّ منه لا سيما في جهةِ يونسَ عليه السلام إذ أخبرَ الله عنه بما أخبرَل لئلا يقع في نفسِ مَن لا يعلمُ منه بذلك غضاضةٌ وانحطاطٌ مِن رُتبتِه الرفيعةِ، إذ قال تعالى عنه: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾ [الصافات504] ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [الأنبياء27] فربما يَُيلُ لمَن لا علمَ عنده حطيطتُه بذلك (1) أخرجه البخاري3321)، ومسلم5377.) (2) أخرجه البخاري5055،3050) ومسلم5370.)
عدد الصفحات ١٠٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|015 الوجه الرابعُ : منعُ التفضيلِ في حق النبوةِ والرسالةِ، فإن الأنبياءَ فيها على حدٍ واحدٍ إذ هي شئٌ واحدٌ لا يتفاضلُ، وإنما التفاضلُ في زيادةِ الأحوالِ والخصوصِ والكراماتِ والرتبِ والألطافِ، وأما النبوةُ في نفسِها فلا تَتفاضلُ، وإنما التفاضلُ بأمورٍ أُخر زائدةٍ عليهال ولذلك منهم رُسل، ومنهم أولو عزمٍ من الرسلِ، ومنهم مَن رُفع مكانًا عليًا، ومنهم من أوتِ الحكمَ صبيًا، وأوتِ بعضُهم الزُّبر، وبعضُهم البيناتِ، ومنهم مَن كلمَ الله ورفع بعضَهم درجاتٍ قال الله تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴾ [الإسراء11] وقال﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ...﴾ الآية [البقرة513]. قال بعضُ أهل العلمِ: والتفضيلُ المرادُ لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثةِ أحوالٍ: أن تكونَ آياتُه ومعجزاتُه أبهرَ وأشهرَ، أو تكونَ أمتُه أزكى وأكثرَ، أو يكونَ في ذاتِه أفضلَ وأطهرَ، وفضلُه في ذاته راجعٌ إلى ما خصَّه الله به من كرامتِه واختصاصِه من كلامٍ، أو خلة، أو رؤيةٍ، أو ما شاء الله من ألطافِه، وتحفِ ولايته، واختصاصِه.
عدد الصفحات ١٠٦016 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 8- فصل في أسمائه عليه السلام وما تَ ضمَّ نته من تفضيلِ ه قال رسول الله ﷺ: «لي خَ ْسةُ أسماءٍ: أنا محُمَّد، وأنا أ حمدُ، وأنا الماحي الَّذي ي محو اللهُ بي الكُفْر ، وأنا الحاشرُ الذي يحُشَ الناسُ على قد مي، وأنا العاقِبُ »(1)، وقد سماَّه الله تعالى في كتابِه: محمدًا وأحمدَ. فمن خصائصِه تعالى له أن ضمَّن أسماءَه ثناءَه وط وَى أثناء ذكرِه عظيمَ شكرهِ، فأما اسمُه أحمدُ فأَفعَل مبالغة من صِفة الحمد، ومحُمَّد مُفعَّل مبالَغة من كثرة الحمد، فهو ﷺ أجلُّ مَن حمََد، وأفضَلُ مَن حمُِد وأكثرُ الناس حمَْدًا، فهو أحمدُ المحمودين، وأحمدُ الحامِدين، ومعه لواءُ الحمد يومَ القِيامة، وليَتِ مَّ له كمالُ الحمد. ويتشهرُ في تلك العرصاتِ بصفةِ الحمدِ، ويبعثُه ربهُ هناك مقامًا محمودًا كما وعدَه يحمدُه فيه الأولون والآخرون بشفاعتِه لهم، ويُفتَحُ عليه فيه من المحامدِ كما قال ﷺ ما م يعط غيرُه. ثم في الاسمينِ من عجائبِ خصائصِه، وبدائعِ آياته فن آخرُ ، هو أن الله جل اسمُه حمى أن يُمسى بهما أحدٌ قبل زمانِه، وأما أحمدُ الذي أتى في الكتبِ وبشرت به الأنبياءُ فمنعَ الله تعالى بحكمتِه أن يُسمى به أحدٌ غيرٌه، ولا يُدعى به مَدعو قبلَهل حتى لا يدخلَ لبسٌ على ضعيفِ القلبِ أو شك، وكذلك محمدٌ أيضا، م يُسم به أحدٌ من العربِ ولا غيرِهم إلى أن شاعَ قُبيلَ وجودِه ﷺ وميلادِه أن نبياا يُبعثُ اسمُه محمد فسَمى قومٌ قليلٌ من العربِ أبناءَهم بذلك رجاءَ أن يكونَ (1) أخرجه البخاري3135)، ومسلم5310.)
عدد الصفحات ١٠٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|017 أحدُهم هو، والله أعلم حيث يجعلُ رسالاتِه، وهم: محمدُ بنُ أحيحة بنِ الجلاحِ الأوسيُّ، ومحمدُ بنُ مسلمةَ الأنصار يُّ، ومحمدُ بنُ براء البكريُّ، ومحمدُ بنُ سفيانَ بنِ مجاشعٍ، ومحمدُ بنُ حمرانَ الجعفي، ومحمدُ بنُ خزاعي السلمي لا سابعَ لهم. ثم حمى الله كل من تَسمَّ ى به أن يَدعي النبوةَ أو يدعيها أحدٌ له، أو يظهرَ عليه سبب يشككُ أحدًا في أمرِه حتى تحققَت السمتان له ﷺ، وم ينازَع فيهما. وأما قولُه ﷺ: «وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر » ففسرَ في الحديثِ، ويكونُ محو الكفرِ إما من مكةَ وبلادِ العربِ وما زُوي له من الأرضِ ووعدَ أنه يبلغُه ملك أمتِه، أو يكونُ المحو عاماا بمعنى الظهورِ والغلبةِ كما قال تعالى: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 33]. وقولُه«وأنا الحاشرُ الذي يحُشَ الناسُ على ق دمي » أي: على زماني وعَهدي أي: ليس بعدي نبي كما قال تعالى : ﴿ﯱ ﯲ﴾ [04] وسُميَ عاقبًال لأنه عقبَ عليه السلام غيرَه من الأنبياءِ، وفي الصحيحِ: «أنا العاقبُ الذي ليس بعدي نبيٌّ ». وقيل: معني «عقدمي»: أي: يحُشر الناسُ بمشاهدَتِ كما قال تعا ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [البقرة503]. وقيلَ «على قدمي»: على سابقَتي، قال الله تعا ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ [يونس 5]. وقيلَ«على قدمي»: أي: قُدامي وحَولي أي: يجَتمعون إليَّ يومَ القيامةِ. وقيل «على قدمي» على سُنتي
عدد الصفحات ١٠٨018 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ومعني قولِه: «لي خَسةُ أسماءٍ » قيل: إنها موجودةٌ في الكتبِ المتقدمةِ وعند أولي العلمِ من الأممِ السالفةِ، والله أعلم. وفي حديث أبي موسى الأشعريِّ أنه كان ﷺ يُسمِّي لنا نفسَه أسماءً فيَقول: «أنا محُمَّد، وأحمدُ، والمُقفِّي، والحاشرُ، ونبيُّ التوبةِ، ونبيُّ ا لم لح مةِ » (1). ومعنى«المقفِّي»: معنى«العاقب»، وأمَّا نبيُّ الرحمة والتَّوْبة والمَرحمَة والراحة فقد قال تعالى: ﴿ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾ [الأنبياء547]، وكما وصَفه بأنه يُزكيهم، ويُعلِّمهم الكتاب والحِكمة، ويهَديهم إلى صرِاط مُستقيم، وبالمؤمنين رؤفٌ رحيمٌ. وقد ق ال في صِفة أُمَّته: «إِنََّّا أُمَّة م رحومةٌ »(2)، وأمَرَها ﷺ بالتراحُم، وأَثنى عليه فقال: «إنَّ الله يحُِبُّ مِن عِبادِهِ الرُّحماء »(3)، وقال «الراحمِون ي رحم ُهم الرحمنُ، ارْحم وا م نْ في الأ رضِ ي رْحم ْكُم م ن في السماءِ »(4)، وأمَّا روايةُ نبيِّ ا لحمةِ فإشارةٌ إلى ما بُعِث به من القتالِ والسيفِ ﷺ، وهي صحيحة. وقد جاءت مِن ألقابِه ﷺ وسماتِه في القرآنِ عِدَّةٌ كثيرةٌ سوى ما ذكرناه كالنورِ، والسراجِ المنيرِ، والمنذرِ، والنذيرِ، والمبشرِ، والبشيرِ، والشاهدِ، والشهيدِ، والحقِ المبين، وخاتمِ النبيينِ، وال رؤوفِ الرحيم، والأمينِ، وقدمِ الصدق، ورحمةِ العالمين، ونعمةِ الله، والعروةِ الوثقى، والصراطِ المستقيم، والنجمِ الثاقبِ، والكريمِ، والنبيِ الأمي، وداعيِ الله، في أوصافٍ كثيرةٍ وسماتٍ جليلةٍ. (1) أخرجه مسلم5311.) (2) أخرجه أبو داود0572.) (3) أخرجه البخاري7002)، ومسلم253) بنحوه (4) أخرجه أبو داود0205)، والترمذي5250.)
عدد الصفحات ١٠٩مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|019 9- فصل في تَ شريف الله تعالى بما سَ مَّاه به من أسمائه الحُ سنى ووَ صَفه به من صِ فاته العُ لى(1) فاعلَمْ أن الله تعالى خصَّ كثيرًا من أنبيائه بكرامة خلَعها عليهم من أسمائه كتَسمية إسحاقَ وإسماعيلَ بعَليم وحَليم، وإبراهيمَ بحَليم، ونوحٍ بشَكور، وعيسى ويحَيَى ببرٍَّ وموسى بكَريمٍ وقوِيٍّ، ويوسُفَ بحفيظٍ عليمٍ، وأيوبَ بصابِرٍ، وإسماعيلَ بصادِق الوعدِ كما نطَق بذلك الكتابُ العزيز من مواضعِ ذِكْرهم صلوات الله وسلامه على يعيعهم، وفضَّل محمدًا نبيَّنا ﷺ بأن حلاَّه منها في كِتابه العزيزِ وعلى أَلْسنة أنبيائه بعِدة كثيرةٍ اجتَمَع لنا منها يعُلة بعد إعمال الفِكْر وإحضار الذِّكْر إذ م نَ جِد مَن يعَع منها فوقَ اسمَينْ. فمن أَسمائِه تعالى: الرهف الرحيم ، وهما بمَعنًى مُتقارِب، وسماَّه في كتابه بذلك فقال: ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [التوبة552]. ومن أسمائه تعا الحقُّ المبينُ ، ومَعنَى الحق: الموجود والمُتحقِّق أَمرُه، وكذلك المُبين أيِ: البينُِّ أمرُه وإله يتُه. وسمَّى النبيَّ ﷺ بذلك في كِتابه فقال تعالى: ﴿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [الزخرف52]، وقال تعا ﴿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ (1) يقول ابن تيمية« : سمَّى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مض افة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص... فقد سمَّى نفسه سميعا بصيرا، وسمى بعض خلقه سميعا بصيرا فقال: ﴿ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبص55-53.]
عدد الصفحات ١١٠001 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ﯹ ﯺ ﴾ [الحجر22]، وقال تعا﴿ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ [يونس 542]، وقال تعا﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ [الأنعام1]، قيل: محمد. وقيل القرآن. ومَعناه هاهنا ضدُّ الباطل، والمتح قق صِدقه وأَمره، وهو بمعنى الأول. ومن أسمائه تعالى: الشهيدُ، ومعناه: العام ، وقيل: الشاهد على عِباده يوم القِيامة، وسماَّه شهيدًا وشا،دًا فقال: ﴿ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [الفتح2]، وقال ﴿ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [البقرة503] وهو بمَعنى الأوَّل. ومِن أسمائِه تعالى : الكريمُ ، ومعناه: الكثيرُ الخيرِ. وقيل: المفضلُ. وقيل: العفوُّ. وقيل: العلَُّ. وسَماه تعالى كريماً بقولِه: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ [الحاقة04] قيلَ: محمدٌ وقيلَ: جبريلُ. ومعاني الاسم صحيحةٌ في حقهِ ﷺ. ومن أسمائِه تعالى : العظيمُ، ومعنا ه: الجليلُ الشأنِ، الذي كلُّ شيء دونه، وقال في النبيِّ ﷺ: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [القلم0]. ومِن أسمائِه تعالى في الحديثِ «الشكورُ»(1) ومعناه المثيبُ على العملِ القليلِ. وقيل: المثني على المطيعين، ووصَفَ بذلك نبيَّه نوحًا عليه السلام فقالَ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الإسراء3]. (1) أخرجه الترمذي3147)، وابن ماجه3265) في حديث سرد الأسماء المشهور
عدد الصفحات ١١١مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|000 وقد وَصفَ النبي ﷺ بذلك نفسَه فقال: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا »(1) أي معترفًا بنعمِ ربي، عارفًا بقدرِ ذلك، مثنيًا عليه، مجهدًا نفسي في الزيادةِ من ذلك، لقولِه: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [إبراهيم7]. ومن أسمائِه تعاالقويُّ وذو القوة الم تين ، وقد وصَفَه اللهُ تعالى بذلك فقال: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ [التكوير54]، قيلمد. وقيل: جبريل. ومن أسمائِه تعالى: الوليُّ والمولى، ومعناهما: الناصرُ، وقد قالَ الله تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾ [المائدة11]، وقالﷺ: «أنا وليُّ كلِّ مُؤمنٍ »(2) وقال الله تعا ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [الأحزاب6]. ومن أسمائِه تعالى: العفو، ومعناه: الصفوحُ، وقد وصف الله تعا بهذا نبيَّه في القرآن وفي التوراةِ، وأمرَه بالعفو فقال تعالى: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [الأعراف 522] وقال﴿ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [المائدة53]. ومن أسمائه تعالى: العزيزُ، ومعناه: الممتنعُ الغالب، أو الذي لا نظيرَ له، أو المعزُّ لغيره، وقال تعالى: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [المنافقون2] أي: الامتناعُ وجلالةُ القدر، وقد وصف الله تعالى نفسَه بالبشارةِ والنذارةِ فقال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [التوبة55] وقال﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ [آل عمران 32] و﴿ﯵ ﯶ ﴾ [آل عمران 01] وسماه الله تعالى مبشرًا، ونذيرًا، وبشيرًا، أي: مبشرًا لأهل طاعته، ونذيرًا لأهل معصيتِه. (1) أخرجه البخاري0237)، ومسلم5254.) (2) أخرجه البخاري5522)، ومسلم5652) بمعناه
عدد الصفحات ١١٢002 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى الباب الرابعُ : فيما أههَ رَه الله تعالى على يديه من المُ عجِ زات وشرَ فه به من الخَ صائص والكَ رامات حسب المُتأمِّل أن يحقق أن كتابنا هذا م نَجمَعه لمُنكِر نُبوَّة نبيِّنا ﷺ ولا لطاعِن في مُعجِزاتهل فنَحتاج إلى نَصْب البراهين عليها، وتحَصين حَوْزتها حتى لا يَتوصَّلَ المُطاعِ ن إليها، ونذكر شرُوط المعجز والتحدِّي وحدَه، وفَساد قول مَن أَبطَل نَسْخ الشرائع ورَدَّه، بل أَلَّفْناه لأهل مِلَّته المُلبِّين لدعوته المصدِّقين لنبوتهل ليكون تأكيدًا في محبتهم له، ومَنماةً لأعمالهمل وليَزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، ونيَّتُنا أن نُثبِت في هذا البابِ أمَّهات مُعجِزاته ومشاهيرَ آياتهل لتَدُلَّ على عظيم قدرِه عند ربه، وأتينا منها بالمُحقَّق والصحيح الإسناد، وأكثرُه مما بلغ القطع أو كاد وأَضَفْنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كُتب الأئمة. وإذا تأمل المُتأمِّل المُنصِف ما قدَّمناه من يعيل أثَره، وحم يد سيره، وبراعة عِلْمه، ورجاحة عقله، وحلمه، ويعلة كماله، ويعيعِ خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله م يَمترَِ في صحة نُبوته، وصِدق دعوته، وقد كَفَى هذا غيرَ واحِد في إسلامه والإيمان به. فعن عبدِ الله بن سلاَم قال: لمَّا قدِم رسول الله ﷺ المدينةَ جئتُه لأنظر إ ليه، فلماَّ استَبَنْت وجهَه عرَفْت أن وجهَه ليس بوجهِ كذَّاب (1). (1) أخرجه الترمذي5021)، وابن ماجه5330.)
عدد الصفحات ١١٣مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|003 وروى مسلم وغيره أن ضمادًا لمَّا وفَد عليه فقال له النبيﷺ: «إنَّ الح مد للهِ، ن حم دُه ون ست عينُه، م ن يَ ْدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، وم ن يُضلِلْ فلا ،ادي له، وأ شه دُ أ نْ لا إله إلاَّ اللهُ وحد ه لا شريك له، وأن محُمدًا عبدُه ورسولُه »، قال له: أعِدْ علََّ كلماتِك هؤلاءِل فلَقَدْ بلغن قاموسَ البَحْر، هاتِ يدَكَ أبايِعْكَ (1). (1) أخرجه مسلم262.)
عدد الصفحات ١١٤004 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 1- فصل [ فيأن المُعجِز مع التحدِّي من الن ﷺ قائِم مَقام قول الله: صَدَقَ عبدي ] اعلَمْ أن اللهَ جل اسمُه قادِ ر على خَلق المعرفة في قلوبِ عباده والعلمِ بذاته وأسمائه وصفاته ويعيعِ تَكليفاته ابتِداءً دون واسِطة لو شاء، كما حُكِيَ عن سُنته في بعض الأنبياء، وذَكَره بعضُ أهل التفسير في قوله: ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [الشورى15]، وجائز أن يوصل إليهم يعيع ذلك بواسِطة تُبل غهم كلامَه، وتكون تلكَ الواسِطةُ إمَّا من غير البشرَ كالملائِكة مع الأنبياءِ، أو من جِنْسهم كالأنبياءِ مع الأُمَم ولا مانعَ لهذا من دليلِ العقلِ، وإذا جاز هذا وم يَستَحِل وجاءت الرسلُ بما دلَّ على صِدْقهم من مُعجِزاتهمل وجَبَ تَصديقُهم في يعيع ما أَتَوْا بهل لأن المُعجِز مع التحدِّي من النبيِّ ﷺ قائِم مَقام قول الله: صَدَقَ عبدي، فأَطيعوه واتَّبِعوه. وشاهد على صِدقه فيما يَقوله وهذا كافٍ.
عدد الصفحات ١١٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|005 2- [ واختلَف العلماء: هل النبيُّ والرسولُ بمعنًى أو بمعنَيَينْ؟ فقيل: هما سَواءٌ، وأصلُه من الإنباء وهو الإعلام، واستدَلُّوا بقوله تعالى: ﴿ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ [الحج15]، فقد أَثبَت لهما معًا الإرسالَ، قال: ولا يكون النبيُّ إ رسولاً، ولا الرسول إلا نبياا. وقيل: هما مُفترَِقان من وجهٍ إذ قد اجتَمَعا في النبوَّة التي هي الاطِّلاع على الغَيْب والإعلا م بخواصِّ النبوة أو الرفعةل لمعرفة ذلك، وحوز درجتها، وافترََقا في زيادة الرسالة للرسولِ، وهو الأمر بالإنذارِ والإعلامِ. وقد ذهَب بعضُهم إلى أن الرسولَ مَن جاء بشرَْع مبتدأ، ومَن م يَأتِ به نبي غير رسولٍ وإن أَمر بالإبلاغ والإنذارِ. والصحيح والذي عليه الج ماَّءُ الغفيرُ أن كلَّ رسول نبي ، وليس كل نبيٍّ رسولاً، وأوَّل الرسُل آدمُ، وآخرُهم محمدٌ ﷺ. وأمَّا الوحيُ فأصلُه الإسراع، فلماَّ كان النبيُّ يَتلقَّى ما يأتيه من ربه بعجَل سُمِّيَ وحيًا، وسمِّيت أنواع الإلهاماتِ وحيًا تشبهًا بالوحي إلى النبي، وسمِّيَ الخطُّ وحيًا لسرعة حركة يدِ كاتِبه، ووحيُ الحاجب واللَّحْظ سرعةُ إشارَتهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ [مريم55]، أي: أَوْمَأ ورمَز، وقيل: كتَبَ. ومنه قولهم: الوَحا الوَحا. أيِ: السرعة السرعة، وقيل: أصل الوحيِ السرُّ والإخفاء. ومنه سُمِّيَ الإلهامُ وحيً ا، ومنه قولُه تعالى: ﴿ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ [الأنعام555]، أي: يُوسوِسون في صدورهم، ومنه قوله ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [القصص7]، أي: أُلقِيَ في قلبها، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [الشورى15]، أي: ما يُلقيه في قلبه دونَ واسِطة.
عدد الصفحات ١١٦006 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 3- فصل [بها وأقسامها] اعلَمْ أن معنَى تسميتنا ما جاءت به الأنبياءُ معجزةً هو أن الخلقَ عجَزوا عن الإتيان بمِثلها، وهي على ضُبَينْ: - ضُبٍ هو من نوع قُدرة البشرَ فعجَزوا عنه، فتَعجيزُهم عنه فِعل لله دلَّ على صِدق نبيِّه كصرَْفهم عن تمنِّي الموت، وتَعجيزهم عن الإتيان بمثل القُرآن على رأيِ بعضِهم ونحوه. - وضُبٍ هو خارج عن قُدرتهم فلم يَقدِروا على الإتيان بمِثله كإحياء الموتى، وقَلْب العصا حيَّةً، وإخراج ناقة من صَخْرة، وكلام شجَرة، ونَبْع الماء من الأصابع، وانشِقاق القمَر، ممَّا لا يمكن أن يفعلَه أحدٌ إلا الله، فكون ذلك ع لى يدِ النبي ﷺ من فِعْل الله تعالى وتحَدِّيه مَن يُكذِّبه أن يأتَِ بمِثله تعجيز له. واعلَمْ أن المعجزاتِ التي ظهرت على يد نبيِّنا ﷺ ودلائلَ نبوته وبراهينَ صِدقه من هذين النوعين معًا، وهو أكثرُ الرسل مُعجِزةً، وأبهرُهم آيةً، وأظهرُهم برهانًا كما سنُبيِّنه، وهي في كَثْرتها لا يحيط بها ضَبْط، فإن واحِدًا منها وهو القُرآن لا يحُصى عدَد مُعجِزاته بأَلْف ولا ألفين ولا أكثَرَل لأن النبيَّ ﷺ قد تحَدَّى بسورة منه فعُجِز عنها. ثم مُعجزاته ﷺ على قسمَينْ: قِسم منها عُلِم قطعًا، ونُقِل إلينا، مُتواتر كالقُرآن فلا مِريةَ ولا خِلاف بمَجيء النبيِّ به، وظهوره من قِبَله، واستِدلاله بحُجته وإن أَنكَر هذا معانِد جاحِد فهو كإنكاره وجودَ محمَّد ﷺ في الدنيا.
عدد الصفحات ١١٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|007 والقِسم الثا: ما م يَبلُغ مبلَغ الضرورة والقَطْع، وهو على نوعين: - نوع مُشتهِر مُنتشرِ رواه العددُ، وشاع الخبر به عند المُح دِّثين والرواة ونقَلة السِّيرَ والأخبار، كنَبْع الماء من بين الأصابع، وتَكثير الطعام. - ونوع منه اختَصَّ به الواحِد أو الاثنان، ورواه العدَدُ اليسيرُ، وم يَشتهِر اشتهارَ غيره، لكنه إذا يعُِع إلى مِثلِه اتَّفَقا في المعنى، واجتَمَعا على الإتيان بالمعجِز كما قدَّمناه. وأنا أَقول صدعًا بالحقِّ: إن كثيرًا من هذه الآياتِ المأثورة عنه ﷺ معلومة بالقَطْعل أما انشِقاق القمَر فالقرآن نصَّ بوُقوعه، وأَخبر عن وُجوده، ولا يُعدَل عن ظاهِره إلاَّ بدليل، وجاء برفع احتمالِه صحيحُ الأخبار من طرُق كثيرةٍ، ولا يُوهِن عزمنا خِلا فُ أخرقَ مُنحلِّ عُرى الدِّين، ولا يُلتَفت إلى سَخافة مُبتدِع يُلقِي الشكَّ على قلوب ضعفاءِ المؤمنين، بل نُرغِم بهذا أنفَه، وننبذ بالعَراءِ سُخفَه، وكذلك قِصَّة نبعِ الماء وتَكثير الطعامِ رواها الثِّقات والعددُ الكثير عن الجماَّء الغفيرِ عن العدَد الكثير م ن الصحابةِ. وكذلك إخبارُه عن الغيوبِ وإنباؤُه بما يَكون وكان، معلوم من آياته على الجُملة بالضرَّورة.
عدد الصفحات ١١٨