54 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى مدور الوجه، واسعَ الجبين، كثَّ اللحية تملأ صدرَه، سواءَ البطنِ والصدر (1)، واسعَ الصدرِ، عظيم المنكبين، ضخمَ العظام، عَ بْ لَ (2) العضدين والذراع والأسافل، رحب الكفين والقدمين، سائلَ الأطرافِ (3)، أنورَ المتجرد (4)، دقيقَ المَ سرُْ بَ ة(5)، ربعةَ القدِ، ليس بالطويل البائنِ، ولا القصيرِ المتردد، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحدٌ ينسب إلى الطولِ إلا طاله ﷺ، رجِلَ الشعر (6). إذا افتر ضاحكًا افترَّ عن مثل سنا البرَقِ وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رُئِيَ كالنور يَرج من ثناياه، أحسن الناس عنقًا، ليس بمُطهَّم (7)، ولا مُكَلثَم (8)، متماسكَ البدنِ ، ضَُْ بَ اللحمِ (9). فصلنظافة جسمه وطيبُ ريحه وعرقِه ونزاهته ] وأما نظافةُ جسمه وطيبُ ريحه وعرقِه ونزاهته عن الأقذارِ وعورات الجسدِ فكان قد خصه الله في ذلك بخصائصَ م توجد في غيره، ثم تممها بنظافةِ الشرعِ وخصالِ الفطرة العشرِ. (1) (سواءَ البطنِ والصدر): مستو (2) (عَبْلَ): ضخم (3) (سائلَ الأطرافِ) طويل الأصابع (4) (أنورَ المتجرد): المتجرد: ما تجرد عند الثياب من البدن (5) (دقيقَ المَسرُْبَة) المسربة: خيط الشعر الذي ب الصدر والسرة. (6) (رجِلَ الشعر):شعر رجل إذا م يكن شديد الجعود ولا سبطًا (7) (المُطهَّم): المنتفخ الوجه، وقيل الفاحش السمن (8) (المُكَلْثَم) الكلثمة: اجتماع لحم الوجه (9) (ضَُْبَ اللحمِ) قليله
عدد الصفحات ٥٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|55 فعن أنس قال: ما شمَمْت عنبرًا قطُّ ولا مسكًا ولا شيئًا أطيبَ من ريح رسول الله ﷺ(1). ونام رسول اﷺ في دار أنس على نطع فعرق، فجاءت أمُّه بقارورةٍ تجمع فيها عرقَه، فسألها رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فقالت: نجعَلُه في طِيبنا، وهو من أطيبِ الطِّ يب(2). وأما وفورُ عقله، وذكاء لُبه، وقوة حواسِّه، وفصاحة لسانِه، واعتدال حركاته، وحُسن شمائِله ، فلا مِريةَ أنه كان أعقلَ الناسِ وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمرَ بواطن الخَلْق وظواهرهم وسياسة العامة والخاصة مع عجب شمائله وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم وقرَّره من الشرع دون تعلُّم سبقَ، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعةٍ للكتب منهل م يَمترَِ في رجحان عقله، وثقوب فَهمه لأول بديهة، وهذا ما لا يحُتاج إلى تقريره لتحقيقه. وفي الموطأ عنه عليه السلام: «إِنيِّ لأ راكُمْ مِنْ و راءِ ظ هْري »(3) وفي بعض الروايات «إلأُبصُِِ مِن ق فاي كما أُبصُِِ مِن بين ي د يَّ »(4). والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيتهﷺ للملائكةِ والشياطين. (1) أخرجه البخاري3165)، ومسلم5334.) (2) أخرجه مسلم5335.) (3) أخرجه مالك في الموطأ5/567، والبخاري052.) (4) أخرجه مسلم053) ولفظه«من ورائي».
عدد الصفحات ٥٦56 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وقد جاءت الأخبارُ بأنه صرعَ رُكانةَ (1) أشد أهلِ وقته وكان دَعاه إ الإسلامِ وصارعَ أبا رُكانةَ في الجاهليةِ وكان شديدًا وعاودَه ثلاثَ مراتٍ، كل ذلك يصرعُه رسولُ الله ﷺ. وفي صفته عليه السلام أن ضَحِكه كان تبسُّماً، إذا التَفَت التَفَت معًا، وإذا مشى مشى تقلعًا كأنما ينحطُّ من صبَب. فصل فصاحة اللسان وبلاغة القول] وأما فصاحةُ اللسان وبلاغةُ القول فقد كان ﷺ من ذلك بالمحلِّ الأفضل، والموضعِ الذي لا يجُهَ ل، سلاسة طبعٍ، وبراعةَ منزعٍ، وإيجاز مقطعٍ، ونصاعة لفظ، وجزالة قولٍ، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أُوتَِ جوامعَ الكلم، وخُصَّ ببدائع الحكم، وعُلِّمَ ألسنةَ العربِ، فكان يَاطبُ كلَّ أمةٍ منها بلسانهِا ويحاورُها بلغتِها ويُباريها في منزعِ بلاغتِها. فصل كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمِه وحِكَمه المأثورة ] وأمَّا كلامُه المعتادُ وفصاحتُه المعلومةُ وجوامعُ كلمِه وحِكَمُه المأثورة فقد ألَّف الناسُ فيها الدواوينَ، ويعُِعت في ألفاظها ومعانيها الكتُب، ومنها ما لا يُوازَى فصاحةً، ولا يُبارَى بلاغةً كقوله: «المُسلِمون ت ت كاف أُ دِماهُ،م، وي سع بذِمَّ تِهم أ دنا،ُم، و،م ي دٌ على م ن سِوا،ُم »(2)، و«الم رْءُ مع م ن أحب »(3)، و«الناسُ (1) أخرجه أبو داود0472)، والترمذي5720.) (2) أخرجه أبو داود5715)، وابن ماجه5621.) (3) أخرجه البخاري6562)، ومسلم5604.)
عدد الصفحات ٥٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|57 م عادِنُ »(1)، ونهيُه عن قِيل وقال، وكثرةِ السؤال، وإضاعةِ المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووَأْد البنات (2)، وقوله«الظُّلْمُظُلُماتٌ يوم القِيامةِ »(3)، إلى ما روَتْه الكافَّةُ عن الكافَّةِ من مقاماتِه ومحاضُاتِه وخطبِه وأدعيتِه ومخاطباتِه وعهودِه، ممَّا لا خلافَ أنه نزلَ من ذلك مرتبةً لا يُقاسُ بها غيرُه وحاز فيها سبقًا لا يُقدَرُ قدرُه. وقد يععت من كلماته التي م يُسبَق إليها ولا قدَرَ أحدٌ أن يفرغَ في قالَبه عليها كقوله: «حم ِي الو طيسُ »(4)،و«لا يُلد غ المُؤمِنُ من جُحْرٍ مرَّت ينْ »(5)، أخواتهِا ما يُدرِكُ الناظرُ العج بَ في مضمَّنِها ويذهبُ به الفكرُ في أداني حكمِها. فجُمِعَ له ﷺ قوةُ عارضةِ الباديةِ وجزالتِها، ونصاعةُ أ لفاظِ الحاضُةِ ورونقِ كلامِها، إلى التأييدِ الإلهي الذى مَدَدُه الوحيُ الذي لا يحيطُ بعلمِه بشري . فصل شرف نسَبه ﷺ وكرَم بلَده ومَنشئِه ] وأما شرفُ نسَبه ﷺ وكرَم بلَده ومَنشئِه فما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مُشكِل ولا خفيٍّ منه، فإنه نُخب ةُ بني هاشم، وسلالة قريشٍ وصميمها، وأشرفُ العرب وأعزهم نفرًا من قِبَل أبيه وأمه، ومن أهل مكة من أكرَم بِلادِ الله على الله وعلى عِباده. (1) أخرجه البخاري3026)، ومسلم (5156.) (2) أخرجه البخاري1271)، ومسلم123.) (3) أخرجه البخاري5007)، ومسلم5172.) (4) أخرجه مسلم5771.) (5) أخرجه البخاري6533)، ومسلم5222.)
عدد الصفحات ٥٨58 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بُعِثْتُ مِنْ خ يرِ قُرونِ بني آد م قرنًا فقرنًا، حتَّ كنتُ مِن الق رْنِ الذي كُنتُ منه»(1). وعن واثلةَ بنِ الأَسقَع قال: قال رسول ا ﷺ: «إنَّ الله اصط ف مِن ول دِ إبرا،يم إسماعيل ، واصط ف مِن ول دِ إسماعيل ب ني كِنانة ، واصط ف من ب ني كِنانة قُريشًا، واصط ف مِن قُريشٍ بني ،اشِمٍ، واصط فاني من ب ني ،اشِمٍ »(2). (1) أخرجه البخاري3117.) (2) أخرجه مسلم5576.)
عدد الصفحات ٥٩مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|59 3- فصل [ب ما تدعو ضرورة الحياة ظليه وأما ما تدعو ضُورة الحياة إليه ممَّا فصَّلناه فعلى ثلاثة أضُُب: - ضُب الفَضْل في قِلَّته. - وضُب الفضل في كَثرته. - وضُب تخَتلِف الأحوال فيه. فصل [في الضرب الأول فأمَّا ما التَّمدُّح والكمال بقِلَّته اتفاقًا وعلى كل حال عادة وشريعة كالغذاءِ والنوم، وم تزل العربُ والحكماء تتمادح بقِلَّتهما وتَذُمُّ بكثرتهمال لأن كثرة الأكلِ والشرب دليل على النهَم والحِرْص والشرََّه وغلبة الشهوة، مسبِّب لمضار الدنيا والآخرة، جالبٌ لأدواء الجسدِ، وخثارة النفس، وامتلاء الدماغ، وقِلته دليل على القناعة و ملك النفسِ، وقمع الشهوة مسبِّب للصحة، وصفاء الخاطر، وحِدَّة الذِّهْن، كما أن كثرة النومِ دليل على الفُسولةِ والضعف، وعدمِ الذكاء والفطنة مسبِّب للكسلِ، وعادةِ العجز، وتضييع العُمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته وموته. والشاهدُ على هذا ما يعلم ضُورة، ويوج دُ مشاهدةً، ويُنقَل متواتِرًا من كلام الأمم المتقدمة والحُكَماء السالفين وأشعارِ العرب وأخبارها، وصحيحِ الحديث، وآثار مَن سلَف وخلَف مما لا يحُتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنما تركنا ذِكْره هنا اختصارًا واقتِصارًا على اشتهار العلم به.
عدد الصفحات ٦٠61 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وكان النبيُّ ﷺ قد أخَذ من هذين الفَنَّينْ بالأقل، هذا ما لا يُدفع من سِيرته، وهو الذي أمَر به وحضَّ عليه، لا سِيَّما بارتباط أحَدِهما بالآخَر. عن المِقدام بنِ مَعدي كرِب أن رسول الله ﷺ قال: «ما ملَ ابنُ آدم وعاءً شر ًّا مِن ب طْنِه، حسبُ ابنِ آدم أكلاتٍ يُقِمْن صُلْب ه، فإن كا ن لا مح الة فثُلُث لط عامِه وثُلُث لشَ ابه وثُلُث لن ف سِه »(1). وفي صحيح الحديث قوله«أمَّا أنا فلا آكُلُ مُتَّكئًا »(2) والاتكاء هو التمكُّن للأكل والتقَ عْ دُ دُ في الجلوس له كالمتربِّع وشبهه من تمَكُّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالسُ على ما تحتَه، والجالس على هذه الهيئة يَستدعي الأكل ويَستكثِر منه، والنبي ﷺ إنما كان جلوسُه للأكل جلوسَ المستوفِز (3) مُقْعِيًا (4). وكذلك نومهﷺ كان قليلاً شهِدَت بذلك الآثارُ الصحيحة، ومع ذلك فقد قال ﷺ: «إنَّ ع ين يَّ تنامانِ ولا ي نامُ ق لْبي »(5). فصل [في الضربالثاني] والضربالثاني: هو ما يَتَّفِق التَّمدُّح بكَثْرته والفخر بوُفوره كالنِّكاح والجاه، فأمَّا النِّكاح فمُتَّفَق فيه شرعًا وعادة فإنه دليل الكمال وصحة الذُّكورية وم يزَلِ التفاخر بكثرته عادة معروفة والتمادح به سيرة ماضية. (1) أخرجه الترمذي5324)، وابن ماجه3302.) (2) أخرجه البخاري (1322.) (3) أخرجه مسلم5400.) (4) (المُسْتَوفِز): المستعجل. و(الإقْعَاءُ): أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتسانَدَ إلى ظهره (5) أخرجه البخاري5507)، ومسلم732).
عدد الصفحات ٦١مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|60 وأما في الشرع فسُنة مأثورة، وقد قال ابنُ عبا س: أفضلُ هذه الأُمةِ أكثرُها نِساءً (1). مشيرا إليهﷺ. ونهى عن التَّبتُّل(2) مع ما فيه من قمع الشهوة فإن قلتَ: كيف يكونُ النكاحُ وكثرتُه من الفضائلِ، وهذا يحيى بنُ زكريا عليه السلام قد أَثنى الله تعالى عليه أنه كان حصورًا، فكيف يُثني الله بالعجزِ عما تَعده فضيلةً، وهذا عيسى ابنُ مريمَ عليه السلام تبتَّل من النساءِ ولو كان كما قَررتَه لنَكحَ؟ فاعلم أن ثناءَ الله تعالى على يحيى بأنه حصورٌ ليس كما قال بعضُهم: إنه كان هيوبًا أو لا ذَكَرَ له، بل قد أنكرَ هذا حُذاقُ المفسرين، ونقادُ العلماءِ، وقالوا: هذه نَقيصةٌ وعيب، ولا يليقُ بالأنبياءِ، وإنما معناه أنه معصومٌ من الذنوبِ، أي: لا يأتيها كأنه حُصرَ عنها، وقيل: مانعًا نفسَه من الشهواتِ. وقيل: ليست له شهوةٌ في النساءِ. فقد بان لك من هذا أن عدمَ القدرةِ على النكاحِ نقصٌ، وإنما الفضلُ في كونهِا موجودة، ثم قمعها إما بم جاهدةٍ كعيسى عليه السلام أو بكفايةٍ من الله تعالى كيحيى عليه السلام فضيلةً زائدة لكونهِا شاغلة في كثيرٍ من الأوقاتٍ حاطةً إلى الدنيا، ثم هي في حق مَن أقدرَ عليها ومُلِّكَها، وقام بالواجبِ فيها، وم تشغله عن ربه درجةٌ عُليا، وهي درجةُ نبينا ﷺ الذي م تَشغله كثرتهُن عن عبادةِ ربه، بل (1) أخرجه البخاري1462.) (2) أخرجه البخاري1473)، ومسلم5045.)
عدد الصفحات ٦٢62 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى زادَه ذلك عبادةً لتحصينِهن وقيامِه بحقوقِهن واكتسابِه لهن، وهدايتِه إياهن، بل صرَّح أنها ليست من حُظوظِ دنياه هو، وإن كانت من حظوظِ دنيا غيرِه، فقال: «حُبِّب إليَّ مِن دُنياكُم »(1) فدل أن حبَّه لما ذُكر من النساءِ والطيبِ اللذين هما من أمرِ دنيا غيرِه، واستعمالِه لذلك ليس لدنياه بل لآخرتِهل للفوائدِ التي ذكرناها في التزويجِ، وللقاءِ الملائكةِ في الطيبِل ولأنه أيضًا مما يحضُّ على الجماعِ ويعينُ عليه ويحركُ أسبابَه. وكان حبُّه لهاتين الخصلتين لأجلِ غيرِه، وقمعِ شهوتِه، وكان حبُّه ا لحقيقي المختصُ بذاته في مشاهدةِ جبروتِ مولاه ومناجاتِه، ولذلك ميَّز بين الحُبين وفَصل بين الحالين، فقال: «وجُعِل ت قُرَّةُ ع يني في الصَّلاةِ »(2) فقد ساوى يحيى وعيسى كفايةِ فتنتِهن وزادَ فضيلةً بالقيامِ بهن. وكان ﷺ ممن أُقدرَ على القوةِ في هذا، وأُعطي ا لكثير منهل ولهذا أُبيح له من عددِ الحرائرِ ما م يُبح لغيرِه. عن أنس أنه ﷺ كان يَدور على نسائه في الساعة من الليلِ والنهارِ وهن إحدى عشرةَ، قال أنس: وكُنَّا نَتحدَّث أنه أُعطيَ قوةَ ثلاثين رجلاً (3). وأمَّا الجاهُ فمحمودٌ عند العُقَلاء عادة، وبقَدْر جاهِه عِ ظمُه في القلوبِ، وقد قال الله تعالى في صفة عيسى عليه السلام ﴿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾ [01]، لكن آفاته كثيرةل فهو مُضرِ ببعض الناس لعقبى الآخرة: فلذلِك ذمَّه من ذمَّه (1) أخرجه النسائي (3232.) (2) أخرجه النسائي3232.) (3) أخرجه البخاري562)، ومسلم342.)
عدد الصفحات ٦٣مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|63 ومدَح ضِدَّه، وورد في الشرع مدح الخمول وذم العُلوِّ في الأرض، وكان ﷺ قد رُزِق من الحِشمة وا لمكانة في القلوبِ والعظَمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها وهم يُكذِّبونه، ويؤذون أصحابه، ويَقصِدون أذاه في نفسه خفية حتى إذا واجههم أعظموا أمرَه، وقضَوْا حاجته. وقد كان يبهَتُ ويَفْرَقُ من رؤيتِه مَن م يره، كما رُوي في حديثِ أبي مسعود أن رجلاً قام بينَ يد يه فأرعَدَ فقال له: «،وِّنْ عليك! فإني لستُ بم لِكٍ ... الحديث»(1). فأمَّا عظيمُ قدرِه بالنبوةِ، وشريفُ منزلتِه بالرسالةِ، وإنافةُ رتبتِه بالاصطفاءِ والكرامةِ في الدنيال فأمرٌ هو مبلغُ النهايةِ، ثم هو في الآخرةِ سيدُ ولدِ آدمَ. وعلى معنى هذا الفصلِ نظَمْنا هذا القسمَ بأسرِه. فصل [في الضربالثالث] وأمَّا الضربُ الثالث فهو ما تخَتلِف الحالات في التمدُّح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله ككثرة المال، فصاحبه على الجُملة معظَّم عند العامةِل لاعتقادها توصُّله به إلى حاجاته، وتمَكُّن أغراضه بسببه، وإلاَّ فليس فضيل ة في نفسه. فمتى كان المالُ بهذه الصورةِ وصاحبه مُنفقًا له في مهماته ومهمات مَن اعتراهُ وأمَّلَه، وتصريفه في مواضعِه مشتريًا به المعالي والثناءَ الحسن والمنزلة من القلوبِل كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. (1) أخرجه ابن ماجه3355.)
عدد الصفحات ٦٤64 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وإذا صرفَه في وجوهِ البرِّ، وأنفقَه في سبلِ الخير ، وقصدَ بذلك اللهَ والدارَ الآخرة كان فضيلةً عند الكلِّ بكل حالٍ، ومتى كان صاحبه متمسكًا له غير موجهه وجوهه، حريصًا على يععه عادَ كُثرُه كالعدم، وكان منقصةً في صاحبه، وم يقِفْ به على جدَد السلامة، بل أوقعه في هوةِ رَذيلةِ البخل، ومذمَّة النذالةِ. فانظر سيرة نبينا ﷺ وخُلُقه في المال تجَِده قد أُوتَِ خزائنَ الأرض ومفاتيحَ البلاد، وأحلت له الغنائم، وم تحلَّ لنبيٍّ قبله، وفُتح عليه في حياته ﷺ بلادُ الحجاز واليمن ويعيع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشامِ والعراق، وجُلبت إليه من أخماسِها وجِزيتها وصدقاتها ما لا يجُبَى للملوك إلا بعضُه، وهادَتْه يعاعة من ملوكِ الأقاليم فما استأثرَ بشيء منه ولا أمسَك منه درهمًا، بل صرَفه مصارفه وأَغنَى به غيره وقوَّى به المسلمين، وقال: «ما ي سُُُّني أنَّ لي أُحُدًا ذ،بًا يبيت عِندي منه دِينارٌ إلاَّ دِينار أ رصدُه لد يْن »(1)، ومات ودِرعُه مرهونة في نفَقة عياله (2)، واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعوه ضُورتُه إليه، وزهِد فيما سِواه. (1) أخرجه البخاري6000)، ومسلم باب الترغيب في الصدقة20.) (2) أخرجه البخاري0067)، ومسلم5643.)
عدد الصفحات ٦٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|65 4- فصل [ وأمَّا الخِصالُ المكتسبةُ من الأخلاقِ الحميدة والآداب الشريفة التي اتَّفق يعيعُ العقلاءِ على تفضيلِ صاحبِها، وتعظيمِ المُ تَّصفِ بالخُلُقِ الواحدِ منها، فضلاً عماَّ فوقَه، وأثنى الشرعُ على يعيعِها وأمَرَ بها، ووعَدَ السعادةَ الدائمةَ للمتخلِّقِ بها، ووصَفَ بعضَها بأنه مِن أجزاءِ النبوةِ، وهي المسماَّةُ بحُسن الخُلُقِ، وهو الاعتدالُ في قُوَى النفسِ وأوصافِها، والتوسطُ فيها، دو نَ الميل إلى منحرفِ أطرافِها، فجميعُها قد كانت خُلُقَ نبيِّنا ﷺ على الانتهاء في كمالها، والاعتدالِ إلى غايتها، حتى أثنى الله عليه بذلك فقال تعالى: ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ [0]، قالت عائشة : كان خُلُقه ﷺ القرآنَ. وقال ﷺ: «بُعِثْت لأُتَ ِّم م كارم الأ خْلاق »(1)، وقال أنسٌ: كان رسول ا ﷺ أحسنَ الناس خُلقًا (2). وهكذا لسائرِ الأنبياءِ والمرسلين، ومَن طالَعَ سِيرَهم منذ صِباهم إلى مَبعَثهم حقَّقَ ذلك كما عُرِفَ من حال عيسى وموسى ويحيى وسليمانَ وغيرهم عليهم السلام. وقال في حديثه ﷺ: «لم أ ،مَّ بشيءٍ ممَّا كانت الجا ،لية ت فع لُه إلاَّ مرَّت ينْ فعص م ني اللهُ منهما ثُم لم أ عُدْ »(3). (1) أخرجه أحمد50/155 (2215)،والبزار (2202). (2) أخرجه البخاري6543)، ومسلم612.) (3) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (ص72.)
عدد الصفحات ٦٦66 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ثم يَتمكنُ الأمرُ لهم، وتترادفُ نفحاتُ الله تعالى عليه م، وتشرقُ أنوارُ المعارفِ في قلوبهِم، حتى يَصلوا إلى الغايةِ ويَبلغوا باصطفاءِ الله تعالى لهم بالنبوةِ في تحصيلِ هذه الخصالِ الشريف ةِ النهايةَ دون ممارسةٍ ولا رياضةٍ قال الله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [القصص50]. وقد نجِد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاقِ دون يعيعها ويُولَد عليها فيَسهُل عليه اكتِساب تمَامها عناية من الله تعالى كما نُشاهِد من خَلقِه بعض الصبيان على حسنِ السَّمْت أو الشهام ة أو صِدق اللسان أو السماحة، وكما نجِد بعضَهم على ضِدِّها، فبالاكتِساب يَكمُل ناقصها، وبالرياضةِ والمجاهدة يُستجلَب معدومها، ويَعتدِل مُنحرِفها، وباختلافِ هذين الحالين يَتفاوَت الناس فيها، «وكلٌّ مُيسَُّ لما خُلِق له »(1). فصل [ فيالحِلم والاحتِمال والعفو م ع القدرة والصبر على ما يَكره ] وأما الحِلم والاحتِمال والعفو مع القدرة والصبر على ما يَكره، وبين هذه الألقابِ فرقٌ: فإن الحِلم َ: حالة تَوقُّر وثباتٍ عند الأسباب المحركات. والاحتمالُ : حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثلها الصبرُ، ومعانيها متقاربة. وأمَّا ال عفوُ : فهو تَركُ المؤاخذةِ. (1) أخرجه البخاري0201)، ومسلم5607.)
عدد الصفحات ٦٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|67 وهذا كله مما أدَّب الله تعالى به نبيَّه ﷺ فقال تعالى: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [522]. وقال له ﴿ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ [57]، وقال تعالى: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ [31]، وقال ﴿ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [55]، وقال تعالى: ﴿ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ [03]، ولا خفاء بما يؤثر من حِلمه واحتِماله، وأن كل حَليم قد عرِفت منه زلةٌ وحفِظت عنه هفوة، وهو ﷺ لا يَزيد مع كثرةِ الأذى إلا صبرًا وعلى إسرافِ الجاهل إلاَّ حلماً. عن عائشة قالت: ما خُيرِّ رسول ا ﷺ في أمرين قطُّ إ لا اختارَ أيسرََهما ما م يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسِه إلا أن تُنتَهك حُرمة الله تعالى فينتقِم لله بها (1). ولما قالَ له الرجلُ: اعدلل فإن هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله. م يزِده جوابِه أن بَينَّ له ما جَ هِلَه ووعَظَ نفسَه وذكرها بما قالَ له، قال: «و يح ك، فم ن ي عدِلُ إن لم أ عدِل؟ خِبت وخ سُِت إن لم أ عدِل »(2) ونهى من أرادَ من أصحابِه قتله ومن عظيم خبرَه في العفو عفوُه عن اليهوديةِ التي سمَّته في الشاةِ بعد اعترِافها (3) -على الصحيح من الرواية- وأنه م يؤاخذ لَبيدَ بنَ الأعصم إذ سحَره، وقد أُعلِم به وأُوحِيَ إليه بشرحِ أمره، ولا عتبَ عليه فضلاً عن معاقبته (4). (1) أخرجه البخاري6726)، ومسلم5357.) (2) أخرجه البخاري3532)، ومسلم5463،5460.) (3) أخرجه البخاري5657)، ومسلم5524.) (4) أخرجه البخاري (3562)، ومسلم5522.)
عدد الصفحات ٦٨68 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وكذلك م يُؤاخِذ عبدَ الله بنَ أُبيٍّ وأشباهَه من المنافقين بعظيم ما نقِل عنهم في جهته قولاً وفعلاً، بل قال لمن أَشارَ بقتل بعضِهم: «لا يُتحدَّثُ أن محُمَّدًا ي قتُل أ صحاب ه»(1). وعن أنسٍ كُنت مع النبي ﷺ وعليه بُرد غليظُ الحاشيةِ فجَبذه الأعرابيُّ بردائِه جبذةً شديدة حتى أثَّرت حاشيةُ البردِ في صفحةِ عاتقِه، ثم قال: يا محمدُ، احملْ لي على بعيريَّ هذين من مالِ الله الذي عندكل فإنك لا تحملُ لي من مالِك، ولا من مالِ أبيك. فسَكت النبيُّ ﷺ ثم قال: «المالُ مالُ الله، وأنا ع بدُه » ثم قال: «ويُقادُ مِنك يا أعرابيُّ ما فعلت » قال: لا، قال«لم؟» قال: لأنك لا تُكافئُ بالسيئةِ السيئةَ. فضحكَ النبيُّ ﷺ ثم أمرَ أن يحملَ له على بعيرٍ شعيرٌ، وعلى الآخرِ تمرٌ (2). قالت عائشةُ : ما رأيت رسول ا ﷺ منتصرًا من مظلمة ظُلِمَها قطُّ ما م تكن حُرمةً من محارم الله (3)،«وما ضر ب بيده شيئًا قطُّ إلاَّ أن يجُا،د سبيل الله، وما ضر ب خادمًا قط ولا امرأة (4). والحديثُ عن حلمِه ﷺ وصبرهِ وعفوه عند المقدرة أكثر من أن نأت عليه، وحسبك ما ذكرناه مما في الصحيحِ والمصنفاتِ الثابتةِ إلى ما ب لغ متواترًا م بلغ اليقينِ (1) أخرجه البخاري0241)، ومسلم5463.) (2) أخرجه البخاري3502)، ومسلم5467)، من حديث أنس مختصرا، وأخرجه أبو داود0771)، والنسائي (0776) من حديث أبي هريرة بأتم من حديث أنس (3) أخرجه الحميدي في المسند564)، وابن أبي الدنيافي الصمت (352)، وأصله في البخاري3164)، ومسلم (5357.) (4) أخرجه أحمد05/014 (50221)، وابن ماجه5220.)
عدد الصفحات ٦٩مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|69 من صبرِه على مُقاساةِ قريشٍ وأذى الجا،ليةِ ومُصابرتِه الشدائد الصعبة معهم، إ أن أظفر ه الله عليهم وحكَّمه فيهم، و،م لا ي شُ كُّ ون في استئصالِ شأفتِهم، وإبادةِ خ ضرائِهم، فما زاد على أن عفا وصفح ، وقال: «ما ت قولون أني فاعلٌ بكم؟ » قالوا خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، فقال: «أقولُ كما قال أخي يوسفُ ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ [يوسف92] اذ،بوا فأنتمُ الطلقاءُ »(1). وقال لأبي سفيانَ -وقد سيق إليه بعد أن جلبَ إليه الأ حزابَ وقتلَ عمَّه وأصحابَه ومثَّل بهم فعَفا عنه ولاطَفه في القول-: «ويح ك يا أبا سفيان ، ألم يأنِ لك أن ت علم أن لا إله إلا الله؟ » فقال: بأبي أنت وأُمي، ما أحلمَك وأوصلَك وأكرمَك!(2) وكان رسول ا ﷺ أبعدَ الناس غَضبًا وأسرعَهم رِضىً، صلى الله عليه وسلم. فصل [ الجود والكرم والسَّخاء والسماحة ] وأما الجود والكرم والسَّخاء والسماحة ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضُهم بينها بفروق: فجع لوا الكرم : الإنفاقَ بطيبِ النفس فيما يعظم خطرُه ونفعُه، وسمَّوْه أيضًا: حريةً وهو ضدُّ النذالة. (1) رواه البلاذري في فتوح البلدان (ص14)، والطبري في التاريخ3/65. (2) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية57/012 (0345.)
عدد الصفحات ٧٠