المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يمختصر الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١٣ من ١٥

098 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وقال: «إِنَّما الم دينةُ كالكِيرِ ت نْفي خ ب ث ها و ي نص عُ طِيبها »(1). وقال«لا يُرجُ أحدٌ من المدينة رغبةً عنها إلا أبدلَا الله خيرًا منه »(2). وعن ابنِ عمرَ «من استطاع أن يموت بالمدينةِ فليمُت بِا؛ فإني أشفعُ لمن يموت بِا»(3). (1) أخرجه البخاري5223)، ومسلم5323.) (2) أخرجه مالك5/227 (6.) (3) أخرجه الترمذي3257)، وابن ماجه3555.)

عدد الصفحات ١٩٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|099 القِ سْم الثالِ ث: فيما يَ جِب للنبيِّ ﷺ، وما يَ ستَ حيل في حَ قِّه أو يَ جوز عليه، وما يَمتنِ ع أو يَ صِحُّ من الأحوال البشَ رية أن تُضاف ظليه

عدد الصفحات ٢٠٠

211 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى

عدد الصفحات ٢٠١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|210 قال الله تعا﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾ [آل عمران 500]، وقال تعا﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ [المائدة71]، وقال﴿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ [الفرقان 54]، وقال تعا﴿ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ﴾ [الكهف554]. فمُحمَّد ﷺ وسائرُ الأنبياء من البشرَِ أُرسِلوا إلى البشرَ، ولولا ذلك لما أَطاق الناسُ مُقاوَمتهم والقبولَ عنهم ومخُاطَبتهم، قال اللهُ تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ [الأنعام2]، أي: لما كان إلاَّ في صورة البشرَ الذين يُمكِنكم مخُالطتُهمل إذ لا تُطيقون مُقاومة المَلَك ومخُاطبته ورُؤيته إذا كان على صو رته، وقال تعالى: ﴿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾ [الإسراء21]، أي: لا يمكن في سُنة الله إرسالُ الملَك إلاَّ لمَِن هو من ِجنسه، أو مَن خصَّه الله تعالى واصطَفاه وقوَّاه على مُقاومته كالأَنبياء والرسُل.

عدد الصفحات ٢٠٢

212 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى فالأنبياء والرسُل عليهم السلام وسائطُ بين الله تعالى وبين خَلْقه، يُبلِّغونهم أوامرَه ونواهيَه، ووعدَه ووعيدَه، ويُعرِّفونهم بما م يَعلَموه من أَمْره وخَلْقه وجلاله وسُلطانه وجَبروته ومَلكوته، فظَواهرُهم وأجسادُهم وبِنيتُهم مُتَّصفة بأوصاف البشرَ، طارِئ عليها ما يَطرَأ على البشرَ من الأعراض والأسقام والمو ت والفَناء ونُعوت الإنسانية وأرواحهم. وبواطنُهم مُتَّصفة بأعلى من أَوْصاف البشرَ مُتعلِّقة بالملأ الأَعلى، مُتشبِّهة بصفات الملائكة، سَليمة من التغيرُّ والآفات، لا يَلحقها غالبًا عجزُ البشرَية ولا ضَعْف الإنسانية، إذ لو كانت بواطِنُهم خالِصةً للبَشرية كظوا هِرهم لما أَطاقوا الأخذَ عن الملائكة ورُؤيتهم لهم ومخُاطبتهم إياهم ومخُالطتهم كما لا يُطيقه غيرهم من البشرَ، ولو كانت أَجسامُهم وظواهِرُهم مُتَّسِمة بنُعوت الملائكة وبخِلاف صفات البشرَل لما أَطاق البشرَ ومَن أُرسِلوا إليه مخُالطتَهم كما تَقدَّم من قول الله تعالى. فجُعِلوا من جهة الأجسام والظواهِر مع البشرَ، ومن جهة الأرواحِ والبواطِن مع الملائِكة. كما قال عليه السلام: «ل وْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خ لِيلاً لا تخَّ ذْتُ أ با ب كْرٍ خ ليلاً، ول كِنْ أُخوَّةُ الإِسلامِ، لكِنْ صاحِبُكُمْ خ ليلُ الرَّحمْ نِ »(1). وكما قال«ت نامُ ع يْناي و لا ي نامُ ق لْبي »(2). (1) أخرجه مسلم5323.) (2) أخرجه البخاري5453)، ومسلم732)، وأبو داود545)، والترمذي5502.)

عدد الصفحات ٢٠٣

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|213 وقال«إِنيِّ ل سْتُ ك ه يْئتِكُم، إِنيِّ أ ظ لُّ يُطْعِمُني ر بيِّ و ي سْقِيني »(1)، فبواطِنُهم مُنزَّهة عن الآفات، مُطهَّرة من النقائِص والاعتِلالات، وهذه يعُلة لن يَكتفيَ بمَضمونها كلُّ ذِي همَِّ ة، بل الأكثرُ يحَتاج إلى بَسْط وتفصيل على ما نَأتِِ به بعدَ هذا في البابين بعَوْن الله، وهو حَسْبي ونِعمَ الوكيلُ. (1) أخرجه البخاري5255)، ومسلم5545.)

عدد الصفحات ٢٠٤

214 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى الباب الأوَّ ل فيما يَ ختصُّ بالأمور الدينية والكلام في عِ صمة نبيِّ نا عليه الصلاة والسلام وسائِ ر الأنبياء صلوات الله عليهم اعلَمْ أن الطوارئَ من التَّغيرُّات والآفات على آحاد البشرَ لا يََلو أن تَطرَأ على: 1- جِسْمه أو على حَواسِّه بغير قَصْد واختيار، كالأمراض والأسقام 2- أو تَطرَأ بقَصْد واختيار وكلُّه في الحقيقة عمَل وفِعْل، ولكن جرَى رسمُ المشايخ بتَفصيله إلى ثلاثة أنواعٍ: - ع قْد بالق لْب. - وقول باللِّسان. - وعم ل بالجوارِح. ويعيعُ البشرَ تَطرَأ عليهمُ الآفات والتغيرُّات بالاختيار وبغَيرْ الاختيار في هذه الوجوهِ كلِّها، والنبيُّ ﷺ وإن كان من البشرَ ويجَوز على جِبِلَّته ما يجَوز على جِبِلَّة البشر، فقد قامت البراهين القاطِعة وتمتْ كلِمةُ الإيعاعِ ع لى خُروجه عنهم وتَنزيهِه عن كثير من الآفاتِ الَّتي تَقَع على الاختِيار وعلى غير الاختِيار كما سنُبيِّنه -إن شاء اللهُ - فيما نَأتِِ به من التَّفاصيل.

عدد الصفحات ٢٠٥

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|215 1- فصل في حُ كم عَ قْد قلب النبيِّ ﷺ من وَ قْت نبوَّ ته اعلَمْ -منَحنا اللهُ إياكَ تَوفيقَه - أن ما تَعلَّق منه بطريق التوحيد والعِلم بالله وصِفاته والإيمان به، وبما أُوحِيَ إليه، فعلى غايةِ المَعرِفةِ ووُضوح العِلْم واليقين، والانتِفاء عن الجهل بشيءٍ من ذلك أو الشك أو الريب فيه، ما يُضادُّ المعرفة بذلك واليَقين، هذا لا يَصِحُّ بالبراهين الواضِحة أن يَكون في عُقود الأنبياء سِواهُ. 2- فصل [ عصمتهم من هذا الفنِّ قبلَ النبوة ] وأما عصمتهم من هذا الفنِّ قبلَ النبوة فللناسِ فيه خلافل والصوابُ أنهم معصومون عليهم السلام قبل النبوة من الجهل بالله، وصِفاته، والشكِّ في شيء من ذلك، وقد تعاضَدتِ الأخبارُ والآثار عن الأنبياء بتَنزيههم عن هذه النقيصةِ منذُ وُلِدوا ونَشْأتهم على التوحيدِ والإيمان. وم يَنقل أحدٌ من أهل الأخبار أن أحدًا نُبِّئَ واصطُفي ممن عُرف بكفرٍ وإشراك قبل ذلك، ومستندُ هذا الباب النقلُ، وقد استدل بعضُهم بأن القلوبَ تنفر عمن كانت هذه سبيلُه. وأنا أقول: إن قريشًا قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته، وغير كفارُ الأمم أنبياءَها بكل ما أمكنها واختلقَته مما نص الله تعالى عليه، أو نقلته إلينا الرواةُ، وم نجد في شيء من ذلك تعييرًا لواحد منهم برفضه آلهتَه، وتقريعه بذَمِّ ه بتركِ ما كان قد جامعَهم عليه، ولو كان هذا لكانوا بذلك متبادرين، وبتلونه في

عدد الصفحات ٢٠٦

216 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى معبوده محُتجين، ولكان تَوبيخُهم له بنهيهم عما كان يعبدُ قبلُ أفظعَ وأقطعَ في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتَهم وما كان يعبدُ آباؤهم من قبلُ. ففي إطباقِهم على الإعراضِ عنه دل يل على أنهم م يجدوا سبيلاً إليه، إذ لو كان لنُقِلَ ولمَا سكتوا عنه، كما م يسكُتوا عند تحويلِ القبلةِ وقالوا: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [البقرة505] كما حكاه الله عنهم

عدد الصفحات ٢٠٧

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|217 3- فصل [ فأمَّا ما تعلَّق منها بأمر الدنيا فلا يُشترََط في حقِّ الأنبياء ا لعِصمة من عدم معرِفة الأنبياء ببعضها أو اعتِقادها على خِلاف ما هي عليه، ولا وصمَ عليهم فيه إذ همَِمهم متعلِّقة بالآخرةِ وأنبائها، وأمرِ الشريعة وقوانِينها، وأمور الدنيا تُضادُّها، بخِلاف غيرِهم من أهل الدنيا الذين ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ [الروم7]. ولكنه لا يُقال: إنهم لا يعلمون شيئًا من أمر الدنيا، فإن ذلك يُؤدِّي إلى الغفلة والبلَهِ، وهم المُنزَّهون عنه، بل قد أُرسِلوا إلى أهل الدنيا، وقُلِّدوا سياستهم وهِدايتهم، والنظر في مصالح دِينهم ودُنياهم، وهذا لا يَكون مع عدَم العِلم بأمور الدنيا بالكُلِّية، وأح والُ الأنبياء وسِيرَهم في هذا الباب مَعلومة ومعرفتُهم بذلك كلِّه مشهورة، وأمَّا إن كان هذا العقدُ مما يتعلقُ بالدِّين فلا يَصِحُّ من النبيِّ ﷺ إلاَّ العِلم به ولا يجَوز عليه جهله يعلةً.

عدد الصفحات ٢٠٨

218 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 4- فصل [ عِصمة الن ﷺ من الشيطان وكِفايته منه ] واعلَمْ أن الأُمَّة مجُتمِعة على عِصمة النبيِّ ﷺ من الشيطان وكِفايته منه لا في جِسمه بأنواع الأذى ولا على خاطِره بالوَساوِس. فعن عبدِ الله بنِ مسعود  قال: قال رسول ا ﷺ: «ما مِنكُم مِن أح دٍ إلاَّ وقد وُكِّل بِهِ ق رينُه مِن الجِنِّ وق رينُه مِن الم لائِكةِ »، قالوا: وإيَّاك يا رَسولَ الله؟ قال: «و إِيَّاي ، ول كِنَّ الله ت عالى أ عان نِي ع ل يْهِ ف أ سْل م ؛ ف لا ي أْمُرُني إِلاَّ بِخ يرٍْ »(1)، روِيَ: فأَسلَمُ. بضَمِّ الميم، أي: فأَسلَمُ أنا منه، وصحَّح بعضُهم هذه الروايةَ ورجَّحها، وروِيَ: فأسلَمَ. يَعنِي: القرينَ، أن ه انتَقَل عن حال كُفره إلى الإسلامِ فصار لا يَأمُر إلاَّ بخَيرْ كالملَك. فإذا كان هذا حُكْم شَيْطانه وقَرينه المسلط على بني آدَمَ فكيف بمَن بعُد منه، وم يَلزَم صُحبته، ولا أُقدِر على الدنوِّ منه؟! وقد جاءتِ الآثارُ بتَصدِّي الشياطين له في غير مَوطِن رغبة في إطفاءِ نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شُغل عليه إذ يَئِسوا من إغوائه فانقَلبوا خاسرِين، كتَعرُّضه له في صَلاته، فأخَذَه النبيُّ ﷺ وأَسرَه، قال أبو هريرةَ عنه عليه السلام: «إِنَّ الشَّيْط ان ع ر ض ليِ فيِ صُورةِ ،ِرٍّ، ف ش دَّ ع لي َّ ي قط ع عليَّ الصلاة ، فأ مك ن ني اللهُ مِنهُ فذ ع تُّهُ، ولق دْ هم مْتُ أ نْ أُوثِق هُ إلى سارِيةٍ مِن س واري الم سجِدِ حتَّ تُصبِحوا ت نْظُرون إل يْهِ، فذ ك رْتُ قول أ خي سُل يْمان : ﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ [ص35] الآية ، ف ر دَّهُ اللهُ خاسِئًا »(2). (1) أخرجه مسلم5250.) (2) أخرجه البخاري065)، ومسلم105.)

عدد الصفحات ٢٠٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|219 5- فصل [] وأمَّا أقوالُه عليه السلام فقامتِ الدلائلُ الواضحةُ بصِحَّة المُعجِزة ع صِدْقه، وأَيعَعت الأُمَّة فيما كان طَريقُه البلاغَ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيءٍ منها بخِلاف ما هو به، لا قصدًا ولا عمدًا ولا سهوًا ولا غلطًا. عن عبدِ الله بنِ عمرٍو: قلتُ: يا ر سول الله، أكتُب كلَّ ما أَسمَع منك؟ قال: «نع مْ»، قلتُ: في الرِّضا والغضَب؟ قال: «نع مْ، ف إِنيِّ لا أ قولُ في ذ لِك كُلِّهِ إِ ح قًّا »(1). قال تعا﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ [النجم3 - 0]، ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [النساء574]،﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾ [ا7]، فلا يَصِحُّ أن يُوجَد منه في هذا البابِ خبرَ بخِلاف مخبرَه على أيِّ وجه كانَ. 6- فصل [سَبيله سبيلُ البلاغ ] هذا القولُ فيما طريقه البلاغُ، وأمَّا ما ليس سَبيله سبيلُ البلاغ من الأخبار الَّتي لا مُستندَ لها إلى الأحكام ولا أخبار المعاد، ولا تُضاف إلى و حيٍّ، بل في أمور الدنيا وأَحوال نَفْسه فالذي يجَِب اعتقاده تنزيهُ النبيِّ ﷺ عن أن يقَع خبرُه في شيء من ذلك بخِلاف مخبرَه لا عمدًا ولا سهوًا ولا غلَطًا، وأنه مَعصوم من ذلك في حال رِضاه، وفي حال سخطِه وجِدِّه ومَزْحه وصِحَّته ومرَضه، ودليل ذلك اتِّفاقُ (1) أخرجه أبو داود3606.)

عدد الصفحات ٢١٠

201 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى السلَ ف وإيعاعهم عليه، وذلك أنا نَعلَم من دِين الصحابة وعادتهم مُبادرتهم إلى تصديقِ يعيع أحوالِه والثِّقة بجميع أَخباره في أيِّ باب كانت، وعن أيِّ شيء وقَعَت، وأنه م يَكُن لهم تَوقُّف ولا تَردُّد في شيء منها، ولا استِثبات عن حاله عند ذلك هل وقَع فيها سهوٌ أم لا . ولما احتَجَّ ابنُ أبي الحُقيقِ اليَهوديُّ على عمرَ حين أَجْلاهم من خيبرَ بإقرار رسول الله ﷺ لهم، واحتَجَّ عليه عمرُ  بقولهﷺ: «ك يْف بِك إِذا أُخْرِجْت مِنْ خ يْبر ؟ » فقال اليهوديُّ: كانت هزيلة من أبي القاسِم. فقال عُمرُ: كذَبْت يا عَدوَّ الله! (1). ولو كان ذلك لنُقِل كما نُقِل من قِصَّته عليه السلام في رجوعُه ﷺ عماَّ أَشار به على الأنصار في تَلقيح النَّخْل (2)، وكان ذلك رأيًا لا خبرًَا وأيضًا فإن الكذِبَ متى عُرِف من أحَد في شيءٍ من الأخبار بخِلاف ما هو على أيِّ وجهٍ كان، استريب بخبرَه واتهُِّم في حد يثه، وم يَقَع لقوله في النفوس موقعل ولهذا ترَك المُحدِّثون والعلماء الحديثَ عمَّن عُرِف بالوهم والغفلة، وسُوء الحِفظ، وكثرة الغلَط مع ثِقته، وأيضًا فإن تعمُّدَ الكذبِ في أمور الدنيا مَعصية، والإكثار منه كَبيرة بإيعاعٍ، مُسقِط للمروءة وكل هذا ممَّا يُنزَّه عنه منصِب النبوةِ. وانظُرْ أحوال عَصرْ النبيِّ ﷺ من قُرَيْش وغيرها من الأُمَم وسُؤالهم عن حاله في صِدْق لِسانه، وما عُرِّفوا به من ذلك، واعترََفوا به مما عُرِف، واتَّفَق النقلُ على عِصمة نبيِّنا ﷺ منه قبلُ وبعدُ. (1) أخرجه البخاري5734.) (2) أخرجه مسلم5365.)

عدد الصفحات ٢١١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|200 7- فصل [ وأمَّا ما يَتعلَّق بالجوارح من الأعمال ولا يََرُج من يعُلتها القول باللسان فيما عدا الخبرَ الَّذي وقَع فيه الكلامُ، والاعتِقاد بالقلب فيما عدا التوحيدَ، وما قدَّمناه من معارفه المختَصَّة به، فأَيعَع المسلمون على عِصمة الأنبياء من الفَواحِش والكبائر المُوبِقات، ومُستَنَدُ الجم هور في ذلك الإيعاعُ. وكذلك لا خِلافَ أنهم مَعصومون من كِتمان الرسالة والتقصير في التَّبليغ. وأمَّا الصغائر فجوَّزها يعاعةٌ من السلَف وغيرهم على الأنبياءِ. وذهَبَت طائِفةٌ أخرى إلى الوقفِ، وقالوا: العقلُ لا يحُيلُ وقوعَها منهم، وم يأتِ في الشرَّعِ قاطعٌ بأ حدِ الوجهين. وذهَبَت طائِفةٌ أخرى من المُحقِّقين من الفُقهاء والمُتكلِّمين إلى عِصمتِهم من الصغائر كعِصْمتهم من الكبائِر. ومَن جوَّز الصغائر ومَن نفاها عن نبيِّنا عليه السلام مجُمِعون على أنه لا يُقِرُّ على مُنكَر من قول أو فعل وأنه متى رأى شيئًا فسكَت عنه ﷺ دلَّ على جوازِه، فكيف يَكون هذا حالَه في حقِّ غيرِهِ، ثم يجَوز وقوعُه منه في نَفْسه؟! وأيضًا فقد علِم من دِين الصحابة قطعًا الاقتداءُ بأفعال النبيِّ ﷺ كيف تَوجَّهت، وفي كل فنٍّ كالاقتِداء بأقوالِه، فقد نبَذوا خواتِيمَهم حين نبذ خاتمََه (1)، (1) أخرجه البخاري6615)، ومسلم5425.)

عدد الصفحات ٢١٢

202 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وخلَعوا نِعالهَ م حين خلَع نَعلَه(1)، واحتجاجهم برؤية ابنِ عمرَ إيَّاه جالسًا لقضاء حاجته مُستقبِلاً بيتَ المقدس (2). وأما المباحاتُ فجائز وقوعُها منهم ، إذ ليس فيها قدحٌ، بل هي مأذونٌ فيها، وأيديهم كأيدي غيرهم مسلطة عليها، إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة، وشرُِحَت لهم صدورُهم من أنوار المعرفة، واصطُفوا به من تعلُّقِ الهِمَمِ بالله والدارِ الآخرة لا يأخذون من المباحاتِ إلا الضروراتِ مما يتَقَوَّون به على سلوك طريقِهم وصلاحِ دينهم وضُورةِ دنياهم، وما أُخذ على هذه السبيلِ التَحَقَ بطاعةٍ، وصار قربة كما بينا منه أولَ ال كتاب طرفًا في خصال نبينا عليه السلام، فبان لك عظيمُ فضلِ الله على نبينا عليه السلام، وعلى سائر أنبيائِه عليهم السلام بأن جعل أفعالهَم قرباتٍ وطاعات بعيدةً عن وجه المخالفةِ ورسم المعصيةِ. (1) أخرجه أبو داود614.) (2) أخرجه البخاري501)، ومسلم566.)

عدد الصفحات ٢١٣

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|203 8- فصل [في عِصمته ﷺ من المعاصي قبل النبوَّة ] وقدِ اختُلِف في عِصمتهم من المعاصي قبل النبوَّةل فمنَعها قوم، وجوَّزها آخرون، والصحيحُ -إن شاء الله - تَنزيهُهم من كل عَيْب وعِصمتُهم من كل ما يُوجِب الريب، فكيف والمَسأَلة تَصوُّرها كالمُمتنِع؟! فإن المعاصيَ والنواهيَ إنما تَكون بعد تَقرُّر الشرع، وقد اختلَف الناسُ في حال نبيِّنا ع ليه السلام قبلَ أن يُوحَى إليه: هل كان متبعًا لشرع قبلَه أم لا؟ فقال يعاعة: م يكن متبعًا لشيءٍ، وهذا قول الجمهورل فالمعاصي على هذا القولِ غيرُ موجودة ولا مُعتبرَة في حقِّه حينئذ، إذِ الأحكام الشرعية إنما تَتعلَّق بالأوامر والنواهي وتقرُّرِ الشريعة. وقالت فرقةٌ أخرى بالوقف في أمره عليه السلام، وتركِ قطع الحكمِ عليه بشيءٍ في ذلك، إذ م يحل أحد الوجهين منها العقلُ، ولا استبان عندنا في أحدهما طريقُ النقل، وهو مذهبُ أبي المعالي. وقالت فرقةٌ ثالثة: إنه كان عاملاً بشرع مَن قبله، ثم اختلوا هل يَتعين ذلك الشرعُ أم لا، فوقف بعضُهم عن تعيينه وأحجمَ، وجسرَ بعضُهم على التعيين وصمم، ثم اختلفَت هذه المُعيِّنة فيمن كان يتبعُ، فقيل: نوحُ. وقيل: إبراهيمُ. وقيل: موسى. وقيل: عيسى صلواتُ الله عليهم، فهذه يعلةُ المذاهب في هذه المسألة، والأظهرُ فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر، وأ بعدُها مذاهبُ المعيِّنين.

عدد الصفحات ٢١٤