204 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 9- فصل [ في الوهائف الشرعية] هذا حُكم ما تَكون المُخالفة فيه من الأعمال عن قصدٍ وهو ما يُسمَّى معصيةً، ويدخل تحت التكليفِ، وأما ما يَكون بغير قصدٍ وتعمدٍ كالسهو والنسيانِ في الوظائف الشرعيةِ ممَّا تقرَّر الشرعُ بعدم تعلُّق الخطابِ به وترك المؤاخَذةِ عليه، فأحوالُ الأنبياء عليهم السلام في ترك المُؤاخَذة به، وكونه ليس بمَعصية لهم مع أُممَهم سواء، ثم ذلك على نوعين: ما طريقُه البلاغ، وتقريرُ الشرع، وتعلقُ الأحكام، وتعليمُ الأمة بالفعل، وأخذهم باتباعِه فيه، وما هو خارجٌ ع ن هذا مما يَتص بنفسِه. أما الأولُ: فحكمُه عند يعاعةٍ من العلماء حكمُ السهوِ في القول في هذا الباب، وقد ذكرنا الاتفاقَ على امتناع ذلك في حقِّ النبي ﷺ وعصمتِه من جوازِه عليه قصدًا أو سهوًا، فكذلك قالوا: الأفعالُ في هذا الباب لا يجوزُ طُرُوُّ المخالفة فيها لا عمدًا ولا سهوًال لأنها بمَعني القولِ من جهةٍ التبليغِ والأداءِ، وطُرُوُّ هذه العوارضِ عليها يوجبُ التشكيكَ ويسببُ المطاعنَ، واعتذروا عن أحاديثِ السهو بتوجيهاتٍ نذكرُها بعدَ هذا، وإلى هذا مال أبو إسحاقَ الإسفراييني. وذهب الأكثرُ من الفقهاء والمتكلمين إلى أ ن المخالفةَ في الأفعالِ البلاغية والأحكامِ الشرعية سهوًا وعن غير قصدٍ منه جائزةٌ عليه كما تقرر من أحاديث السهوِ في الصلاة، وفرَّقوا بين ذلك وبين الأقوالِ البلاغية لقيام المعجزةِ على الصدق في القول، ومخالفةُ ذلك يناقضُها، وأما السهو في الأفعالِ فغيرُ مناقض لها،
عدد الصفحات ٢١٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|205 ولا قادحٍ في النبوة، بل غلطاتُ الفعل وغفلاتُ القلب من سماتِ البشر، كما قال عليه السلام: «إنما أنا بشٌَ أ نس كما ت نسون فإذا ن سيت فذ كرو »(1). وأما ما ليس طريقُه البلاغَ ولا بيانَ الأحكام من أفعالِه عليه السلام وما يَتصُّ به من أمور دينه وأذكارِ قلب ه مما م يفعله ليُتبع فيه، فالأكثرُ من طبقات علماء الأمةِ على جواز السهوِ والغلط عليه فيها، ولحوقِ الفترات والغفلاتِ بقلبه، وذلك بما كُلِّفَه من مُقاساةِ الخلق وسياساتِ الأمة، ومعاناةِ الأهل، وملاحظةِ الأعداء، ولكن ليس على سبيل التَّكرارِ ولا الاتصالِ، بل على سبيل الندورِ كما قال عليه السلام: «إنه ليُغان على قلبي فأستغفرُ ا »(2). وليس في هذا شيءٌ يحَطُّ من رُتبته ويُناقض معجزته، وذهبت طائفةٌ إلى منع السهوِ والنسيانِ والغفلات والفترات في حقه عليه السلام يعلة، وهو مذهبُ يعاعة المتصوفةِ وأصحابِ علم القلوبِ و المقامات. (1) أخرجه البخاري045)، ومسلم175.) (2) أخرجه مسلم5745.)
عدد الصفحات ٢١٦206 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 11- فصل في الكَ لام على الأحاديث المذكور فيها السهوُ منه ﷺ الصحيحُ من الأحاديث الوارِدة في سَهْوه ﷺ في الصلاة ثلاثة أحاديثَ: أوَّلَا : حديثُ ذي اليدين في السَّلام مِن اثنتَينْ (1)،الثاني: حديثُ ابنِ بُحينةَ في القيام من اثنتين(2)، الثالث: حديثُ ابن مس عودٍ : أن النبي صلى الظهرَ خمسًا (3). وهذه الأحاديثُ مبنيَّةٌ على السهوِ في الفعل الذي قررناه، وحِكمة الله فيه ليَستنَّ به، إذِ البلاغُ بالفعل أَجلى منه بالقول، وأرفَعُ للاحتِمالل وشرطُه أنه لا يُقَرُّ على السهول بل يشع رُ به ليرَتفِعَ الالتباسُ ، وتظهرَ فائدةُ الحكمة فيه كما قدَّمناهل وإن النسيانَ والسهوَ في الفعلِ في حقِّه عليه السلام غيرُ مضادٍّ للمُعجِزة، ولا قادحٍ في التصديقِ. وقد قال عليه السلام: «إنَّما أ نا ب شَ ٌ مِثلُكُم أ نس كما ت نس وْن؛ فإِذا ن سِيتُ فذ كِّروني »(4). وقال :«رحِم اللهُ فُ نًا؛ لق دْ أ ذك ر ني ك ذا وك ذا آيةً، كُنتُ أ سق طْتُهُنَّ »(5)، ويُروَى: «أُنسِيتُهُن ». (1) أخرجه البخاري025)، ومسلم173.) (2) أخرجه البخاري252)، ومسلم714.) (3) أخرجه البخاري5556)، ومسلم175.) (4) أخرجه البخاري (045)، ومسلم175.) (5) أخرجه البخاري1432)، ومسلم722.)
عدد الصفحات ٢١٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|207 11- فصل [ فيعظم أمر عصمة الأنبياء وفوائد ذلك قد استَبانَ لك أيها الناظرُ بما قرَّرْناه ما هو الحق من عِصمتُه عليه السلام عن الجهلِ بالله وصِفاته أو كونه على حالةٍ تُنافيِ العِلْم بشيء من ذلك كلِّه يعلة بعد النُّبوَّة عقلاً وإيعاعًا، وقبلها سمعًا ونقلاً ولا بشيَءٍ ممَِّا قرَّرْه من أمور الشرع، وأدَّاه عن ربه من الوحيِ قطعًا وعقلاً وشرعًا، وعصمتُه عن الكذِب وخُلف القول منذُ نبَّأَه الله وأَرسَله قصدًا أو غير قصدٍ، واستحالة ذلك عليه شرعًا وإيعاعًا ونظرًا وبرهانًا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعًا، وتنزيهه عن الكبائر إيعاعًا، وعن الصغائر تحقيقًا، وعن استِدامة السهو والغفلة واستمرار الغلَط والنسيان عليه فيما شرَعه للأُمَّة، وعِصمته في كل حالاتِه من رِضًا وغضَب وجِدٍّ ومَزْح. فيَجِ ب عليك أن تَتلقَّاه باليمين، وتشد عليه يد الضنين، وتَقدُر هذه الفصول حق قَدْرها، وتعلم عظيم فائدتها وخطرها، فإن مَن يجَهل ما يجَب للنبيِّ ﷺ أو يجَوز له أو يَستحيل عليه ولا يَعرف صوَر أحكامِه لا يَأمَن أن يَعتقِد في بعضها خِلافَ ما هي عليه، ولا يُنزِّهه عما لا يجَِب أن يُضاف إليهل فيَهلِك من حيثُ لا يَدري، ويَسقُط في هوَّة الدرك الأسفلِ من النار، إِذْ ظنُّ الباطل به واعتقادُه ما لا يجَوز عليه يحَُلُّ بصاحبه دارَ البوارِل ولهذا ما احتاط عليه السلام على الرجُلين اللَّذين رأيَاه ليلاً وهو معتكِف في المسجدِ مع صَ فيةَ فقال لهما: «إِنََّّ ا ص فيَّةُ »، ثُم قال«إِنَّ الشَّيْطان يج رِي مِنِ ابنِ آد م مج ْر ى الدَّمِ، و إِنيِّ خ شِيتُ أ نْ ي قْذِف في قُلُوبِكُما ش يْئًا ف ت هْلِكا »(1). (1) أخرجه البخاري5431)، ومسلم5571.)
عدد الصفحات ٢١٨208 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى هذه -أَكرَمك اللهُ - إحدى فوائدِ ما ت كلَّمنا عليه . وفائِدة ثانية: يُضطَرُّ إليها في أصول الفِقه، ويُبنى عليها مسائلُ لا تنعقدُ من الفقه ويُتخلَّص بها من تَشغيب مخُتلِفي الفقهاء في عِدة منها، وهي الحُكم في أقوال النبيِّ ﷺ وأَفعاله، وهو بابٌ عظيمٌ وأصلٌ كبير من أصول الفِقه، ولا بُدَّ من بِنائه على صِدق النبيِّ ﷺ في إخباره وبَلاغه، وأنه لا يجَوز عليه السهو فيه، وعِصمته من المُخالفة في أفعاله عمدًا. وبحسب اختِلافهم في وُقوع الصغائرِ وقَع خِلاف في امتثال الفِعل بُسِط بيانه في كُتِب ذلك العِلمِ، فلا نُطول به. وفائدة ثالثة: يحَتاج إليها الحاكم والمُفتِي فيمَن أَضاف إلى النبيِّ ﷺ شيئًا من هذه الأمورِ ووصَفه بها، فمن م يَعرِف ما يجَوز وما يَمتنع عليه، وما وقَع الإيعاع فيه والخلافُ، كيف يصمم في الفُتيا في ذلك؟ ومن أين يَدرِي هل ما قاله فيه نَقْص أو مَدْح؟ فإما أن يجَترِئ على سَفْك دم مُسلِم حرام أو يُسقِط حقاا أو يُضيِّع حُرمة للنبيِّ عليه السلام؟
عدد الصفحات ٢١٩مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|209 12- فصل في القول في عِ صمة الملائكة عليهم السلام أيعع المسلِمون على أن الملائكة مُؤمِنون فُضَلاءُ، واتَّفق أئمة المسلمين أن حُكم المرسلين منهم حُكم النبيِّين سواءٌ في العِصمة كما ذكَرنا عِصمتهم منه، وأنهم في درجاتِ الأنبياء وحقوقهم، والتبليغ إليهم كالأ نبياء مع الأمَم، واختلفوا في غير المُرسَلين منهم: فذهَبت طائفة إلى عِصمة يعيعهم عن المعاصي، واحتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ [التحريم6]، وبقولِه ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾ [الصافات 560 - 566]، وبقولِه ﴿ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ [الأنبياء52- 54]، وبقولِه: ﴿ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾ [الأعراف546]، وبقولِه﴿ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ [عبس56]، و﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [الواقعة72]، ونحوه من الآيات وذهَبت طائفة إلى أن هذا خُصوص للمرسلين مِنهم والمُقرَّبين، واحتجُّوا بأشياءَ ذكرَها أهل الأ خبار والتفاسيرِ، والصوابُ عِصمة يعيعهم وتنزيهُ جنابهِم الرفيعِ عن يعيع ما يحَُطُّ من رُتبتهم ومَنزِلتهم عن جليل مِقدارهم، ورأيت بعض شُيوخنا أَشار إلى أن لا حاجةَ للفَقيه بالكَلام في عِصمتهم.
عدد الصفحات ٢٢٠221 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى الباب الثاني من القسم الثالث: فيما يَ خُصُّهم في الأمور الدُّ نيوية ويَ طرَ أ عليهم من العَ وارِ ض البشرية قد قدَّمنا أنه ﷺ وسائر الأنبياء والرسُل من البشر، وأن جِسمه وظاهِره خالص للبشرَ يجَوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجَرُّع كأس الحِمام ما يجَوز على البشرَ، وهذا كلُّه ليس بنقيصة فيهل لأن الشيء إنما يُسمَّ ى ناقِصًا بالإضافة إلى ما هو أتمُّ منه وأكملُ من نوعه. وقد كتَب الله تعالى على أهل هذه الدارِ ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [الأعراف51] وخلَق يعيع البشرَ بمَدرَجةِ الغِيرَةِ، فقد مرِض ﷺ واشتَكى، وأصابَه الحَرُّ والقَرُّ، وأَدرَكه الجوعُ والعطَشُ، ولحِقَه الغضبُ والضجَرُ ، وناله الإِعياءُ والتعَبُ، ومسَّه الضَّعف والكِبرَ، وسقَط فجُحِش شقُّه، وشجَّه الكفار، وكسروا رَباعيَّتَه، وسُقي السَّمَّ، وسُحر، وتداوى عليه السلام واحتَجَم، وتَنشرَّ (1) وتَعوَّذ، ثم قضََ نَحبَه، فتوفيَِّ ﷺ ولحِق بالرفيق الأعلى، وتخلَّص من دار الامتِحان والبلوى. وهذه سِمات البشرَ التي لا محَيصَ عنها، وأصاب غيرَه من الأنبياء ما هو أعظمُ من ذلك، فقُتِلوا قتلاً، ورُموا في النار، ونُشروا بالمناشير، ومنهم مَن وقاه الله ذلك في بعض الأوقات، ومنهم مَن عصَمه الله عز وجل كما عصَم بعدُ نبيَّنا ﷺ من الناس، فلئن م يَ كفِ نبيَّنا ربُّه يدَ ابن قمئةَ يوم أحُد ولا حجَبه عن عُيون عِداه عند دَعوته أهلَ الطائف، فلَقَدْ أخَذ على عيون قُريش عِند خروجه إلى ثَوْر، (1) (تَنَشرََّ) النشرة: الرقية
عدد الصفحات ٢٢١مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|220 وأَمسَك عنه سيفَ غَورَث وحجَرَ أبي جهل وفرَسَ سرُاقة، ولئن م يَقِهِ من سِحر ابنِ الأعصمِ فلَقَدْ وقاه ما هو أعظمُ من سَمِّ اليهودية. وهكذا سائر أنبيائه مُبتلىً ومُعافىً، وذلك من تمَام حِكمتهل ليُظهِر شرَفهم في هذه المَقاماتِ ويُبين أمرَهم ويُتم كلِمته فيهمل وليحقق بامتحانهم بشرَيتَهم، ويَرتفِع الالتباس عن أهل الضَّعْف فيهمل لئلا يَضِلُّوا بما يَظهَر من العَجائب على أيديهم ضَلالَ النصارى بعِيسَى ابنِ مَريمَ عليه السلامل وليكون في محَِنِهم تسليةٌ لأُممهم ووُفورٌ لأُجورهم عند ربهم تمامًا على الذي أحسَنَ إليهم. قال بعضُ المحققين: وهذه الطوارئ والتغييراتُ المذكورةُ إنما تختصُّ بأجسامِهم البشريةِ المقصودُ بها مقاومة البشر، و معاناةُ بني آدمَ لمشاكلة الجنسِ، وأما بواطنُهم فمنزهةٌ غالبًا عن ذلك معصومةٌ منه متعلقةٌ بالملإ الأعلى والملائكةِل لأخذها عنهم وتَلقيها الوحيَ منهم، قال: وقد قال عليه السلام: «إن عينيَّ تنامان ولا ينامُ قلبي »(1). وقال «إني لستُ كهيئ تكم، إني أبيتُ يطعمني ربي وي سقيني»(2). فصل [ﷺ قد سُحِرَ فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه عليه السلام سُحِر. فاعلَمْ -وفَّقنا الله وإياك- أن هذا الحديثَ صحيح مُتَّفق عليه، وقد طعَنت فيه المُلحدةُ، وتَذرَّعت به لسُخف عُقولها وتَلبيسها على أمثالها إلى التَّشكيك في (1) أخرجه البخاري5507)، ومسلم732.) (2) أخرجه البخاري7522)، ومسلم5543.)
عدد الصفحات ٢٢٢222 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى الشرع، وقد نزَّه الله الشرعَ والنبيَّ عما يُدخِل في أمره لَبسًا، وإنما السِّحْر مرَض من الأمراض، وعارِض من العِلَل تجَوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكَر ولا يَقدَح في نبوته. وأما ما ورَد أنه كان يَُيَّل إليه أنه فعَل الشيءَ ولا يَفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخِلة في شيء من تَبليغه أو شريعته، أو يَقدَح في صِدقه لقيام الدليل والإيعاع على عِصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجَوز طُروؤُه عليه في أمر دُنياه التي م يبعث بسببها. وم يأتِ في خير منها أنه نُقل عنه في ذلك قول بخِلاف ما كان أخبرَ أنه فعَله وم يَفعَله، وإنما كانت خَواطرَ وتخَيُّلاتٍ. هذا حالُه في جِسْمه، أمَّا أحواله في أمور الدنيا فنحن نَسبرُها على أسلوبها المُتقدِّم إن شاء الله بالعقد والقول والفِعْل.
عدد الصفحات ٢٢٣مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|223 1- [فصل في عقد القلب أمَّا العقد منها: فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويَظهَر خلافُه، أو يكون منه على شكٍّ أو ظنٍّ بخلاف أمور الشرَّْع. عن رافع بن خَديجٍ قال: قدِم رسول الله ﷺ المدينة وهم يَأبُرون النخلَ فقال: «ما ت صن عون ؟ » قالوا: كُنا نَصنَعه. قال «ل ع لَّكُمْ ل وْ لم ْ ت فْع لوا كان خ يرًْا »، فترَكوه فنقصت، فذكَروا ذلك له فقال: «إنَّما أ ناب شَ ٌ إِذا أ م رْتُكُمْ بِشي ْءٍ مِنْ دِينِكُمْ ف خُذوا بِهِ، و إِذا أ م رْتُكُمْ بِشي ْء مِن ر أْيٍ ف إِنَّما أ نا ب شَ ٌ »(1)، وفي رواية أنَس «أ نْتُمْ أ عْل مُ بِأ مْرِ دُنْياكُم ْ»(2). وأَراد مُصالحة بعض عدوِّه على ثلُث تمَر المدينة فاستَشار الأنصار، ف لما أَخبرَوه برأيهم رجَع عنه، فمِثل هذا وأَشباهِه من أمور الدنيا -التي لا مَدخلَ فيها لعِلم دِيانة ولا اعتِقادها ولا تَعليمها- يجَوز عليه فيها ما ذكَرناه، إذ ليس في هذا كلِّه نَقيصة ولا محطة. فصل وأمَّا ما يُعتقَد في أمور أحكام البشرَ الجارية على يَديه وقَ ضاياهم ومَعرفة المحِقِّ من المُبطِل وعلِم المُصلِح من المُفسِد، فبهَذه السبيلِل لقوله عليه السلام: «إنَّما أ نا ب شَ ٌ و إِنَّكُمْ تخ ْت صِمون إِلي َّ، ول ع لَّ ب عْض كُمْ أ نْ ي كون أ لحْ ن بِحُجَّتِهِ مِنْ (1) أخرجه مسلم5365.) (2) أخرجه مسلم5363.)
عدد الصفحات ٢٢٤224 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ب عْضٍ؛ ف أ قْضِِ ل هُ ع لى ن حْوٍ ممَِّا أ سْم عُ، فم نْ ق ض يْتُ ل هُ مِنْ ح قِّ أ خيهِ بشي ْءٍ ف لا ي أْخُذْ مِنْهُ ش يْئًا؛ ف إِنَّما أ قْط عُ ل هُ قِطْع ةً مِن النَّارِ »(1). وتجري أحكامُه عليه السلام على الظاهر، وموجبِ غلبات الظنِّ بشهادة الشاهدِ ويمين الحالف، ومراعاةِ الأشبه، ومعرفةِ العِ فَ اص والوِ كاءِ (2) مع مُقت حِكمة الله في ذلك، فإنه تعالى لو شاءَ لأطلعَه على سرائرِ عباده ومخبآتِ ضمائرِ أمتِه، فتولى الحكمَ بينهم بمجردِ يقينِه وعلمه دون حاجةٍ إلى اعترافٍ أو بينة أو يمينٍ أو شبهة. ولكن لما أمرَ الله أمتَه باتباعِه والاقتداءِ به في أحواله وأ فعالِه وأقواله وقضاياه وسَيره، وكان هذا لو كان مما يَتص بعلمِه ويُؤثره الله به م يكن للأمة سبيلٌ إلى الاقتداء به في شيء من ذلك، ولا قامت حجةٌ بقضية من قضاياه لأحدٍ في شريعتِه لأَِنا لا نعلمُ ما أَطلِع عليه هو في تلك القضيةِ لحكمِه هو إذًا في ذلك بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعَه عليه من سرائرهم، وهذا ما لا تعلمُه الأمةُ. فأجرى الله تعالى أحكامَه على ظواهرهم التي يستوي فيها هو وغيرُه من البشرِل ليتم اقتداء أمتِه به في تعيين قضاياه، وتنزيلِ أحكامِه، ويأتون ما أتوا من ذلك على علمٍ ويقين من سنتِه، إذ البيان بالفعلِ أوقعُ منه بالقول، وأرفعُ لاحتمال اللفظ، وتأويلُ المتأولِ. (1) أخرجه البخاري5012)، ومسلم5753.) (2) (العِفَاص): الوعاء. (الوِكاء): الخيط الذى يشد به الوعاء
عدد الصفحات ٢٢٥مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|225 وكان حُكمه على الظاهر أجلى في البيان وأوضحُ في وجوه الأحكام وأكثرُ فائدةً لموجبات التشاجرِ والخصام وليَقتدي بذلك كلِّه حكامُ أمته، ويستوثق بما يُؤثر عنه، وينضبط قانون شرَيعته، وطيُّ ذلك عن ه من علم الغيب الذي استأثرَ به ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾ [56 - 57] فيُعلِمه منه بما شاء ويستأثرُ بما شاء، ولا يقدحُ هذا في نبوتِه، ولا يفصم عروةً من عِصمته.
عدد الصفحات ٢٢٦226 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 2- فصل [ وأمَّا أقوالُه الدُّنيوية من أَخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يَفعَله أو فعَله فقد قدَّمنا أن الخلف فيها ممُتنِع عليه في كل حال، وعلى أيِّ وَجه من عَمد أو سَهو أو صِحة أو مرَض أو رِضًا أو غضَب، وأنه مَعصومٌ منه ﷺ. هذا فيما طريقُه الخبرُ المحضُ مما يدخله الصدقُ والكذبُ، فأما المعاريض الموهِمُ ظاهرُها خلافَ باطِنها فجائزٌ وُر ودُها منه في الأمور الدُّنيوية، لا سِيَّما لقَصْد المَصلَحة كتَوريتِه عن وجهِ مَغازيهل لئلاَّ يَأخُذ العدوُّ حِذرَه، وكما رُويَ من ممُازحَته ودُعابته لبَسط أُمَّته، وتَطبيب قلوب المؤمنين من صَحابته، وتَأكيدًا في تحَبيبهم وصحبتهم ومسرَة نُفوسهم كقوله عليه ا لسلام: «لأ حمِْل نَّك ع لى ابْنِ النَّاق ةِ »(1). وقد قال عليه السلام«إِنيِّ لأ مْز حُ و لا أ قُولُ إِلاَّ ح قًّا »(2). فصل فإن قيل: فما وجه حَديثِه: «اللهُمَّ إنما محُمَّد بشَ ٌ ي غض ب كما ي غض ب البشَ ُ، وإنيِّ ق دِ اتخَّ ذْت عِند ك عهدًا لن تخُلِف نيهِ، فأ يُّما مُؤمِنٍ آذ يْتُهُ أ وْ س ب بْتُهُ أ وْ ج ل دْتُه فاجع لْها له ك فَّارةً وقُربةً تُقرِّبُه بِا إليك يوم القِيامةِ »(3). (1)أخرجه أبو داود0222)، والترمذي5225.) (2) أخرجه الطبراني في الأوسط221) عن ابن عمر، وأخرجه الترمذي5224) من حديث أبي هريرة بمعناه. (3) أخرجه البخاري (6365)، ومسلم5645.)
عدد الصفحات ٢٢٧مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|227 وفي رِواية «فأ يُّما أ ح دٍ د ع وْتُ ع ل يْهِ د عْوةً »(1)، وفي رواية «ل يْس لَ ا بِأ ،ْل ٍ»(2)، وفي رِواية «ف أ ي ر جُلٍ مِن المُسْلِمين س ب بْتُهُ أ وْ ل ع نْتُهُ أ وْ ج ل دْتُهُ ف اجْع لْها ل هُ ز كاةً وص لاةً ور حمةً »(3)، وكيف يَصِحُّ أن يَلعَن النبي ﷺ مَن لا يَستحِق اللعن، ويَسُب مَن لا يَستحق السبَّ، ويجَلِد مَن لا يَستحِق الجَلْد، أو يَفعَل مثل ذلك عند الغضَب وهو مَعصوم من هذا كلِّه؟! فاعلَمْ -شرَح الله صدركَ - أن قوله ﷺ: أولاً: «ل يْس لَ ا بِأ ،ْلٍ »، أي: عندك يا ربِّ في باطن أَمره، فإن حُكْمه عليه السلام على الظاهِر كما قال، وللحِكمة التي ذكَرْناها، فحَكَم عليه السلام بجَلْده، أو أدَّبه بسبِّه أو لَعْنه بما اقتَضاه عِنده حال ظاهِره، ثُم دعا له عليه الصلاة والسلام لشفَقته ﷺ على أُمَّته ورحمته لهم، ورأفته عليهم التي وصَفه الله بها، وحَذَرِه أن يَتقبَّل الله فيمَن دعا عليه دَعوته أن يجَعل دُعاءَه ولعنه وسبه له رحمة، فهو مَعنى قوله: «ل يْس لَ ا بِأ ،ْل ٍ»، لا أنهعليه السلام يحَمِله الغضَب ويَستفزُّه الضجَر لأَِنْ يَفعَل مثل هذا بمَن لا يَستحقُّه من مُسلِم. وهذا معنى صحيحٍ، ولا يُفهَم من قوله: «أ غْض بُ ك ما ي غْض بُ الب شَ ُ » أَن الغضَب حمَله على ما لا يجَِب فعلُه. وقد يحتمل على أنه خرج منه ذلك بمَخرَج الإشفاق و تعليم أمته الخوفَ والحذرَ من تَعدِّي حدود الله تعالى، وقد يحُمل ما ورَد من دُعائه هنا ومن دَعواته (1) أخرجه مسلم5643.) (2) أخرجه مسلم5643.) (3) أخرجه مسلم5645.)
عدد الصفحات ٢٢٨228 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى على غير واحِد في غير مَوطِن على غير العقد والقَصْد، بل بما جرَت به عادة العرب وليس المرادُ بها الإجابةَ. كقوله عليه السلام: «ت رِب تْ ي مينُك »(1)، و«لا أ شبع اللهُ ب طْن ك »(2)، و«ع قْرى ح لْق »(3). وغيرها من دَعواته عليه السلام وقد يَكون ذلك إشفاقًا على المدعوِّ عليه وتَأنيسًا لهل لئلاَّ يَلحَقه من استِشعار الخوف والحذَر من لَعْن النبي ﷺ، وتَقبُّل دعائه ما يحَمِله على اليأس والقُنوط من رحمة الله. (1) أخرجه البخاري0726)، ومسلم5001.) (2) أخرجه مسلم5640.) (3) أخرجه البخاري5165)، ومسلم5555.)
عدد الصفحات ٢٢٩مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى|229 3- فصل [ عمل الجوارح وأمَّا أفعاله ﷺ الدُّنيويَّة فحُكمُه فيها من تَوقِّي المعاصي والمكروهات ما قد قدَّمناه، ومن جَواز السهو والغلَط في بعضِها ما ذكَرناه، وكلُّه غيرُ قادِح في نبوَّة عليه السلام. وكذلك يَفعل الفعل من أمور الدنيا مُساعدةً لأمته، وسياسةً وكراهية لخلافِها، وإن كان قد يرى غيرَه خيرًا منه، كما يَترك الفعلَ أبدًا، وقد يَرى فِعلَه خيرًا منه، وقد يَفعَل هذا في الأُمور الدينية مما له الخِيرَة في أحَد وَجهيه كخُروجه من المدينة لأُحُد وكان مَذهَبه التحصُّنَ بها، وتَركِه قتلَ المُنافِقين وهو على يَقين من أَمرهم مُؤالفةً لغيرهم ورِعاية للمُؤمنين من قَرابتهم، وكراهة لأن يَقول الناس: إن محُمدًا يَقتُل أصحابه. كما جاء في الحديثِ، وتركِه بناءَ الكعبةِ على قواعدِ إبراهيمَ مُراعاةً لقلوب قريش وتعظيمهم لتَغييرها وحذَرًا من نفارِ قُلوبهم لذلك، وتحريك مُتقدِّم عداوتهم ل لدِّين وأهله، فقال لعائِشةَ في الحديث الصحيح: «ل وْ حِدثانُ ق وْمِكِ بِالكُفْرِ لأ تَْ مْتُ الب يْت ع لى ق واعِدِ إِبْرا،يم »(1). ويَفعَل الفِعل ثُم يَترُكه لكَون غيرِه خيرًا منه كانتِقاله من أدنى مِياهِ بدر إ أقربها للعَدوِّ من قريش، وقولِه: «ل وِ اسْ ت قْب لْتُ مِنْ أ مْرِي ما اسْت دْب رْتُ ما سُقْتُ الَْ دْي »(2)، ويَبسُط وجهَه للعَدوِّ الكافر رجاءَ استِئلافه، ويَصبرِ للجاهل ويَقول (1) أخرجه البخاري5121)، ومسلم5333.) (2) أخرجه البخاري7552)، ومسلم5555.)
عدد الصفحات ٢٣٠