المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يمختصر الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١١ من ١٥

066 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 3- فصل في علامةِ محبَّ ته ﷺ اعلم أن من أحبَّ شيئًا آثره وآثر مُوافَقَتَه، وإلا م يكن صادقًا في حبِّه وكان مُدَّعيًا، فالصادقُ في حب النبيِّ ﷺ من تَظهرُ علاماتُ ذلك عليه: وأوَّلَُا: الاقتداءُ به واستعمالُ سنَّته واتِّباعُ أقوالِه وأفعالِه وامتثالُ أوامرِه واجتنابُ نوا،يه والتأدُّبُ بآدابِه في عُسُه ويُسُه وم نش طه وم كر ،ه ، وشاهدُ هذا قولُه تعالى: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ). وإيثارُ ما شرع ه وحضَّ عليه على ،وى نفسِه ومُوافقة شهوتِه ، قال الله تعالى: (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ) [2]. ومن علاماتِ محبة النبي ﷺ: ك ثرةُ ذِكره له؛ فمن أحبَّ شيئًا أكثر ذكر ه. ومنها: كثرةُ شوقِه إلى لقائِه، فكلُّ حبيبٍ يحبُّ لقاء حبيبِه. وفي حديث الأشعريِّينَ عند قدومِهم المدينةَ، أنهم كانوا يَرتجزون: غـدًا نلقى الأحبَّه محمدًا وصحبَه (1) ومن علاماتِه: تعظيمُه له، وتوقيرُه عند ذِكره، وإظهارُ الخشوعِ وا نكسارِ مع سماعِ اسمه. (1) أخرجه أحمد52/23 (55456)، والنسائي في الكبرى7/327.

عدد الصفحات ١٦٧

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|067 ومنها: مح بَّتُه لمن أحبَّ النبي ﷺ ومن هو بسببه من أهلِ بيتِه وصحابتِه من المُهاجرين والأنصارِ، وعداوةُ من عاداهم، وبُغضُ من أبغضهم وسبَّهمل فمن أحبَّ شيئًا أحب من يحُب. وقد قال ﷺ في فاطمةَ  :«إنَّا ب ضعةٌ مِنِّي؛ يُغضِبني ما أغضب ه ا»(1). وقال لعائشةَ في أسامةَ بن زيدٍ «أحبيه فإني أحبُّه»(2). وقال«آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ؛ وآيةُ النفاق بُغضهم » (3). فبِالحقيقةِ من أحبَّ شيئًا أحبَّ كل شيءٍ يحبُه، وهذه سيرةُ السلفِ حتى في المُباحاتِ وشهوات النفسِ، وقد قال أنسٌ حين رأى النبيَّ ﷺ يتتبَّع الدُّبَّاءَ (4) من حوالي القصعةِ: فما زلتُ أُحبُّ الدباء من يومئذٍ (5). وهذا الحسنُ بن علٍَّ وعبدُ الله بن عباسٍ وعبدُ الله بنُ جعفر أتوا سَلمى وسألوها أن تَصنعَ لهم طعامًا مما كان يُعجبُ النبيَّ ﷺ(6). وكان ابنُ عمرَ يلبس النِّعالَ السبتيَّةَ ويصبِ غ بالصُّفرةِل إذ رأى النبيَّ ﷺ يفعلُ نحو ذلك (7). (1) أخرجه البخاري3750)، ومسلم5002.) (2) أخرجه الترمذي3252)، وابن حبان51/130 (7412.) (3) أخرجه البخاري57)، ومسلم70.) (4) (الدُّبَّاء): القرع (5) أخرجه البخاري5425)، ومسلم5405.) (6) أخرجه الترمذي في الشمائل572.) (7) أخرجه البخاري1215)، ومسلم5527.)

عدد الصفحات ١٦٨

068 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى ومنها: بُغضُ من أبغض الله ورسولَه ومعاداةُ من عاداه ومجُانبةُ من خالفَ سنَّتَه وابتدعَ في دينه ، واستثقالُ كُلِّ أمرٍ يَالفُ شريعته قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ) الآية [55]. وهؤلاء أصحابُ ه ﷺ قد قَتلوا أحبَّاءهم في مرضاتِه، وقاتلوا آباءَهم وأبناءَهم، وقال له عبدُ الله بن عبدِ الله بن أُبيٍّ: لو شئتَ لأتيتُك برأسِه (1). يعني أباه. ومنها: أن يحُب القرآنَ الذي أتى به ﷺ وهدى به واهتدى وتخلَّق به حتى قالت عائشةُ : كان خُلقُه القرآنَ (2). وحُبُّه للقرآن: تلاوتُه والعملُ به وتفهُّمُه. ويحب سُنَّته ويقفُ عند حُدودها. وقال ابنُ مسعودٍ: لا يسأل أحدٌ عن نفسِه إلا القرآنَ، فإن كان يحبُّ القرآنَ فهو يحُب الله ورسولَه (3). ومن علامات حُبِّه للنبي ﷺ شفقتُه على أمَّته ونُصحه لهم وسعيه في مصالحِهم ورفعُ المَ ضارِّ عنهم، كما كان ﷺ بالمؤمنين رؤوفًا رحيماً. ومن علامة تمامِ محَبَّته: زُهد مُدَّعيها في الدنيا وإيثارُه الفقرَ واتِّصافُه به. (1) أخرجه البزار7272)، وابن حبان5/574 (052)، والطبراني في الأوسط552.) (2) أخرجه مسلم706)، وأحمد05/502 (50645.) (3) أخرجه سعيد بن منصور في سننه5)، وأبو عبيد في فضائل القرآن54)، والفريابي في فضائل القرآن (6،7.)

عدد الصفحات ١٦٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|069 4- فصل في معنى المَ حبَّ ة للنبيِّ ﷺ وحقيقتِ ها اختلف الناسُ في تفسيرِ محَبَّة الله ومحبة النبيِّ ﷺ، وكثرت عباراتهُم في ذلك، وليست ترجعُ بالحقيقةِ إلى اختلافِ مَقالٍ، ولكنها اختلافُ أحوالٍ. فقال سفيانُ: المحبةُ اتِّباعُ الرسولِ ﷺ. كأنه التفت إلى قولِه تعالى: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) [35]. وقال بعضُهم: محبةُ الرسول ﷺ اعتقادُ نُصرتِه، والذبُّ عن سنتِه، والانقيادُ لها، وهيبةُ مخُالفتِه. وقال بعضهم: المحبةُ مواطأةُ القلبِ لمرادِ الربِّ، يحبُّ ما أحبَّ ويكرهُ ما كرهَ. وحقيقةُ المحبَّةِ: الميلُ إلى ما يوافق الإنسانَ وتكون موافقتُه له إما لاستلذاذِه بإدراكِه كحُبِّ الصورةِ الجميلةِ والأصواتِ الحسنةِ والأطعمةِ والأشربةِ اللذي ذة وأشباهِها مما كُلُّ طبعٍ سليمٍ مائلٌ إليها لموافقتِها له. أو لاستلذاذه بإدراكِه بحاسَّةِ عقلِه وقلبِه معانيَ باطنة شريفة كحبِّ الصالحين والعلماءِ وأهل المعروفِ والمأثورِ عنهم السيرُ الجميلةُ والأفعال الحسنةُ، فإن طبع الإنسان مائلٌ إلى الشغفِ بأمثال هؤلا ء، حتى يبلغَ التعصُّب بقومٍ لقومٍ والتشيُّعُ من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاءِ عن الأوطانِ وهتكِ الحُرَمِ واخترامِ النفوسِ.

عدد الصفحات ١٧٠

071 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى أو يكون حبُّه إياه لموافقَته له من جِهةِ إحسانه له، وإنعامِه عليه فقد جُبلت النفوسُ على حُبِّ من أحسنَ إليها. فإذا تقرَّر لك هذا ن ظرتَ هذه الأسبابَ كُلَّها في حقِّه ﷺ فعلِمت أنه ﷺ جامعٌ لهذه المعاني الثلاثةِ المُوجبة للمَحبة: أما يعالُ الصورةِ والظاهرِ وكمالُ الأخلاقِ والباطنِ فهو مُقرَّرٌ بما لا يحَتاج توضيح(1). وأما إحسانُه وإنعامُه على أمته: فكذلك قد تقرَّر في أوصافِ الله تعالى له من رأفتِه بهم ورحمته لهم وهدايتِه إيَّاهم وشفقتِه عليهم واستِنقاذهم به من النارِ وأنه (ﯘ ﯙ ﯚ ) [552]، و (ﮓ ﮔ ) [547]، (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ) [01-06]، و(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ) [560]، (ﮓﮔﮕﮖ ) [56]. فأي إحسانٍ أجلُّ قدرًا وأعظمُ خطرً ا من إحسانِه إلى يعيع المؤمنين؟ وأيُّ إفضالٍ أعمُّ منفعةً وأكثرُ فائدةً من إنعامِه على كافَّةِ المسلمين؟ إذ كان ذريعتَهم إلى الهدايةِ، ومُنقذَهم من العَماية، وداعيهم إلى الفلاحِ والكرامةِ، ووسيلتَهم إلى ربهِّم وشفيعَهم والمتكلِّمَ عنهم والشاهدَ لهم، والمُ وجبَ لهم البقاءَ الدائمَ والنعيمَ السرمدَ. فقد استبانَ لك أنه ﷺ مُستوجبٌ للمحبةِ الحقيقية شرعًا بما قدمناه من صحيحِ الآثارِ، وعادةً وجِبلَّةً بما ذكرناه آنفًا لإفاضتِه الإحسانَ وعمومِه الإيعالَ. (1) انظر الباب الثاني من القسم الأول (ص06.)

عدد الصفحات ١٧١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|070 فإذا كان الإنسانُ يحب مَن منحه في دنياه مَرَّةً أو مرتين معرو فًا، أو استنقذه من هلَكَةٍ أو مَضرَّةٍ مُدةً التأذي بها قليلٌ منقطعٌ، فمن منحه ما لا يبيد ُ من النعيمِ ووقاه ما لا يَفنى من عذابِ الجحيم أولى بالحُبِّ. وإذا كان يحُبُّ بالطبعِ مَلِكٌ لحُسن سيرته أو حاكمٌ لما يُؤثَر من قوامِ طريقتِه أو قاضٍ بعيد الدارِ لما يُ شادُ من علمِه أو كرم شيمَتِه، فمَن يععَ هذه الخصالَ على غايةِ مراتبِ الكمالِ أحقُّ بالحُبِّ وأولى بالميلِ.

عدد الصفحات ١٧٢

072 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 5- فصل في وجوب مُ ناصحته ﷺ قال الله تعالى: (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ) [25]، قال أهلُ التفسيرِ: إذا نصحوا للهِ ورسولِه: إذا كانوا مخُلِصين مسلمين في السرِّ والعلانيةِ. وعن تمَيمٍ الداريِّ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إن الدين النصيحةُ، إن الدين النصيحةُ، إن الدين النصيحةُ » ثلاث مرات، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال « لله ولكِتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتهم »(1). قال الأئمةُ رحمهم الله: النصيحةُ للهِ ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتهم واجبةٌ. قال الإمامُ أبو سليمانَ البُستيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن يعلةِ إرادةِ الخيرِ للمنصوحِ له، وليس يمكن أن يُعبرََّ عنها بكلمةٍ واحدةٍ تحَصرُها. ومعناها في اللغةِ: الإخلاصُ، من قولهم : نصحتَ العسلَ إذا خلَّصتَه من شمعِه(2). وقال أبو بكر ابنُ أبي إسحاقَ الخفَّاف: النصحُ فعلُ الشيءِ الذي به الصلاحُ والمُلاءمةُ، مأخوذٌ من النِّصاحِ، وهو الخيطُ الذي يَُاط به الثوبُ. (1) أخرجه مسلم (11.) (2) معام السنن للخطا0/556.

عدد الصفحات ١٧٣

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|073 فنصيحةُ الله تعا صحَّةُ الاعتقاد له بالوَحدانيَّةِ، والرغبةُ في محَابِّ ه، والبُعدُ من مَساخطِه، والإخلاصُ في عبادته. والنصحيةُ لكتابِه: الإيمانُ به، والعملُ بما فيه، وتحسينُ تلاوته والتخشُّع عنده، والتعظيم له، وتفهُّمُه، والتفقُّه فيه، والذبُّ عنه من تأويل الغالين وطعنِ المُلحدين. والنصيحةُ لرسولِه: التصديقُ بنبوَّته وبذلُ ال طاعةِ له فيما أمرَ به ونهى عنه. وقال أبو بكرٍ: وموازَرتُه ونُصرتُه وحمايته حياا وميِّتًا، وإحياءُ سنته بالطلبِ والذبِّ عنها ونشرها، والتخلُّق بأخلاقِه الكريمة وآدابِه الجميلة. وقال أبو إبراهيمَ إسحاقُ التُّجِيبيُّ: نصيحةُ رسولِ الله ﷺ: التصديقُ بما جاء به والاعتصامُ بسنَّته ونشرُها والحضُّ عليها والدعوةُ إلى الله وكتابِه ولرسولِه وإليها وإلى العمل بها. وقال أبو بكرٍ الآجُرِّيُّ: النصحُ له يقتضي نُصحين: نُصحًا في حياتِه، ونُصحًا بعد مماته: ففي حياته: نصحُ أصحابِه له بالنصرِ والمُحاماة عنه ومُعاداةِ من عاداه والسمعِ والطاعةِ له وبذلِ النفوسِ والأموالِ دونه كما قال الله تعالى: (ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ) [53]، وقال(ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ) [2].

عدد الصفحات ١٧٤

074 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وأما نصيحةُ المسلمين له بعد وفاتِه : فالتزامُ التوقيرِ والإجلالِ وشدةِ المحبةِ له، والمثابرةُ على تعل م سنتِه والتفقهِ في شريعتِه، ومحبَّةُ أهل بيتِه وأصحابِه، ومجُانبةُ من رغِب عن سنتِه وانحرفَ عنها، وبُغضه والتحذيرُ منه، والشفقةُ على أمته، والبحثُ عن تعرف أخلاقِه وسيره وآدابِه، والصبرُ على ذلك. وأما النصحُ لأئمةِ المسلمين: فطاعتُهم في الحقِّ، ومعونتُهم ف يه وأمرُهم به، وتَذكيرُهم إياه على أحسنِ وجهٍ، وتنبيهُهم على ما غفَلوا عنه، وكُتِمَ عنهم من أمورِ المسلمين، وتركُ الخروجِ عليهم وتَ ضرِْيبِ الناس (1) وإفسادِ قلوبهم عليهم والنصحُ لعامَّة المسلمين: إرشادُهم إلى مَصالحهم، ومَعونتُهم في أمرِ دينهم ودنياهم بالقولِ والفعلِ، وتنبيهُ غافِلِهم وتبصيرُ جاهلِهم، ورِفدُ محُتاجِهم، وسترُ عوراتهم، ودفعُ المضارِّ عنهم، وجلبِ المنافعِ إليهم. (1) (تَضرِْيب الناسِ): الإغراء بينهم للوقيعة

عدد الصفحات ١٧٥

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|075 الباب الثالثفي تعظيمِ أمرِ ه ووجوب توقيرِ ه وبِ رِّه قال الله تعالى: (ﭛ ﭜ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ) الآية [2]، وقال تعا(ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) [5]، و(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [5-0]،وقال تعالى: (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ) [63]. فأوجب تعالى تعزيرَه وتوقيرَه، وألزمَ إكرامَه وتعظيمَه وقال ابنُ عباسٍ: تُعزِّ روه: أي: تجُِلُّوه (1). ونهُِيَ عن التقدمِ بين يديه بالقولِ وسُوءِ الأدب بسبقِه بالكلام قال سهلُ بنُ عبد الله: لا تقولوا قبل أن يقولَ، وإذا قال فاستمِعوا له وأنصِتوا، ونهُوا عن التقدُّم والتعجُّل بقضاءِ أمرٍ قبل قضائِه فيه، وأن يَفتاتوا بشيءٍ في ذلك من قتالٍ أو غيره من أمرِ دينِهم إلا بأمره ولا يَسبقوه به (2). ثم وعظَهم وحذَّرهم مخُالفةَ ذلك فقال تعا (ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ) [5]. (1) أخرجه الطبري55/515. (2) انظر تفسير التستري (ص502) بمعناه

عدد الصفحات ١٧٦

076 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وقال السُّلميُّ: اتقوا الله في إهمالِ حقِّه، وتضييع حُرمتهل إنه سميعٌ لقولِكم، عليمٌ بفعلكم (1). ثم نهاهم عن رفعِ الصوت فوقَ صوته، والجهرِ له بالقول كما يجَهر بعضُهم لبعضٍ ويرفعُ صوتَه. ثم خوَّفهم الله تعالى بحبطِ أعمالهِم إن هم فعلوا ذلك، وحذَّرهم منه. قيل: نزلت الآيةُ في محُاورةٍ كانت بين أبي بكرٍ وعمرَ بين يدي النبيِّ ﷺ، واختلافٍ جر ى بينهما حتى ارتفعَت أصواتهُما (2). وقيل: نزلت في ثابتِ بن قيسِ بن شَماسٍ خطيبِ النبيِّ ﷺ في مُفاخرةِ بني تميمٍ، وكان في أذنيه صممٌ، فكان يرفع صوتَه، فلما نزلت هذه الآيةُ أقامَ في منزلِه وخشيَِ أن يكون حبِط عملُه، ثم أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، لقد خشيتُ أن أكون هلكتُ، نهانا الله أن نجهرَ بالق ول، وأنا امرؤٌ جهير الصوتِ، فقال النبيُّ ﷺ: «يا ثابتُ، أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنة ؟ »(3) فقُتل يومَ اليمامة. وقال الله تعالى: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﴾ [البقرة540] قال بعضُ المفسرين: هي لغةٌ كانت في الأنصار، نهُوا عن قولها تعظيماً للنبي ﷺ، وتبجيلاً لهل لأن معناها: ارعَنا نرعَك، فنُهوا عن قولها: إذ مقتضاها كأنهم لا (1) تفسير السلمي5/564. (2) أخرجه البخاري0201.) (3) أخرجه عبد الرزاق في التفس5/552، والطبري في تفسيره55/305، وأصله في البخاري3653)، ومسلم (552 )بنحوه.

عدد الصفحات ١٧٧

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|077 يرعَونه إلا برعايتِه لهم، بل حقُّه أن يُرعى على كل حالٍ، وقيل: كانت اليهودُ تعرِّض بها للنبي ﷺ بالرعونة، فنُهي المسلمون عن قولها قطعًا للذريعة، ومنعا للتشبهِ بهم في قولها لمشاركةِ اللفظة. وقيل غيرُ هذا. 1- فصل في عادةِ الصحابة في تعظيمِ ه ﷺ وظجلالِ ه وتوقيرِ ه عن عمرِو بن العاص قال: وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسولِ الله ﷺ، ولا أجلَّ في عينيَّ منه، وما كنت أطيقُ أن أملأَ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقتُل لأني م أكن أملأُ ع ينَيَّ منه (1). وروى أسامةُ بن شرَيكٍ قال: أتيتُ النبي ﷺ وأصحابُه حوله كأنما على رؤوسِهم الطيرُ (2). وقال عروةُ بن مسعودٍ حين وجهته قريشٌ عامَ القضية (3) إلى رسولِ ا ﷺ، فرأى من تعظيمِ أصحابِه له ما رأى، وأنه لا يتوضَّأُ إلا ابتدروا وَضوءَهُ، وكادوا يَقتتِ لون عليه، ولا يبصُق بُصاقًا ولا يتنخم نُخامةً إلا تلقَّوها بأكُفِّهم، فدَلكوا بها وجوهَهم وأجسادَهم، ولا تَسقط منه شعرةٌ إلا ابتدَروها، وإذا أمرهم بأمرٍ ابتدروا أمرَه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهَم عنده، وما يحُِدُّون إليه النظر تعظيماً له، فلما رجع إلى قريشٍ قال: يا معشرَ قريشٍ، إني جئت كِسرى في مُلكه، وقيصرَ في ملكِه، والنجاشيَّ في مُلكِه، وإني والله، ما رأيتُ مَلكًا في قومٍ قطُّ مثل محمدٍ في أصحابِه(4). (1) أخرجه مسلم555.) (2) أخرجه أبو داود3211)، وأحمد34/320 (52013.) (3) (عام القَضِيَّة): عام الحديبية (4) أخرجه أحمد35/555 (52254.)

عدد الصفحات ١٧٨

078 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى وفي روايةٍ: إن رأيتُ مَلكًا قط يُعظِّمه أصحابُه ما يعظمُ محمدًا أصحابُه، وقد رأيت قومًا لا يُسلِمونه أبدًا (1). وعن أنسٍ: لقد رأيتُ رسولَ ا ﷺ والحلاقُ يحلِقه وقد أطافَ به أصحابُه فما يُريدون أن تقعَ شعرةٌ إلا في يدِ رجلٍ (2). 2- فصل [ﷺ وتوقيره بعد موته كما في حياته واعلم أن حُرمةَ النبيِّ ﷺ بعد مَوته وتوقيرَه وتعظيمَه لازمٌ كما كان في حالِ حياتِه، وذلك عند ذكره ﷺ وذكر حديثِه وسنتِه وسَماعِ اسمِه وسيرتِه ومُعاملةِ آله وعِترتِه(3) وتعظيمِ أهل بيتِه وصحابَتِه قال أبو إبراهيم إسحاق التجيبي: واجبٌ على كلِّ مؤمنٍ متى ذكرَه أو ذُكِرَ عندَه أن يَضعَ ويَشعَ ويتوقَّرَ ويسكنَ من حركتِه، ويأخذَ في هيب تِه وإجلالِه بما كان يأخذُ به نفسَه لو كان بينَ يدَيْه، ويتأدَّبَ بما أدَّبَنا الله به. قال مالكٌ -وقد سُئلَ عن أيوبَ السَّختيانيِّ -: ما حدَّثتُكم عن أحدٍ إلا وأيوبُ أفضلُ منه (4)، قال: وحجَّ حجتين فكنتُ أرمُقه ولا أسمعُ منه، غير أنه كان إذا ذُكرَ النبيُّ ﷺ بكى حتى أرحمَه، فلما رأيتُ منه ما رأيتُ وإجلالَه للنبيِّ ﷺ كتبتُ عنه (5). (1) أخرجه البخاري5735.) (2) أخرجه مسلم5351.) (3) (عِترَْته): أ هله الأدنون. (4) التعديل والتجريح للباجي5/326. (5) السابق

عدد الصفحات ١٧٩

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|079 وقال مصعبُ بن عبدِ الله: كان مالكٌ إذا ذُكِرَ النبي ﷺ يتغيرَّ لونُه وينحني حتى يصعُب ذلك على جُلسائِه، فقِيلَ له يومًا في ذلك، فقال: لو رأيتُم ما رأيتُ لما أنكرتُم علََّ ما تَرون، ولقد كنت أرى محمدَ بن المُنكدرِ -وكان سيِّدَ القُرَّاء - لا يكادُ يسأله أحدٌ عن حديثٍ أبدًا إلا يبكي حتى نرحمَه (1)، ولقد كنت أرى جعفرَ بن محمدٍ الصادقَ، وكان كثيرَ الدُّعابةِ والتبسُّم، فإذا ذكر عنده النبيُّ ﷺ اصفرَّ، وما رأيتُه يحدث عن رسولِ الله ﷺ إلا على طهارةٍ، وقد اختلفتُ إليه زمانًا فما كنت أراهُ إلا على ثلاثِ خِصالٍ: إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآنَ، ولا يتكلم فيما لا يَعنيه، وكان من العلماءِ والعُبَّادِ الذين يََشون الله عز وجل (2). ولقد كان عبدُ الرحمن بن القاسمِ يَذكر النبي ﷺ فيُنظرُ إلى لونِه كأنه نُزفَ منه الدمُ، وقد جف لسانُه في فمه هيبةً لرسولِ الله ﷺ(3). ولقد كنت آتِ عامرَ بن عبدِ الله بن الزبيرِ فإذا ذُكِرَ عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يَبقى في عينيه دُموعٌ (4). ولقد رأيتُ الزهريَّ وكان من أهنأِ الناسِ وأقربهِم فإذا ذُكِرَ عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرَفَك ولا عرفتَه. ولقد كنت آتِ صفوانَ بنَ سُليمٍ وكان من المُتعبِّدين المُجتهدين، فإذا ذُكِرَ عنده النبيُّ ﷺ بكى فلا يَزالُ يبكي حتى يقومَ الناسُ عنه ويتركوه (5). (1) أخرجهالبخاري في التاريخ الكبير 5/554، والجوهري في مسند الموطأ 535)، وأبو نعيم في الحلية 3/507 مختصرا (2) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (ص526.) (3) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (ص060.) (4) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (ص025.) (5) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (ص322.)

عدد الصفحات ١٨٠

081 |مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى 3- فصل في سيرةِ السلف في تعظيمِ رواية حديث رسولِ الله ﷺ وسنَّ ته عن عمرِو بن مَيمونٍ قال: اختلفتُ إلى ابن مسعودٍ سنة فما سمعتُه يقول: قال رسولُ الله ﷺ، إلا أنه حدَّث يومًا فجرى على لسانه: قال رسولُ الله ﷺ، ثم علاه كربٌ حتى رأيت العرق يتحدَّر عن جبهتِه، ثم قال: هكذا إن شاء الله، أو فوق ذا، أو ما دون ذا، أو ما هو قريبٌ من ذا (1). وقال مالك: ج اء رجلٌ إلى ابن المسيبِ فسأله عن حديث وهو مضطجعٌ فجلس وحدثَه، فقال له الرجلُ: وددتُ أنك م تتعن، فقال: إني كرهتُ أن أحدثكَ عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجعٌ (2). وقال مصعبُ بن عبد الله: كان مالكُ بن أنسٍ إذا حدث عن رسولِ ا ﷺ توضَّأ وتهيَّأ ولبس ثيابَه ثم يحدث (3). قال مصعبٌ: فسئل عن ذلك فقال: إنه حديثُ رسول ا ﷺ. وكان قتادةَ يَستحب أن لا يَقرأ أحاديثَ النبي ﷺ إلا على وضوء، ولا يحدثُ إلا على طهارة (4)، وكان الأعمشُ إذا أراد أن يحدثَ وهو على غير وضوءٍ تيممَ (5). (1) أخرجه ابن أبي شيبة1/523 (56555)، وأحمد7/303 (0355.) (2) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ 5/076، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص 325)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (273.) (3) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (ص543.) (4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه5/300 (5300.) (5) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص325)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (272.)

عدد الصفحات ١٨١

مختصرالشفا بتعريف حقوق المصطفى‏|080 4- فصل[ برِّه ﷺ] ومن توقيره ﷺ وبِرِّه: بِرُّ آله وذريَّته وأمَّهاتِ المؤمنين أزواجِه كما حضَّ عليه ﷺ وسلكه السلفُ الصالح ، قال الله تعالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [33]، وقال تعالى: (ﯞ ﯟ) [6]. عن زيدِ بن أرقمَ  قال: قال رسول ا ﷺ: «أنشُدكم ا أ،ل بيتي...» ثلاثًا، قلنا لزيدٍ: مَن أهلُ بيته؟ قال: آلُ علٍَّ وآل جعفر وآل عَقيلٍ وآل العباس(1). وعن سعدِ بن أبي وقاصٍ: لما نزلت آيةُ المباهلةِ دعا النبي ﷺ علياا وحَسنًا وحُسينًا وفاطمةَ وقال: «اللهمَّ ،ؤلاء أ، » (2). وقال النبيﷺ في علٍَّ: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ م ن والاه، وعادِ من عاداه»(3). وقال فيه«لا يحُبُّك إلا مومنٌ ولا يُبغضك إلا منافقٌ »(4). وقال للعباس«والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجلٍ الإيمانُ حت يحُبَّكم لله ورسولِه، ومن آذى عمِّي فقد آذاني، وإنما عمُّ الرجل صِنو أب يه»(5). (1) أخرجه مسلم5042.) (2) أخرجه مسلم(5040.) (3) أخرجه أحمد5/565 (214)، والنسائي في الكبرى7/032 (2052.) (4) أخرجه مسلم72.) (5) أخرجه الترمذي3712.)

عدد الصفحات ١٨٢