المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحياة الانسانية الدنيوية

محمد علي البار

صفحة ٣ من ٤

31 1- النفس بمعنى الانسان ، قال تعالىوَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [}45]لََ يُكَل ِفُ اللََُّّ نَفْساا إِلََّ وُسْعَهَا ۚ [}286]وَلََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [}29. ] 2- النفس بمعنى أصل الخلقة (أي آدميَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُو ا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [}1]هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [}189.] 3- النفس بمعنى الروح {اللََُّّ يَتَوَفَّى الَْْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [}42]1 ،وَالْمَلًَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِ جُوا أَنْفُسَكُمُ [}93.] وروى القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : في ابن آدم نفس وروح ، بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس هي العقل ، والروح هي التي بها النفس والتحريك ، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه . النفس وصفاتها : أ- الْمارة بالسوء : قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز وَمَا أُبَر ِئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لََْمَّارَة بِالسُّوءِ إِلََّ مَا رَحِمَ رَب ِي [}53] المتبعة للشيطان ب- النفس اللوامة : فإذا ما بدأت تلوم الشخص على فعله السوء ، وتنصحه بفعل الخير ، فهي النفس اللوامة . قال تعالى : { لََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلََ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } [ القيامة1-2] فهي كثيرة اللوم لصاحبها تقرعه وتبكته على ارتكاب الآثام والمعاصي ، وعلىعدم مسارعته في الخيرات .. ت- النفس المطمئنة : فإذا تمكن الانسان من تهذيب نفسه والارتقاء بها الى أعلى الصفات ، فهي النفس الراضية المطمئنة . قال تعالىيَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَب ِكِ رَاضِيَةا مَرْضِيَّةا * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي[}27-30] والطمأنينة ، فهي قد بلت تلك المنزلة العالية ، والدرجة الرفيعة من الرضا بأحكام الله ، والسكون الى قضائه ، فلا تقلق ولا تضطرب ، ويمثلها اصدق تمثيل وأروعه وأكمله موقف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهو غار ثور والمشركون محيطون به ، لو نظر احدهم الى أسفل قدمه لرآه هو وصديقه وصاحبه في الغار . وأبو بكر رضي الله عنه قد تملكه الرعب خوفا على حبيبه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم . فقال : يا رسول الله ! لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، فقال له الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ، وقد امتلأت نفسه سكينة واطمئنانا : " يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن ان الله معنا " فاطمأنت عندئذ نفس أبي بكر رضي الله عنه . وقد وصف المولى سبحانه وتعالى هذه الحادثة بأروع بيان حيث يقول عز من قائل : {إِّلاا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّاُ إِّذْ أَخْرَجَهُ الاذِّينَ كَفَرُوا ثَانِّيَ اثْنَيْنِّ إِّذْ هُمَا فِّي الْغَارِّ إِّذْ يَقُولُ لِّصَاحِّبِّهِّ لاَ تَحْزَنْ إِّنا اللَّاَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّاُ سَكِّينَتَهُ عَلَيْهِّ وَأَيا دَهُ بِّجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِّمَةَ الاذِّينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِّمَةُ اللَّاِّ هِّيَ الْعُلْيَا ۗ[}40.] 1 قال الزمخشري في ( الكشاف) في تفسير هذه الآية : يتوفى الله الانفس حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى ، حيث لا يميزون ولا يتصرفون ، كما ان الموتى كذلك ، فيمسك التي قضى عليها الموت الحقيقي ، أي لا يردها . ويرسل الاخرى النائمة الى جسدها الى اجل مسمى . وقالوا : ان التي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة ، لان نفس الحياة اذا زالت زال معها النفس . والنائم يتنفس.

عدد الصفحات ٣١

32 ولا يمنع ذلك ما جاء في بعض التفاسير من ان هذه النفس تنادى عند الموت بيَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَب ِكِ رَاضِيَةا مَرْضِيَّةا [}27-28] النداء من الملائكة الذين يحفون بها أثناء احتضارها ، يبشرونها بالجنة وقد ذهب الحافظ ابن كثير الى ان الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره . قال القرطبي1 في (تفسيره) : " قال الحسن البصري2 : إن الله تعالى اذا اراد ان يقبض روح عبده المؤمن اطمأنت النفس الى الله تعالى . " وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه : إذا توفي المؤمن ، ارسل الله اليه ملكين ، وارسل معهما تحفة من الجنة ، فيقولان لها : اخرجي ايتها النفس المطمئنة راضية مرضية ومرضيا عنك ، اخرجي الى روح وريحان ورب راض غير غضبان . فتخرج كأطيب ريح المسك وجد أحد من انفه على ظهر الارض " . وفي الحديث الشريف3 : " قل اللهم اني أٍالك نفسا بك مطمئنة ، تؤمن بلقائك ، وترضى بقضائك ، وتقنع بعطائك ". فإذا حاز شخص هذه الثلاث فقد اصبحت نفسه مطمئنة فمن أمن وأيقن بلقاء الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه . ومن رضي بقضاء الله ، فقد أسقط التدبير مع الله وترك الاعتراض عليه ، بل وفرح ورضي بما قضاه عليه . وإذا قنع بنصيبه من الدنيا ، فذلك هو الغنى والراحة التامة للنفس التي لا يصيبها غل ولا حقد ، ولا تتطلع الى ما في أيدي الناس ، بل تنظر اليهم بعين الرحمة والشفقة . الخلًصة : نخلص من ذلك كله الى ان لفظ (النفس) مثل لفظ (القلب) و (الروح) و (العقل) يحتمل معان عديدة ، منها ما هو مادي بحت مثل القلب العضلي ، ودخول الهواء وخروجه في عملية الشهيق والزفير ، التي تعتبر من أهم علامات الحياة الجسدية . والغريب ان الامام أبا بكر الباقلاني وطائفة من الاشاعرة – كما ينقله ابن القيم في كتاب (الروح) – قالوا : ان النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس . وسبق ان وصلنا الى ان خلاصة ما وصل اليه القائلون بالروح والجسد ، هو جسم لطيف يتكون في جوف القلب ، وانه ينبعث مع الشرايين الى كافة اجزاء الجسم فيملؤها بالحياة ، وباستقراء أقوال الاطباء السابقين من امثال ابن سينا وابن النفيس ، وعرفنا انهم انما قصدوا بذلك الاوكسجين ، وها هو الباقلاني يحدد النفس بالنسيم، أي : الهواء الذي يدخل ويخرج بالتنفس ، وأهم ما يحتاجه الانسان من هذا الهواء هو الاوكسجين ، الذي يتم نقله الى الحويصلات الهوائية (Alveoli) ومنها عبر الجدر الرقيقة الى الشعيرات الدموية ، ثم تتجمع الشعيرات الدموية ، بعد ان يتحد خضاب الدم (الهيموغلوبين) بالاوكسجين ، وتنحدر الى القلب في أربعة أوردة رئوية تحمل الدم النقي الصافي المؤكسد ، ويصب هذا في الاذين الايسر ، ومنه الى البطين الايسر ، الذي يضخه عبر الشريان الابهر (الاورطي) الى سائر انحاء البدن في ضربات متلاحقة تبلغ الثمانين في الدقيقة أو تزيد يضخ القلب فيها آلاف الليترات من الدم في اليم الواحد في مواجهة ضغط دم عال (120مم من الزئبق وأهم علامة للموت لدى الاطباء ، هي توقف القلب وتوقف التنفس . 1 القرطبي ، الجامع لاحكاام القرآن20/58 2 الحسن بن يسار : سيد التابعين وامام من أئمة المسلمين ، توفي بالبصرة سنة 110هـ 3 ذكره ابن كثير في تفسيره4/511

عدد الصفحات ٣٢

33 وبما ان الطب قد تقدم لدرجة ان التنفس يمكن ان يستمر لفترة بمساعدةجهاز يسمى المنفسة (Ventilator or Respirator) فإن القلب قد يستمر فترة في العمل بعد توقف التنفس وبما ان مركز التنفس هو في اسفل الدماغ فيما يعرف بجذع الدماغ(Brain Stem) فإن التنفس يتوقف اذا اصيب جذع الدماغ ، فإذا كانت الاصابة مؤقتة أمكن الشفاء بإذن الله ، فتعمل المنفسة حتى تستعيد مراكز التنفس قدرتها على العمل الذي أنيط بها . أما اذا كانت الاصابة دائمة ، ومراكز التنفس قد ماتت الى الابد فهنا تأتي تعريف موت الدماغ ، ليحاول ان يحل هذا الاشكال العسير الذي ظهر مع التقدم الطبي والتكنولوجي الهائل الذي حدث في الربع الاخير من القرن العشرين . الفصل السادس متى تنتهي الحياة الَنسانية الدنيوية ؟ تعريف الموت (بصورة عامة): إن تعريف الموت مثل تعريف الحياة أمر يكتنفه كثير من الصعوبات ،رغم أن العلامات الفارقة بين الموت والحياة ،وبين الكائن الحي والجماد أمر يدركه الإنسان بفطرته ، كما يدركه بمعارفه .

عدد الصفحات ٣٣

34 فالكائن الحي يتنفس ويتغذى ، وينمو ويتكاثر ،ويتحرك ، ثم تختلف بعد ذلك طرق التنفس والغذاء ، والنمو والتكاثر والحركة ، بأشكالها المتعددة المتباينة ، التي لا تكاد تعد ولا تحصى . وأصعب تلك الكائنات تحديدا هي الفيروسات ، فهي كالجماد لا تتحرك ولا تنمو ، ولا تتنفس ولا تتغذى خارج الكائنات الحية ، بل تتبلور مثل بعض الجمادات ، فإذا ما دخلت إلى جسم الكائن الحي تحكمت في سر السر فيه (جينوم الخلية الموجودة في الدنا DAN )، وجعلته عبدا لمشيئتها ، لا ينقسمإلا حسب أوامرها ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يهب الأجسام الحية القدرة على مقاومة هذا الغزو الفيروسي لأبادت الفيروسات جميع الكائنات الحية ابتداء من البكتيرية وانتهاء بالإنسان . ومع هذا كله فالفيروس داخل الخلايا الحية لا يتنفس ولا يتغذى ، ولا يتحرك ولا ينمو ، بل كل ما في الأمر أنه يتحكم بالخلايا ، فيجعلها تنقسم لتصبح فيروسات جديدة من جنسه بدلا من أن تنقسم إلى خلاياها المعتادة . وهناك ما هو أشد صعوبة وفهم من الفيروسات وهو ما تم كشفه حديثا من وجود مادة تسمى (البايرون) وهي مجرد بروتينات ، ليست فيها مادة الحامض النووي ، ومع ذلك تنتقل وتسبب أمراضا أكثرها شهرة (مرض جنون البقر) الذي أدى إلى التخلص من ملايين الأبقار في بريطانية و أوروبة مسببا خسائر مادية فادحة ، وهو ينتقل إلى الإنسان مسببا مرض (كرتز فيلد جاكوب) وهو مرض يؤدي إلى مختل أنواع الشلل ، ثم الموت ، ومثله مرض (سكرابي) الذي يصيب الأغنام ، ومرض (كورو) الذي يصيب الجهاز العصبي للإنسان . وفي أجسام الكائنات الحية المتعددة مثل الإنسان أو الحيوان أو النبات تموت ملايين الملايين من الخلايا في كل لحظة ، وآن ، ويخاق الله بدلا عنها ملايين مثلها . وتبقى هذه الكائنات الحية على قيد الحياة مادامت عملية البدء والإعادة مستمرة . قال تعالى : {ُُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللََُّّ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [}34] ولقد صدق الإمام الغزالي حين قال : نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه الموت ، إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ، ومعرفة الحياة معرفة حقيقة الروح في نفسها ، وإدراك ماهية ذاتها ، ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم فيها ، ولا أن يزيد على أن يقول : {الرُّوحُ مِّنْ أَ مْرِّ رَبِّّي [}85]فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف سر الروح ، وإن اطلع عليه ، إنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت 1. تعريف الموت عند المسلمين (التعريف الشرعي للموت إن تعريف الموت عند المسلمين لا يختلف عن تعريفه في الحضارات الإنسانية المختلفة ، والأديان المتباينة التي عرفتها البشرية . فقد اتفق المصريون القدماء ، والبابليون ، والآشوريون ، واليونان ، والصينيون ، والهنادكة ، واليهود ، والنصارى ، والمسلمون على أن الموت هو مفارقة الروح الجسد . 1 احياء علوم الدين ، باب حقيقة الموت :4/493 - 494

عدد الصفحات ٣٤

35 ثم اختلفوا بعد ذلك اختلافات كثيرة في هذه الروح ، هل تعود إلى هذا الجسد أم تعود إلى جسد آخر ؟ حيث يعتقد البوذيون والهنادكة والشنتو أن الروح الشريرة تعاد إلى جسد حقير ، وتظل في تلك الدورات حتى تتطهر ، و أن الروح الصالحة الخيرة تظل تنتقل في الأجساد الخيرة ، حتى تصل مرحلة (النرفانا) وهي السعادة الأبدية المطلقة في الروح المتصلة بالأزل والأبد. والمفهوم الإسلامي للموت هو : انتقال الروح من الجسد إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب ، والروح مخلوقة مربوبة ، خلقها الله تعالى ، ثم هي خالدة ، والمقصود بموتها مفارقتها الجسد ، هذا هو مفهوم جمهور علماء المسلمين للموت ، وإن خالف من خالف من المعتزلة وغيرهم . قال الإمام ابن القيم في كتابه (الروح)1 : "والصواب أن يقال : إن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها ، وخروجها منها ، فإن أريد بموتها هذا القدر ، فهي ذائقة الموت ، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لاتموت بهذا الاعتبار ". وقال الإمام الغزالي في (الإحياء) : "إن الموت معناه تغيير حال فقط ، وإن الروح باقية بعد مفارقة الجسد ، إما معذبة وإما منعمة . ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها ، فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها ، حتى إنها لتبطش باليد ، وتسمع بالأذن ، وتبصر بالعين ، وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب ، والقلب هنا عبارة عن الروح . والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة ، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها ، وكل الأعضاء آلات ، والروح هي المستعملة لها ، وأعني بالروح المعنى الذي يدرك من الإنسان العلوم ، آلام الغموم ، ولذات الأفراح . ومهما بطل تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات، ولا بطل منها الأفراح والغموم ، ولا بطل منها قبولها للآلام واللذات . "والإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم وللآلام واللذات ، وذلك لا يموت – أي لا ينعدم – ومعنى الموت انقطاع تصرفه عن البدن ، وخروج البدن عن أن يكون آلة له"2. قال الإمام ابن تيمية كما ينقله عنه ابن القيم في كتاب (الروح"قد استفاضت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب . ويقال لها : اخرجي أيتها الروح الطيبة ". ويقول الإمام الطحاوي3 في (عقيدته"ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين". قال الشارح : والصواب أن يقال : "موت النفوس هو مفارقتها للأجسادها وخروجها منها "4. 1 ابن القيم ، الروح ، ص34 2 الغزالي ، احياء علوم الدين4/493 -495 3 أحمد بن محمد سلامة الأزدي الطحاوي ، أبو جعفر (239-321هـ) ، محدث ، قيه ، انتهت اليه رئاسة الحنفية بمصر. 4 نق عن كتاب (الروح) ، لابن القيم

عدد الصفحات ٣٥

36 ويقول فضيلة الشيخ بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي في بحثه القيم (أجهزة الأنعاش وحقيقة الوفاة بينالفقهاء والأطباء ):" إن حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح للبدن ، وإن حقيقة المارقة خلوص الاعضاء كلها عن الروح ، بحيث لا يبقى جاهز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية"1 ويقول الامام الغزالي ي (سكرات الموت وشدته من كتاب (الاحياء) : " ان كل عضو لا روح يه فلا يحس بالألم ، إذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح ، فمهما اصاب العضو جرح او حريق سرى الأثر الى الروح ، فبقدر ما يسري الى الروح يتألم.. والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنس الروح فاستغرق جميع أجزائه ، حتى لم يبقى جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن الا وقد حل به الألم ، لو اصابته شوكة فالألم الذي يجده انما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي اصابته الشوكة . فألم النزع يهجم على نفس الروح ، ويستغرق جميع أجزائه ، إن المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الاعصاب ، وجزء من الاجزاء من الرق الى القدم ، فلا تسأل عن كربه وألمه"2 . اخراج الروح وقد وكل الله سبحانه وتعالى ملائكة يقومون باخراج الروح من البدن . قال تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُك ِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَب ِكُمْ تُرْجَعُونَ [}11]رواح الآدميين هو عزرائيل عليه السلام ، ويساعده في ذلك عدد غير معرو من الملائكة ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلًَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الَْْرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْ ضُ اللََِّّ وَاسِعَةا فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيراا [}97. ] وقال تعالى وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلًَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ }[الانعام93]. وعلى العكس من ذلك تقوم الملائكة بتبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات ، وتسلم عليهم ، وتنزع أ لَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلًَئِكَةُ طَي ِبِينَ يَقُولُونَ سَلًَم عَلَيْكُمُ }[32] يني ذلك كرب السياق وآلام النزع ، فقد تألم خير الخلق وأكرمهم على الله سبحانه وتعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكرب في نزعه ، حتى قالت فاطمة رضي الله عنها : "واكرب أبتاه " ، فقال لها :" لا كرب على ابيك بعد اليوم " 3. ولكن ما يخعن المؤمن آلام النزع وكرب السياق ما يراه من البشائر ند قدوم الملائكة . قال تعالى يَا أَياتُهَا النافْسُ الْمُطْمَئِّناةُ * ارْجِّعِّي إِّلَىٰ رَبِّّكِّ رَاضِّيَة مَرْضِّياة * فَادْخُلِّي فِّي عِّبَادِّي * وَادْخُلِّي جَناتِّي[}27 - 30] يقال لها ذلك عند النزوع وعند البعث4. 1 بكر أبو زيد ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي ، الدورة الثالثة1408 هـ1987م ، المجلد الثالث2/529 - 541 2 احياء علوم الدين4/461 3 صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، ومسند أحمد ، وسنن ابن ماجه 4 الروح ، لابن القيم ص 180.

عدد الصفحات ٣٦

37 وقال ابن القيم : حديث أبي هريرة رضي الله عنه " أن المؤمن تحضره الملائكة" فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي ايتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج"1 الحديث أما الكفرة والعصاة المردة فإنه ينكل بهم ، ويرون سوء مصيرهم عند الموت ، و تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ، قال تعالىوَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلًَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُ وا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللََِّّ غَيْرَ الْحَق ِ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [}93]وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلًَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [}الانفال50]. وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة قال :" وإذا كان الرجل السوء قال (أي الملك ): اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة ، وابشري بحميم وغساق ، واخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها حتى تخرج"2 . وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضح كيفية اخراج الملائكة لروح المؤمن وروح الكافر . وما في الثاني من تنكيل ، حتى تخرج كما يخرج السود المبلل من كومة من الصوف ، كما جاء في الحديث البراء بن عازب وغيره الذي اخرجه ابن منده ، وذكره ابن القيم بطوله في كتاب (الروح). وقد استوفى ابن القيم في (الروح) ذكر الكثير من هذه الاحاديث3. ويأتي الاسناد في اخراج الروح في بعض الآيات الى الله سبحانه وتعالى مباشرة ، حيث هو الاعل على الحقيقة ، ولا أحد سواه ، قال تعالىلِلَُّّ يَتَوَفَّى الَْْ نْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [}42] ، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل لكل شيء في هذا الكون صغيرة وكبيرة ، والملك مأمور ، يفعل ما أمره به ربه سبحانه وتعالى . الروح وتأثيرا في البدن : اتق جمهور علماء أهل السنة على ان الروح هي المحركة للبدن ، وانها هي المتصرفة فيه ، والموت هو مفارقة الرح للجسد ، وانقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها ، فإن الاعضاء آلات للروح – كما يقول الامام لغزالي – والموت عبارة ن استعصاء الاعضاء عن عل الروح . والروح هي المدركة للعلوم وآلام الغموم ولذات الارواح ، كما يقول الغزالي في( الاحياء ) – سبق وان نقلنا قوله كاملا – والروح التي نخها الله في آدم عليه السلام هي امر علوي سماوي لا تدركه الابصار ، ولم ينفخ الله الروح في ادم الا بعد ان سواه جسدا من الطين ، قال تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَ هُ سَاجِدِينَ [}29.] 1 الروح ، لابن القيم ، ص184 2 اخرجه الشيخان 3 الروح ،ص46 - 50

عدد الصفحات ٣٧

38 حكم المولود اذا لم يستهل صارخا لم يحكم الفقهاء للمولود بالحياة الا اذا استهل المولود صارخا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :" اذا استهل المولود ورث"1 . وقوله جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما : " قضى رسول صلى الله عليه وآله وسلم : لا يرث الصبي حتى يستهل"2 . فإذا كان المولود حديثا وقد نفخت فيه الروح منذ اشهر عديدة ، لا يحكم له الحياة الا عندما يستهل صارخا او يستدل على حياته بأمارات موثقة عندهم ، فإنه من العجيب جدا ان لا يحكم لمن مات دماغه وبالتالي قد الاحساس والحركة والارادة بالموت . جاء في ( الموسوعة الفقهية)3 : " وتعرف حياته– أي المولود – بالاستهلال صارخا ، واختلف الفقهاء فيما سوى الاستهلال . فقالت طائفة : " لا يرث حتى يستهل صارخا " وهو المشهور عن الامام أحمد ". وروي عن كثير من الصحابة والتابعين مستدلين بأن مفهوم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " اذا استهل المولد ورث" أنه لا يرث بغير استهلال4 ، ولان الاستهلال لا يكون الا من حي . والحركة تكون من غير حي . والمقصود بالحركة هنا الحركة الاضطرارية ، مثل حركة المذبوح المعروفة بالافعال الانعكاسية ، التي تحدث احيانا في حالات موت الدماغ ومصدرها النخاع الشوكي وليس الدماغ . ويعرف الغربيون باسم ( حركة لاعازر) اشارة الى (عازر) الذي أحياه المسيح عليه السلام بعد ان مات . وروي عن احمد انه قال : يرث السقط ويورث اذا استهل ، فقيل : ما استهلاله ؟ قال : اذا صاح او عطس او بكى . فعلى هذا كل صوت يوجد منه تعلم به حياته فهو استهلال . وهذا قول الزهري والقاسم بن محمد ، لانه صوت علمت به حياته ، أشبه الصراخ . وعن احمد رواية ثالثة بصوت او حركة او ارضاع او غير ورث ، وثبت له احكام المستهل لانه حي ، وبهذا قال الثوري والاوزاعي والشافعي وابو حنيفة واصحابه . الامام مالك لا يعد الجنين حيا ما لم يستهل ، ولو تنفس او تحرك او بال ، يقول فضيلة الشيخ المختار السلامي : يرى الامام مالك بن انس رضي الله عنه ان المولود اذا لم يصرخ لا يعتبر حيا ولو تنفس او بال او تحرك . ومعنى هذا انه لا يحكم له بالحياة بمجرد التنفس حتى يقرن بها البكاء . 1اخرجه ابو داود3/83، والبيهقي6/275 2 اخرجه ابن ماجه ، حديث رقم2571) 3 الموسوعة الفقهية ، وزارة الاوقاف ، الكويت1983م3/66. 4 يسمى هذا عند علماء الاصولمفهوم المخالة

عدد الصفحات ٣٨

39 وقال ابن الماجشون : أن العطاس يكون من الريح والبول من استرخاء المواسك (أي العضلات العاصرة Sphincter) ، ما لم يكن الفعل اراديا استجابة لتنظيم الدماغ لا يعتبر امارة حياة1 . انتهى كم فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي مفتي تونس السابق . ويقول فضيلته ايضا في بحثه المتقدم الى الدورة الثالثة لمجمع الفقه الاسلامي مفصلا وموضحا أقوال المذهب المالكي : " يقول خليل بن اسحاق (ولا سقط مالم يستهل صارخا ، ولو تحرك او بال أو رضع ) . ان هذه الفقرة تجعل مقياس الحياة والصوت ، وقد فصل اللخمي ما تكون به الحياة فقال : اختلف في الحركة والرضاع والعطاس فقال مالك : لا يكون له بذلك حكم الحياة . قال ابن حبيب : وان اقام يوما يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت ، وان كان خفيا . قال اسماعيل : وحركته كحركته في البطن لا يحكم له فيها بحياة . قال عبد الوهاب : وقد يتحرك المقتول . وعارض هذا المازري وقال : لا معنى لإنكار دلالة الرضاع على الحياة ، لأننا نعلم يقينا أنه محال بالعادة ان يرضع الميت ، وليس الرضاع من الافعال التي تكون بين الطبيعية والاختيارية ، كما قال ابن الماجشون : ان العطاس يكون من الريح ، والبول من استرخاء المواسك ( العضلات العاصرة ) ، لان الرضاع لا يكون الا من القصد اليه . والتشكك في دلائله على الحياة يطرق الى هدم قواعد ضرورية . والصواب ما قاله ابن وهب وغيره : انه كالاستهلال بالصراخ"2 مالم تكن حياة مستقرة فلً حياة يقول الدكتور محمد سليمان الاشقر في بحثه (نهاية الحياة) المقدم الى ندوة الحياة الانسانية في الكويت : " ولا بد للحكم بموته من ان تنعدم كل امارات الحياة ، ويذكرون ذلك في استهلال المولود ليرث ، قالوا : لا بد ان ينفصل حيا حياة مستقرة ، لو مات بعد انفصاله حيا حياة مستقرة فنصيبه لورثته . ويعلم استقرار حياته عند الحنابلة والشافعية إذا استهل صارخا أو عطس أو تثاءب ، أو مص الثدي ، أو تنفس وطال زمن تنفسه ، أو وجد منه ما يدل على حياته كحركة طويلة ونحوها . فلو لم تكن حياة مستقرة ،بل كالحركة اليسيرة ، أو الاختلاج والتنفس اليسير لم يرث ، لأنه لا يعلم بذلك استقرار حياته ، لاحتمال كونها كحركة المذبوح ، أو كما يقع للانتشار من ضيق أو استواء الملتوي ))3. تعريف الحياة المستقرة ويعرف بدر الدين الزركشي في كتابه (المنثور من القواعد) الحياة المستقرة بقوله : ((الحياة المستقرة هي أن تكون الروح في الجسد ، ومعها الحركة الاختيارية دون الاضطرارية ، كما لو كان إنسان ، وأخرج الجاني أو 1 الزرقاني علي الحليل2/112 2 محمد المختار السلامي ، الانعاش ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدورة الثالثة2 /685 ،1408هـ1987م 3 محمد سليمان الأشقر ، نهاية الحياة ، ندوة الحياة الإنسانية ، الكويت ،ومجلة مجمع الفقه الإسلامي ، الدورة الثالثة ، 1987م2/662.

عدد الصفحات ٣٩

40 حيوان مفترس حشوته وأبانها ، ثم جاء آخر فأجهز عليه لا يجب القصاص في هذه الحالة ، و أما حياة عيش المذبوح فهي التي لا يبقى معها إبصار ولا نطق ولا حركة اختيارية 1. وقال الرملي في (نهاية المحتاج): وإن أنهاه (أيالمجني عليه ) رجل إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق وحركة واختيار ، وهي المستقرة التي يبقى معها الإدراك ويقطع بموته بعد يوم أو أيام ، ثم جنى عليه الآخر ، فالأول قاتل ، لأنه صيره إلى حالة الموت ، ومن ثم أعطي حكم الأموات مطلقا ، ويعزر الثاني لهتكه حرمة ميت 2. ويعلق على تلك العبارات الدكتور محمد نعيم ياسين فيقول : ((وهذا الذي ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة يشير إلى أنهم اعتبروا فقدان الإحساس والحركة الاختيارية علامات تورث غلبة الظن بوصول المجني عليه لا تعطي غلبة الظن ببقاء الروح في الجسد إذا كانت وحدها ، ولم تقترن بأي نوع من الإحساس أو الحركة الاختيارية ، وإلا لجعلوا القصاص من نصيب الجاني الثاني ، إذ يكون فعله القاتل واردا على جسد فيه روح . ولعلهم في هذا تأثروا بما قرر علماء الطائفة الأولى أمثال ابن القيم والغزالي من أن الروح ترحل عن جسد صاحبها في اللحظة التي يصبح فيها الجسد عاجزا عن الانفعال للروح بأي نوع من الإحساس والاختيار 3 . حركة المذبوح قد أجمع الفقهاء على اعتبار حركة المذبوح . ولو أن حيوانا مفترسا أو شخصا قام بالاعتداء على آخر ، وأفقده النطق والإبصار والإحساس والإدراك ، ولم يبقى منه إلا ما يسمى حركة المذبوح ،ثم جاء آخر فأجهز عليه ، فإن القاتل الأول ، وإنما يعزر الثاني لانتهاكه حرمة الميت . . فمهما كان قلبه ينبض ، وهو يتنفس ويتحرك ، إلا أن هذه الحركات اضطرارية ، فلا يحكم له فيها حياة . بل وصل بعض الفقهاء الى ما هو أعجب و أغرب من ذلك . فقد زعم ابن القاسم أن عمر رضي الله عنه لما طعن كان معدودا في الأموات ، وأنه لو مات له مورث لما ورثه ، وأنه لو قام رجل بالتذفيف على عمر فقتله ، لا يعتبر الثاني قاتلا ، لأن القاتل هو الأول ، وهو أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة . وقد استدلوا على موت عمر بزعمهم ذاك أن الطبيب سقى عمر لبنا فخرج اللبن من الجرح ، ومعنى ذلك أن الطعنة كانت نافذة حتى وصلت إلى الأمعاء أو إلى المعدة ، ومثل تلك الحالة لا تعيش في ذلك الزمن . ورغم أن عمر كان يتكلم ويعهد وبقي ثلاثة أيام على ذلك إلا أن ابن القاسم اعتبره ي عداد الأموات 4 ، ولم يعتبر كلامه وإدراكه ومنطقه دليلا على الحياة باعتبار ما سيؤول إليه ، وهو الموت . 1 بدر الدين الزركشي ،المنشور في القواعد : 2/105 . 2 الرملي ، نهاية المحتاج7 /15-16. 3محمد نعيم ياسين ، مجلة الفقه الإسلامي ، الدورة الثالثة2/635-660 . 4محمد المختار الإسلامي ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، الدورة الثالثة2/685-694 .

عدد الصفحات ٤٠

41 والحق أن ما ذهب إليه ابن القاسم كان شططا ، ولم يقبله جمهور الفقهاء ، بل اعتبروا أن عمر كان لايزال حيا عندما كان يعهد ويتكلم ويدرك الأمور ، ولذا أمضوا وصيته 1. مما سبق يتبين الآتي بالنسبة إلى الروح 1- أن دخول الروح إلى الجنين لا يتم إلا بعد مرور فترة زمنية تكون أعضاء الجنين قد تكونت والقلب ينبض (منذ اليوم الثاني والعشرين منذ التلقيح ) والدورة الدموية موجودة ، ومع هذا فقد أجمع الفقهاء وعلماء الإسلام أن الجنين قبل نفخ الروح بمثابة الجسد ، ولا يحكم له فيها بالحياة الإنسانية التي فيها الإحساس الإدراك (وهي التي لا تظهر إلا بعد تكون الدماغ ، واتصال المناطق المخية العليا بالمناطق السفلى ، وذلك لا يكون إلا بعد مئة وعشرين يوما منذ التلقيح كما اثبته الدكتور (كورين) في بحثه الرائد الذي ألقاه في مؤتمر (أخلاقيات زرع الأعضاء المنعقد في أتوا بكندا في 20-24 أغسطس-آب 1989م). حيث ذكر أن الاتصالات والتشابكات (SYNAPSIS) بين المناطق المخية العليا والمناطق الأسفل منها لا تبدأ إلا بعد مرور الجنين بفترة مئة وعشرين يوما ، كما سبق أن أوضحناه 2. وحتى لو قلنا بفترة الأربعين التي وردت في حديث حذيفة بن أسيد ، وفي هذه الفترة يبدأ جذع الدماغ بالعمل ، واعتبرنا ذلك علامة على بداية الحياة ونفخ الروح ، فإن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئا ، وهي أن الجنين يبقى فترة أربعين يوما لا يعتبر فيه حيا حياة إنسانية . 2- تضافرت النصوص القرآنية والحديثية على أن آدم عليه السلام لم ينفخ فيه الروح الا بعد ان اكتمل بناء جسده من الطين ، وان ابليس اللعين كان يتعجب من خلقه ويصوت فيه قبل نفخ الروح ، ويقول : " لأمر ما خلقت " . 3- أن أهم وظائف الروح هي العلم والادراك : يقول الامام الغزالي : الروح هي المعنى الذي يدرك من الانسان العلوم ، وآلام الغموم ، ولذات الافراح . والروح تؤثر في البدن الانساني ، وتتحكم فيه . والاعضاء آلات للبدن ، فإذا استعصت الاعضاء على عمل الروح ، فإن الروح تغادر البدن ، فكل الاعمال الاختيارية والادراك والاحساس من عمل الروح ، والابدان آلات للروح . ولكن هذا لا يعني ان خروج الروح يستتبع فقدان كل حركة في الجسم ، وموت كل خلية فيه . فقد اتفق الفقهاء – كما اسلفنا – أن الجنين قبل نفخ الروح فيه كانت فيه حركة النمو والاغتذاء ، بل ان القلب ينبض ويعمل منذ اليوم الثاني والعشرين من التلقيح ، وتبدأ الدورة الدموية عملها منذ تلك اللحظة ، ومع هذا لم يقل أحد من علماء الاسلام : ان الروح قد نفخت في هذا الجنين في هذه الفترة ، بل اجمعوا او كادوا على ان نفخ الروح لا يكون الا بعد مرور مئة وعشرين يوما منذ بدء الحمل ، ولم يشذ عن ذلك الا فئة قليلة ، لم تحدد وقتا لنفخ الروح ، ولكنها اخذت بحديث حذيفة بن اسيد الذي رواه مسلم وحددت بالتالي بداية الحياة بعد مرور الاربعين الاولى . 1الزركشي ، المنثور في القواعد: 2/105 ، وزارة الأوقاف ، الكويت ،1982م 2ص19.)

عدد الصفحات ٤١

42 وقد اسلنا القول في ان الفقهاء لم يحكموا بحياة الجنين حتى بعد مولده وانفصاله حيا من امه الا اذا استهل صارخا ، او ظهرت عليه امارات الحياة . ومنهم من لم يقبل التنفس ما لم يستمر وقتا طويلا وكذلك لم يقبلوا الحركة دليلا على احياة ، بل ولا البول ، لان ذلك يكون من استرخاء المواسك (العضلات العصارة ) ، وبالغ بعضهم في عدم قبول العطاس والرضاع دليلا على الحياة كما اسلفنا . وأما حركة المذبوح او من اعتدى عليه وحش او انسان حتى فقد الادراك ، والنطق ، والبصر ، والاحساس ، فإن حركته لا اعتبار لها عند القهاء ، واعتبروها ميتا ، رغم ان قلبه لا يزال ينبض ، ودورته الدموية لا تزال كاملة ، ومعظم اعضاء جسمه لا تزال تعمل . 4- اتفق الفقهاء جميعا على ان حركة المذبوح ليست دليلا على الحياة ، وان الحركات الاضطرارية الافعال الانعكاسية من الجسم ) التي لا اختيار فيها ليست اثر من أثر الروح . ورغم وجود هذه الحركة فإن فقد كل احساس وادراك مع قدان النطق والارادة عند هؤلاء الفقهاء دليل على فقدان الحياة . يقول الدكتور محمد نعيم ياسين في بحثه ( نهاية الحياة الانسانية في ضوء اجتهادات الفقهاء) تحت خلاصة تصور علماء الشريعة عن الروح وعلاقتها بالجسد : " ان الانسان – في تصورهم – جسد وروح ، ولا يكتسب الوضعية الانسانية بواحد من العنصرين دون الاخر ، وان الجسد مسكن الروح في هذه الدنيا طوال فترة الحياة المقررة للإنسان ، وان العلم والادراك والحس والاختيار اهم وظائف الروح ، وان الجسد الانساني لا يصدر عنه أي نشاط اختياري في هذه الدنيا بغير امر الروح ، وأن كل ما يصدر عنه هو بتأثيرها الذي اودعه الله فيها ، وان الموت معناها مفارقة الروح الجسد ، وانه يحصل عنده صيرورة الجسد عاجزا عن انعال الروح ، وان وجود أي نوع من الحس والادراك والحركة الاختيارية يدل على بقاء الروح في الجسد ، وغياب هذه المظاهر غيابا كاملا يدل لى مفارقة الروح الجسد ، وان مجرد وجود حركة اضطرارية لا معنى له سوى بقايا الحياة المجردة عن معية الروح"1. وفي موضع آخر من بحثه يقول الدكتور محمد نعيم ياسين : " ويفهم من ذلك ان علماء المسلمين يرون ان الحركة الاضطرارية التي لا اختيار فيها ليست اثرا من آثار الروح . ومقتضى ما تقدم من تصورهم لوظائف الروح ان الحركة الاضطرارية الناشئة عن هذا النوع من الحيا ة ليس فيه دلالة على وجود الروح ". ثم يلخص الباحث الفاضل الى محاولة الجمع ما بين اقوال الاطباء والفقهاء من اتفاق واختلاف ، وهذا الذي سنذكره فيما بعد عند الانتهاء من تشخيص الموت وعلاماته عند الفريقين . 1 محمد نعيم ياسين ، نهاية الحياة الانسانية في ضوء اجتهادات الفقهاء ، ندوة الحياة الانساني ، الكويت ، ومنشورة ايضا في مجلة مجمعالفقه الاسلامي ، العدد (3 :)2/635-660

عدد الصفحات ٤٢

43 وما يهمنا ها هنا هو التأكيد على ان الفقهاء لم يجعلوا الحركة الاضطرارية دليلا على وجود الروح ، بل على العكس من ذلك . كما انهم لم يجعلا انتظام نظم القلب وضرباته ووجود الدورة الدموية في الجنين دليلا على تخ الروح فيه ، بل اعتبروا ذلك كله بمثابة النبات او الحيوان ، وليس فيه أي دليل على نفخ الروح في الجنين . وقد أخبر المعصوم صلى الله ليه وآله وسلم عن موعد هذه النفخ ، وأنه لا يكون الا بعد مرور الجنين بمراحل متعددة ، ابتداء من النطة ، ومرورا بالعلقة والمضغة والعظام واللحم الذي يكسو العظام ، ووجود أمارات التخليق ، ووجود امارات التخليق ، ووجود الاعضاء المختلفة من كبد وقلب ورئة وكلى . ومع أن الدورة الدموية والقلب يبدأ عملهما مبكرا جدا ( في اليوم الثاني والعشرين من التلقيح ) الا ان الفقهاء لم يعيروا ذلك اهتماما لوجود النص ، واتق جمهور الفقهاء وعلماء الشريعة والعلوم الدينية على ان نفخ الروح لا يكون الا بعد وصول الجنين الى اليوم العشرين بعد المئة . وهذا دليل قوي على عدم اعتبارهم الدورة الدموية دليلا على وجود الروح ، اذ يمكن ان تكون هناك دورة دموية كاملة ، والقلب ينبض دون وجود الروح ، وهذا بالضبط ما يقوله الاطباء ، حيث ان القلب يمكن ان يستمر في النبض والدورة الدموية بمساعدة العقاقير والاجهزة وبوجود منفسة تقوم بعملية التنفس ، ولا يعد الشص في تلك الحالة حيا ، بل هو ميت اذا مات دماغه بشروط معينة ، لا بد من توافرها في تشخيص موت الدماغ . علًمات الموت وتشخيصه عند الفقهاء: لقد قرر علماء الشرع ان الموت هو مفارقة الروح الجسد الى ما أعد لها من عذاب او نعيم ، حسب عملها في هذه الدنيا ، وان الموت هو انتقال من دار الى دار ، وليس عدما محضا ، فالروح باقية ، لكنها لم تعد تستطيع التصرف في هذا الجسد . والروح امر غيبي لا نستطيع ان ندرك كهنه ، قال تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلًا [}الاسراء85]ي تفسير قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ }ختلف الناس عن المسؤول عنه ، فقيل : هو الروح المدبر للبدن ، الذي تكون به حياته ، وبهذا قال اكثر المفسرين . قال الفراء : الروح الذي يعيش به الانسان لم يخبر الله سبحانه به احدا من خلقه ، ولم يعط علمه احدا من عباده .. وانتهى الامام الشوكاني الى ان الروح من جنس ما استأثر الله بعلمه . لهذا كله بحث الفقهاء عن العلامات التي تمكنهم من معرة الموت ، وقد استدل الفقهاء على الموت ببعض الامارات وببعض الاحاديث النبوية نذكرها كما جاءت في بحث فضيلة الدكتور (بكر أبو زيد ) رئيس مجمع الفقه الاسلامي بشيء من الاختصار1: 1 بكر ابو زيد ، الانعاش وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والاطباء ، مجلة مجمع القه الاسلامي ، العدد (3 : )3/529-541

عدد الصفحات ٤٣

44 1- عن أم سلمة رضي عنها ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ان الروح اذا قبض اتبعه البصر " أخرجه مسلم . 2- عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال" اذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر ، فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا ، فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت " أخرجه أحمد في مسنده . علًمات الموت : علامات الموت هي : انقطاع النفس ، واسترخاء القدمين ، وعدم انتصابهما ، وانصال الكين ، وميل الان ، وامتداد جلدة الوجه ، وانخسا الصدغين ، وتقلص الخصيتين الى فوق ، م تدلي الصفن ، وبرودة البدن . فإن حدث شك أو مات الشخص فجأة ، فعلى المشخص الانتظار حتى تتبين العلامات . وقال الامام النووي في ( روضة الطالبين )1 : " فإن شك بأن لا يكون به علة ، واحتمل ان يكون به سكتة ، او ظهرت أمارات فزع ، أخر الى اليقين بتغير الرائحة أو غيره " . " وفي حالات الموت بالسكتة والصعقة ، والخو والسقوط ونحوها مما قد ينتج عنه الموت المفاجئ ، يطلب الفقهاء أن ينتظر بالميت احتياطا ، حتى تظهر به العلامات المعتبرة في غير هذه الاحوال من استرخاء الرجلين وانخساف الصدغين الى اخره ليتحقق الموت "2. ولا شك ان هذه العلامات ليست يقينية ما عدا توق التنس توقفا نهائيا لا رجعة يه . ولذا اعتر القهاء انفسهم انهم كانو يشخصون الموت في حالات لم تمت بعد ، حتى قال ابن عابدين في (الحاشية) : " ان أكثر الذين يموتون بالسكتة يدفنون وهم احياء " لأنه يعسر ادراك الموت الحقيقي الا على افاضل الاطباء3 . وقد نقلنا كلام فضيلة مفتي تونس العلامة الشيخ محمد المختار السلامي في حم الفقهاء على الجنين الذي لم يستهل صارخا ، وكيف انهم اعتبوه ميتا ، وكم من ملايين الاطفال عبر ألف عام او تزيد حكم عليهم الفقهاء بالموت ، لانهم لم يستهلوا حياتهم صارخين ، بل ان بعضهم لم يعترف بالتنفس ولا بالعطاس ولا بالرضاع !! وإليك ما قال مرة اخرى : يقول خليل : ( ولا سقط ما لم يستهل صارخا ، ولو تحرك أو بال أو رضع !!( ؟!! 1 روضة الطالبين ، للنووي2/98 2 محمد الاشقر ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي ، العدد3: )3/661-672 3 حاشية ابن ابدين1/572

عدد الصفحات ٤٤

45 ولا شك ان علامات الفقهاء للموت ستؤدي الى كارثة حقيقية اذا اخذنا بها . ولا شك ان الآلاف سيحكم عليهم بالموت وهم احياء حسب هذه التعريفات الفقهية للموت .. وقد ادت تعريفات الموت عند الفقهاء الى دفن آلاف بل ملايين الاطفال الذين لم يستهلوا صارخين وهم احياء ، كما أدت الى دفن آلاف ومئات الآلاف من الاشخاص الذين اصيبوا بالسكتة ، وكما قال القيه ابن عابدين فإن أكثر الذين يموتون بالسكتة يدنون وهم أحياء . ولهذا فإن تشخيص الموت لا يترك للفقهاء ولا لعامة الناس ، وقد تنبهت الحكومات في العالم أجمع الى ذلك ، فأوكلت تحديد الحياة بدءا وانتهاء الى اهل الذكر في هذا المجال وهم (الأطباء) وقد قال الله تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذ ِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لََ تَعْلَمُونَ [}43. ] ومن الخطورة بمكان ان نأخذ بهذه العلامات البسيطة التي كان الفقهاء يأخذون بها ، ويعتبرونها علامة للموت مثل : استرخاء القدمين ، انفصال الكفين ، وميل الانف ، وامتداد جلدة الوجه ، وانخساف الصدغين ، وتقلص الخصيتين الى فوق ، مع تدلي الصفن ، وبرودة البدن . فهذه العلامات جميعا ليست علامة للموت ، بل ان توقف التنفس لديهم وهو علامة هامة للموت قد يكون عارضا ، ويمكن انقاذ المصاب به .. وقد لا يكون علامة للموت الا اذا استمر وقتا كافيا مع فقدان الوعي فقدانا تاما ، وتوق عمل الجهاز العصبي المركزي ، وبالذات عمل الدماغ بأكمله ، شاملا بذلك جذع الدماغ ، الذي فيه المراكز الحيوية الهامة التي تتحكم في التنفس والدورة الدموية والوعي . والغريب حقا ان الفقهاء لم يوضحوا كيفية الاستدلال على توقف التنفس ، كما انهم لم يعرفوا اهمية الدورة الدموية ونبض القلب ، ولم يذكرها احد منهم في تعريفهم لعلامات الموت سوى ما ذكره فضيلة القاضي بحكمة قطر الشرعية الأولى الشيخ عبد القادر العماري في بحثه ( نهاية الحياة )من أن بعض الفقهاء المتأخرين اعتبر جس العرق الذي بين الكعب والعرقوب وجس العرق في الدبر1 . وحتى هذه العلامات لا تعتبر علامة على الموت، إذ أن المصاب بعض أمراض الدورة الدموية يفقد النبض من الشريان الموجود بين الكعب والعرقوب (الشريان الخلفي ) (posterior Tibial Artrey.) ولم يكتفي الفقهاء بذلك كله بل تحدثوا عن الموت حكما والموت تقديرا ، وقسموا الموت إلى حقيقي : وهو انعدام الحياة إما بالمعاينة (وهو ما تحدثنا عنه يما سبق ) أو بالسماع أو بالبينة ،وإلى حكمي :وهو أن يحكم القاضي بموت شخص مع احتمال حياته ، ومثاله المفقود ، أو مع تيقن حياته ،ومثاله المرتد الذي فر إلى أرض الكفار أهل الحرب . فهؤلاء جميعا تعتد زوجاتهم عدة الموت ، ويجوز لهن الزواج ، وتقسم التركة بالنسبة للمفقود ، أما المرتد لا يرثه أهله ،بل تأخذ الدولة ماله 2 . 1 عبد القادر العماري ، مجلة الفقه الاسلامي ، العدد (3 : )2/189 وما بعدها 2وهبة الزحيلي ، الفقه الإسلامي وأدلته ، دار الفكر ، ط2 :2/253 .

عدد الصفحات ٤٥

46 والموت التقديري هو إلحاق الشخص بالموتى تقديرا . وذلك في الجنين الذي انفصل بجناية على أمه ، وهي التي توجب الغرة (تقدر 5% من دية الإنسان أو50 دينار ذهبا بأن يضرب الشخص امرأة حاملا فتلقي جنينا ، فتجب الغرة ، وهي عبد أو أمة ، وتقدر بنصف عشر الدية الكاملة .1 . أنواع حركة المذبوح فرق الفقهاء بين من وصل إلى حركة المذبوح نتيجة عدوان أو افتراس ، وبين من وصل إليها نتيجة مرض ، فإن من وصل إلى حركة المذبوح نتيجة مرض لا تسري عليه أحكام الموت ، ولا تقسم تركته ، ولا تنكح زوجته ، ويلزم قاتله القصاص . قال النووي في (المنهاج) : ولو قتل مريضا في النزع وعيشه عيش مذبوح وجب بقتله القصاص 2 . قال الشارح : لأنه قد يعيش بخلاف من وصل بالجناية إلى حركة المذبوح . قال العلامة عميرة في حاشيته على (منهاج الطالبين ): ((وعبارة الإمام(أي النووي ) لو انتهى إلى سكرات الموت ، بل يلزم قاتله القصاص 3 . وقال الزركشي في (المنثور في القواعد ): إن المريض لو انتهىإلى سكرات الموت ، وبدت مخايله ، لا يحكم له بالموت ، حتى يجب القصاص على قاتله 4 . تعليل الاختلاف في الحكم ويقول الدكتور محمد نعيم ياسين في تعليل هذا الاختلاف في الحكم بين حالتين متماثلتين : والذي يظهر أن الفرق الذي ذكره الزركشي بين الصورتين غير مؤثر في اختلاف الحكم ، ويدل على ذلك ما صرح به نفسه ، وصرح به غيره من علماء الشافعية ، فيما نقلناه سابقا ، من أن صاحب الفعل الأول لو كان حيوانا مفترسا وأخرج حشوة المقتول وأبانها ، فإن القتل لا يضاف إلى أي صاحب فعل لاحق مهما كان . وإضافة الفعل الأول إلى الحيوان المفترس لا يختلف من حيث النتيجة عن إضافته إلى أي حادث سماوي يوصل الشخص إلى النتيجة نفسها ، كانهيار بيت عليه مثلا ونحو وذلك . ولكن المعنى المعقول الذي يمكن أن يفرق بين الصورتين هو مدى التحقيق من وصول الشخص إلى الحياة غير المستقرة التي يتقين من عدم إمكان انعكاسها إلى الحياة المستقرة . ومظاهر النزع في عهد أولئك الفقهاء لم تكن كافية لتغليب الظن ، فضلا عن التيقن ، على أن المريض قد انتقل فعلا إلى مرحلة عيش المذبوح – كما سموه – بدليل أن حالات كثيرة يوصف فيها الشخص بأنه وصل إلى حالة النزع الأخيرة ، ثم يتجاوزها ، ويعيش إلى ما شاء الله . 1المصدر السابق نفسه 2منهاج الطالبين ، للنووي4/103 -104 . 3المصدر السابق نفسه 4الزركشي ، المنثور في القواعد2/106 .

عدد الصفحات ٤٦