17 معاني الروح {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِ قَلِيلًا [}الاسراء85] . ولا شك ان مبحث الروح من المسائل العويصة التي حار فيها العلماء ، والتبس الامر فيها على كثير من الفضلاء . ولا بد لنا من مبحث الروح في هذا المقام ، لان الموت لا يتم الا بخروج الروح ، ومبحثنا عن الموت وعلاماته وتعريفه ،، فلا بد لنا إذن من بحث كلمة الروح ومعانيها وما تدل عليها . لفظ الروح في القرآن الكريم : وقد ورد لفظ الروح في القرآن الكريم على عدة معان منها : 1- أنه القرآن الكريم ، قال تعالىوَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاا مِنْ أَمْرِنَا ۚ [}الشورى52] وقوله تعالىيُنَز ِلُ الْمَلًَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [}النحل2] ولقد سمي القرآن بالروح ، لانه حياة الارواح والقلوب والعقول . 2- أنه ملك من الملائكة ، عظيم الخلق جدا وهو المراد بقوله تعالىيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلًَئِكَةُ صَفًّا[}النبأ]. 3- انه جبريل عليه السلام ، وهو المراد في قوله تعالىنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الَْْمِينُ 193) عَلَىٰ قَلْبِكَ [}الشعراء193-194 ]، ومن قوله تعالى في قصة مريم عليها السلام فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراا سَوِيًّا [}17]ي قولهتَنَزَّلُ الْمَلًَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [}4.] 4- أنه الوحي الذي ينزل على الانبياء عليهم السلام قال تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلًَقِ [}15] 5- أنه الروح والريحان واستراحة . 6- أنه الروح الذي به الحياة البدن ، قال تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي[}85] 7- أنه القوة والثبات والنصرة ، التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين ، قال تعالى أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِْيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [}22.] 8- أنه المسيح ابن مريم ، قال تعالى إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللََِّّ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُ وح مِنْهُ [}171.] وفي الحديث الشريف : " يقال لعيسى عليه السلام يا روح1. وهنا نقطة هامة لا بد من توضيحها ، لان كثيرا من عامة الناس يغلط فيها ، فيظن ان الروح التي في عيسى ... والروح التي نفخها الله في آدم عليهما السلام هي جزء من روح الله2 ،وهو خطأ فاحش ، بل كفر صريح وقع فيه النصارى ، حيث زعموا أن المسيح ابن مريم هو ابن الله ، لانه من روحه بلا أب ، ومنهم من زعم 1 أخرجه الشيخان 2 قال تعالىفَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [}29]
عدد الصفحات ١٧18 ان المسيح هو الله ، قال تعالىلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَََّّ ثَالِثُ ثَلًَثَةٍ [}73] (اب ) وعيسى (الابن) والروح القدس . وقال تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَََّّ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [}72.] ونسبة الروح الى الله كنسبة البيت والناقة والعبد والرسول ، فيقال : بيت الله (الكعبة) ، وناقة الله (ناقة صالح) ، وعبد الله ، ورسول الله .. وكلها إضافات إليه تقتضي التشريف والتكريم ، فالبيوت كلها بيوت الله ، والنوق كلها له ، والعبيد جمبعا عبيده ، والخلق كلهم ملك يده ، فأضاف فرقة منهم اليه ، وسماهم حزب الله وعباد الله ، وسمى الفرقة الاخرى حزب الشيطان وعباد ابليس والهوى ، وكلهم خلقه وعبيده .. إلا أن هذا الاصطفاء والاجتباء جعل الاضافة اليه . وكما يقول الامام عبد الله العيدروس في كتابه ( الدر والجوهر)1: " إذا وصل الذاكر الى عالم الروح بزر له نعت القدم بتنصيص التخصيص ومنشور التشريف من باب اضافةوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [}29 ] الى ان يقول فنزه القدم (أي الله ) عن الحدث ( اي المخلوق) ، وتنزه القديم (أي الله جل جلاله ) عن المحدث (أي المخلوق ) ، وجلت الأزلية عن الوصل والفصل ، إضافتك اليه اضافة مزية لا اضافة جزئية ، إضافتك اليه اضافة خصوصية ، لا اضافة بعضية اضافة قرب لا اضافة نسبة ، إضافة كرم لا اضافة قدم ، هو منزه عن كل إضافة وإن قالوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [}29."] ومقصودنا ها هنا من الحديث عن الروح هو الروح التي به حياة بدن الانسان ، وقد اختلف فيه العلماء اختلافا شديدا ، ولكنهم جميعا متفقون على ان الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة ، كما يقول الامام ابن القيم2 في كتابه القيم ( الروح " ولا خلاف بين المسلمين ان الارواح التي في آدم وبينه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله ، خلقها وأنشأها ، وكونها واخترعها ، ثم اضلفها الى نفسه ، كما أضاف اليه سائر خلقه " . وقال شيخ الاسلام ابن تيمية3 كما يحكي عنه ابن القيم : " روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة . وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين مثل محمد بن نصر المروزي4 الامام المشهور الذي هو من أعلم اهل زمانه بالاجماع . وأبو محمد ابن قتيبة5، قال : أجمع الناس على أن الله تعالى هو فالق الحبة وبارئ النسمة أي خالق الروح وقال ابن شاقلا1 ( يرد على من سأل : هل الروح مخلوقة أم غير مخلوقة ؟ ) : " وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب ان الروح من الاشياء المخلوقة " . 1 الدر والجوهر ، ص76 ، مطبوع مع كتاب ( ايضاح اسرار علوم المقربين ) ، ط مصطفى البابي الحلبي ، مصر ، سنة 1352هـ1933م 2 محمد بن ابي بكر الزرعي الدمشقي ، أحد كبار علماء الاسلام وصاحب الكتب النافعة الماتعة ، وتلميذ ابن تيمية الاثير ، وناشر علمه ، توفي سنة 751هـ 3 أحمد بن عبد الحليم عبد السلام ، أبو العباس ، شيخ الاسلام الامام المجدد المجتهد، وصاحب التصانيف ، توفي سنة727هـ 4 الحافظ الفقيه ، من مدينة مرو في بلاد ما وراء النهر في تركمنستان وقد اندثرت202-294هـ817-906م 5 عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، من الأئمة ، اشتهر بالادب ، توفي سنة276هـ
عدد الصفحات ١٨19 وصنف الحافظ ابن منده2 كتابا كبيرا في الرد على الفلاسفة الذين زعموا ان الروح غير مخلوقة حقيقة الروح التي بها حياة البدن : وأما حقيقة الروح التي بها حياة البدن ، فقد اختلف فيها العلماء اختلافا شديدا ، قال الامام ابو الحسن الاشعري3 في (مقالاته) : " اختلف الناس في الروح والنفس والحياة وهل الروح هي الحياة او غيرها ؟ وهل الروح جسم أم لا ؟ " . ثم حكى أقوالا عديدة تبلغ العشرين ، فمنهم من قال : ان الروح جسم ، وهو (النظام)4 إمام المعتزلة ، وإنها هي النفس ، وزعم ان الروح حي بنفسه ، وأنكر ان تكون الحياة والقوة ، معنى غير الحي القوي . وقال (الجبائي)5 : " بأن الروح جسم ، وأنها غير الحياة وقال جماعة : " ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الاربع ، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة " . وقال آخرون : " إن الروح هي الدم الصافي الخالص من الكدر " . وقال قائلون : " الحياة هي الحرارة الغريزية " . وكان الأصم لا يثبت للحياة والروح شيئا غير الجسد ويقول : " ليست أعقل الا الجسد الطويل العريض العميق ، الذي أراه وأشاهده" ، وهي نظرة مغرية في المادية ، ولا تفترق عن النظريات المادية الملحدة من شيوعية وإلحادية علمانية في شيء . وقال ( أبو بكر الباقلاني )6 : النفس هي النسيم ( الهواء ) الداخل والخارج بالتنفس ، والروح هي الحياة فقط وهي غير النفس . وقال ابن حزم7 : وذهب سائر أهل الاسلام والملل المقرة بالمعاد الى النفس جسم طويل عريض عميق ، ذات مكان ، جثة متحيزة مصرفة للجسد قال : وبهذا نقول ... ثم قال : والنفس والروح اسمان مترادفان لمعنى واحد . وزعم ابن حزم ان قوله هذا هو قول سائر أهل الاسلام والملل المقرة بالمعاد ، وهو أمر مردود عليه .. فالخلاف فيه واضح لا شك فيه . وذكر الامام ابن القيم في كتابه ( الروح ) بعد ذلك تقسيمات الامام الفخر الرازي8 وتعريفاته للروح والنفس ، وماذا يقصد بكلمة انسان ، وهل هو الجسم فقط ؟ أم الجسم والروح ؟ أم الاخلاط الأربعة ؟ أم الدم ؟ 1هو ابراهيم بن أحمد بن حمدان ، ابو اسحاق البزار (ت369هـ ) في بغداد ، من كبار علماء الحنابلة . 2 محمد بن اسحاق بن منده ، أبو عبد الله من كبار حفاظ الحديث310-395هـ922-1005م 3هو علي بن اسماعيل260-324هـ ) من كبار الأئمة المتكلمين المجتهدين وإليه ينسب الأشاعرة 4 هو ابراهيم بن سيار بن هانئ البصري ابو اسحاق ، المتوفى سنة 231هـ ، وللدكتور عبد الهادي أ وبيان مذهبه وآرائه . 5 محمد بن عبد الوهاب ، أبو علي ، من أئمة المعتزلة ، ورئيس علماء الكلام في عصره ، توفي سنة235هـ 6 محمد بن الطيب قاضي أهل السنة ومتكلمهم ، انتهت اليه الرياسة في مذهب الاشاعرة ، وكان إماما في فنون كثيرة ، من أشهر كتبه (اعجاز القرآن ) ، توفي سنة 403 هـ 7 علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، أبو محمد ، عالم الاندلس في عصره ، وأحد أئمة الاسلام ، وصاحب التأليف الفريدة توفي سنة 456 هـ 8 محمد بن عمر ، الامام المفسر ، أو حدزومانه في المعقول والاصلين ، توفي سنة 606هـ
عدد الصفحات ١٩20 أم الروح اللطيف الذي يتولد في الجانب الايسر من القلب ، وينفذ في الشريانات الى سائر الاعضاء؟ أو أنه الروحح الذي يصعد من القلب الى الدماغ ؟ أو أنه جزء لا يتجزأ من القلب ؟ أو أنه جسم نوراني علوي خفيف متحرك ينفذ في جوهر الاعضاء ، ويسري فيه سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم ؟ . فما دامت الاعضاء صالحة لقبول اللآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف ، بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الاعضاء ، وأفادها هذه الاثار من الحس والحركة الارادية ، وإذا فسدت هذه الاعضاء بسبب استيلاء الاخلاط الغليظة عليها ، وخرجت عن قبول تلك الاثار ، فارق الروح البدن ، وانفصل الى عالم الارواح . ثم قال ابن القيم معلقا على ذلك : " وهذا ( أي القول الاخير ) هو القول الصواب في المسألة ، وهو الذي لا يصح غيره ، وكل الاقوال سسواه باطلة ، وعليه دل الكتاب والسنة واجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة ، ثم ساق على ذلك أدلته التي بلغت ثمانية وتسعين دليلا .. وخير من كتب في موضوع القلب والروح والنفس والعقل هو الامام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، حجة الاسلام في كتابه (.. شرح عجائب القلب ) من كتاب ( احياء علوم الدين ) رغم وجازته واختصاره . وقد تقدم قوله في القلب ، وأنه على معنيين . أحدهما : القلب المادي ، الصنوبري الشكل ، المودع في الصدر ، الموجود لدى البهائم والانسان . والثاني : اللطيفة الربانية ، التي هي حقيقة الانسان .. وهو ( أي القلب المعنوي ) المدرك العالم العارف من الانسان وهو المخاطب والمعاقب ، والمعاتب والمطالب . أما ( الروح ) فقال فيه : " انه يطلق لعدة معان ، وما يتعلق منه بغرضه في الكتاب معنيان : أحدهما : جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينتشر بواسطة العروق الضوارب الى سائر اجزاء البدن ، وجريانه في البدن وفيضان انوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي الى جزء من البيت الا ويستنير به . والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج . وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركة ... والاطباء اذا اطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى : وهو بخار لطيف ، أنضجته حرارة القلب وليس شرحه في غرضنا ، إذا المتعلق به غرض الاطباء ، الذين يعالجون الابدان . فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق الى جوار رب العالمين ، فليس يتعلق بشرح هذا الروح اصلا " . والمعنى الثاني للروح – كما يقول الامام الغزالي في (الاحياء ) – " هو اللطيفة العالمية المدركةمن الانسان . وهو الذي شرحناه في احد معاني القلب ... وهو الذي أراده الله بقولهقُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِ ي[}85] وقد صدق الامام الغزالي فإن العقول تحاور وتدهش عن ادراك الروح على المعنى الثاني . ولذا كثر الاختلاف لدى العلماء في تفسيرلفظ الروح وبيان حقيقته ، حتى قال الامام الشوكاني1 في تفسيره ( فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية في علم التفسير ) : إنها بلغت الى ثماني عشرة ومئة قول .. ثم عقب على ذلك بقوله : " فانظر الى هذا الفضول الفارغ والتعب العاطل عن النفع " . 1 محمد بن علي ، فقيه مجتهد ، من كبار علماء اليمن ، توفي سنة1250هـ
عدد الصفحات ٢٠21 وقد جاء في تفسير الامام الشوكاني في قوله تعالى وَيَسْأَ لُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [}85] الناس من المسؤول عنه ، فقيل : هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته . وبهذا قال أكثر المفسرين . قال الفرّاء 1 : " الروح الذي يعيش به الانسان لم يخبر الله سبحانه به أحد من خلقه ولم يعط علمه أحد من عباده وانتهى الامام الشوكاني في معنى قوله تعالىالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي } استأثر الله بعلمه من الاشياء التي لم يعلم بها عباده ، فهي مِنْ أَمْرِ رَب ِي } في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيته ، وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع .. وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتم له القيام ، وغالبه بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا ". وقال الجنيد2 : " إن الروح شيء استأثر الله تعالى بعلمه ، ولا يجوز لأحد البحث عنه أكثر من أنه موجود " . وقال الشعراني3 : " لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكلم عن حقيقة الروح ، مع أنه سئل عنه ، فنمسك عن الحديث عنها أدبا " . وقال الامام أحمد بن زين الحبشي4 في شرح قصيدة الامام عبد الله الحداد : (لجيران لنا بالأبطحية وقوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } الرباني من غير حدوث في النافخ ، ولا تغير ولا تجزء ولا انفصال ثم قال : " وهذا الروح جوهر لطيف علوي حارت فيه العقول ، وليس هو البخار الساري في الجسم ، المنبعث فيه عن القلب اللحمي المحسوس المودع في الجانب الايسر من الصدر ، الذي يتصرف فيه الاطباء ، فإن هذا الروح ليس له كبير قدر عند علماء الاخرة أطباء القلوب العارفين بالله " وخلاصة الامر ان ما ذهب اليه الامام الغزالي والامام احمد بن زين الحبشي في المكسألة هو الحق ، فللروح كما للقلب معنيان : فالمعنى الاول : يتعلق به غرض الاطباء ، وهو الذي تتحدد به الحياة والموت . والمعنى الثاني : سر من الاسرار ، تحار أكثر العقول والافهام عن درك حقيقته ، كما يقول الامام الغزالي والامام احمد بن زين الحبشي . والواقع ان ما ذهب اليه الفخر الرازي وابن القيم في كتاب (الروح ) : وانه هو القول الفصل فيه لا يعدوان يكون قول الاطباء ( في تلك الازمنة ) في الروح ، وهو لا يمثل الا جزءا يسيرا من الحقيقة اذا ان حقيقة الروح هي من عالم الغيب ، وعالم السر ، الذي قال الله فيه وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلًا [}85 ] ويتضح لنا بذلك أن موقف بعض العلماء ، مثل الامامالشوكاني في ( فتح القدير) والفراء وجعفر بن حرب5 ، عندما قالوا لا ندري ما الروح ، واحتجوا بقوله تعالىوَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي [}85] الروح إلا بما فهمه الاطباء ، والذي سنشرحه فيما يأتي ، وهو مفهوم ضيق لمعنى الروح . 1 يحيى بن زياد ، إمام الكوفيين ، واعلمهم بالنحو واللغة وفنون الادب ، توفي سنة207هـ 2 الجنيد بن محمد البغدادي ، مكن كبار الصوفية العلماء الملتزميين بالكتاب والسنة ، توفي سنة 279هـ 3 عبد الوهاب بن أحمد من كبار المتصوفين في مصر ، توفي سنة973هـ 4 من أهل حضرموت ، من العلماء المتصوفين ، توفي سنة1145هـ أما عبد الله بن علوي الحسيني الحضرمي المعروف بالحداد شيخ أحمد بن زين الحبشي فتوفي سنة 1132هـ 5 من أئمة المعتزلة ، من أهل بغداد ، توفي سنة236هـ
عدد الصفحات ٢١22 وأما المعنى الرحب الذي اشار إليه الامام الغزالي وبعض العلماء الاسلام ، وأنه اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الانسان ، والتي تطلق على القلب والنفس والعقل أيضا فهو معنى لم يستطع هضمه الامام ابن القيم ولا كثير من العلماء ، واكتفوا بما قاله الاطباء . ونحن ان شاء الله نوضح أقوال الاطباء على ضوء التقدم العلمي الباهر ، الذي حدث في القرون الاخيرة . كلًم ابن سينا في القلب والروح : قال الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن علي بن سينا1 في كتابه ( القانون ) في الطب2/261 في فصل تشريح القلب : " أما القلب فإنه مخلوق من لحم قوي أبعد من الآفات ، فيه أصناف من الليف قوية .. " ثم أخذ يشرح تشريح القلب ، وله في ذلك ملاحظات قوية ، الا أنه أخطأ في نقطتين ، تنبه لهما فيما بعد الطبيب المشهور ابن النفيس ( مكتشف الدورة الدموية الصغرى ) وهما : الأولى : أن في القلب ثلاثة بطون : بطنان كبيران ، وبطن كالوسط ليكون له مستودع غذاء ، يتغذى به كثيف قوي .. وهذا خطأ ، فالذي في الوسط هو حاجز (Septum) بين البطينين الايمن والايسر .. وهو كما ذكر ابن سينا كثيف غليظ . والخطأ الثاني قوله : إن هذا البطن الثالث ( وهو في الحقيقة حاجز بين البطينين ) مستودع غذاء يتغذى به القلب . والواقع أن عضلة القلب تتغذى بواسطة الشرايين التاجية التي كان أول من وصفها ابن النفيس كما سيأتي . ويقول ابن سينا : ان هذا البطن الثالث يتولد معدن روح عن دم لطيف . ويقصد بذلك تنقية الدم ، وهو أيضا خطأ ، فذلك لا يحدث في القلب ، وإنما يحدث في الرئتين ، وهو ما تنبه له العالم الفذ ابن النفيس . وخلاصة كلام ابن سينا أن الدم يأتي الى القلب من الكبد ( وهو صحيح ، حيث يأتي بواسطة الوريد الأجوف السفلي ) ويذهب الى البطن الايمن من القلب ، والبطن الايمن أقرب الى الكبد ( وهو أيضا صحيح ) ، والكبد هي مقر طبخ الغذاء وهضمه ( وهو ليس صحيحا رغم ان للكبد دورا هاما في تحويل السكريات والدهنيات الى طاقة ) . ويقول ابن سينا : " ولما كان البطن الايمن يحوي دما غليظا ثقيلا ( غير مؤكسد بالتعبير الحديث ) ، والايسر يحوي دما رقيقا خفيفا عدل الجانبان بترقيق البطن الايمن وتلغيظ البطن الايسر .. بل جعل وعاء الادق ( وهو الايمن ) أضيق وأعدل في الوسط ، وله زائدتان (Auricular Appendages )على فوهتي مدخل مادتي الدم والنسيم ( الهواء ) الى القلب كالاذينين " . وقد صدق ابن سينا في هذا ، ولكنه أخطأ في ظنه أن الاذينين الايمن والايسر يفتحان في البطين الايمن . والواقع ان كل واحد من هذين الاذينين يفتح فيما يجاروه من بطين ، فالايمن يفتح في البطين الايمن ، والايسر يفتح في البطين الايسر . 1 ترجم له ابن أصيبعة بتفصيل في ( عيون الانباء في طبقات الاطباء ) وألفت حوله العديد من المؤلفات ... وقد ترجمنا له في كتابنا ( المسلمون في الاتحاد السوفيتي ) ج2 في أعلام بخارى ... وقد ولد الشيخ الرئيس سنة 370 هـ في إحدى قرى بخارى في جمهورية أوزبكستان ، وأبوه من بلخ في شمالي افغانستان ، وأمه من بخارى ، وارتفع صيته ، وذهب الى ايران وتوفي في همذان سنة 428هـ ، ويعتبر بحق أعظم أطباء الاسلام ، وظل كتابه ( القانون في الطب ) يدرس في جامعات أوربة لمدة سبعة قرون .
عدد الصفحات ٢٢23 ثم ذكر ابن سينا أن انقباض الاذينين يحصل عند ارتخاء القلب ( اي البطينين ) وان الاذينين يرتخيان عند انقباض القلب .. وهو قول صحيح يدل على أنه رأى القلب أثناء عمله . ووصف ابن سينا الاذينين بأنهما كالخزانتين ، يقبلان الدم من الاوعية ، ثم يرسلان الدم الى القلب . وهذا ايضا قول صحيح دقيق يؤيده الطب الحديث . وينتهي ابن سينا الى ان الروح الحيوانية (1/70) تتولد في القلب ، وان منبت الشرايين هو من التجويف الايسر من القلب .. فتقوم هذه الشرايين بدفع الدم النقي الذي فيه الروح الحيواني الى الجسم بأكمله بواسطة العروق الضوارب . وهذا ما ذكره ابن سينا في الروح ( الحيواني ) ، وأما النفس ، فقد تحدث عنها بتفصيل في كتابه (الشفاء) ( أي شفاء النفس ، ولم يتحدث عنها الا بإيجاذ شديد في كتابه ( القانون ) لانه اعتبر ذلك من أغراض الفلسفة ، وكتاب ( القانون ) للاطباء ، كتاب ( الشفاء ) للفلاسفة ، فناسب أن يحدث الاطباء بما يهمهم من أغراضهم ، ويحدث الفلاسفة بما يحتاجونه في فلسفتهم . وحتى لا نخرج عن موضوعنا غندع كلام ابن سينا في النفس الى حينه .. ونذكر الآن شرح ما قاله الاطباء فيما أسموه الروح الحيواني ، والذي وصفه الغزالي بأنه جسم لطيف ، منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينتشر بواسطة العروق الضوارب الى سائر أجزاء البدن ، والذي ذكره الفخر الرازي بقوله : إنه جسم نوارني علوي خفيف متحرك ، كنبعه القلب ، ينفذ في جوهر الاعضاء ، ويسري فيه سريان الماء في الورد ، والدهن في الزيت ، والنار في الفحم . والذي أيده ابن القيم وقال عنه : إنه القول الصواب في المسألة ، والذي لا يصح غيره ، كما تقدم . كلًم ابن النفيس في القلب والروح : تبدو عبقرية ابن النفيس1 في كونه أول من وصفالدورة الدموية الصغيرى بدقة . 1 هو علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النغيس الدمشقي . ولد في دمشق سنة607هـ 1210م ) .. وعمل في المستشفى النوري الكبير ، الذي أنشأه نور الدين زنكي ، ثم ذهب الى القاهرة ، وعمل بالمستشفى المنصوري ، الذي أنشأه الملك المنصور قلاوون – ( لا يزال هذا المستشفى قائما بعد أن جدد بناءه مرات عديدة ، ويعرف بمستشفى قلاوون لأمراض العيون ، ويقع في شارع المعز لدين الله في حي النحاسين بالقاهرة ) . توفي ابن النفيس في القاهرة ينة 687هـ1288م ) في رواية حاجي خليفة أو سنة696هـ1296م.. وقد وهب بيته ومكتبته الضخمة للمستشفى المنصوري عند وفاته . ومن مؤلفات ابن النفيس ( الكتاب الشامل في الطب ) ويتألف من (300) جزء ، وقد عاجلته المنية ، فلم يتم منه سوى ثمانين جزءا .. وجدت بعد وفاته في المستشفى المنصوري ... ومعظمها الآن موجود في جامعة أكسفورد ، وله كتاب في الرمد ( طب العيون ) يسمى ( المهذب في الكحل ) وكتاب الاغذية يسمى ( المختار في الأغذية ) ، وكتاب في شرح مسائل حنين بن اسحاق ( في مكتبة لندن ) ، وتعليق على كتاب الأوبئة لأبقراط ( في مكتبة اسطنبول ) ... واشهر كتبه ( مودز القانون ) وهو عرض موجز عملي لكتاب ابن سينا ( القانون ) في الطب ، ويقع في (4) اجزاء ، وتوجد منه نسخ في مكتبة باريس واكسفورد والمكتبة الظاهرية بدمشق ، وطبع الموجز في حيدر أباد في الهند . وله كتاب ( شرح كتاب التشريح ) من قانون ابن سينا .. جمع فيه فصول التشريح المنبثة في الكتاب بعضها الى بعض ، وعلق عليها ... واختلف فيها مع ابن سينا في عدة مواضع . وقال : " إننا نعتمد على ما يقضي النظر المحقق والبحث المستقيم ، ولا علينا وافق ذلك رأي من تقدمنا أو خالفهم " . ولابن النفيس كتب اخرى كثيرة في الطب والفقه والسيرة وغيرها من البحوث القيمة الواسعة .. وتتجلى عبقرية ابن النفيس في أنه كان أول من وصف الدورة الدموية الصغرى بدقة .. وأن القلب وبالذات البطين الايمن يضخ الدم الى الرئتين عبر الشريان
عدد الصفحات ٢٣24 ورغم احترامه وتوقيره لجالينوس1 وابن سينا الا انه اختلف معهما في عدة مواضع وقال : " اننا نعتمد على ما يقتضي النظر المحقق والبحث المستقيم ، ولا علينا وافق ذلك رأي من تقدمنا أو خالفهم " وانتقد ابن سينا في قوله : ان للقلب ثلاثة بطون وذلك في كتابه ( شرح كتاب التشريح من قانون ابن سينا ) وكتابه ( موجز القانون) . قال : " وقوله – اي ابن سينا- وفيه ثلاثة بطون ، وهذا الكلام لا يصح ، فإن القلب له بطنان فقط ، والتشريح يكذب ما قالوه " مما يدل على ان ابن النفيس قد مارس التشريح سرا . ويعتبر ابن النفيس أيضا من أول من فطن الى وجود أوعية دموية تغذي القلب ، وهي الشرايين التاجية ، وانتقد هنا أيضا ابن سينا قال : " وقوله – أي ابن سينا ( والذي في البطين الايمن يغذي القلب ) لا يصح ، فغذاؤه من العروق المارة في جسمه " . ولهذا يعتبر ابن النفيس اول من وصف الشريان التاجي ، وأول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ، وأول من أشار الى مرور الدم في الاوعية الشعرية ، سابقا بذلك ( وليم هارفي) الطبيب الانكليزي الذي يعزى اليه في الغرب كذبا وبهتانا اكتشاف الدورة الدموية . ويصف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى ( الدورة الرئوية ) فيقول : " إذا لطف الدم في التجويف الايمن ، فلا بد من نفوذه الى التجويف الايسر ، حيث تولد الروح ، وليس بين التجويفين منفذ ، فإن جرم القلب هناك سميك ، وليس فيه منفذ ظاهر كما ظن جماعة ، ولا منفذ غير ظاهر يصلح لنفوذ هذا الدم كما ظن جالينوس ، فإن مسام القلب هناك مستحصنة ، وجرمة غليظ ، فلا بد وأن يكون هذا الدم اذا لطف نفذ في الوريد الشرياني ( أي الشريان الرئوي .. وقد سمي بالوريد الشرياني لانه يشبه الاوردة في حمله الدم الاسود غير المؤكسد ) الى الرئة ، لينبث في جرمها ويخالط الهواء ..ويتصفى ألطف ما فيه ، وينفذ الى الشريان الرئوي ، ومن ثم يعود الى القلب بواسطة الادوردة الرئوية .. فيضخها البطين الايسر الى سائر الجسد بواسطة الشريان الأورطي وفروعه . وكان أيضا أول من وصف الشرايين التاجية المغذية للقلب وأول من أوضح ان القلب له بطينان لا ثلاثة كما زعم ابن سينا ، وأن الجدار الفاصل بين البطينين ، لا فتحة ولا مسام فيه كما زعم جالينوس . وجاء ( وليم هارفي ) بعد ابن النفيس بأكثر من ثلاثة قرون ، واتصل بأطباء ايطالية وصقيلة الذين كانو يدرسون كتب ابن النفيس ، وعرف منهم ما ذكره ابن النفيس ، ثم قام على ضوء تلك المعلومات بتشريح الجثث ، فوجد صدق ما ذكره ابن النفيس ، فنسبه لنفسه على طريقة القوم!! والامانة العلمية عندهم بالنسبة للمسلمين معدومة ، وذاع في العالم اجمع ان (وليم هارفي) هو مكتشف الدورة الدموية .. وشاء الله أن يذهب طبيب مصري لدراسة تاريخ الطب في جامعة برلين .. واكتشف مخطوطة ابن النفيس في (شرح تشريح القانون ) وتقدم بهذه الدراسة لنيل الدكتوراه ، والطبيب المصري هو الدكتور محيي الدين التطاوي ( انظر الطب والاطباء لمحمود دياب ،ص 272 ) ومخطوطابن النفيس موجود في مكتبة برلين برقم 62243(24) وعنوانه : ( شرح تشريح القانون ) ، ورسالة الدكتوراه عنوانها (الدورة الدموية للقرشي ) أي ابن النفيس ، وبعد ان اعترف العلماء الألمان بهذه الحقيقة بادر ما يرهوف الى دراسة مخطوطات ابن النفيس ، وذكر سبقه لوليم هارفي .. وزعم انه اكتشف ذلك ، وتناسى دور الدكتور التطاوي ( وهي شنشنة نعرفها من أخزم ) . ثم تتابعت بعد ذلك الكتابات عن ابن النفيس ، ومن أوسعها كتابات الاستاذ الدكتور بول غليونجي والدكتور سامي حمارنة . ثم بدأ العالم الغربي يعترف بفضل ابن النفيس ، وسبقه لوليم هارفي ، وان كان ذلك الاعتراف لا يزال محدودا بكتابات بعض المنصفين من أمثال ( زيغريد هونكه) في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب)
عدد الصفحات ٢٤لعالم الغربي يعترف بفضل ابن النفيس ، وسبقه لوليم هارفي ، وان كان ذلك الاعتراف لا يزال محدودا بكتابات بعض المنصفين من أمثال ( زيغريد هونكه) في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) 1 جالينوسClaudius Galenus )130 – 201م : طبيب يوناني ، أحد أعظم الاطباء في تاريخ الطب ، كتب كثيرا في الطب والفلسفة .
عدد الصفحات ٢٤25 الوريدي ( الاوردة الرئوية ، وقد سميت بالشريان لأنها تحمل الدم النقي الصافي الاحمر ) ليوصله الى التجويف الايسر من تجويف القلب " . هكذا إذن يصف ابن النفيس الدورة الدموية كما يعرفها الطب الحديث ، يأتي الدم بواسطة الوريد الاجوف السفلي ، والوريد الاجوف العلوي ، ويصب في الاذين الايمن ، ومنه الى البطين الايمن . وهذا الدم غليظ أسود ، لانه غير مؤكسد ، ويحتوي على ثاني أوكسيد الكربون .. ومن البطين الايمن ينطلق الدم غير المؤكسد في الشريان الرئوي الى الرئتين ، حيث ينقي ويصفى ويعود بواسطة الادوردة الرئوية الى الأذين الايسر ، ومنه الى البطين الايسر .. ويقذفه البطين الايسر بواسطة الشريان الاورطي (الابهر ) الى العروق الضوارب ليغذي كل خلية في جسم الانسان . ويفيض عليها بالحياة . وهنا ملاحظة لا بد أن الطبيب قد تنبه اليها ، وهي وصف ابن سينا وابن النفيس للشريانالرئوي بأنه الشريان الوريدي . والمعروف في الطب ان الشريان هو الذي يخرج من القلب الى الجسم ، ويحمل عادة الدم الاحمر النقي المؤكسد وان الوريد هو الذي يدخل القلب الى القلب من الجسم ، ويحمل عادة الدم الازرق ( الاسود ) غير النقي وغير المؤكسد . والشريان الرئوي يسمى شريانا ، لأنه يخرج من القلب ، وينطبق عليه وصف الشريان ، الا أنه يحمل الدم الازرق ( الذي كان القدماء يدعونه الدم الاسود) غير المؤكسد وكأنه بذلك وريد ، ولذا سماه الاقدمون الشريان الوريدي .. وكذلك في الاوردة الرئوية فإنها أوردة تحمل الدم النقي من الرئتين الى القلب .. لذا سماها ابن النفيس الشريان الوريدي .. والمقصود قطعا الاوردة الرئوية ، لانها تشابه الشريان في حملها الدم المؤكسد النقي ، وتشابه الوريد في انها الاوعية التي تدخل الى القلب من الجسم . مما تقدم يتضح ان الروح الجسماني الخفيف الذي وصفه الرازي وابن القيم والغزالي ، بأنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينتشر بواسطة العروق الضوارب الى سائر أجزاء البدن ، ليس إلا الأوكسجين ، الذي يتحد في أثناء دورة الدم في الرئة ، فينفذ اليها الاوكسجين بواسطة الانتشار من الاسناخ (الحويصلات ) الهوائية الموجودة في الرئة عابرا الحواجز الرقيقة من جدار الحويصلة الهوائية والشعيرات الدموية المنتشرة حول الحويصلة . ثم ينتقل بواسطة الاوردة الرئوية الى الاذين الايسر ، ومنه الى البطين الايسر ، ومنه الى العروق الضوارب الى سائر البدن بواسطة الشريان الابهر ( الاورطي ) فينتشر بواسطتها الى كل خلية في جسم الانسان ، ويدخل الى كل خلية ، حيث توجد الميتوكندريا ( المقدرة او المصورة الحية ) وهناك يقوم الاوكسجين بوظيفته في احراق السكر والدهون في عمليات كيميائية بالغة التعقيد . وكما يقوم الاوكسجين باشعال البنزين في موتور السيارة فيعطيها قوة الدفع والحركة ، فكذلك يفعل الاوكسجين في الجسم ، حيث يحرق السكر والدهن ، ويحولها الى طاقة وثاني اوكسيد كربون الماء .. وهي نفس عملية الاحتراق التي تحدث في البنزين وفي قطعة الفحم وفي قطعة الخشب .. " وهو في الواقع ما وصفه الفخر الرازي بقوله : " جسم نوراني علوي خفيف متحرك منبعه القلب ، وينفذ في جوهر الاعضاء ، ويسرى فيه سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون ، وسريان النار في الفحم " .
عدد الصفحات ٢٥26 وهو ما وصفه الامام الغزالي بقوله : " وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج ، الذي ينار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي الى جزء من البيت الا ويستنير به " .. ثم أكد ذلك بقوله : " وهو بخار لطيف انضجته حرارة القلب " . وهو من نوع البخار أن انه غاز ، فالاوكسجين لا شك غاز1 ، وان كان يمكن تبريده ، والضغط عليه ، وتحويله الى سائل تحت ضغط جوي عال ، وهذا الغاز هو وسيلة الاحتراق في الفحم ، وهو وسيلة اطلاق الطاقة في كل صورة من صورها العديدة . وقد توسع مفهومنا للطاقة في العصر الحديث ، وعرفنا ان لها صورا عديدة يمكن ان تكون آلة تدار ، أو سيارة تسير أو طائرة تطير ، أو نورا ينتشر ، أو صوتا يسمع ، ويمكن بسهولة تحويل التيار الكهربائي الى ثلاجة أو سخانة .. والمكيف ذاته يستطيع ان يسخن الجو أو يبرده .. حسب الزر الذي تضغط عليه . وكل الاحياء – ما عدا بعض البكتيرية اللاهوائية والفيروسات – تحتاج الى الاوكسجين لاطلاق الطاقة والاستفادة منها ، يستوي في ذلك البكتيرية الدقيقة التي تقاس بالميكرون (1/مليون من المتر) وحوت البحر الذي يزن بالاطنان ، مرورا بأنواع الطحالب ، ووحيدات الخلية والديدان ، والحشرات ، والنباتات ، والحيوانات ، على جميع طبقاتها وانواعها ، حتى تصل الى الانسان ، فكل هذه الاحياء لا تعيش من دون اوكسجين . والاوكسجين هو سر الحياة الذي كان يبحث عنه القدماء ، والذي اطلقوا عليه اسم الجسم النوراني العلوي اللطيف الخفيف المتحرك ، وهو هو الذي اطلقوا عليه اسم البخار اللطيف الذي أنضجته حرارة القلب . لقد احتاج الانسان الى آلاف السنين ليدرك سر هذا الروح الجسماني . أما اللطيفة الربانية المدركة العاقلة من الانسان فتنطوي تحت سر وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلًا [}الاسراء85 ]ولن يكشف هذا السر لأغلب البشر الا يوم يقال { فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد [} ق22] {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [}29. ] والله نسأل ان يرزقنا كمال الايمان ، وكمال المتابعة لسيد ولد عدنان محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى نحظى بادراك شيء من هذه الاسرار . 1 غاز الاوكسجين عديم اللون والرائحة والطعم . يكون21%) من الهواء الجوي ، لا يحترق ، ولكن لا يتم الاحتراق ا بوجود شديد النشاط الكيماوي ، ويتحد بعناصر عديدة مكونا الاكاسيد . وفي الدم يتحد بالهيموجلوبين ( صبغة الدم الاحمراء ) في الرئتين فإذا وصل الى الانسجة ترك الهيموجلوبين ، ودخل في تفاعلات داخل الخلايا بواسطة أنزيمات عدة موجودة في الميتوكوندريا رئة الخلية . أول من فصل الاوكسجين الكيميائي بريستلي سنة 1774 وأثبت لافوزييه بعده ببعض سنوات أنه أحد مكونات الهواء الجوي
عدد الصفحات ٢٦27 الفصل الخامس معاني النفس يقول الامام الغزالي في (الاحياء)1 بعد أن شرح لفظ (القلب ) و(الروح اللفظ الثالث : ( النفس ) وهو أيضا متشرك بين معان ، ويتعلق بغرضنا منه معنيان : أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الانسان ، على ما سيأتي شرحه . وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف ، لانهم يريدون بالنفس الاصل الجامع للصفات المذمومة من الانسان 1 كتاب شرح عجائب القلب من ( احياء علوم الدين) ، طبع دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت ،3/2.
عدد الصفحات ٢٧28 ، فيقولون : لا بد من مجاهدة النفس وكسرها . وإليه الاشارة بقوله عليه السلام : " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"1. والمعنى الثاني : هو اللطيفة التي ذكرناها التي هي الانسان بالحقيقة ، وهي نفس الانسان وذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الامر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة .. قال تعالى في مثلهايَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَب ِكِ رَاضِيَةا مَرْضِيَّةا [}27-28. ] والنفس بالمعنى الاول لا يتصور رجوعها الى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله ، وهي من حزب الشيطان . وإذا لم يتم سكونها ، ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ، ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة ، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه . قال تعالىوَلََ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [}2.] وان تركت الاعتراض ، وأذعنت وأطاعت لمتقضى الشهوات ، ودواعي الشيطان ، سميت النفس الأمارة بالسوء ، قال تعالى إخبارا عن يوسف أو امرأة العزيزوَمَا أُبَر ِئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لََْمَّارَة بِالسُّوءِ [}53. ] وقد يجوز أن يقال : المراد بالامارة بالسوء هي النفس بالمعنى اول . فإذا النفس بالمعنى الاول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة ، لانها نفس الانسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات .. وقد ذكر الامام ابن القيم في كتابه (الروح)2 تحت باب المسألة التاسعة عشرة ما هي حقيقة النفس ؟ هل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراضه ؟ وهل هي الروح أو غيرها .. ذكر الامام ابن القيم العديد من الاقوال المختلفة في النفس والروح ، والتي سبق الاشارة اليها في الفصل الرابع . وخلاصة كلامه ان العلماء اختلفوا الى فرق كثيرة في النفس ، كما اختلفوا في الروح ، فمنهم من قال : ان النفس هي الروح ، ومنهم من قال : ان النفس غير الروح . وقال بعضهم : ان النفس هي الدم ، واستدل بكلام الفقهاء عن عدم نجاسة الماء إذا وقعت فيه حشرة (ما لا نفس له سائلة )3. وقالت طائفة: ان النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس ، وهذا قول القاضي ابو بكر الباقلاني ، ومن تبعه من الاشعرية . وقال ابن حزم : النفس والروح مترادفان لمعنى واحد . وقال : ان النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان ، جثة متحيزة مصرفة للجسد ... ورغم غرابة هذا الكلام وشذوذه فقد زعم ابن حزم ان سائر أهل الاسلام ، بل والملل المقرة بالمادة ، لا ترى غير قوله هذا . وقالت طائفة : ليست النفس جسما ولا عرضا ، وليست النفس في مكان ، ولا لها طول ، ولا عرض ، ولا عمق ، ولا لون ، ولا بعض ، ولا هي في العالم ، ولا خارجه ، ولا مجانبة له ، ولا مباينة ، وهو قول أرسطو1 ، وبه قال أفلاطون2 وفسفة المسلمين ، ومنهم ابن سينا والفارابي3. 1 أخرجه البيهقي عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما 2 كتاب الروح ، لابن القيم ص75 3 يرى جماعة شهود يهوةJehova Witnesses) ان الروح (النفس) موجودة في الدم. ولذا يمتنعون امتناعا تاما عن نقل الدم ويرفضونه ، ولو ادى ذلك الى موت احدهم . وهم موجودون في الولايات المتحدة وفي أوربة . وقد اصدرت الدولة العربية تشريعات تسمح بنقل الدم لاطفال هؤلاء القوم رغم انف أوليائهم .
عدد الصفحات ٢٨29 وخير من يمثل هذا الرأي هو ابن سينا ، الذي عبر عنه اجمل تعبير في قصيدته العينية المشهورة ، التي يقول فيها عن النفس : هبطَتْ إليك من المَحَلِّّ الأرفعِّ ..... ورقاءُ ذاتُ تعّزُّزٍ و تَََنُّعِّ ناظرٍ ..... و هي التي سَفَرَتْ و لم تتبََْقَعِّ محجوبةٌ عن كلِّّ مُقلةِّ أنِّفَتْ و ما أنِّسَتْ فلما واصَلَتْ ..... ألِّفَتْ مجاوَرَةَ الخرابِّ البلقَعِّ و أظنها نسيتْ عهوداً بالحمى ..... و منازلاً بفراقها لم تَقنَعِّ حتى إذا اتصلتْ بهاءِّ هبوطها ..... مِّنْ ميمِّ مركزِّها بذاتِّ الأجْرَعِّ لِّقَتْ بها ثاءُ الثقيلِّ فأصبحتْ ..... بين المعالمِّ و الطُلولِّ الخُضَّعِّ عَ تبكي إذا ذكرتْ عهوداً بالحمى ..... بمدامعٍ تهمي و لم تتقَطَّعِّ و تظلُّ ساجعةً على الدِّّمَنِّ التي ..... درسَتْ بتكرارِّ الرياحِّ الأربعِّ ى الأوجِّ الفسيح المِّربعِّ إذ عاقَها الشَّرَكُ الكثيفُ و صدَّها ..... قفصٌ عل حتى إذا قرُبَ المسيرُ إلى الحمى ..... و دنا الرحيلُ إلى الفضاء الأوسَعِّ و غدَتْ مُفارِّقَةً لكلِّّ مَُُلَّفٍ ..... عنها حليفُ التُُّّْبِّ غير مُشَيَّعِّ هجعَتْ و قد كُشِّفَ الغِّطاءُ فابصَرَتْ ..... ما ليسَ يُدرَكُ بالعيونِّ الهُجَّعِّ تْ تُغرّدُ فوقَ ذروةِّ شاهقٍ ..... و العِّلمُ يرفَعُ كلَّ من لم يُرفَعِّ و غد فلأيِّّ شيءٍ أُهْبِّطَتْ مِّنْ شامخٍ ..... عالٍ إلى قَعرِّ الحضيضِّ الأوضَعِّ ؟ إنْ كانَ أهْبَطَها الإلهُ لحِّكمةٍ ..... طُويَتْ عن الفَذِّّ اللبيبِّ الأروَعِّ .. لتكونَ سامعةً لِّما لم تَسمعِّ فهبوطُها ـ لا شكّ ـ ضربةُ لازِّبٍ ... و تعودُ عالمةً بكلِّّ خفيَّةٍ ..... في العالمينَ .. و خَرْقُها لم يـُرْقَعِّ و هي التي قطعَ الزمانُ طريقَها ..... فكأنما غرَبَتْ بعينِّ المَطْلَعِّ 4فكأنها برقٌ تألَّقَ بالحمى ..... ثمّ انطوى .. فكأنّهُ لم يلمع لاهية العلية ه القصيدة ، ان النفس كانت في الاماكن العلوية الشريفة ، تجتلي من الذات الاوخلاصة معنى هذ ة الشريفة ، وحبست في ذلك البدن الثقيل حتى نسيت عهودها ومرابعها المنفيعن طريق الفيض ، ثم هبطت 1 أرسطوAristole )382 – 322 ف.م : من مشاهير فلاسفة اليونان وصاحب منطقهم ، وهو تلميذ أفلاطون ، واستاذ الاسكندر المقدوني . 2 افلاطونPlato )427-347 ق.م : من مشاهير فلاسفة اليونان وهو تلميذ سقراط 3 محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ أبو نصر الفارابي(260 -339هـ874 – 950ميعرف بالمعلم الثاني ، وهو أكبر فلاسفة المسلمين . 4 لهذه القصيدة رغم شهرتها عيوب شعرية ، فهي مليئة بالفلسفة والكلمات غير الشعرية مثل قوله : علقت بها . الثقيل فأصبحت بين المعالم والطلول الخضع وقد عارضها كثيرا من الشعراء . آخرهم الشاعر العدني اليمني علي محمد لقمان المتوفى سنة 1979 في قصيدته (الروح) ومطلعها : أف على الدنيا فلا تتوجعي تحت الثرى ما فوقه بالممرع
عدد الصفحات ٢٩30 يه كارهة ،ها دخلت الوارتبطت بسجن ذلك البدن الثقيل الهابط ، وألفت مراتع الدمن والمستنقعات ، رغم ان ه مكرهة كما فألفت البدن ، ثم نسيت العهود القديمة ، وعز عليها بعد ذلك ان تفارق هذا البدن ، ولكنها تفارق فَكَشَفْنَا ائقدخلت اليه مرغمة ، فعند ذاك تدرك المعاني الرفيعة ، وينقشع عن العين غبشها وتتضح لها الحق يه .]22[}الْيَوْمَ حَدِيد عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ يقرر ان ويتساءل ابن سينا عن الحكمو في هبوط النفس من عالمها العلوي الى ذلك البدن السفلي ، ف ه ما لم درك النفس من عظمتهبوطها كان امرا لازما ، أوجبه الخالق القادر القاهر الحكيم في صنعته ، لكي ت بل تكن تدركه ، ولكي تشاهد عالم الملك كما شاهدت عالم الملكوت ، وترى عالم الشهادة كما ابصرت من ق عالم الغيب ، فما رحلتها في البدن وخروجها منه الا كبرق خاطف تألق في السماء ثم خبا . قسيم أفلاطون فلسفي ( الشفاء) ، واتبع فيه توأوضح ابن سينا آراءه في النفس في كتابه الموسوعي ال حيوانية ، ، ومزج ذلك بثقافته الطبية والدينية الواسعة وقرر ان النفوس ثلاث : نباتية ، 1وأرسطو وأفلوطين ية المستمدة انما ترجع الى النفس العلو –التي تحدث عنها قصيدته العينية المشهورة –وناطقة ، وان النفس آلي ذي .. أي من الذات الالهية ، ويعرف النفس بقوله : " ان النفس كمال أول لجسم طبيعي من العقل الكلي ، حياة بالقوة " . وهي موجودة ، ولكن وجودها ليس وجودا ماديا ، وهي مستقلة عن البدن ولها صفة الخلود ولا تنشأ النفس من امتزاج العناصر كما زعم آخرون ولكنها عارضة . نفس خاصة لا تصلح الا له ، وهي تفيض عليه من واهب الصور . ولكل جسد هذه خلاصة لأراء ابن سينا ، وهي تمثل رأي الفلاسفة الاغريق الالهيين ، مقل : أفلاطون وأرسطو ودها وأفلوطين ، ويخالفون ما ذهب اليه علماء الاسلام قاطبة من ان النفس مخلوقة حادثة ، فيقولون بخل ين على حدوثها ، وإن كان أغلبهم يرى خلودها بعد ذلك ، وهذه احدى نقاط الخلاف بلماء الاسلام وقدمها ، وع الفلاسفة المسلمين وفقهاء الاسلام . يف وما اورده ابن سينا في النفس هو ما يقصده في الروح ، وهو قطعا غير الروح الذي ينبع من تجو باء ، وما ضحنا أنه ليس الا الأوكسجين ، حسب استقراء كلام الأطالقلب ، والذي به حياة البدن ، فذلك قد او به الامام يعنونه بالروح ، بل وكلام كثير من علماء الاسلام ، ومن بينهم الفخر الرازي وابن القيم ، وصرح حيث قال : انه بخار انضجته حرارة القلب . –كما تقدم معنا –الغزالي وأشد هذه الآراء غرابة تلك التي تجعل الروح والنفس هي جسم طويل عريض له جثة ، كما يقول ابن حزم ، أو تلك التي تقول : ان الروح والنفس ليسا الا الجسد الذي يراه ويشاهده ، كما يزعم الاصم ، أو تلك التي تقول : ان النفس والروح ليسا سوى الدم الصافي الخالص من الكدر ، وهي أقوال كثيرة ، حكى الامام الشوكاني أنها تربو على ثمانمئة وألف قول ، كلها أو أكثرها لغو ، لا طائل تحته ، واقربها الى الصحة هو ما ذكره الامام الغزالي من أن القلب والروح والعقل والنفس : ألفاظ تطلق كل واحدة منها على عدة معان ، وتشترك جميعها في معنى واحد ، هو تلك اللطيفة الربانية ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الانسان ، وهو المدرك العالم العارف من الانسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ، وهو سر من الاسرار ، واليه الاشارة بقوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَب ِي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلًا [} الاسراء85]. النفس في القرآن الكريم2 : لقد ذكر الله تعالى النفس في نحو367) موضعا ، وقد جاءت بعدة معان ، أغلبها تعني الذات الانسانية بصفاتها المختلفة ، ومن المعاني التي وردت فيها لفظ النفس ما يلي : 1 أفلوطين : فيلسوف اسكندراني مؤسس الفلسفة الغنوصية الاشراقية
عدد الصفحات ٣٠وقد جاءت بعدة معان ، أغلبها تعني الذات الانسانية بصفاتها المختلفة ، ومن المعاني التي وردت فيها لفظ النفس ما يلي : 1 أفلوطين : فيلسوف اسكندراني مؤسس الفلسفة الغنوصية الاشراقية 2 لقد توسع الشيخ ابراهيم سرسيق في هذا الباب ، ووضع فيه كتابا قيما هو ( النفس في القرآن الكريم ) ، فليرجع اليه القارئ الكريم لمزيد من التفصيل
عدد الصفحات ٣٠