المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحياة الانسانية الدنيوية

محمد علي البار

صفحة ١ من ٤

1

عدد الصفحات ١

2 الفصل الاول متى تبدأ الحياة الإنسانية الدنيوية ؟ يحدثنا القرآن الكريم عن بداية الحياة الانسانية ، كما يحدثنا عن نهايتها في صور متتابعة أخاذة ، تبهر العقل ، وتثير في النفس الإعجاب والتعظيم . قال تعالىيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْ بَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَي ِنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الَْْرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَ مًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَ بْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلًَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاا ۚ وَتَرَى الَْْرْضَ هَامِدَةا فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُ ل ِ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَََّّ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُل ِ شَيْءٍ قَدِير [}الحج5-6] وفي آية واحدة استعرض المولى سبحانه وتعالى أطوار خلق الانسان من الطين والتراب وخلق آدم ، ثم وصف الحق سبحانه وتعالى مراحل تكون الجنين ، من النطفة الى العلقة ، فالمضغة ، وما هو مخلق منها ، وما هو غير مخلق وحدوث السقط ( الاجهاض ) ، ونزول الجنين قبل تمامه أو انتهائه الى خروجه طفلا ، ثم يمر بمراحل العمر حتى يبلغ أشده وقوته وعنفوانه . ثم يسير الخط الى تمامه ببلوغ الاجل في أي لحظة يقدرها المولى سبحانه وتعالى ، أو الاستمرار في الحياة حتى يصل الى أرذل العمر ، قال تعالى وَمَنْ نُعَم ِرْهُ نُنَك ِسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلًَ يَعْقِلُونَ [}68] يحدث الخرف أو ما يعرف اليوم بمرض (الزهايمر) فيفقد الانسان ذاكرته حتى يعرف أقرب المقربين إليه {لِكَيْلًَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاا ۚ [}5.] ثم تنتقل اللآية الكريمة الى صورة أخرى للحياة ، فإذا الأرض الهامدة الميتة تهتز وتربو ، وتضطرب بالحياة من أنواع النبات ، وغيرها من المخلوقات التي لا نراها ، بنزول المطر والحياء عليها ، فتنبت من كل زوج بهيج ، مسبحة للخالق الذي أبرز الحياة فيها . وهي صورة لا تدع للقارء مجالا إلا ان ينبهر ويؤمن بهذه القدرة الخلاقة المبدعة ، التي تبدأ الخلق ثم تعيده ، قال تعالى ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَََّّ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ ي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُل ِ شَيْءٍ قَدِير [}6. ] ونرى الصورة ذاتها من زاوية مختلفة نسبيا ، تعرضها آيات كريمات في سورة (المؤمنون12-16) قال تعالى :ل وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ سُلًَلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةا فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةا فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةا فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللََُّّ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَ عْدَ ذَٰلِكَ لَمَي ِتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [}12-16.] ويقول سبحانه وتعالى مَا لَكُمْ لََ تَرْجُونَ لِلَِِّّ وَقَاراا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراا [}13-14] ابن عباس رضي الله عنهما بقوله : "معناه من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ، ثم يكون عظاما ، ثم يكسوها اللحم ، ثم ينشأها الله خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين " . وهو ا اتفق عليه

عدد الصفحات ٢

3 المفسرون انه نفخ الروحومؤيد ذلك ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه ( جامع العلوم والحكم ) من أن قوما كانوا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا : " ان قوما زعموا ان العزل هو الموءودة الصغرى ؟! فقال علي رضي الله عنه : لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع : تكون سلالة من طين ، ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ، ثم تكون مضغة ، ثم تكون عظاما ، ثم تكون لحما ، ثم تكون خلقا آخر " أي بعد نفخ الروح فيها . والتارات السبع (الأطوار ) هي : 1- سلالة من طين2- النطفة3- العلقة4- المضغة5- العظام 6- لحم يكسو العظام7- خلق آخر ، وفيه نفخ الروح والمرحلة الإنسانية1. ويدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم .قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له : اكتب عمله ، ورزقه ، وأجله ، وشقيّ أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح "2. وهناك اختلاف طفيف في روايات البخاري المختلفة ، ورواية مسلم ، وهي لا تغيّر المعنى ، ولا تزيد فيه ، ولا تنقص منه . وذكر الامام النووي في (الأربعين النووية ) الحديث بلفظ : " إن أحدم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح " . وليس في ( الصحيحين ) لفظ (نطفة) وانما هي مدرجة . قال الامام ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري شرح صحيح البخاري)3 : " ووقع عند أبي عوانة (في صحيحه ) من رواية وهب بن جرير عن شعبة مثل رواية آدم ، ولكن زاد (نطفة )بين قول (أحدكم) وبين قوله (أربعين ) ، فيبينأن الذي يجمع هو النطفة ، والمراد بالنطفة المني ، واصله الماء القليل " . وقد ناقشت مراحل نمو الجنين بتفصيل واف في كتبي (خلق الإنسان بين الطب والقرآن)4، و (الوجيز في علم الأجنة القرآني)5 ، و(التارات السبع من الطين إلى الجنين6 ، و(الجنين المشوه والأمراض الوراثية7. وما يهمنا هاهنا هو مرحلة نفخ الروح ، لأنها هي بداية الحياة الإنسانية ، وأما قبلها فهي حياة نباتية ، أو حياة حيوانية في طريقها إلى الحياة الانسانية ، وهذا المفهوم ليس موجودا عند الأمم الأخرى . 1 جامع العلوم والحكم : 1/156،ط. مؤسسة الرسالة 2 أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء ، وكتاب القدر ، وكتاب التوحيد ، وكتاب بدء الخلق ، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القدر. 3 فتح الباري11/477-486، الطبعة السلفية 4 الدار السعودية جدة ، وقد صدرت طبعته الثانية عشرة . 5 الدار السعودية جدة 6 الندوة العالمية للشباب الاسلامي 7 دار القلم دمشق ، ودار المنارة جدة

عدد الصفحات ٣

4 فالكاثوليك من النصارى على سبيل المثال يعتقدون ان الحياة الإنسانية تبدأ منذ لحظة تلقيح البيضة بالحيوان المنوي ، وتكوين الزيجوت (Zygote) (النطفة الأمشاج أو اللقيحة بينما يعتقد اليهود والبروتستانت من النصارى أن هناك مراحل تطويرية قبل ان يتحول الجنين إلى انسان (Persona) ولكنهم لا يستطيعون تحديد هذه المراحل ، ولا تحديد زمنها1 ، ويدعون ذلك : النظرة التطورية التنموية لقيمة الجنين ، حيث إن حرمة الجنين تزداد تدريجيا مع تقدم الحمل ، وتزايد نمو الجنين ، وتبلغ أقصى مداها بالاحساس والادراك والوعي ، وهو الذي يظهر في الجنين في أواخر مدة الحمل دون تحديد لهذه المدة أو زمنها . وقد حدد الحديث الذي رواه ابن مسعود الزمن الذي يدخل فيه الملك ، ويفتح فيه الروح ، وهو بعد مرور فترة النطفة والعلقة والمضغة ، وحدوث التخليق ، وقد اتفق جمهور العلماء بناء على فهمهم لحديث ابن مسعود رضي الله عنه على انها تقع بعد مئة وعشرين يوما من حدوث التلقيح . ولا ريب أن الجنين قبل نفخ الروح حيّ ، ولكن حياته ليست الحياة الانسانية ، ويشرح ذلك ابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآ،)2 ، وكذلك في كتابه ( طريق الهجرتين وسفر السعادتين) بقوله : "فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه كانفيه حركة وإحساس أم لا ؟ قيل : كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ، ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالارادة ، فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيّته وإرادته الى حركة نموه واغتذائه " . ويقول الامام ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري شرح صحيح البخاري) : " ولا حاجة له (أي الجنين) حينئذ إلى حس ولا حركة إرادية ، لأنه حينئذ بمنزلة النبات ، وإنما يكونله قوة الحس والارادة عند تعلق النفس (أي الروح )به"3 . والغريب حقا ان يرجع هؤلاء العلماء الأفذاذ علامة نفخ الروح الى وجود الحس والحركة الارادية ، وهو أمر لا يحدث في الجنين الا بعد نمو الدماغ ، وبالذات المخ (Cerebrum) بحيث تتحكم المناطق المخية العليا في الجهاز العصبي . فقد اكتشف البروفسور جوليوس كورين (Julios Koren) استاذ الامراض العصبية في جامعة نيويورك بعد تشريح العديد من الأجنة المسقطة في مراحل مختلفة من أعمارها أن المناطق العليا من المخ (Cerebrd Cortex) والتي تتحكم فيما تحتها من المراكز ، ولا يبدأ الاتصال والتشابكSynapses ) وارسال الاشارات إلا بعد مرور (120) يوما منذ التلقيح ، أو134) يوما منذ أخر حيضة حاضتها المرأة قبل بداية الحمل ( وهو حساب أطباء التوليد لمدة الحمل ) ، وذلك يساوي (19) اسبوعا ويوما واحدا ، أي أن الجنين قد دخل في بداية الاسبوع العشرين بحساب أطباء التوليد ، وفي تلك المرحلة يحس الجنين بالألم إذا وخز بإبرة ، وتبدأ الحركات الارادية التي تتحكم فيها المناطق العليا من قشرة الدماغ . وقد اعلن عن ذلك في 1 406.-Sacks J: Ethical Issves at the Start of Life. Clinical Medicine (JRCP)2001,1(S):401 مجلة الكلية الملكية للأطباء بلندن أكتوبر2001 ، ص401-406. 2 ابن القيم : التبيان في أقسام القرآن ص255 3 فتح الباري ، كتاب القدر11/482.

عدد الصفحات ٤

5 (مؤتمر زرع الاعضاء : القضايا الأخلاقية والقانونية ، نظرة عالمية ) المنعقد في مدينة (أوتوا– بكندا ) في عام 20-24 اغسطس– آب 1989م1. وهذا الاكتشاف الحديث مذهل ويوضح إعجاز حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في نفخ الروح ، وتكوين الجهاز العصبي . وهناك حديث آخر أخرجه الامام مسلم في (صحيحه ) في كتاب القدر ، وهو حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه ، يرفعه الى رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم قال : " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا ، فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها ، وعظامها ، ثم قال : يارب أذكر أم انثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ". وفي رواية أخرى أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة قال : " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة ، فيقول : يارب أشقيّ أم سعيد ؟ فيكتبان . فيقول : أي ربِّّ ذكر أم أنثى ؟ فيكتبان ؟ . ونحن نعلم اليوم من علمالأجنة أن مرحلة تكون الأعضاء (Organogenesis) تتم فيما بين الأسبوع الرابع والاسبوع الثامن منذ بدء الحمل ( من التلقيح) . وأن قمة عملية تكوين الاعضاء تكون في الاسبوع السادس ، حيث يشهد هذا الاسبوع زخما في تكوين الاعضاء ، وتحويل الغدة التناسلية غير المتمايزة (Undifferentiated Gonad) الى خصية أو مبيض ، فإذا تحددت الغدة التناسلية ، فإن مسار تكون الأجهزة التناسلية الداخلية يحدد بناء على ذلك . وقد أوضح علماء الأجنة بالصور لأنواع الأجنة المسقطة أن الجنين في الاسبوع السادس وما قبله لا تتميز فيه الغدة التناسلية ، بينما تتميز الغدة التناسلية بوضوح منذ الاسبوع السابع من الحمل ( يحسب من لحظة التلقيح )2 . وعند بلوغ الجنين (42) يوما ظاو ما حولها ، يتكون فيه جذع الدماغ ، ويبدأ في التحم عاى المناطق الاسفل منه (أي النخاع الشوكي ) . وقد سجل العلماء نشاطا كهربائيا لجذع الدماغ في هذه الفترة . وجاء في كتاب (التكاثر الانساني ) (Human Reproduction)3: في الاسبوع السادس تبدأ الأفعال المنعكسة (القوس المنعكس Reflex arc ) في العمل ، وذلك في منطقة الفم وما حولها بحيث تصبح حساسة للمس ، وفي الاسبوع السابع (أي بعد اليوم الثاني والأربعين ) يبدأ النخاع المستطيل في التحكم في النخاع الشوكي ... وبينما نرى الأجزاء المتعلقة بتنظيم الحركة والتوازن الموجودة في المخيخ تنمو في مرحلة متأخرة جدا ، ولا يكتمل نموها الا بعد الولادة ، نجد ان المراكز الاساسية للحياة تظهر في الاسبوع السادس . 1 24,1989. Book of Abstracts.-Koren J: Symposium on Ethics of Organ Transplantation Ottawa, Canada, Aug20 2 نقلت ذلك في كتابي (خلق الانسان بين الطب والقرآن ) ، الدار السعودية ، الطبعة 12 ، ص458 ، وكتاب ( الجنين المشوه والامراض الوراثية ) ، دار القلم دمشق ، دار المنارة جدة ، ص 386 مع صورها 3 271-Page, Villee C, Ville D: Human Reproducio, 3’d edition 1981, Saunders Co. PP 269

عدد الصفحات ٥

6 وفي الاسبوع السابع يمكن تسجيل نشاط كهربائيللدماغ في هذه المنطقة وفي هذا المستوى يبدأ منذ الاسبوع السابع عمل جذع الدماغ في صورته الأولى البسيطة ، ولكن لا يوجد إحساس لأن الاحساس مرتبط بتكون المناطق المخية العليا الموجودة في قشر المخ1 (Cerebral Coatex) ، وتتحكم مناطق جذع الدماغ في التنفس ، والدورة الدموية ، والنوم ، واليقظة ، والمراكز الحيوية الأساسية ، وهذه تبدأ في الظهور بعد الأربعين ، أي منذ الأسبوع السابع للحمل ( 42-49 يوما وقد ذكر ( ابن سينا ) في كتابه ( الشفا ) كتاب النفس )2 : أن القوى النفسانية منقسمة الى ثلاثة أقسام 1- النفس النباتية وهي كمال أول لجسمطبيعي آلي من جهة ما تتولد ونغتذي ، أي أن فيها القدرة على الاغتذاء والنمو والتكاثر . 2- النفس الحيوانية وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما تدرك الجزئيات وتتحرك ، أي أن لها القدرة على الحركة . 3- النفس الَنسانية وهي كمال أول لجسم طبيعي ’آلي من جهة ما تفعل الأفاعيل الكائنة (أي الأفعال الإرادية بالاختيار الفكري ، والاستنباط بالرأي ، ومن جهة ما تدرك الجزئيات والامور الكلية . وتذكر للنفس النباتية ثلًث قوى هي : الغاذية ( أي التي تغذي الجسم ) والمنمية ( هي التي تنميه ) ، والمولدة . وللنفس الحيوانية قوتان : محركة ومدركة ، واتفق معه في ذلك وأيده كثير من علماء المسلمين ، ومنهم الفخر الرازي في كتابه ( المباحث المشرقية )3. والخلًصةأن علماء الاسلام قاطبة فرقوا تفريقا واضحا بين الحياة الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة ( قبل الاربعين ) ، وبين ما يحدث عند بلوغه الأربعين من تكون الأعضاء ، ووجود بعض الحركات الانعكاسية ، ثم بعد ذلك – عند تمام بلوغه مئة وعشرين يوما – عندما تنفخ فيه الروح ، ويكتمل نموه ، وتظهر الحركات الارادية ، ويظهر الاحساس ، وتتكون المناطق المخية العليا ، التي بواسطتها تعمل الروح بطريقة لا نعلمها ، ولكن تظهر قوى الادراك ، والفهم ، والذاكرة ، وتتم التشابكات بين هذه المناطق العيا ، وما تحتها من مناطق الجهاز العصبي ، حتة إنها لتتحكم في أخمص القدم ، واصابع اليد والقدم ، وكل منطقة من مناطق الجسم . 1 الدماغBrain) يشمل فصي المخ ، وهما مثل نصفي الكرة ، وبكل فص منهما مراكز هامة عديدة للسمع والبصر والاحساس والافعال الارادية ، والمناطق التي يبدو ان فيها التفكير والذاكرة ، وهي كلها مراكز هامة ، تعمل بواسطتها الروح ، التي لا ندرك من كنهها شيئا . كما انها تشمل الدماغ المتوسط شاملة فخذي المخ والاجسام التوأمية الأربعة ، والقناة المخية المائية ، ومجموعة من الأنوية الهامة . ويشمل أيضا الدماغ المؤخري المكون من القنطرة (Pons) والنخاع المستطيل (Medulla) والمخيخCenelellum . ) 2 ابن سينا ، كتاب الشفاء ( كتاب النفس ) تحقيقجورج قنواتي وسعيد زايد ، الهيئة المصرية العامة للكتب ، ص10-37. 3 المباحث المشرقية2/227-238.

عدد الصفحات ٦

7 ولهذا كله اختلفت درجة الإثم في الاجهاض حسب مرحلة الحمل . يقول الامام الغزالي فيكتابه ( احياء علوم الدين ) : " وليس هذا ( أي العزل ) كالاجهاض والوأد ، لأن ذلك جناية على موجود حاصل ، واول مراتب الوجود ان تقع النطفة في الرحم ، وتختلط بماء المرأة ، وتستعد لقول الحياة ، وافساد ذلك جناية ، فإن صارت نطفة كانت الجناية أفحش ، وإن نفخ فيه الروح ، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا ، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيا"1 . وقد استدل الفهاء الأجلاء على تحريم اسقاط الجنين في مراحله الأولى بقياسه على كسر بيض الحرم بالنسبة للمحرم ، فمن كسر بيض الحرم أو أفسده فعليه إثم ، وعليه أيضا جزاء كسره . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتى ببيض نعام ، وهومحرم ، فقال : " إنا قوم حرم ، فأطعموه أهل الحل"2 . فإذا حرم تناول أو افساد بيض الحرم ، باعتبار ماله وما سيصير اليه ، فكذلك يحرم قتل الجنين الانساني ، ولو كان في مراحله الاولى ، إلا اذا كان هناك سبب من مرض أو تشوه للجنين ، كما أوضحته الفتاوى العديدة الصادرة من أصحاب الفضيلة العلماء والمجامع الفقهية . ولكن قتل الجنين قبل الاربعين أقل دون ريب في الاثم من قتله بعدها ، وقتله بعد مئة وعشرين يوما يساوي من الاثم قتل انسان ، ولولا أن الفقهاء لم يكونوا قادرين على معرفة حياة الجنين في الرحم والتيقن منها بعد المئة والعشرين يوما لقالوا مثل ما قال ابن حزم في (المحلى) بوجوب القود (القصاص )3 حيث قال " فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها ، وقد تجاوزت مئة وعشرين ليلة بيقين فقتلته ؟ أو تعمد أجنبي قتل جنينها في بطنها فقتله ؟ فقولنا : إن القود واجب في ذلك ولا بد ، ولا غرة في ذلك حينئذ ، إلا ان يعفى عنه ، فتجب الغرة فقط لأنها دية" . وقد أجمع الفقهاء على حرمة قتل الجنين بعد نفخ الروح فيه ، وأباح المتأخرون قتله لانقاذ حياة الأم ، لأنها أصله ، فلا يضحى بها لأجله . وممن قال بذلك شيخ الازهر محمود شلتوت ، والدكتور الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ، وفتوى المجمع لرابطة العالم الاسلامي : القرار الرابع الدور (125) في15-22 رجب1410هـ الموافق10-17 فبراير1990م ونصه " اذا كان الحمل قد بلغ مئة وعشرين يوما لا يجوز اسقاطه ، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة ، إلا اذا اثبت بتقرير لجنة طبية من الاطباء التقات المختصين ان بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الام ، فعندئذ يجوز اسقاطه ، سواء كان مشوها أم لا ، دفعا لأعظم الضررين . 1 إحياء علوم الدين2/65 . 2 نيل الأوطار ، للشوكاني5/20. 3 المحلى ، لابن حزم11/31 .

عدد الصفحات ٧

8 " قبل مرور مئة وعشرين يوما على الحمل ، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات ، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوه تشويها خطيرا غير قابل للعلاج ، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة ، وآلاما عليه وعلى أهله ، فعندئذ يجوز اسقاطه بناء على طلب الوالدين . والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله ، والتثبيت في هذا الامر ، والله ولي التوفيق"1 1 ناقشت موضوع الاجهاض في كتاب (مشكلة الاجهاضوكتاب (سياسة ووسائل تحديد النسل في الماضي والحاضر ) وكتاب ( الجنين المشوه ) وآخرها في كتاب ( الخلايا الجذعية والقضايا الأخلاقية والفقهية ) ومن أراد المزيد فليرجع اليها ، أو الى الكتب الكثيرة والمؤتمرات العديدة حول الاجهاض ، ومنها ندوات المنظمة الاسلامية للعلوم الطبيعية في الكويت ، وكتب العديد من الباحثين والفقهاء الاجلاء ، ورسائل الماجستير والدكتوراه .

عدد الصفحات ٨

9 الفصل الثاني معاني القلب لكي نوضح موضوع بداية الحياة ونهايتها لا بد أولا أن نوضح مفاهيم ارتبطت بها ، وهي : القلب والصدر والروح والنفس . وسأنقلها ها هنا من كتابي ( موت القلب أو موت الدماغ ). القلب : قال الامام الغزالي 1 في كتاب عجائب القلب من كتاب ( احياء علوم الدين: " وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الانسان ، ويعرف حقيقة الاشياء .. وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ، لان بين تلك اللطيفة ( الربانية ) وبين جسم القلب علاقة خاصة " . والواقع ان كل ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة عن القلب والصدر لا يراد به القلب العضلي الصنوبري الشكل ، المودع في القفص الصدري2 .. وكذلك لفظ الصدر لا يراد به هذا القفص الصدري ، المكون من الاضلاع ، والمحدود من أعلى بأسفل الرقبة ، ومن أسفل بالحجاب الحاجز ، ولكن يراد به الصدر المعنوي الذي سنشرحه بإذن الله في موضعه3. فالقلب في القرآن والسنة هو القلب المعنوي ، ما عدا بعض آيات أو أحاديث أشارت الى القلب العضلي ، وإن كانت في مقاصدها لا تشير الا الى القلب المعنوي . ومثال ما جاء في القلب المعنوي من القرآن الكريمقوله تعالىأَلََ بِذِكْرِ اللََِّّ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [}الرعد28 ] ، قوله تعالىأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الَْْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا [}46] وقوله عز من قائلأَفَلًَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [}24] وقوله تعالىهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناا[}4] وقوله سبحانه وتعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللََِّّ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَق ِ [}16] وقوله تعالىوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَََّّ يَحُولُ بَيْنَ الْ مَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [}24] وقولهوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [}5] وقوله تعالى إِلََّ مَنْ أَتَى اللَََّّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [}89] وقوله{ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالِلَِّّ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللََُّّ بِكُل ِ شَيْءٍ عَلِيم [}11] وقوله إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد [}37] تفسيره} : لمن كان له عقل يتدبر به ، فكنى بالقلب عن العقل. 1 هو الامام حجة الاسلام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، أحد أذكياء الدنيا ، برع في علوم كثيرة ، أشهر كتبه ( احياء علوم الدين ) توفي بطوس سنة 505هـ 2 جاء في مختار الصحاح : (القلب ) : الفؤاد، العقل ، اللب ، وفي لسان العرب : ( القلب ) : الفؤاد ، اللب ، خالص الشيء ومحضه . 3 انظر الفصل الثالث من هذا الكتاب

عدد الصفحات ٩

10 وقوله تعالى وَلَٰكِنَّ اللَََّّ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِْيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [}7] وقد وصف الحق تعالى قلوب الكافرين والمنافقين وأمراضها ووصف (الران) الذي يغطي القلب ، ، و(الأكنة ) التي تمنع القلب عن الهدى ، ووصف القلوب القاسية التي هي كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة ، ووصف (الطبع) الذي يطبع على القلوب، فلا ترى بصيصا من نور ، ووصف قلوب المنافقين وما فيها من مرض . قال تعالىكَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللََُّّ عَلَىٰ كُل ِ قَلْبِ مُتَكَب ِرٍ جَبَّ ارٍ [}35] وقال تعالىكَلًَّ ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [}14] وقال تعالىوَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةا أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراا ۚ [}25] وقالوَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُو بِهِمْ فَهُمْ لََ يَسْمَعُونَ [}100 ] وقالفَوَيْل لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللََِّّ ۚ [}22] وقال عز من قائل مخاطبا اليهودثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةا ۚ [}ة :74] وقال عن اليهودوَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْف ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللََُّّ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [}88] وقال عن الكافرينخَتَمَ اللََُّّ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة ۖ [}7] وقال سبحانه يصف المنافقينفِي قُلُوبِهِمْ مَرَض فَزَادَهُمُ اللََُّّ مَرَضاا ۖ [}10] وقال سبحانه وتعالىفَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض [}الأحزاب32] وقال سبحانه وتعالى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [} الأحزاب60] وقال تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللََُّّ أَضْغَانَهُمْ [}محمد29] وأمراض القلب المعنوي كثيرة أهمها مرضان : الشبهة ، والشهوة وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القلوب فقال : " القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن . وقلب أسود منكوس ، فذلك قلب الكافر . وقلب أغلف مربوط على غلًفه ، فذلك قلب المنافق . وقلب مصفح ، فيه إيمان ونفاق ،فمثل الايمان فيه كمثل البقلةيمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة ، يمدها القيح والدم ، فأي المادتين غلبن عليه حكم له بها"1. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " لو لا أن الشياطين يحومونعلى قلوب بني آدم لنظروا الى ملكوت السماء "2 . 1 أخرجه الامام أحمد في مسنده13/17 ، والطبراني في الصغير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وذكره الامام الغزالي في الإحياء : 3/12 بصيغة مقاربة 2 اخرجه أحمد في مسنده2/353 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

عدد الصفحات ١٠

11 وقيل : يا رسول الله ! من خير الناس؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " كل مؤمن مخموم القلب " . فقيل : وما مخموم القلب ؟ قال : " هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر"1. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء "، وفي لفظ " إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه " 2. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك3 وفي رواية مسلم : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليانا "4 وقد جاء ذكر الفؤاد في القرآن والسنة– وهو بمعنى القلب – قال تعالىإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولَا [}الاسراء36] وقال تعالىوَنُقَل ِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [}الانعام110] وهذه كلها لا تحتمل سوى القلب المعنوي ، الذي وصفه الامام الغزالي بأنه اللطيفة الربانية الروحانية ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الانسان ، وهو ( أي القلب المعنوي ) المدرك العالم العارف عن الانسان . وهو المخاطب والمعاقب ، والمعاتب والمطالب . وهناك بعض الآيات التي تشير الى القلب العضلي المادي ، وإن كان القصد ينصرف الى القلب المعنوي كقوله سبحانه وتعالىمَا جَعَلَ اللََُّّ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ [ }4 ] وقوله تعالىوَإِذْ زَاغَتِ الَْْبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَ اجِرَ [}10] وقوله تعالى فَإِنَّهَا لََ تَعْمَى الَْْبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [}46] ففي قوله تعالى مَا جَعَلَ اللََُّّ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ [}4]5 في تفسيره : "إنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله : (انت علي كظهر أمي ) أما له كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له ، فقال مَا جَعَلَ اللََُّّ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } ثم حكى اقوال الاخرى ، حيث كان رجل من قريش يزعم ان له قلبين : يعقل بكل واحد منهما كعقل محمد فكذبه الله تعالى . كما ذكر قول المنافقين في النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين قالوا : ألا تروا إلى محمد له قلبان ، قلب معكم وقلب معهم ، فأنزل الله تكذيبهم بقوله مَ ا جَعَلَ اللََُّّ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } .أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر ، وقال عنه الزين العراقي : وأسناده صحيح 1 2 اخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم 3أخرجه الترمذي والحاكم . أخرجه أحمد والحاكم 4 5 هو اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي الدمشقي الحافظ الفقيه المفسر المؤرخ توفي بدمشق سنة774هـ ودفن قرب شيخ الاسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى .

عدد الصفحات ١١

12 ومن الناحية الطبية لم يوجد شخص له قلبان ، رغم تشريح مئات الآلاف من الجثث على مدى السنين المتطاولة ، ورغم كثرة العيوب الخلقية ، التي توجد في الانسان ، إلا أن أحدا لم يصف شخصا أن له قلبين طبيعيين ، إذ وصفت حالات طبية يضع فيها الجراح قلبا ثانيا ( صناعيا أو مزروعا ) بجانب القلب الطبيعي المريض المدنف . وأما قوله تعالى وَإِذْ زَاغَتِ الَْْبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [}10] الخوف ، ولا ينتقل القلب الى الحنجرة ، ولكن شدة ضربات القلب تجعل الخائف المرعوب يحس وكأن هذا القلب قد بلغ حنجرته من شدة خفقانه . وأما قوله تعالى فَإِنَّهَا لََ تَعْمَى الَْْبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [}46] ذلك مظنة تحديد القلوب في الصدور ... ولا شك ان القلب المادي العضلي موجود في الصدور . وأما القلب المعنوي الذي يصيبه النور أو العمى ، هو خاصية الانسان ، وليس هو القلب العضلي المادي ، وإن كان له نوع تعلق به لا ندرك أبعاده1. قال الامام الغزالي في ( الاحياء ) في كتاب عجائبالقلب : " وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الانسان ويعرف حقيقة الاشياء ، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ، لان بين تلك اللطيفة وبين جسم الانسان علاقة خاصة " . ومن الاحاديث التي ذكرت القلب العضلي بوضوع واشارت اليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح : " ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب "2 وفي هذا الحديث اعجاز طبي ، إذا ان أي مرض يصيب القلب يؤثر دون ريب على سائر الجسد ، فالقلب هو الذي يضخ الدم الفاسد ( غير المؤكسد الى الرئتين ) حيث يطرد ثاني أوكسيد الكربون .. ويتحد الاوكسجين بصبغة الدم الهيموجلوبين الموجودة في كرات الدم الحمراء ، ثم يعود الدم المنقى (المؤكسد ) من الرئتين الى البطين الايسر ، فيضخه عبر الأبهر (الأورطي ) الى كل أجزاء الجسم . فإن ضعفت هذه الدورة نتيجة لأي مرض يصيب القلب ، فإن الانسجة لا تجد حاجتها من الاوكسجين .. والاوكسجين يستخدم لاحراق السكريات والدهون لاطلاق الطاقة ، ولو لاه لتوقفت حركة الخلايا ، والانسجة وأدى ذلك الى موتها وهلاكها .. ففساد هذه المضغة الموضوعة في الجانب الايسر من القفص الصدري يؤدي الى فساد الجسد كله .... وكذلك فساد القلب المعنوي يؤدي الى فساد الانسان كله .. وهذا في الواقع هو مقصد الحديث الشريف ، حيث ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المثل بالقلب العضلي المحسوس وأثره على الجسد ، ليوضح أثر القلب المعنوي ، الذي يدخله النور ، فيجعل الانسان خيرا ، أو ترين عليه الظلمات ، فتجعل الانسان شريرا . فالنور الذي يقذفه الله في القلب هو نور معنوي ، وهو من نور الله تعالى ينشرح له الصدر المعنوي . وانشراح الصدر المعنوي يؤدي الى انشراح الصدر الحسي ، وضيق الصدر المعنوي يؤدي الى ضيق الصدر الحسي . وقال الامام الفخر الرازي من تفسيره الكبير1 الفصل السادس في (الصدر 1 قال ابن كثير3/227 : أي ليس العمى عمى البصر ، وإنما العمى عمى البصيرة ، وإن كانت القوة الباصرة سليمة ، فإنها لا تنفذ الى العبر ولا تدري ما الخبر . وذكر في قوله تعالى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا [}الحج46] 2 أخرجه الشيخان

عدد الصفحات ١٢

13 " أعلم انه يجيء والمراد منه القلب أَفَمَنْ شَرَحَ اللََُّّ صَدْرَهُ لِلِْْسْلًَمِ [}الزمر22] ، رَب ِ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [}25] وَحُص ِلَ مَا فِي الصُّدُورِ [}10] يَعْلَمُ خَائِنَةَ الَْْعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [}19] فَإِنَّهَا لََ تَعْمَى الَْْبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [}46. ] واختلف الناس في أن محل العقل هو القلب أو الدماغ ، وجمهور المتكلمين على أنه القلب " . وفي هذه الآية الكريمة حديث واضح عن عمى القلب ، والقلب العضلي المادي ليست له خاصية الابصار فدل ذلك دون ريب على القلب المعنوي ، وبما ان القلب المعنوي له نوع تعلق بالقلب المادي ، فقد عبر عنه بالقلوب التي في الصدور . الفصل الثالث معاني الصَّدر 1 التفسير الكبير22/45

عدد الصفحات ١٣

14 ولفظ الصدر في القرآن والسنة1 كذلك له معنيان الاول : هذا القفص الصدري المادي ، الذي توجد فيه الرئتان والقلب . والثالني : هو الصدر المعنوي الذي يتلقى النور والايمان ، فينشرح او ينغمس في ظلمة الكفر ، فيضيق وينحرج . قال الله تعالى : {وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراا فَعَلَيْهِمْ غَضَب مِنَ اللََِّّ وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم [}106] وقال كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلًَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَج مِنْهُ [}2] وقال تعالىفَلَعَلَّكَ تَارِك بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِق بِهِ صَدْرُكَ [}12] وقال موسى عليه السلام يدعو ربه كم حكاه عنه المولى قَالَ رَب ِ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [}25] وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ممتنا عليه أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [}1] وقال تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللََُّّ صَدْرَهُ لِلِْْسْلًَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَب ِهِ ۚ [}22] وقال تعالى قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَب ِكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُورِ [ } :57] وقال تعالىبَلْ هُوَ آيَات بَي ِنَات فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ [}49] وقال تعالىفَمَنْ يُرِدِ اللََُّّ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلِْْسْلًَمِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَي ِقا ا حَرَجاا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [}125] وقال سبحانه وتعالى يصف المؤمنينوَلََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةا مِمَّا أُوتُوا [}9] ووصفهم وهم في الجنة بقولهوَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِل ٍ إِخْوَاناا عَلَىٰ سُرُرٍ مُ تَقَابِلِينَ [}47] وذكر رعب الكفار والمنافقين من المؤمنين فقاللََْنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللََِّّ [}13] فكل ما ورد في هذه الايات الكريمة يدل دلالة واضحة على الصدر المعنوي ، وليس المقصود قطعا الاضلاع والعضلات والحجاب الحاجز وما يحتويه القفص الصدري من اعضاء ، مثل القلب ، والرئتين ، وأوعية الدم الكبرى ، مثل : الأورطي ، والشريان الرئوي ، والوريدان الأجوفان العلوي والسفلي ، والاوردة الرئوية ، والغدد اللمفاوية ، والقناة الصدرية ، والمريء ... الخ . قال الامام الفخر الرازي في تفسيره2 : " واعلم أن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج " . وقد جاء في (تفسير ابن كثير) عند قوله تعالىفَمَنْ يُرِدِ اللََُّّ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلِْْسْلًَمِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَي ِقاا حَرَجاا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [}125] وآله وسلم سئل عن كيفية شرح الصدر فقال :" نور يقذف في القلب ، فينشرح وينفسح قالو : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟. قال : " الإنابة الى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " إذا دخل الايمان القلب انفسح له القلب وانشرح " . 1 الصدر في اللغةأعلى مقدم كل شيء أوله ، وكل ما واجهك من الشيء وما أشرف من اعلاه ، أول الشيء (لسان العرب ، مختار الصحاح ) 2 التفسير الكبير22/40

عدد الصفحات ١٤

15 والحديث واضح الدلالة في أن هذاالشرح للصدر إنما هو شرح معنوي وصدر معنوي ، وكذلك الضيق فهو ضيق معنوي لا مادي ، وان نتجت عنه آثار مادية كما سنوضحه . قال ابن كثير في تفسيرهوَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَي ِقاا حَرَجاا [}125] الحرجة هي الشجرة ، تكون بين الأشجار ، ولا تصل اليها راعية ولا وحشية ولا شيء وقال عمر رضي الله عنه : كذلك المنافق لا يصل اليه شيء من الخير . وقال عطاء الخرساني1 { وقال عبد الله بن المبارك2 { : في السماء من شدة ذلك عليه وقال سعيد بن جبير3 { وقالالسدي4{ ومعلوم ان هذه الأوصاف كلها معنوية ، ولكن لها أثر في الصدر المادي المحسوس ، وكل من له تجربة بالطب واتصال بالمرضى يدرك ان ضيق الصدر الذي يشكو منه المرضى على نوعين : الْول – ضيق التنفس : الذي له سبب مادي واضح الناتج عن ضيق بالقصبات (الشعب ) الهوائية ، وهو ما يعرف بالربو ( Bronchial Asthma) أو نتيجة ارتشاح الماء من الدورة الدموية نتيجة هبوط القلب ، مما يسبب ارتشاح الرئة (Pulmonary Oedema) أو احتقانهاPulmonary Congestion) وهناك اسباب مادية أخرى مثل شلل العصب المعدي للحجاب الحاجز . او وجود التهاب في الرئة ، أو التهاب في البلورا (ذات الجنب ) . أو وجود ماء أو صديد أو دم بها . أو انثقاب أحد أسناخ الرئة ، فيخرج منها الهواء ، ويضغط على الرئة (Pneumo Thorax . ) أو مرض مزمن بالرئة ، نتيجة انتفاخ الاسناخ الرئوية (الحويصلات الهوائية ) وتحطمها ، فيؤدي ذلك الى الأمفيزيما ، وربما كان هو ما يعبر عنه العرب بانتفاخ السحر . أو نتيجة إصابة القفص الصدري ، أو كسر في أحد الاضلاع ، أو التهاب في مفاصلها ، أو التهاب في عضلات الصدر . والسمنة الزائدة التي تعطل حركة الحجاب الحاجز ، والقفص الصدري . أو وجود استسقاء بالبطن . أو حمل يضغط على الحجاب الحاجز ، فيعطل حركته . أو التهاب بالكبد الى غير ذلك من الاسباب الطبية المعروفة لدى الاطباء . 1 هو عطاء بن مسلم الخرساني ، نزيل بيت المقدس50-135 هـ ) مفسر ، كان يغزو ويكثر التهجد من الليل 2 هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن (118-181 هـ ) . الحافظ الامام ، شيخ الاسلام ، التاجر المجاهد ، صاحب التصانيف والرحلات . 3 تابعي جليل ، حبشي الاصل ، أشهر تلاميذة ابن عباس رضي الله عنهم وكان أعلم أهل عصره ، قتله الحجاج ظلما سنة (195 هـ 4 هو اسماعيل بن عبد الرحمن، مفسر (ت 128هـ

عدد الصفحات ١٥

16 وكلها أسباب مادية بحتة لضيق الصدر وحرجه . الثاني – ضيق التنفس وحرج الصدر الذي ليس له سبب مادي واضح من هذه الَسباب المذكورة ، وانما سببه حالة نفسية هي ما تعارف عليه الاطباء بتسميتها كآبة (Depressionوهي حالة كآبة وسوداوسة ترين على الشخص ، فتجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . وليس من النادر أن يخطئ الطبيب غير الماهر ( بل وأحيانا الماهر ) في تشخيص سبب ضيق الصدر ، فيظن أن حالى الكآبة المسببة لضيق الصدر حالة الربو ، وكثيرا ما كنا نرى وصفات طبية لمريض يعاني من الكآبة النفسية وقد أعطاه الطبيب أدوية لمعالجة الربو . ومما يجعل الامر أشد صعوبة أن بعض حالات الربو ( وهو ضيق القصبات الهوائية ) ناتج عن الحالة النفسية للمريض . وفي الآية الكريمة إعجاز اتضحت بعض أبعاده في العصر الحديث ، حيث علم أن الاوكسجين يقل في الطبقات العليا من الجو ، وكلما تصعد الانسان في الجو كلما قل الاوكسجين الذي يتنفسه ، وبالتالي يسبب له ضيقا وحرجا في صدره . وصدق الله الكريم حيث يقولفَمَنْ يُرِدِ اللََُّّ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلِْْسْلًَمِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَي ِقاا حَرَجاا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّ مَاءِ ۚ [}125. ] ويعتبر نقص الاوكسجينHypoxia) من اهم اسباب ضيق الصدر وحرجه ، لان ذلك يؤثر على المراكز الحساسة في جذع الدماغ ، والمسؤولة عن التحكم في التنفس ، فيؤدي ذلك الى ضيق الصدر ... وهذا يوضح مدى التشابك والترابط بين الدماغ والقلب والصدر .. كما يوضح نوعا من التعلق بين اللفظ المادي للقلب والصدر والمقصود المعنوي لهذي لهذه الألفاظ . الفصل الرابع

عدد الصفحات ١٦