97 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يرسم الشاعر صورة بـيفة لشعره , يهدد ّٔا أعداءه, وىذه الصورة ىي صورة الأفعى السامة التي تلدغ بأنيأّا فريستها وتفرغ فيها السم لتقضي عليها . ونلبحظ أفَّ الشاعر قرف بين لسانو ولساف ابغية, لأفَّ ابؼشاىد من ابغية دائمً ا ىو لسانها الذي تتحسس بو ما حوبؽا, ثم قرف بين قوافيو ال شعرية وبين أنياب ابغية التي بزت ز ف فيها السم, فالسم الذي يقصده الشاعر في القوافي ىو ىجاؤه لأعدائو الذي قد يكوف أكثر إيلبمً ا من السم عند العرب , فالصورة التي اختارىا الشاعر لِشعره وقوافيو فيها الكثير من التهويل والتخويف لأعدائو, وقد اختار الأفعى لأنهَّا من الزواحف التي تكوف في البادية وابغاضرة, وىي الوحيدة من الزواحف التي تكثر مشاىدتها في ابغواضر . كما ذكر العرب الطيور الأليفة التي كثيرً ا ما تُربى في ابؼنازؿ كالدجاجة والديك, فالدَّجاج من الطيور التي تُربىَّ في ابغواضر (ابؼزارع والبيوت ) لذا لم يرد ذِكرىا في أشعار العرب في العصر ابعاىلي, وإبما جاء ذكرىا في أشعار ابؼتأخرين حيث اتسعت الرقعة الإسلبمية واختلط أىل البادية بابغاضرة واستوطنوا القرى وابؼدف. وقد ضربوا ّٔا ابؼثل في ابػوؼ فقيل :(أَسْلَحُ مِنْ دَجَاجَةٍ ) ويُقاؿ: أسلح من حُبارَى ومن دجاجة , ابغُبارى تسلح ساعة ابػوؼ والدجاجة ساعة الأمن (ٔ), و:(أَبػْيَضُ مِنْ دَجَاجَةٍ ) يُضرب للمُبالغة في شدَّة البياض(ٕ), وقيل في الديك: (أَبلَْى مِنْ دِي كٍ ) ىذا من النَّخوة (ٖ), وقيل: (أَخْيَلُ مِنْ دِيكٍ ) من الاختياؿ في ابؼشية(ٗ), و:(أَشْجَعُ مِنْ دِيكٍ ) ويُضرب للمبالغة(٘), وأيضً ا: (أَصْفَى مِنْ عَينِْ الدّْيكِ ) يُضرب للتَّناىي وابؼبالغة(ٙ), وقيل أيضً ا: (أَغْيػَرُ مِنْ دِيكٍ )(ٚ). وترد الدجاجة والديك في القصص العرب في كثير من الأحياف للتندر والفكاىة كهذه القصة التي تقوؿ إفَّ العرب كانت تزعم أفَّ الدّْيك كاف ذا جناحٍ يطير بو في ابعو, وأفَّ الغراب كاف ذا جناحٍ كجناح الديك لا يطير بو, وأنهما تنادما ليلةً في حانةٍ يشرباف فنَفِدَ شرأّما, (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٖٗٔ. (ٕ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٕ٘ٔ. (ٖ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٖ,:ٗٔٗ. (ٗ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٖٓٚ. (٘) المصدر السابق, جػٔ,:ٙ٘ٗ. (ٙ) المصدر السابق, جػٔ,:ٕٛٗ. (ٚ) المصدر السابق, جػٕ,:ٕٙ.
عدد الصفحات ٩٧98 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقاؿ الغراب للدّْيك: لو أعرتنِ جناحك لأتيتُك بشراب, فأعاره جناحو فطار ولم يرجع إليو, فزعموا أفَّ الدّْيك إبمَّا يصيح عند الفجر استدعاءً بعناحو من الغراب(ٔ). وقد يرد ذكر الدجاجة في الشعر مقرون اً بابؽجاء كقوؿ أعراب يهجو امرأة : (الطويل) لهػػػػػػا أنْػػػػػػفُ خنزيػػػػػػرٍ وسػػػػػػاقا دجَاجَػػػػػػةٍ ورؤيتػُهَػػػػا تػَػػػػرْحٌ مػػػػن العػػػػيش تػػػػارِحُ (ٕ) يهجو الأعراب ىذه ابؼرأة بأقبح الأوصاؼ , فأنفها أنف خنزير أي أنَّو يتميز بالعرض والقصر بسامً ا كابػنزير , والعرب تعتبر ىذه الصفة من العيوب ابػِلقية حيث إنهَّم كانوا يتباىوف بطوؿ الأنف حتَّ أنهَّم شبهوه بالسيف لطولو وبصالو, والصفة القبيحة الأخرى أفَّ ساقيها مثل ساقي الدجاجة في بكوبؽا وبشاعتها, فجمع الشاعر ىذه الصفات وصورىا في ىذه ابؼرأة كنوع من الازدراء والتقبيح بؽا , فرؤية ىذه الصفات بذلب لو ابغزف الشديد . وقاؿ بشار بن برد (ٖ) يشّْبب بامرأة ابظها ربضة: (البسيط) قػػػػدْ زُرْتِنَػػػػا مػػػػرةً فػػػػي الػػػػد ىرِ واحػػػػدةً عػػودِي ولا تجعلِيهَػػا بيضَػػةَ الػػد يكِ (ٗ) يشبو الشاعر زيارة بؿبوبتو ببيضة الديك لندرتها وعدـ تكرارىا , فينهى بؿبوبتو أف تكوف زيارتها شبيهة ببيضة الديك في ندرتها , فالعرب كثيرً ا ما تضرب ابؼثل ببيضة الديك في الشيء يكوف مرة واحدة لا ثانية بؽا . وإذا تناولنا ابغماـ وجدنا أنَّو من ابغيوانات التي تكثر في البيئة العربية, وىو من الطيور التي عايشها العرب في ابغواضر, وذلك أنو يبنِ أعشاشو على الأشجار القريبة من ابؼنازؿ , وىذا مكَّن من رؤيتو ومراقبتو, وىو بونو على صغاره ويطعمهم , فضُرب بو ابؼثل فقيل: (زَقَّ وُ زَؽَّ ابغَمَامَةِ فػَرْخَهَا) يُضرب بؼن يربّْ قريبو غير مقصّْرٍ في الشَّفقة عليو (٘), و: (آمَنُ مِنْ بضََاـِ مَكَّةَ ) لأنهَّا لا تُثار ولا تػُهَاج(ٙ), وأيضاً : (أَخْرَؽُ مِنْ بضََامَةٍ ) لأنهَّا لا برُكِم عشَّها, وذلك أنهَّا ربدا جاءت إلى الغصن من الشجرة فتبنِ عليو عشَّها في ابؼوضع الذي تذىب بو الريح وبذيءُ , (ٔ) نهاية الأرب في فنوف الأدب, أحمد بن عبد الوىاب النويري, تحقيق: جماعة من العلماء والأدباء, جػٓٔ, (دار الكتب المصرية, ٖٕٜٔـ),:ٕٕٕ. (ٕ) الحيواف, مصدر سابق, جػٕ,:ٖٓٓ. (ٖ) سبقت ترجمتو ,:ٜٗ. (ٗ) ديوانو,:ٖٕٔ. (٘) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٜٛ. (ٙ) المصدر السابق, جػٔ,:ٓ٘ٔ.
عدد الصفحات ٩٨99 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فبيضُها أضيعُ شيءٍ وما ينكسر منو أكثر بفا يَسْلم (ٔ), و:(أَشْجَى مِنْ بضََامَةٍ ) يُضرب في التَّناىي وابؼبالغة(ٕ). وقد لاحظ الشعراء ىذه الصفات في ابغماـ , فنظموا أشعارىم , وربظوا صورىم بابغماـ في مواطن ابغنين والشوؽ والألفة والمحبة , يقوؿ بؿمد بن رجب (ٖ) من قصيدة في رثاء زوجتو : (الطويل) يػَقُولُػػػػػػوفَ مَامَػػػػػػا مَػػػػػػنْ يػَلُػػػػػػوـُ مَقَػػػػػػالَهُمْ وَقَػػػدْ غَػػػابَ عَػػػنػْهُمْ وَجْهُهَػػػا المُتػَهَل ػػػلُ تػَرَبػ ػػػػوْا فِرَاخًػػػػا فِػػػػي العِشَػػػػاشِ تػَػػػػزُقػُّهُمْ حَمَػػػػػػػػامَةُ أَيْػػػػػػػػكٍ بِالأَىَػػػػػػػازِيجِ تػَهْػػػػػػػدِؿُ يَحُسُّوفَ فػَيْضَ الحُب تَحْتَ جَنَاحِهَا فَمَػػػػا مِنػْهُػػػػػمُ إِلا الأَثِيػػػػرُ الُمػػػػدَل لُ !(ٗ) يصف الشاعر حاؿ أبنائو حين كانت أمهم على قيد ابغياة , ويشبههم بصغار ابغماـ, ويشبو أمهم بابغمامة, ويرسم بؽم صورة من صور ابغماـ مع فراخها , قد ضمتهم في عش على شجر كثير ملتف الأغصاف , تزقُّهم أي تطعمهم وتهدؿ بؽم أحلى الأىازيج, فصورة ابغمامة في عشها مليئة بابغب والدؼء والأماف, تذكر الشاعر بزوجتو الراحلة وكيف كانت ترب أبناءىا وترعاىم , فكلهم عندىا أثير مدلَّل, كتلك ابغمامة بسامً ا. ىذه الصورة التي رآىا الشاعر أثارت في داخلو الكثير من الأحاسيس وابؼشاعر التي كاف يعيشها وأطفالو مع تلك الزوجة الراحلة . وتنتشر ابغشرات في البيئة العربية منها الضَّار والنافع, إلا أفَّ أىم ابغشرات منفعة للعربّْ في ابغاضرة والبادية النحلة حيث ُّٔر العرب بعمل النحلة وإتقانها في صنع بيوتها, وصنع العسل فضربوا ّٔا الأمثاؿ فقالوا : (أَصْنَعُ مِنْ بكَْلٍ ) إبمَّا قيل ىذا بؼا فيو من النّْيقة(٘) في عمل العسل(ٙ), (ٔ) المصدر السابق, جػٔ,:ٓ٘ٗ. (ٕ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٙ٘ٗ. (ٖ) ىو محمد بن رجب البيومي , شاعر مصري لو العديد من المؤلفات في الأدب والنقد. (انظر: ديوانو,:ٗٔ). (ٗ) ديوانو: حصاد الدمع, طٕ,(الرياض: من منشورات دار الأصالة للثقافة والنشر والإعلاـ, ٗٓٗٔىػ):ٕٛ. (٘) يقاؿ: تنو ؽ في الأمر أو تأن ق فيو, إذا جو ده وبَ الغَ فيو.(انظر: لساف العرب,جػٓٔ,باب القاؼ, فصل النوف,:ٖٖٙ). (ٙ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٕٗٚ.
عدد الصفحات ٩٩111 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و:(أَصْفَى مِنْ جَنَ النَّحْلِ ) وىو العسل(ٔ), و:(تػَرَى الفِتػْيَافَ كَالنَّحْلِ وَمَا يُدْرِيكَ مَا الدَّخْلُ !) الدَّخل: العيب الباطن, وىو يُضرب لذي ابؼنظر لا خير عنده(ٕ), و:(أَرَؽُّ مِنْ رِيقِ النَّحْل ) يعنِ العسل(ٖ). ومن أقوابؽم في النحلة ما ذكره إبراىيم بن أب الفتح (ابن خفاجة الأندلسي)(ٗ): "وكفى النَّحلة فضيلة ذاتٍ وجلبلة صفاتٍ أنهَّا أُوحِي إليها وأُثنِِ في الكتاب عليها , تعلم مساقط الأنداء, وراء البيداء, فتقع ىناؾ على نػُوَّار ةٍ عبِقَة ؤَّارة أَنِقة , ثمَّ تصدر عنها بدا تطبّْقو, وتبدعو صنعةً , وترتشف منها ما برفظو رضابً ا, وتلفظو شرابً ا, وتتجافى بعد منو أكرـ بؾُْتػَنَ وأحكم مُبْتػَنَ ". يدؿ ىذا القوؿ على مكانة النحل عند العرب ابؼستمدة من كتاب الله ع ز وجل , فالله عز وجل شرفها بقولو : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى ال ن حْلِ }(٘) فأوحى سبحانو إليها وأثن عليها. وقد عرؼ الشعراء ىذه الصفات في النحلة فاستخدموىا في أشعارىم لغرض ابؼديح كقوؿ الػمتنبي(ٙ) من قصيدةٍ في مدح أبِ الفَوارس : (الطويل) تُرِيػػػػػػػدِينَ لُقْيَػػػػػػػافَ المَعَػػػػػػػالِي رَخِيصَػػػػػػػةً وَلاَ بُد دُوفَ الش هْدِ مِنْ إِبَػرِ الن حْػلِ (ٚ) يشبو الشاعر طلب ابؼعالي وما يلبقيو ابؼرء في سبيل ذلك من ابؼشاؽ وابؼتاعب بصاحب ابؼنحل -الذي يقوـ على خلبيا النحل- حيث بهد صعوبة في اتقاء لسع النحل عند جنيو للعسل من ابؼنحل. أما الفراشة فهي من ابغشرات التي تعوَّد العرب في باديتو على رؤيتها , وذلك أفَّ الفراش بوب الضوء , والعرب كثيرً ا ما كانوا يعتمدوف على إشعاؿ ابغطب طلبً ا للئنارة والدؼء أو الطهي, فكاف الفراش بهتمع حوؿ ىذه النار وكثيرً ا ما كاف يقع فيها فيحترؽ . (ٔ) المصدر السابق, جػٕ,:ٜٕٗ. (ٕ) المصدر السابق, جػٔ,:ٕٓٗ-ٕٔٗ. (ٖ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٓٗ. (ٗ) نهاية الأرب, مرجع سابق, جػٓٔ,:ٕٛٛ. (٘) سورة النحل, الآية:ٛٙ. (ٙ) أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي, الأديب الشهير بالمتنبي, ولد سنةٖٖٓىػ وأقاـ بالبادية يقتبس من اللغة, كاف من أذكياء عصره, توفي مقتولا سنةٖٗ٘ىػ. (انظر: خزانة الأدب ولب لباب لساف العرب, عبد القادر بن عمر البغدادي, جػٔ,طٔ,(بيروت-لبناف: دار صادر),ٕٖٛ). (ٚ) ديوانو,:ٓٙ٘.
عدد الصفحات ١٠٠111 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكاف العرب يلبحظ ىذه ابغشرات ويراقبها ويعرؼ أحجامها وألوا نها وصفة خلقها, وذلك أدى بو إلى أف يضرب ّٔا ابؼثل في ابعهل فقاؿ : (أَجْهَلُ مِنْ فػَرَاشَةٍ ) لأَنهَّا تطلبُ النار فتُلقي نفسَها فيها(ٔ), و:(أَخَفُّ مِنَ الفَرَاشَةِ ) و الفراشة أكبر من الذُّباب الضخم, فإف أخذتها بيدؾَ صارت بين أصابعك مثل الدقيق (ٕ), و:(أَخْطَأُ مِنْ فػَرَاشَة) لأَنهَّا تُلقِي نفسها في النار(ٖ). وقاؿ أعراب في الفراش : (ابؼتقارب ) خَتَمْػػػػػػػػػػػتُ الفُػػػػػػػػػػػؤَادَ عَلَػػػػػػػػػػػى حُبػ هَػػػػػػػػػػػا كَػػػػػػػػػػػػػػػذَاؾَ الص ػػػػػػػػػػػػػػػحِيفَةُ بِالخَػػػػػػػػػػػػػػػاتَمِ ىَػػػػػػػػػوَتْ بِػػػػػػػػػي إِلػػػػػػػػػىَ حُبػ هَػػػػػػػػػا نَظْػػػػػػػػػرَةٌ ىُػػػػػػػػػػػػػػػوِي الفَرَاشَػػػػػػػػػػػػػػػةِ لِلجَػػػػػػػػػػػػػػػاحِمِ (ٗ) يشبو الشاعر حالو بحاؿ الفراشة التي ترى النار , ومع ذلك براوؿ طلبها وترمي بنفسها فيها فيكوف ىلبكها, فهو يصور سرعة وقوع حبها في قلبو وما عاناه من ىذا ابغب بسرعة سقوط الفراشة في النار , فالشاعر يسعى جاىدً ا إلى ىذه المحبوبة على الرغم بفا سيلبقيو في ىذا ابغب من الألم وابغرقة والعذاب على بُعدِ ابغبيبة أو فراقها, إلا أنَّو بواوؿ الوصوؿ إلى ىذا ابغب حتَّ لو كاف فيو ىلبكو , فهو كالفراشة , وىذا ابغب مثل النار التي بررؽ الفراشة . ويعدُّ ابعراد من ألدّْ أعداء العرب في ابغواضر, لأنَّو يقضي على مزروعاتو ويهلكها, لذلك ضُرب بو ابؼثل في الفساد فقيل:(أَفْسَدُ مِنَ ابعَرَادِ ) لأنَّو بهرُد الشَّجر والنَّبات, وليس في ابغيواف أكثر إفسادً ا بؼا يتقوَّتُو الإنساف منو(٘), وقيل: (أَصْرَدُ مِنْ جَرَادَةٍ ) من الصَّرد الذي ىو البػَرْدُ , وذلك لأنهَّا لا تُ ر ى في الشّْتاء أبدً ا لقلَّة صَبرْىا على البرد , وىو يُضرب للَّذي بهَِد البرد (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٖٖ٘. (ٕ) المصدر السابق, جػٔ,:ٛٗٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ,:ٛ٘ٗ. (ٗ) الحيواف في الأدب العربي, مرجع سابق , جػٖ, :ٜٖٛ. (٘) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٔٙٗ.
عدد الصفحات ١٠١112 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سريعاً (ٔ), و:(أَصْفَى مِنْ لُعَابِ ابعَرَادِ )(ٕ), و:(أَطْيػَرُ مِنْ جَرَادٍ )(ٖ), وأيضً ا:(جَاءَ القَوْـُ كَابعَرَادِ ابؼُشْعِلِ ) أي متفرّْقِين من كلّْ ناحية(ٗ). وقد وصف أمير ابؼؤمنين عليّّ (٘) ابعرادة فأجاد حيث قاؿ فيها بعد أف وصف النملة: "وإف شئت قلتَ في ابعرادة إذ خلق بؽا عينين بضراوين , وأسْرج بؽا حدقتين قمراوين(ٙ), وجعل بؽا السَّمع ابػفي, وفتح بؽا الفم السَّوي, و جعل بؽا ابغس القويَّ , ونابين ّٔما تقرِض, ومنجلَين(ٚ) ّٔما تقبِض, يرىبهما الزرَّاع في زرعهم, ولا يستطيعوف ذَّّٔا ولو أجلبوا بِمعهم حتَّ تَرِد ابغرث في نزواتها(ٛ), وتقضي منو شهواتها, وخلقها كلو لا يكوف إصبعً ا مستدقَّة, فتبارؾ الذي يسجد لو من في السماوات والأرض طوعً ا وكرىً ا, ويعفّْر لو خدِّ ا ووجهً ا, ويُلقي بالطاعة إليو سلمً ا وضعفً ا, ويُعطي لو القياد رىبةً وخوفً ا"(ٜ). ىذا الوصف الذي وصفو علي بن أب طالب ,يدؿ على دقة ابؼلبحظة عند العرب , وعلى سعة خيابؽم وتصوراتهم فيما يصفوف , حتَّ أنهم بهعلوف بفا يصفوف شيئً ا بؾسمً ا ماثلبً ينظر إليو السامع, كما في ىذا الوصف للجرادة . (ٔ) المصدر السابق, جػٕ,:ٜٕٗ. (ٕ) المصدر السابق, جػٕ,:ٜٚٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,:ٖٗٓ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ,:ٜٕٗ. (٘) ابن عم الرسوؿ ص وزوج ابنتو من السابقين الأولين في الإسلاـ مات سنة ٓٗ ولو ٖٙ سنة. (انظر:الإصابة,جػٚ,:ٕ٘ٚ). (ٙ) أسرج لها حدقتين, أي جعلهما مضيئتين كالسراج , ويقاؿ: حدقة قمراء, أي منيرة. (انظر:لساف العرب, جػٕ,(باب الجيم, فصل السين),:ٜٕٚ). (ٚ) المنجل: آلة معروفة يحصد بها الزرع , وأراد بالمنجلين رجلي الجرادة لاعوجاجهما وخشونتهما . (انظر:لساف العرب,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل النوف),:ٚٗٙ). (ٛ) النزوات: الوثبات. (انظر:لساف العرب,جػ٘ٔ,(باب الواو, فصل النوف),:ٕ٘ٔ). (ٜ) نهج البلاغة, الإماـ علي بن أبي طالب,شرح الشيخ: محمد عبده, مراجعة وتدقيق: أحمد إبراىيم زىوه. طٔ,(بيروت-لبناف: دار الكتاب العربي,ٕ٘ٗٔىػ),:ٕٚٓ.
عدد الصفحات ١٠٢113 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويرد ابعراد في الشعر كما في قوؿ عمرو بن معد يكرب (ٔ): (الوافر) تَمَن ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػانِي لِيػَلْقَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػانِي أَبِػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػيُّ وَدِدْتُ وَأَيْػػػػػػػػػػػنَ مَػػػػػػػػػػػا مِن ػػػػػػػػػػػي وِدَادِي تَمَن ػػػػػػػػػػػػػػػانِي وَسَػػػػػػػػػػػػػػػػابِغَتِي(ٕ) دِلاَصٌ (ٖ) خَػػػػػػرُوسُ الحِػػػػػػس مُحْكَمَػػػػػػةَ الس ػػػػػػرَادِ مُضَػػػػػػػػػػػػػػػػػػاعَفَةٌ تَخَيػ رَىَػػػػػػػػػػػػػػػػػػا سُػػػػػػػػػػػػػػػػػػلَيْمٌ كَػػػػػػأَف سِػػػػػػكَاكَهَا حَػػػػػػدَؽُ الجَػػػػػػرَادِ (ٗ) يصف الشاعر درعو بأنهَّا درع فضفاضة , ملساء لينة , مضاعفة ذات طبقتين , وتنسج حلقتين حلقتين, ثم يضفي على ىذه الدرع نوعً ا من الإتقاف وابعودة في الصنع, فينسبها إلى سليماف عليو السلبـ, وشبو حلقاتها بحدؽ ابعراد , وحدؽ ابعراد بيتاز بلمعانو داخل عين ابعرادة ذات اللوف الأبضر, فالشاعر يريد أف يصف درعو باللمعاف , واللمعة لا تكوف إلا في الدرع ابعديد المحكم الصنع, فهو يستحضر ىذه الصورة ليثبت خاصية اللمعاف لدرعو . ويلي ابعراد في الإفساد والأذى الذباب , الذي كثيرً ا ما يقع على القوت , وينافس الشخص في مأكلو ومشربو, حتَّ وإف حاوؿ صده أو إخافتو, ولذلك وصف بابعرأة فقيل : (أَجْرَأُ مِنْ ذُبَابٍ ) لأنَّو يقع على أنْفِ ابؼلكِ وتاجِو , وعلى أَنْف الأسد ويُزاؿُ فيرجع (٘), و:(أَخْطَأُ مِنْ ذُبَابٍ ) لأنَّو يُلقي نفسو في الشَّيء ابغارّْ , أو الشيء يػُلْزَؽُ بو فلب بيكنو التخلص (ٔ) عمرو بن معد يكرب الزبيدي, من مذحج, ويكنى أبا ثور, كاف من فرساف العرب المشهورين بالبأس في الجاىلية, أدرؾ الإسلاـ فأسلم. (انظر: الشعر والشعراء, جػٔ,:ٕٖٚ). (ٕ) سَابِغَتِي: "سَبَغَ : أيُّ شيءٍ سابِغٌ أي كاملٌ واؼٍ , وسَبَغَ الشيء: طاؿ إلى الأرض وات سع فهو سابغٌ ". انظر: (لساف العرب, جػٛ, (باب العين, فصل السين),:ٕٖٗ-ٖٖٗ). (ٖ) دِلاصٌ : "الد لِيص: البريق, والد لاص: الل ي نُ البر اؽ الأملس".انظر: (لساف العرب,جػٚ,(باب الصاد,فصل الداؿ), :ٖٚ). (ٗ) الحيواف, مرجع سابق , جػ٘,:ٓٙ٘. (٘) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٙٚ.
عدد الصفحات ١٠٣114 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منو(ٔ), وقيل:(أَطْفَلُ مِنْ ذُبَابٍ )(ٕ), و:(أَطْيَشُ مِنْ ذُبَابٍ )(ٖ), و:(أَمْهَنُ مِنْ ذُبَابٍ )(ٗ), و:(أَفٌَُّ مِنَ الذُّبَابِ )(٘), وأيضً ا:(أَىْوَفُ مِنْ ذُبَابٍ )(ٙ). وقد عرؼ الشعراء ىذه الصفات وغيرىا في الذباب وذكروه في أشعارىم , كما فعل البحتري(ٚ): (الوافر) تػَعَج ػػػػػػػػػػبَ أَىْػػػػػػػػػػلُ مَك ػػػػػػػػػػةَ إِذْ رَأَوْنَػػػػػػػػػػػا وَحُػػػػػػػػػػػق لَهُػػػػػػػػػػػمْ رَأَوا أَمْػػػػػػػػػػػراً عَجِيبَػػػػػػػػػػػا رَأَوا فِػػػػػػػػػػػػػػػػػػيلاً يػُعَادِلُػػػػػػػػػػػػػػػػػػوُ ذُبَػػػػػػػػػػػػػػػػػػابٌ وَكَيْػػػػػػػػفَ يػُعَػػػػػػػػادِؿُ الفِيػػػػػػػػلُ الػػػػػػػػذُّبَابَا (ٛ) يفخر الشاعر بنفسو وبدن معو عند دخوؿ مكة, فقد ذكر أفَّ أىل مكة أخذتهم الدىشة عندما رأوه وقومو , فقد كانوا كما يبدو ضخاـ الأجساـ مقارنة بأىل مكة , فقد شبو قومو بالفيل في الضخامة, وأىل مكة بالذباب في صغر ابعسم, وعلى الرغم من أفَّ الفيل ليس من ابغيوانات التي تعيش في ابعزيرة العربية , إلا أفَّ الشاعر بىتار لصورتو الشعرية الفيل ليقارف بينو وبين الذباب, وربدا يعود ذلك إلى أفَّ أىل مكة قد رأوا الفيل , وأفَّ مكة كانت بؽا قصة مع الفيل في عهد عبد ابؼطلب بن ىاشم أحد أشراؼ قريش في العصر ابعاىلي , فمن ىذا ابؼنطلق اختار الشاعر الفيل دوف غيره من ابغيوانات كالإبل مثلبً بؼقارنتو بالذباب , والذباب من ابغشرات ابؼألوفة لدى العرب , والشاعر عمد إلى اختيار الذباب, لضآلة حجمو وصغره بِانب الفيل, وحتَّ يبرز الفرؽ ابؽائل بينهما في ابغجم , وىذا ما أراده الشاعر . ومن ابغشرات التي أقلقت وأقضت مضجع العرب وعانى ما عانى منها البعوض , ففي خضم ىذا الصراع يتعرؼ العرب على ىذه ابغشرة , ويعرؼ صفاتها وأدؽ خصائصه ا, حيث (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٛ٘ٗ. (ٕ) المصدر السابق, جػٕ, :ٖ٘ٓ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ, :ٖٓٓ. (ٗ) المصدر السابق, جػٖ, :ٜٖ٘. (٘) المصدر السابق, جػٖ, :ٕٕٓ. (ٙ) المصدر السابق, جػٖ, :ٓٔ٘. (ٚ) ىو الوليد بن عبد الل بن يحيى بن عبيد بن بحتر, أبو عبادة من شعراء العصر العباسي, ولد بمنبج وبها نشأ وقاؿ الشعر, توفي سنةٕٗٛىػ. (انظر: معجم الأدباء, جػٙ,:ٜٕٙٚ). (ٛ) ديوانو, جػٔ,:ٕٖٚ.
عدد الصفحات ١٠٤115 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ضُرب ّٔا ابؼثل في صغرىا فقيل: (كَلَّفْتَنِِ مُخَّ البػَعُوضِ ) يُضرب بؼن يكلّْفك الأمور الشَّاقة(ٔ), و:(أَضْعَفُ مِنْ بػَعُوضَةٍ ) يُضرب للمُبالغة(ٕ), و: (أَعَزُّ مِنْ مُخّْ البػَعُوضِ )(ٖ). وقد استخدـ الشعراء صغر البعوضة وضعفها في ابؽجاء كما قاؿ شاعر في رجل ابظو ليث : (ابؽزج ) أيَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا مػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػنْ اِسػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػمُوُ ليػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػثٌ وَىُػػػػػػػػػػػػػػػػػوَ أضػػػػػػػػػػػػػػػػػعفُ مػػػػػػػػػػػػػػػػػن بػَق ػػػػػػػػػػػػػػػػػة (ٗ) لقػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػد بَاعَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػدَ ربُّ الن ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا سِ بػػػػػػػػػػػػػػػػػػػين الاسػػػػػػػػػػػػػػػػػػػمِ والخِلقَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػة (٘) يسخر الشاعر من ىذا الرجل لأفَّ ابظو ليث, وىو اسم للؤسد, وىذا الاسم لا يدؿ على صاحبو بل على العكس فإنَّ و أضعف من بعوضة, وربدا يكوف الضعف في ابعسم والقوة معً ا, والعرب تضرب بالبعوضة ابؼثل في الضعف وذلك من باب ابؼبالغة , فالبعوضة من ابغشرات التي تنتشر في البوادي وابغواضر, وىي تتميز بصغر ابعسم ودقتو. من ابؼبحث السابق نستنتج, أفَّ أكثر أمثاؿ العرب كانت مضروبة بالبهائم, فلب يكادوف يذمُّوف أو بيدحوف إلاَّ ّٔا, وذلك أنهَّم جعلوا مساكنهم بين ابغيوانات, فراقبوىا وعرفوا صفاتها وطبائعها, فاستعملوىا للتمثيل, ولم يكتفوا ّٔذا وحسب , بل إنهَّم أطلقوا كثيرً ا من أبظائها على أبنائهم وخدمهم , وكثيرً ا ما ضمَّنوا قصصهم حكمً ا وعبرً ا عرضو ىا على ألسنة ابغيوانات , بشكل مشوؽ وجذاب . أما الشعراء فقد كانوا لصفاء أعينهم ودقة أبظاعهم لا يدعوف شيئً ا من صفات ابغيواف وطباعو وخصائصو إلا صوَّروه في لوحات تتسم بابغيوية والغن بابؼشاىد والعواطف التي ترتكز على ابغركة والتنوّْع في الصورة التشبيهية, و ىذا من أىمّْ الفوارؽ التي تفرؽ بين لوحات الشعراء ولوحات الرسامين "التي يتجمد ابؼنظر فيها ويأخذ وضعً ا خاصِّ ا لا يفارقو , بسبب ما يتقيد بو (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٖ,: ٖٓ. (ٕ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:٘. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,:ٖٔ. (ٗ) بق ة: "البَقُّ : البػَعُوضُ , واحدتو بق ة". انظر: (لساف العرب,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل الباء),:ٖٕ). (٘) الحيواف,الجاحظ, مرجع سابق ,, جػٕ,:ٖٔ.
عدد الصفحات ١٠٥116 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرساـ من ابؼكاف , أما الشاعر فإفَّ انفساح الزمن عنده يعطيو الفرصة كي يرسم ما يريد في أوضاع بـتلفة (ٔ)". وىذا ما بغظنا ه فيما سبق من تشبيهات الشعراء بصفات ابغيواف وخصائصو وطباعو , حيث تذىلنا تلك اللوحات بشموبؽا والتقاطها لأدؽ ابؼناظر والصور , حتَّ بكس بأننا نرى ونسمع ونعيش ما يصوره لنا الشعراء واقعً ا حيِّ ا, فلم تعد تلك اللوحات نصوصً ا نقرأىا بل عالػمً ا بهذبنا إلى ساحتو الرحب ة. (ٔ) التطور والتجديد في الشعر الأموي, شوقي ضيف, طٙ,(القاىرة: دار المعارؼ,ٜٚٚٔـ), :ٕٙ٘-ٕٚ٘.
عدد الصفحات ١٠٦117 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبحث الثالث خَ صائِ صُ الحيوانَ اتِ التِ ي ورَ دتْ فِ ي الت شبِ يوِ الن بَ وِ ي
عدد الصفحات ١٠٧118 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إفَّ للحيوانات التي شبو ّٔا الرسوؿ من ابػصائص والصفات ما بييز بعضها عن بعض, فإذا تناولنا ىذه الصفات وابػصائص وحاولنا كشف الستار عنها وفهم أسرارىا الدقيقة التي أودعها الله فيها, ثم أعملنا الفكر في الربط بين صفات ىذه ابغيوانات وبين مراد الرسوؿ عندما عمد إلى التشبيو ّٔا, لأيقنا أفَّ ىذا الا ختيار بؽذه ابغيوانات لم يكن اعتباطً ا أو بؿض صدفة؛ بل كاف اختيارً ا دقيقً ا ينمُّ عن عقلٍ واعٍ وفكرٍ ساـٍ . فاختيار الرسوؿ بؽذه ابغيوانات بىتلف باختلبؼ صفات كلٍ منها , فهي متنوعةٌ ومتعددةٌ وفقً ا بؼا تعبر عنو من ابؼضامين وتعابعو من ابؼواقف, وتهدؼ إلى برقيقو من الغايات, ومن خلبؿ ىذه الصفات وابػصائص في أيّْ حيوافٍ تتخذ الصورة التشبيهية أشكابؽا البلبغية ابؼختلفة وابؼتميزة التي تستطيع عبرىا تصوير ابغقائق الفكرية آّردة , وبرديد معالم ابؼعاني ابؼبهمة التي لا يستطيع العقل إدراكها وتصورىا إلا بعد تأملٍ لتلك الت شبيهات, وفهم ما تتضمَّنو من بؾالات, وما يدور في فلكها من القضايا, ولا شك أفَّ في ذلك أكبر الأثر في إمتاع النفس وبذلية الصورة أماـ ناظريها . فللحيوانات خصائص وصفات لا تعتمد على الغريزة قدر اعتمادىا على ابػبرة والاكتساب, وقيامها على الانضباط والوعي, فابغيواف بيتلك الأحاسيس, وتثور في داخلو ألواف من الانفعالات تتناسب مع ابؼثيرات التي تواجهو أو ابغاجات التي تتحرؾ في نفسو , قاؿ ابن سينا: "ولسائر ابغيوانات أيضً ا أخلبؽٌ وانفعالاتٌ نفسانية"(ٔ). ورغم ثبات الإحساس والشعور لدى ابغيواف , فإفَّ ابغيوانات تتفاوت في مستوى ذلك, فمنها ما ىو في مرتبة رفيعة من حيث الإدراؾ والتمييز والصفات وابػصائص , ومنها ما يقع دوف ذلك بدرجة أو درجات , جاء في رسائل إخواف الصفا : "وإفَّ من ابغيواف ما ىو في أشرؼ ابؼراتب بفا يلي رتبة الإنسانية , وىو ما كانت لو ابغواس ابػمس , والتمييز الدقيق , و قبوؿ التعليم"(ٕ). (ٔ) الشفاء (الطبيعيات), تحقيق: إبراىيم مدكور , (القاىرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر, ٜٖٓٔىػ), :ٖٚٔ. (ٕ) إخواف الصفا وخلا ف الوفا, جماعة من القرف الرابع الهجري,جػٕ, (بيروت: دار صادر),:ٗٛٔ.
عدد الصفحات ١٠٨119 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وىذا النوع من ابغيواف ذو بسيُّزٍ وفهم, وصفو الشعراء ابعاىليوف , ونقلوا عنو مشاىد غزيرة يظهر من خلببؽا في درجة عالية من ابغكمة والفطنة , بل والقدرة على التفكير والتخطيط وحل ابؼشكلبت. إلاَّ أنَّنا لن نتمكن من الفهم الصحيح بؼا أورده من التشبيو بابغيواف إلا إذا عرضنا خصائص وصفات وطباع ابغيواف , لأفَّ في حياة ابغيواف ضروبً ا معقَّدة من أبماط السلوؾ ابؼعتمدة على ابػصائص والصفات التي جُبل عليها, "فهذه ابغيوانات بسلك ابغواس وابغدس والأىواء والعواطف والانفعالات النفسية, حتَّ أكثرىا تعقيدً ا كالغيرة والشك وابؼنافسة والامتناف والنبل, وىي بسارس ابػداع والانتقاـ , والتصميم والاختيار , واستحضار الذاكرة والتخيل , وتداعي الأفكار والتحليل ابؼنطقي بدرجات شديدة الاختلبؼ "(ٔ) لندرؾ السر ابػفيَّ في اختيار رسوؿ الله بغيواف دوف آخر في تشبيهاتو. فأوؿ ىذه ابغيوانات التي اىتم ّٔا العرب القدماء الإبل , لأفَّ حياتهم كانت قائمة عليها, فهي بالنسب ة إليهم من أعظم ابغيوانات نفعً ا, ولولاىا ما كانت الصحراء صابغةً للسكن, ولأبنية الإبل فقد كانت تُعطى في الدّْيات فتُحقن ّٔا الدماء, وبسنع من أف يُهرؽ دـ القاتل, كما أفَّ ابؼرأة ابغرَّة لا تقبل بأقل من الإبل مهرً ا بؽا, وذلك أفَّ الإبل من أنفس أمواؿ العرب وأشرفها , فلب يكوف ذلك في ابغمير أو ابؼاشية مثلبً , ولو أفَّ ذلك حدث لكاف عارً ا عند العرب وذلاِّ . والإبل تسير قطعانً ا قطعانً ا, وإذا أُفرد ابعمل عن قطيعو, كاف بنُّو الأوؿ الالتحاؽ ّٔذا القطيع, والتخلص من وثاقو, وىي صفة ثابتة فيو, وىو حيوافٌ وديعٌ أليفٌ , وابعمل يعمَّ ر من عشرين إلى ثلبثين سنة , ويبدّْؿ وبره كل سنةٍ في فصل الصيف, ومن أىمّْ خصائصو القدرة الفائقة على برمُّل العطش حتَّ في الأياـ ابغارة, وسهو لة انقياده مع الضعيف والقوي, والصغير والكبير, والذكر والأنثى , مع شدة قوتو وعظم خلقو, وشدَّة حنػُوّْ النَّاقة على مولودىا , وشدَّة الطَّرب للحداء والغناء, إلى ىذا تتصف الإبل بخواص فسيولوجية بسيّْزىا عن آكلبت الأعشاب بشكل عاـ وابغيوانات آّترَّة بشكل خاص, ومن ىذه ابػواص: وجود ابػُ ف, والقوائم الطويلة, (ٔ) عندما تبكي الفيلة "الحياة الانفعالية عند الحيواف", جفري ماسوف وسوزاف مكارثي, ترجمة : نهلة بيضوف,طٔ, (أبو ظبي: المجمع الثقافي, ٕٓٗٔىػ),:٘.
عدد الصفحات ١٠٩111 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوة ابعسم التي تساعدىا على السير فوؽ الرمل , دوف أف تغوص قوائمها فيو, وعلى السير مسافات طويلة دوف أف تتعب, كما أفَّ بؽا قدرة على تناوؿ النباتات ابؼرتفعة وأوراؽ الأشجار نظرً ا إلى طوؿ رقبتها , وارتفاع جسمها , وللجمل شفتاف مطاطيتاف وقاسيتاف تستطيعاف التهاـ الأشواؾ ابغادة , كما أفَّ الشفة العليا مشقوقة وتساعده على بذميع وتناوؿ الأعشاب وابغشائش الأرضية بفاعلية مرتفعة , كما بىتزف ابعمل في سنامو كمية كبيرة من الدىن تعادؿ بطس وزنو تقريبً ا, ويستعمل ىذا الدىن كمصدر احتياطي للط اقة وابؼاء عند أكْسَدَتِو في وقت ابعوع والعطش , وتستطيع الإبل برمُّل ارتفاع تركيز البوؿ في دمها نتيجة حصر البوؿ دوف حدوث التسمم, وتُربىَّ الإبل لاستخدامها في نقل الأثقاؿ , وقطع ابؼسافات البعيدة, ومن أجل حليبها, وبغمها, ووبرىا , وجلدىا , كما يستعمل بَعرُىا وبوبؽا بظادً ا طبيعيِّ ا(ٔ). والإبل من ابغيوانات العجيبة, وإف كاف عَجَبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم بؽا, وىو أنهَّا حيوافٌ عظيم ابعسم, سريع الانقياد , ينهض بابغِمْل الثَّقيل, ويبرُؾُ بو , ويػُتَّخذ على ظهره بيت يقعد الإنساف فيو مع مأكولو ومشروبو وملبوسو وظروفو ووسائده , كأنو في بيتو, ويػُتَّخذ للبيت سقف وىو بيشي بكل ىذا, وربدا تصبر الإبل عن ابؼاء عشرة أياـ , وإبمَّا جعل الله أعناقها طوالاً لتستعين ّٔا على النهوض بابغمل الثقيل. وليس في طبائع ابغيواف عند ىيجانها ما للجمل عند ىيجانو, إذ يسوء خلقو, ويظهر زبده ورُغاؤُه فلو بضُِل عليو ثلبث ة أضعاؼ عادتو بضََلَ ويقلُّ أكلو , وبىرِج الشَّقْشقة وىي ابعلدة ابغمراء التي بىرجها من جوفو , وينفخ فيها فتظهر من شدقو لا يعرؼ ماىي(ٕ). وابعمل أشدُّ ابغيواف حقدً ا, وفي طبعو الصبر والصَّولة, وكل ابغيواف لو مرارة إلا الإبل , ولذلك كثُر صبرىا وانقادت, وكُنِّْ ابعمل بأب أيوب (ٖ). والإبل من أشرؼ ابغيوانات وساداتها وكبارىا ورؤساؤىا , ففيها خصاؿ الشرؼ وابؼنافع والغناء في السفر وابغضر, ومنافعها في ابغرب والسلم وفي الزينة والبهاء , وفي العدة والعتاد, ما (ٔ) موسوعة الحيواف, إعداد: غراتا قره بتياف,جػٔ,طٔ,(الدار العربية للعلوـ,ٛٔٗٔىػ):ٛ-ٜ. (ٕ) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق , جػٔ,:ٕٚ-ٕٛ. (ٖ) المرجع السابق , جػٔ,:ٕٚ.
عدد الصفحات ١١٠111 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليس في غيرىا من ابغيواف (ٔ). ويتصف ابعمل بابؽداية والغيرة, والبَخَر (فساد رائحة الفم ), ويُضرب ابؼثل ببولو وتيلو (وعاء قضيبو) في ابؼخالفة, وبسلب الناقة (ما تلقيو إذا وضعت) في الوقوع في الشدة , وبضرطتو في ابؽواف (ٕ), ولكثرة أوصاؼ الإبل كثُر بسثيل العرب ّٔا, وذلك لكثرة معاشرتهم وصحبتهم الطويلة بؽا . ومن ابغيوانات الأليفة أيضً ا التي اعتن ّٔا العربُّ في باديتو ابػيل, وابػيل حيواناتٌ ثدييَّة من آكلبت الأعشاب, ومن رتبة مفردات الأصابع , تتواجد في معظم بلداف العالم. وقد طارد الإنساف ابػيل منذ فجر التاريخ طلبً ا للحمها, وبعد أف دجَّنها استخدمها وسيلة للنَّقل وبغمل الأثقاؿ, ثم ما لبث أف استخدمها في جرّْ ابؼركبات ابغربيَّة , ثم للؤغراض العسكريَّة, ثم للسّْباؽ, أما استخدامها بعرّْ الأثقاؿ وللحراثة فحديثٌ نسبيِّ ا. وابػيل أنواعٌ متعددة تتفاوت فيما بينها تفاوتً ا كبيرً ا من حيث الشكل, وابغجم, والسرعة , وغير ذلك, وأشهرىا على الإطلبؽ الفرس العربُّ الأصيل, ويتميَّز ابغصاف بصورةٍ عامَّة بقِصَر وبره , وطوؿ عُرفو, وكذلك ذيلو , وبأف أنثاه تنجب مُهرً ا, أو (مُهرة) واحداً , ويعيش عادةً من بطس وعشرين إلى ثلبثين سنة , وىو من ابغيوانات التي تتكور على بطنها عند النوـ. كما بيتاز ابغصاف العربُّ الأصيل بِمالو , وسرعتو , ونسبو الصافي , ووفائو لصاحبو , وصحتو ابعيدة, وتتميَّز ىذه الصحة بِملة أمور, منها: ابػِصب, فالعقم عنده نادر, والشّْفاء العاجل من ابعروح , والاكتفاء بقليلٍ من الطَّعاـ , والتمتع بِهاز تنفُّسيٍّ بفتاز, وذلك بفعل سَعَة قصبتو ابؽوائيَّة بالنسبة إلى حجمو, وضخامة قفصو الصدري (ٖ). وابػيل أشبو ابغيواف بالإنساف , بؼا يوجد فيو من الكرـ وشرؼ النفس , وعلوّْ ابؽمة . وتزعُم العرب أنَّو كاف وحشيِّ ا, وأوؿ من ذلَّلػو وركبو إبظاعيل عليو السَّلبـ, ومن ابػيل ما لا يبُوؿ ولا يػَرُوث, ما داـ راكبو عليو , ومنها ما يعرؼ صاحبو , ولا بيكّْن غيره من الركوب عليو(ٗ), وفي طبع ابػيل الزَّىو وابػُيلبء, والسرور بنفسو والمحبة لصاحبو, ومن أخلبقو الدَّالة على شرؼ نفسو (ٔ) الحيواف ,مصدر سابق, جػٚ,:ٜٔٔ-ٕٓٔ. (ٕ) موسوعة الحيواف, مرجع سابق , جػٔ,:ٛٔ. (ٖ) المرجع السابق , جػٔ,:ٜٛ. (ٗ) المرجع السابق , جػٕ,:ٕ٘ٛ.
عدد الصفحات ١١١112 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكرمو أنَّو لا يأكل بقية علف غيره, ومن طبعو أنَّو لا يشرب ابؼاء إلا كدرً ا, فإذا رآه صافيً ا كدَّ ره, ويُوصف بحدَّة البصر وبأنو لا طحاؿ لو, وىو مثل لسرعتو وحركتو (ٔ). كما يُوصف بحدَّة السمع, وسرعة ابعري والعدو , والشَّأو (السَّبق), والطَّاعة, والشّْدة(ٕ). ويلي ابػيل في الأبنية الكلب, فقد أطلق العرب اسم الكلب على كلّْ سبعٍ عَقُور , ثم غلب على الكلب النَّابح ابؼعروؼ , وتنقسم الكلبب إلى نوعين:كلبب أىليَّة, وكلبب صيد , ويُراد بالكلبب الأىلية ما خُصص للحراسة وابؼاشية والزرع وما إلى ذلك, ويراد بكلبب الصيد ما يُضرَّى على الصيد. والكلب حيوافٌ ثدييّّ أليفٌ من آكلبت اللحوـ , ومن فصيلة الكلبيَّات التي تشمل الكلبب والذّْئاب والثعالب وغيرىا , وىو كثير الوجود في بصيع بلداف العالم تقريبً ا, ويعتقد العلماء أفَّ الكلب كاف من حيوانات الغابات, وأفَّ الإنساف دجَّنو منذ بشانية آلاؼ أو تسعة آلاؼ سنة, فهو صديق الإنساف, وىو الأكثر أمانةً بين كلّْ ابغيوانات الدَّاجنة, ولو أجناسٌ متعددةٌ من حيث ابغجم ولوف ابعلد والطَّبع, وىو عند الولادة لا يرى ولا يسمع, ومعظم الكلبب بؽا لغةٌ مشتركة يفهمها بصيع أفراد جنسو , وىذه اللُّغ ة تتألَّف بشكلٍ رئيسيٍّ من و ضعيَّ ات ومواقف بـتلفة, وىو من أكثر ابغيوانات نفعً ا للئنساف, فهو بورسُ البُيو ت, ويقود العمياف, ويساعد في الصيد , ويقودُ القُطعاف وبورسها , ويساعد في تعقُّب آّرمين والقبض عليهم(ٖ). والكلب إذا نبح على الإنساف بالليل فلب يُنجِيو إلا أف يقعد , فإذا قعد انصرؼ , وكأنَّو قد ظفر بو, وقد يصيب الكلب في الصيف جنوفٌ لأفَّ مزاجو حارّّ يابسٌ جدِّ ا, ويزيده الصيف حرارةً ويػُبُوسةً , فيغلب عليو الػمرار , فيحدث لو ىذا ابؼرض فيصير ريقو بظِّ ا, وعلبمة ذلك اللَّهث الدائم, وابضرار العينين , وإطراؽ الرَّأس, واعوجاج الرقبة , واسترخاء الذَّ نَب, وجعلو بين فخذيو, وبيشي مائلبً خائفً ا سكراف كئيبً ا مغمومً ا ويتعثَّر في كل خطوة, وإذا لاح لو شبحٌ عدا إليو حاملبً عليو سواءً كاف شجرةً أو حجرً ا أو حيوانً ا, وىذا ابؼرض صعب ابؼداواة, ومَنْ عضَّو (ٔ) المرجع السابق , جػٕ,:ٜٕٛ. (ٕ) المرجع السابق , جػٔ,:ٜٚ. (ٖ) المرجع السابق , جػٔ,:ٛٚٔ.
عدد الصفحات ١١٢