المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التشبيه بالحيوان في الحديث النبوي دراسة تحليلية وصفية

عفاف بنت أحمد العبدلي

صفحة ٦ من ٢٢

81 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما ابغيواف الأليف الذي ملؤ حياة البدويّْ فهو الكلب, فقد كاف للكلبب عامةً شأفٌ كبيرٌ عند العرب, فكانوا ينسبوف الكلبب كما ينسبوف عِتَاؽ ابػيل, وكانوا يسمُّوف ّٔا على التفاؤؿ بؼا اتسمت بو من كرنً ابػلبؿ , وكانوا يشتقوف م ن أبظائها أبظاء لأنفسهم في موضع النباىة وعلوّْ الشأف, بل إفَّ العرب أطلقوا على الشعراء اسم كلبب ابغيّْ , وذلك لأنهَّم ينبحوف دونهم وبوموف أعراضهم . وإبما استحقت الكلبب ىذا ابؼقاـ عند العرب وغيرىم بؼا امتازت بو من صفات وما انفردت بو من خلبؿ (ٔ). وىو ابغارس الأوؿ للبدوي من أعدائو البشر , أو من ابغيوانات ابؼفترسة التي تفتك بحيواناتو الأليفة . ولأبنية ىذا ابغيواف تغن بو الشعراء , وبأوصافو ووفائو وضربوا بو الأمثاؿ فقالوا : (أَفْحَشُ مِنْ كَلْبٍ ) لأنَّو يهرُّ على الناس (ٕ), و:(إِنَّكَ لاَ برَُرّْشُ كَلْب اً ) يُضرب بؼن بومل على التوثُّب(ٖ), وقالوا: (جَوّْعْ كَلْبَكَ يػَتْبػَعْكَ ) يُضرب في معاشرة اللّْئاـ وما ينبغي أف يُعاملوا بو(ٗ), و:(زَمَافٌ أَرَبَّتْ بِالكِلبَبِ الثػَّعَالِبُ ) يعنِ اشتدَّ الزَّمافُ فسمن الكلببُ من أكْل ابعيف, فلم يتعرَّض للثَّعلب, يُضرب بؼن يوالي عَدُوَّه لسببٍ ما (٘), و:(أَبخَْلُ مِنْ كَلْبٍ ) لأنَّو إذا ناؿ شيئً ا لم يُطمَع فيو(ٙ). وفي الشعر يقوؿ دعبل بن علي ابػزاعي (ٚ) يهجو ابؼعتصم, وكاف ثامن خلفاء بنِ العباس : (الطويل) مُلُػػػػػوؾُ بَنِػػػػػػي العَب ػػػػػاسِ فِػػػػػػي الكُتْػػػػػبِ سَػػػػػػبػْعَةٌ وَلَػػػػػػػػمْ تَأَتِنَػػػػػػػػا فِػػػػػػػػػي ثَػػػػػػػػامِنٍ لَهُػػػػػػػػمُ كُتْػػػػػػػػػبُ كَػػػذَلِكَ أَىْػػػلُ الكَهْػػػفِ فِػػػي الكَهْػػػفِ سَػػػػبػْعَةٌ كِػػػػػػػػػرَاـٌ إِذَا عُػػػػػػػػػدُّوا وَثَػػػػػػػػػامِنػُهُمْ كَلْػػػػػػػػػبُ (ٛ) (ٔ) الصيد عند العرب أدواتو وطرقو, حيوانو الصائد والمصيد, عبد الرحمن رأفت الباشا , طٖ, (بيروت-لبناف: مؤسسة الرسالة, ٖٓٗٔىػ) :٘ٗٔ-ٚٗٔ. (ٕ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:٘ٙٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ,:ٕٛٔ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ,:ٜٕٗ. (٘) المصدر السابق, جػٕ,:ٔٛ. (ٙ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٕٔ. (ٚ) دعبل: أبو علي الخزاعي, كاف من غلاة الشيعة, ولو ىجو مقذع , توفي سنةٕٙٗىػ,(انظر:معجم الأدباء,جػٖ,:ٕٗٛٔ). (ٛ) ثمار القلوب في المضاؼ والمنسوب, أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراىيم,(مصر: دار المعارؼ, ٜ٘ٛٔـ),:ٜٖٙ-ٜٖٚ.

عدد الصفحات ٨١

82 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يشبو الشاعر ملوؾ بنِ العباس السابقين للمعتصم بأصحاب الكهف في تقواىم وقوة إبيانهم, ويرى أفَّ ابؼعتصم ليس لو حق في ابػلبفة , وأنو بدثابة كلب أىل الكهف الذي كاف معهم وفي صحبتهم إلا أنو لا علم لو بالصلبح وابػير والتقوى, فيرى أفَّ ابؼعتصم كاف ينتسب لبنِ العباس لكنو ليس على تقواىم وقوة إبيانهم وحنكتهم , لذا عمد إلى ىذه الصورة ابؼعبرة في قصة أىل الكهف ليجمع بين مدح خلفاء بنِ العباس السابقين وىجاء وذـ ابؼعتصم في صورة واحدة ىي صورة أىل الكهف وكلبهم , فهذه الصورة أدت ابؼعن الذي يريده الشاعر حي ث بصع فيها بين ابؼدح والذَّـ معً ا كما أراد . ومن ابغيوانات الأليفة أيضً ا ابعدي والشاة والغنم والكبش, فالأليف منها يكوف في ابغواضر, والوحشيُّ يكوف في الصحراء , وقد عرؼ العرب ىذه ابغيوانات ومثَّلوا ّٔا, فقالوا: (تغدَّ بِابعَدْيِ قػَبْلَ أَفْ يػَتػَعَشَّى بِكَ ) يُضربُ للؤخذ بابغزـ (ٔ), و: ( كُلُّ شَاةٍ تػُنَاطُ بِرِجْلِهَا ) ومعناه: لا يؤاخذ الرجل بذنب غيره . وتُناط: تُعلَّق(ٕ), وقالوا أيضاً : (عِنْدَ النّْطَاحِ يُغلَبُ الكَبْشُ الأَجَمُّ ) يُضرب مثلبً للرجل بيارس الأمور بغير عُدَّة فيخيب, والأَجمُّ : الذي لا قرف لو (ٖ), و: (أنتنَُّ من مَرَقَاتِ الغَنَمِ ) الواحدة مرقة , وىي صوؼ العجاف ابؼرضيُّ منها ينتف , يقاؿ: كأنَّو ريح مرؽ (ٗ). وبفا ذكره بعضُ القُصَّاص في الكبش أنَّو أفضل من التَّيس , وذلك أفَّ الله عز وجل جعل الكبش مستور العورة من قػُبُل ومن دُبُر , وبفا أىاف الله بو التَّيس أف جعل و مهتور السّْتر , مكشوؼ القُبُل والدُّبُر(٘), ولذلك يُذكر الكبش في حاؿ ابؼدح, ويُذكر التَّيس في حاؿ الذَّـّْ , ولا يوجد الكبش إلا في الواحات أو حيث يكوف ابؼرعى أكثر خصوبة . أما في الشعر فقد كاف ذكرىم بؽذه ابغيوانات من باب الاستهانة والاستخفاؼ بدن يهجونهم, لضعف ىذه ابغيوانات وحاجتها إلى العوف , كقوؿ الإماـ الشافعيّْ (ٙ): (الطويل) (ٔ) حياة الحيواف الكبرى, مصدر سابق,جػٔ,:ٕٙٙ. (ٕ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٕٕٚ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,:ٕٗ. (ٗ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٖ,:ٖٓٗ. (٘) الحيواف للجاحظ, مرجع سابق , جػ٘,:ٗٙٗ. (ٙ) ىو محمد بن إدريس الشافعي الإماـ, ولد في غزة سنةٓ٘ٔىػ, من علماء الفقو والحديث, توفي سنةٕٗٓىػ. (انظر: معجم الأدباء,جػٙ,:ٖٜٖٕ).

عدد الصفحات ٨٢

83 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سَػػػأَكتُمُ عِلمِػػػي عَػػػن ذَوِي الجَهػػػلِ طَػػػاقَتِي وَلاَ أَنثػُػػػػػرُ الػػػػػدُّر الن فِػػػػػيس عَلَػػػػػى الغَػػػػػنَم(ٔ) بىتار الشافعي لتشبيهو أصحاب ابعهل الذين لا يُقدّْروف العلم ولا يفهموف, بل ربدا تطاولوا على العلماء, يشبههم بالغنم التي لا تعي ما تسمع من القوؿ, فالشافعي من أىل ابغاضرة الذين يعتمدوف على الغنم في معيشتهم , فهي من ابغيوانات الأليفة , بؽذا جاءت صورتو التشبيهية مطابقة بغياتو وواقعو الذي يعيشو. ويقوؿ ابن الرُّومي(ٕ) في ابؽجاء: (السريع ) تػَقُػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػوؿُ إِفْ ىَاجَرَىَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا سَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػاعَةً كَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػمْ غُم ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػةٍ تَتبعُهػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا فَرحَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػة لاَ تػَيْأَسِػػػػػػػػػػي يَػػػػػػػػػػا نػَفْػػػػػػػػػػسُ مِػػػػػػػػػػنْ عَػػػػػػػػػػوْدَةٍ فَػػػػػػػػػػالْكَبْشُ لاَ يَلهُػػػػػػػػػػو عَػػػػػػػػػػنِ الن عجَػػػػػػػػػػة(ٖ) وقد وُجدت في البيئة العربية حيوانات أكثر العرب من ذكرىا في أمثابؽم وضربوا ّٔا ابؼثل في الصغر والذّْلة وابؼهانة , من ىذه ابغيوانات الأرنب , فقد قالوا : ( أَطْعِم أخَاؾَ مِنْ كِلْيَةِ الأَرنَب)(ٗ) يُضرب للمُواسَاة, وأصل ذلك أفَّ كِلْيَة الأَرنَب متناىِيةً في الصّْغَر, ومعن ذلك أف تُوسِي أخاؾ بأقلّْ شيء , أو ىي ابؼواساة بأقل شيء وأصغره , وقالوا: ( بِئسَ الرَّميةُ الأَرنَب ) يُرِيدُوف: بئسَ الشَّيء بفَّا يُرمَى(٘), وقوبؽم: (كِرَاعُ الأَرنَب) يُضرب مثلبً فِيمَا قلَّ وذؿَّ (ٙ), وقالوا: (لَو كَانَتِ الصَّبَّةُ دَجَاجَةً , لكانَت الأَرنَب دَرَّاجَةً ) يُضرَب بؼن يَعجَب من شيءٍ لا يستحقُّ الإعجاب(ٚ), و(أَقْطَفُ مِنْ أَرنَبٍ ) يُضرب للمبالغة والتَّناىِي(ٛ). (ٔ) ديوانو,جمع وتحقيق:زىدي يكن,(بيروت: دار الثقافة,ٕٜٙٔـ), :٘٘ٔ. (ٕ) ابن الرومي شاعر زمانو, أبو الحسين,علي بن العباس بن جريح مولى آؿ المنصور, لو النظم العجيب والتوليد الغريب, ولد سنةٕٕٔىػ, وتوفي سنةٖٕٛىػ, (انظر: الفهرست, محمد بن أبي يعقوب إسحاؽ المعروؼ بالنديم, ضبطو وشرحو وعلق عليو : يوسف علي الطويل,طٔ,(بيروت-لبناف: دار الكتب العلمية,ٙٔٗٔىػ),:ٕٔٚ). (ٖ) ديوانو,جػٕ,تحقيق:حسين نصار,طٔ,(دار الكتب المصرية), :ٖٓ٘. (ٗ) مجمع الأمثاؿ, مرجع سابق ,جػٕ :ٕٚٛ. (٘) الحيواف في الأدب العربي, مرجع سابق , جػٔ, :ٔٔٔ. (ٙ) المرجع السابق , جػٔ,:ٔٔٔ. (ٚ) المرجع السابق , جػٔ,:ٔٔٔ. (ٛ) جمهرة الأمثاؿ, مرجع سابق ,جػٕ :ٜٚ.

عدد الصفحات ٨٣

84 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد ورد الأرنب في الشعر على سبيل الاستهانة والاسته جاف, من ذلك قوؿ امرئ القيس(ٔ): (ابؼتقارب ) يَػػػػػػػػػػػػػا ىنػػػػػػػػػػػػػد لاَ تػَنْكِحِػػػػػػػػػػػػػي بُوىَػػػػػػػػػػػػػةً (ٕ) عَلَيػػػػػػػػػػػػػػػػػوِ عَقِيقَتُػػػػػػػػػػػػػػػػػوُ (ٖ) أَحسَػػػػػػػػػػػػػػػػػبَا(ٗ) مُرَس ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػعَةً (٘) بَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػينَ أَرْسَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػاغِوِ (ٙ) بِػػػػػػػػػػػػػػػوِ عَسَػػػػػػػػػػػػػػػمٌ (ٚ) يَبتَغِػػػػػػػػػػػػػػػي أَرنػَبَػػػػػػػػػػػػػػػا لِيَجعَػػػػػػػػػػػػػػػػلَ فػػػػػػػػػػػػػػػػي كَف ػػػػػػػػػػػػػػػػوِ كَعبػَهَػػػػػػػػػػػػػػػػا حَػػػػػػػػػػػػػػػػػذَارَ المَنِي ػػػػػػػػػػػػػػػػػػةِ أَف يَعطَبَػػػػػػػػػػػػػػػػػػا(ٛ) بىاطب امرؤ القيس امرأة تُدعى ىندً ا بؿاولاً ثنيها عن أف تُنكح من رجل وصفو بؽا بأبشع الأوصاؼ وصوَّره أبشع تصوير, فقد شبَّهو بالبومة لأمرين, الأوؿ: بشاعة البومة, والثاني: ما تتصف بو البومة عند العرب من جلب للشُّؤـ والنَّكد, فهذا الرجل سيجمع بين بشاعة ابؼنظر ونكد ابغياة وشؤمها معو. ثمَّ يضيف إلى ىذه الأوصاؼ وصفً ا آخر وىو اللُّؤـ والشُّح, حتَّ أنو لشُحّْو لم يُسقِط شعره الذي وُلد بو, وكأنَّ و بخل على نفسو بشعرٍ جديد, فظلَّ متمسكً ا ّٔذا الشعر حتَّ شاخ, بالإضافة إلى ذلك فإنو بومل في معصمو تعو يذةً من خرز وغيره لدفع ابؽواـ عنو, وىذا يدؿ على أنَّو جباف, وىو على ابؼنظر القبيح يبحث عن أرنب حتَّ يستخدـ كعبها لطرد الشر وغيره فلب يُصاب بالأذى ويهلك, وىذا من اعتقاداتهم بكعب الأرنب (ٜ). (ٔ) امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي, وىو من أىل نجد من شعراء العصر الجاىلي, صاحب إحدى المعلقات العشر. (انظر:الشعر والشعراء, جػٔ, :٘ٓٔ). (ٕ) بُوىةً : "البُوىَةُ : الرجلُ الضعيفُ الط ائشُ ". انظر: (لساف العرب,جػٖٔ,(باب الهاء, فصل الباء),:ٜٚٗ). (ٖ) عقِيقَتُو: "العَقِيقة: الش عر الذي يُولد بو الطفل لأن و يشقُّ الجلد. انظر: (لساف العرب,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل العين), :ٕٚ٘). (ٗ) أَحْسَبَا: "الأَحسبُ : الذي في شعر رأسو شُقرَةٌ ". انظر: (لساف العرب,جػٔ,(باب الباء, فصل الحاء),:ٖٙٔ). (٘) مُرَس عَةً : "الر سَعُ : كالمُعاذة, وىو أف يُؤخذ سير فيُخرؽ فيُدخل فيو سير فيجعل في أرساغو, دفعً ا للعين". انظر: (لساف العرب,جػٛ,(باب العين, فصل الراء),:ٕٗٔ). (ٙ) أَرْسَاغِوِ : "الرُّسغ: مَفْصَلُ مَا بين الكف والذ راعِ ". انظر: (لساف العرب,جػٛ,(باب الغين, فصل الراء),:ٕٛٗ). (ٚ) عَسَمٌ : "العَسَم:يػَبْسٌ في المِرْفَقِ والرُّسغِ تَعوَجُّ منو اليدُ والقدـ . انظر: (لساف العرب,جػٕٔ,(باب الميم, فصل العين), :ٔٓٗ). (ٛ) ديوانو, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراىيم, طٕ,(مصر: دار المعارؼ,ٜٗٙٔـ):ٕٛٔ. (ٜ) انظر: الفصل الأوؿ, من ىذا الباب,:٘ٔ.

عدد الصفحات ٨٤

85 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهذه الصورة البشعة للرجل القبيح الذي يوحي بالشؤـ مادِّ ا يده ابؽزيلة اليابسة , وعلى معصمو تلك التعويذة يبحث عن أرنب ليدفع الشر عنو , بهعل ابؼرأة تقارف بين ىذه الصورة وتستحضر مباشرة صورة الرجل الشجاع الذي لا يرضى بأي صيد , بل لابد لو من صيد بشين, فيكوف في خيابؽا مقارنة بين ىاتين الصورتين : الصورة التي وصفها الشاعر , والصورة ابؼضادة بؽا , فالأرنب ليس من ابغيوانات الثمينة التي بورص العرب على صيدىا , كالػمها والبقر الوحشي فهذه ابغيوانات لا يصيدىا إلا العرب الشجاع ابؼاىر , فجمع الشاعر بين صورة الأرنب الصغير وبين ىذا الرجل في الصورة الشعرية ليثبت حقارتو وجبنو , ويثنيها عن نكاحو. وفي ىذه الصورة لم بىرج امرؤ القيس عن معتقدات العصر ابعاىلي وفكر ه, إذ كاف شائعاً في ذلك العصر أفَّ الأرانب لا بستطيها ابعنُّ , لأنهَّا بريض كابؼرأة, ولذلك فهم يعلّْقوف كعب الأرنب لدرء العين والسحر عن أنفسهم , فابعنُّ تهرب من الأرنب. وىناؾ حيوانات ذكرىا العرب وإف لم تكن في بيئتهم إلا أفَّ ذِكرىم بؽا كاف نتيجة بذوابؽم في البلبد الأخرى ومعرفتهم بؽا , كابػنزير الذي عرفوا قبحو وقذارتو , فهجوا بو في أشعارىم , وضربوا بو الأمثاؿ في أحاديثهم كقوبؽم : (أَقػْبَحُ مِنْ خِنْزِيرٍ )(ٔ), و:(أَبْكَ رُ مِنَ ابػِنْزِيرِ ) حيث إفَّ ابػنازير تطلبُ العَذِرَة , وليست كابعلبلة (ٕ) لأنها تطلب أرطب ها وأحرَّىا وأنتنها وأقرّٔا عهدً ا بابػروج , فهي في القُرى تتعرَّؼ أوقات الصبح والفجر, وقُبيلَ ذلك وبُعيده, لبروز الناس للغائط, ويُعرؼ من كاف في بيتو في الأسحار ومع الصبح أنَّو قد أسْحَر وأصْبَح, بأصواتها ومُرورىا ووَقْع أر جلها إلى تلك الغِيطاف, وتلك ابؼتبرّْزات, ولذلك ضُرب ابؼثل ببُكور ابػِنْزير(ٖ), وقوبؽم:(أَحْرَصُ مِنْ خِنْزِيرٍ )(ٗ). وقد ورد ابػنزير في الشعر كقوؿ أعشى بنداف (٘) : (البسيط) (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٖٙ٘. (ٕ) الجلة: البعر. والجلالة: التي تأكلو. (ٖ) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٜٕٓ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ,:ٜٖٖ. (٘) أعشى ىمداف, شاعر مفوه شهير كوفي , وىو أبو المصبح عبد الرحمن بن عبد الل بن الحارث الهمداني , كاف متعبداً فاضلاً , قتلو الحجاج سنة نيف وثمانين. (انظر: الأغاني, أبو الفرج الأصفهاني,تحقيق: سمير جابر,جػٙ, طٔ,(بيروت: دار الفكر),:ٔٗ).

عدد الصفحات ٨٥

86 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إِفْ يػَػػػػرْزُؽِ اللُ أَعْػػػػدَائِي فػَقَػػػػدْ رُزِقَػػػػتْ مِػػػنْ قػَػػػبْلِهِمْ فِػػػي مَرَاعِيهَػػػا الخَنَػػػازِيرُ (ٔ) يؤكد الشاعر على كرـ الله عز وجل ولطفو بالعباد , فليس غريباً أف يرزؽ الله أعداءه أيِّ ا كانوا, أو يرزؽ أعداء الشاعر نفسو , فذلك لن ينقص من رزؽ الله شيئً ا, ويضرب لذلك برزؽ الله عز وجل للخنازير في مراعيها . فعلى الرغم من سو ء طبع ابػنزير وسوء خِلقَتو , فإفَّ الله عز وجل يرزقو, حيث لفت انتباىو ما أودع الله فيو من صفات القبح في ابػُلُق وابػِلْقة, فبادر إلى التشبيو بو, وعمد إلى أف يقرنو في التشبيو بصورة أعدائو , فكلببنا في نظر الشاعر سواء, حيث يشبو الشاعر أعداءه بابػنازير في قبح ابؼنظر وسوء ابػُلُق , فقد استخلص ىذه الصفات القبيحة من ابػنزير , وجعلها من خصاؿ أعدائو فكاف تشبيهو بابػنزير أكثر قبحً ا وبشاعةً . وقد اختار الشاعر ابػنزير دوف غيره من ابغيوانات في البيئة العربية كابغمار مثلبً , لأفَّ ابغمار مهما وصل من القبح وسوء ابػُلق فإنو لا يصل إلى حد قبح ابػنزير وسوء طبعو , بالإضافة إلى أفَّ ابغمار فيو من ابؼنافع ما يفوؽ ابػنزير من بضل الأثقاؿ والتنقل والصبر, كما أنَّو لا يأكل ابعيف كما يفعل ابػنزير بل يعتمد على الأعشاب في طعامو, فابػنزير بصع بين البشاعة ابػارجية في الشكل , والقذارة في ابؼأكل , والقباحة في ابػلق, فلب يوجد في حيوانات البيئة العربية ما يصل منها إلى ىذا ابغدّْ الذي وصل إليو ابػنزير. كما أنَّو دليل على أفَّ الشاعر لم يعد بوصر نفسو في بيئتو, بل أصبح يتجوؿ في البيئات آّاورة ل و, فلفتت انتباىو تلك ابغيوانات في تلك البيئات فاستخدمها في تشبيهاتو وأجاد في استخدامها. ويوجد من ابغيوانات ما كاف منو وحشي وأليف , كالبقر والثور, فالبقر نوعاف: بقر أليف وىو الذي يكثر في ابغواضر لأنها تستخدـ في حرث الأرض وزراعتها , ونراىا تكاد تكوف معدو مة في البادية الصحراوية , لذا لم يذكرىا شعراء الصحراء إلا نادرً ا في أشعارىم , وأكثروا من التمثيل ّٔا. أما البقر والثور الوحشي فهو الذي يعيش في الصحراء ويكثر صيده (ٕ), وىذا النوع كثر وصفو والتمثيل بو في الشعر, فقالوا: ( الظّْباءَ على البػَقَر) يُضرب عند انقطاع ما بين الرَّجلين (ٔ) الحيواف, مصدر سابق, جػٚ,:ٕٙ. (ٕ) الصيد عند العرب, مرجع سابق ,:ٜٚٔ.

عدد الصفحات ٨٦

87 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من القرابة والصداقة , وكاف الرجل في ابعاىلية إذا قاؿ لامرأتو (الظباءَ على البقر) بانت منو, وكانت عندىم طلبقً ا, ونصب "الظباء" على معن اخترت أو أختار الظباءَ على البقر, والبقر كناية عن النساء, ومنو قوبؽم: (جاء بهرُّ بقرةً ) أي عيالو وأىلو(ٔ), وقالوا: (كَالثَّورِ يُضرَبُ بؼاَّ عافتِ البػَقَرُ ) وأصلو أفَّ العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب لكَدَر ابؼاء أو لأنو عطش ّٔا ضربوا الثور ليقتحم البقر ابؼاء(ٕ). وقالوا أيضً ا: (الكِلبَبَ عَلَى البػَقَر ) يُضرب عند برريش القوـِ على بعض من غير مبالاة يعنِ: لا ضرر عليهم فخلهم, ونصب الكلبب على معن أرسل الكلبب(ٖ), وقوبؽم:(أَبػْلَدُ مِنْ ثػَوْرٍ )(ٗ), و:(الثػَّوْرُ بوَْمِي أَنػْفَوُ بِرَوْقِوِ ) الرَّوؽ: القرف , يُضرب في ابغث على حفظ ابغرنً (٘), وأيضً ا:(أَلِسَافَ الثػَّوْرِ؟) يُشبَّو بو اللساف الطويل العريض(ٙ). ومن القصص التي ورد فيها ذكر البقر ىذه القصة التي برُكى عن القضاء في بنِ إسرائيل , فقد قالوا: إفَّ "القضاة في بنِ إسرائيل كانوا ثلبثة , فمات أحدىم, فولىَّ غيره مكانو ثم قضوا ما شاء الله أف يقضوا, ثم بعث الله بؽم ملكً ا بيتحنهم, فوجد رجلبً يسقي بقرة على م اء, وخلفها عجلة, فدعاىا ابؼلك وىو راكب فرسً ا, فتبعتها العجلة فتخاصما, فجاء إلى القاضي الأوؿ فدفع إليو ابؼلك درَّةً كانت معو, وقاؿ لو: احكم بأفَّ العجلة لي, قاؿ: بداذا أحكم؟ قاؿ: أرسل الفرس والبقرة والعجلة , فإف تبعت الفرس فهي لي. فأرسلها فتبعت الفرس فحكم لو ّٔا, وأتيا القاضي الثاني فحكم كذلك , وأخذ درَّةً . وأما القاضي الثالث فدفع لو ابؼلك درة وقاؿ : احكم بيننا, قاؿ: إنيّْ حائض . قاؿ ابؼلك: سبحاف الله! أبويض الذَّكر؟ قاؿ سبحاف الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم ّٔا لصاحبها "(ٚ), فقد صورت ىذه القصة غباء العجل وبلبدتو وسهو لة انقياده وراء الفرس . (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ, :ٖٓٔ. (ٕ) المصدر السابق, جػٖ, :ٖٕ. (ٖ) المصدر السابق, جػٖ, :ٕٕ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ, :ٜٕٓ. (٘) المصدر السابق, جػٔ, :ٕٓٚ. (ٙ) الحيواف في الأدب العربي, مرجع سابق , جػٔ, :ٙٛٔ. (ٚ) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق , جػٔ, :ٜٕٔ.

عدد الصفحات ٨٧

88 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكثيرً ا ما شبو الشعراء بالبقر الوحشي في أشعارىم , ولعل السبب في ذلك يعود إلى كثرة صيدىم بؽذا ابغيواف , وكثرة تواجده في بيئتهم , وقد "وجد الشعراء القدامى في حياة الثور الوحشيّْ والبقرة الوحشية فرصة للتأمل والتفكير في غموض أمور الكوف وابغياة وما يكتنفها من ابؼخاوؼ وال قلق والاطمئناف والأحلبـ , وعقدوا بؽذه التشبيهات قصصً ا رمزية , تناولوىا من البيئة الصحراوية التي بريط ّٔم , تترجم إحساسهم وخواطرىم , وبردد موقفهم من حدثاف الأياـ, وقد لوَّف الشعراء قصة الثور الوحشيّْ تلوينً ا متنوعً ا يعكس ما في نفوسهم من ابؼشاعر وما بهوؿ في عقوبؽم من أفكار وآراء , وتنقسم قصة الثور الوحشيّْ عندىم إلى نوعين : الأوؿ: في قصائد الأسفار التي يرد ذكر الناقة فيها , والثاني: في قصائد الرثاء وابؼواعظ "(ٔ), فكثيرً ا ما وصفوا الناقة بالثور الوحشيّْ في سرعة عدوىا , والشاعر عندما يصف البقر أو الثور الوحشيّْ يذكر في خلبؿ ىذا الوصف مشاىد رائعة من مشاىد الصيد التي يذكر فيها أدوات الصيد من أسلحة وكلبب , يقوؿ أبو ذؤيب ابؽُذلي(ٕ) من قصيدة في رثاء أولاده : (الكامل) والػػػػػػػػػػػػد ىرُ لا يػَبػْقَػػػػػػػػػػػػى عَلَػػػػػػػػػػػػى حَدَثَانِػػػػػػػػػػػػوِ شَػػػػػػػػػبَبٌ (ٖ) أَفػَز تْػػػػػػػػػوُ (ٗ) الكِػػػػػػػػػلاَبُ مُػػػػػػػػػرَو عُ شَػػػػػػغَبَ (٘) الكِػػػػػػلاَبُ الض ػػػػػػارياتُ فػُػػػػػػؤَادَهُ فَػػػػػإِذَا يػَػػػػػرَى الصُّػػػػػبحَ المُصَػػػػػد ؽَ (ٙ) يػَفْػػػػػزَعُ وَيػَعُػػػػػػػػػػػودُ بِػػػػػػػػػػػالأَرطِي(ٚ) إِذَا مَػػػػػػػػػػػا شَػػػػػػػػػػػق وُ قَطْػػػػػرٌ وَرَاحَتْػػػػػوُ (ٛ) بَلِيػػػػػلٌ (ٜ) زَعْػػػػػزَعُ (ٔٓ)(ٔٔ) (ٔ) الناقة في الشعر الجاىلي, مرجع سابق ,:ٚٛٔ. (ٕ) ىو خويلد بن خالد, جاىلي إسلامي, وكاف راوية لساعدة بن جؤية الهذلي , وخرج مع عبد الل بن الزبير في مغزى نحو المغرب, فمات فدلاه عبد الل بن الزبير في حفرتو. (انظر: الشعر والشعراء, جػٕ,:ٖ٘ٙ). (ٖ) شَبَبٌ : "الش بَبُ : الػمُسِن من ثيراف الوحشِ . انظر: (لساف العر ب,جػٔ,(باب الباء, فصل الشين),:ٔٛٗ). (ٗ) أفز توُ : "فز هُ فزا وأفز هُ : أفزعو وأزعجو وطي ر فؤاده". انظر: (لساف العرب,جػ٘,(باب الزاي, فصل الفاء), :ٜٖٔ). (٘) شَغَبَ : "الش غَبُ : تػَهْيِيج الش ر". انظر: (لساف العرب,جػٔ,(باب الباء, فصل الشين),:ٗٓ٘). (ٙ) "الػمُصَد ؽُ : الػمُضِيءُ ". انظر: (لساف العرب,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل الصاد),:ٜ٘ٔ). (ٚ) الأرطي: شجر ينبت بالرمل. انظر: (لساف العرب,جػٚ,(باب الطاء, فصل الهمزة),:ٕٗ٘). (ٛ) راحتْو: أصابتو ريح. انظر: (لساف العرب,جػٕ,(باب الحاء, فصل الراء),:ٛٙٗ). (ٜ) بليل: ليلٌ شديد الظُّلمة. انظر: (لساف العرب,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل اللاـ),:ٛٓٙ). (ٔٓ) زعزع : تحر يك الشيء زَعزعوُ زعزعةً فتزعزعَ : حر كوُ ليقلعوُ . انظر: (لساف العرب,جػٛ,(باب العين, فصل الزاي),:ٔٗٔ). (ٔٔ) ديواف الهذليين, جػٔ, (القاىرة: الدار القومية للطباعة والنشر,ٜ٘ٙٔـ):ٓٔ.

عدد الصفحات ٨٨

89 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالشاعر يرسم صورة من الصور الصحراوية التي طابؼ ا رآىا في بيئتو , وىذه الصورة لثور أخافتو وأفزعت قلبو كلبب الصيد الضارية ابؼتوحشة , فإذا نظر إلى الصبح ترقب الكلبب أف تأتيو, ففي بداية النهار تكوف رحلة الصيد والبحث عن ابغيوانات , فالليل بالنسبة للثور نوع من الأماف, لأنو بىتبئ فيو عن أعين الصيادين وكلبّٔم , ثم إفَّ ىذا الثور يلجأ إلى شجر الأرطي إذا أصابو ريحٌ بليلٍ شديدة باردة تزعزع كل شيء , فهذا الثور قد ينجو من ابؼوت أحيانً ا, وقد يكوف فريسة ابؼوت في أحياف أخرى , فهو بين نوعين من الصراع, صراع مع ابغيوانات ابؼفترسة, وصراع مع عوامل الطبيعة التي يعيش فيها, فإذا بقا من واحدة قد لا ي نجو من الأخرى, ىذه الصورة ربظها الشاعر, ليؤكد على أفَّ الدىر لا يبقى على حاؿ, فقد يُفرح ابؼرء مرة وبوزنو في مرات أخرى , إلا أفَّ ابؽدؼ ابغقيقي للشاعر من وراء رسم ىذه الصورة ىو الشعور النفسي داخل الشاعر, فصورة ىذا الثور في صراعو مع ابؼوت وابغياة مطابقة بسامً ا لواقع الشاعر وصراعو مع ابغياة, فمنظر الثور وىو بواوؿ ابؽرب من مصيره المحتوـ أثار في داخل الشاعر إحساسو بابػوؼ وصراعو مع القدر وبحثو عن الأماف , فصورة الثور جسمت واقع الشاعر وأحاسيسو . فهذه الأبيات كانت في رثاء أبنائو الذين أحبهم وتعلق ّٔم , يذود عنهم بكل ما بيلك, وكلما اشتدت عليهم ابؼخاطر ازداد عزمً ا في الدفاع عنهم , ولكنو عندما يتعرض بغديث ابؼوت يرضخ ويعترؼ -راضيً ا أـ غاضبً ا- بأفَّ ابؼوت ىو ابؼنتصر في ابعولة الأخيرة, وبوس أفَّ ابغياة قاسية, وأفَّ عدواف الدىر قاىر يبخل عليو بالفرح , فهو في صراع دائم معو , بسامً ا كما صوَّر الثور في ىروبو من ابؼوت, فقد ينجو وقد لا ينجو, فهذه صورة مستوحاة من مشاىد ابغياة التي رآىا وعايشها وتأسَّى ّٔا, وىي صورة حيَّة من صور الصراع ابػالد بين الأحياء والطبيعة, أو بين الأحياء والأحياء في بيئتو الصحراوية . ومن ابغيوانات التي يكوف منها الأليف والوحشي أيضً ا ابغمار, حيث يتواجد في ابغاضرة والبادية, فالأليف منو يستخدـ بغمل الأثقاؿ والتنقل, أما الوحشي فقد كاف العرب يصيدونو في باديتهم, وقد أدى ّٔم ذلك إلى مراقبتو ومعرف ة أدؽ أوصافو وصفاتو, فأكثروا التمثيل بو, فقو بؽم: (أَجْهَلُ مِنْ بضَِارٍ )(ٔ) مأخوذ من قوؿ النَّاس للجاىل يا بضار , و: (أَخْلَفُ مِنْ وَلَدِ (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٖٖٚ.

عدد الصفحات ٨٩

91 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابغِمَارِ ) يعنوف البغل, لأنَّو لا يشبو أباه ولا أمَّوُ (ٔ), وقوبؽم: (أَخْلَى مِنْ جَوْؼِ بضَِارٍ )(ٕ) ومعن ذلك أفَّ ابغمار إذا صِيدَ لم يُنتفَع بشيءٍ بفا في جوفو بل يُرمى ولا يُؤكل و:(أَصْبػَرُ مِنْ بضَِارٍ )(ٖ) لأَنَّوُ بومل ابغِمْلَ الثَّقيل على الدبر. وورد ذِكر ابغمار بنوعيو في القَصص العرب, ومن ىذه القصص: أنَّو "كاف رجلٌ بالبَادية لو بضارٌ وكلبٌ وديكٌ , وكاف الدّْيك يوقظهم للصلبة, والكلب بورسهم , وابغمار ينقلوف عليو ابؼاء وبومل بؽم خيامهم, فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنُوا لو, وكاف الرجل صابغً ا, فقاؿ: عسى أف يكوف خيرً ا, ثم جاء الذئب فحرؽ (ٗ) بطن ابغمار فقتلو, فقاؿ الرجل : عسى أف يكوف خيرً ا, ثم أُصيب الكلب بعد ذلك. فقاؿ عسى أف يكوف خيرً ا, ثم أصبحوا ذات يوـ فنظروا فإذا قد سُبيِ من حوبؽم وبقوا سابؼين , وإبما أُخذوا أولئك بدا كاف عندىم من أصوات الكلبب وابغمير والدّْيكة . فكانت ابػيرة في ىلبؾ ما كاف عندىم من ذلك كما قدر الله سبحانو وتعالى, فمن عرؼ خفيَّ لطف الله رَضِي بفعلو"(٘). فهذه القصة توضح جانبً ا من جوانب ابغياة في البادية, ابعانب الأوؿ: أفَّ العرب كانوا يعتمدوف على حيواناتهم كثيرً ا فيما يتعلق بأمور ابغياة النَّفعية , وابعانب الآخر: أفَّ العرب كاف يُغير بعضهم على بعض طمعً ا فيما عندىم من ابغيوانات التي كانت تُعدُّ من أىمّْ أموابؽم, فيسلبونها للبنتفاع ّٔا , وكاف ىذا سببً ا من أسباب ابغروب في البيئة الصحراوية . ويكثر ذكر ابغمار في الشعر, إمَّ ا للوصف وذلك في الأشعار التي تصف الصيد, أو في قصائد ابؽجاء كما يقوؿ ابؼتلمس (ٙ) مشبهً ا ابؼقيم بدار ابؽواف بابغمار ابؼقيد: (البسيط) وَ مَػػػػػػػػػػػا يُقِػػػػػػػػػػػيمُ بِػػػػػػػػػػػدَارِ الػػػػػػػػػػػذُّؿ يػَعْرِفػُهَػػػػػػػػػػػا إِلا الأَذَلا فِ عَيػْػػػػػػػػػػػػػػػرُ الحَػػػػػػػػػػػػػػػي والوَتَػػػػػػػػػػػػػػػدُ ىَػػػػػػػػذَا عَلَػػػػػػػػى الخَسْػػػػػػػػفِ مَرْبُػػػػػػػػوطٌ بِرُم تِػػػػػػػػوِ وَذَا يُشَػػػػػػػػجُّ فَمَػػػػػػػػا يػَبْكِػػػػػػػػي لَػػػػػػػػوُ أَحَػػػػػػػػدُ (ٚ) (ٔ) المصدر السابق, جػٔ,:ٙٗٗ. (ٕ) المصدر السابق, جػٔ,:ٖ٘ٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,:ٕٙ٘. (ٗ) الصواب: فخرؽ. (٘) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق , جػٔ,:ٖٔٗ. (ٙ) المتلمس: ىو جرير بن عبد المسيح, من بني ضبيعة, وأخوالو بنو يشكر, وكاف ينادـ عمرو بن ىند ملك الحيرة في الجاىلية, وىو من الشعراء المقلين.(انظر:الشعر والشعراء, جػٔ,:ٜٚٔ). (ٚ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٖ,:ٜٚٗ.

عدد الصفحات ٩٠

91 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقد رسم الشاعر صورتين بؼن يقيم على ابؽواف والذؿ في مكاف يعرفو , الصورة الأولى : صوَّر فيها بضار ابغيّْ وىو مربوط , وبرُمل عليو الأثقاؿ , ويصبُّ عليو الضرب والتوبيخ من قبل أصحابو, ومع ذلك فهو صابرٌ على ىذا الذُّؿّْ راضٍ بو , فهو على ىذه ابغاؿ لا يرثي لو أحد . فقد رسم الشاعر صورة مهينة لػمن يقيم بدار غير دا ره قد يكوف فيها مذلَّة لو, حيث إفَّ ىذا ابؼقيم عادةً لا يكوف لو ناصر ولا منصف في ىذا ابؼكاف, فهو بؾبور على الرضوخ لأىل ىذه الدار , حيث إنَّو لا يوجد لو مقاـ غيرىا , كذلك عير ابغي يكوف صابرً ا على الذُّؿّْ والإىانة في مقابل أكلو وشربو ومكوثو في ىذا ابغي , فصورة بضار ابغي توحي وبذسّْد كل صفات الصبر والذُّؿ والاحتقار كمثل بؼن يقيم بدارٍ غير داره . والصورة الأخرى : صوَّر فيها الوتد الذي تُربط بو خيمة البدويّْ , وىذا الوتد لا يَشدُّ ابػيمة ويوقفها إلا إذا ضُرب عليو بابغجر حتَّ يثبت, فهذا ابغجر لا يشعر بو أحد, وتُعدُّ كلّّ من الصورتين , صورة عير ابغيّْ والوتد من ابؼناظر ابؼألوفة لدى الإنساف العرب وخاصة البدوي . ولم يكن العرب بيثلوف بابغيوانات الأليفة وحدىا , بل إنهَّم مثلوا بالوحشي منها كالأسد, فهو من ابغيوانات التي أكثر العرب من التمثيل ّٔا , حيث إنَّو من أشرؼ ابغيوانات عند العرب , وىو بدنزلة ابؼلك الػمُهاب لقوتو وشجاعتو وشهامتو وشراسة خلقو, وبؽذا أكثر ما كانت العرب تضرب بو ابؼثل في القوة والنَّ جدة والبسالة والشجاعة والإقداـ وابعُرأة والصَّولة, ولذا أطلق العرب كثيرً ا من ىذه الأوصاؼ على أبنائهم ومقاتليهم الشجعاف, ومن ىذا القبيل أُطلق على بضزة بن عبد ابؼطلب ( :أسد ا), بؼا بذلو من قوة وشجاعة في الدفاع عن الإسلبـ وابؼسلمين , وقالوا أيضً ا: ( كَمُبْتَغِي الصَّيْدِ فيِ عَرِينَةِ الأَسَدِ ) يُضرب مثلبً بؼن طل ب بؿُالاً (ٔ), وقوبؽم: (مَا اسْتَبػْقَاؾ مَنْ عَرَّضَكَ للؤَسَدِ ) يُضرب بؼن بوملُك على ما تكره عاقِبتَو(ٕ), وقوبؽم: (أَبضَْى مِنْ أَنْفِ الأَسَدِ )(ٖ), و:(أَشْرَهُ مِنَ الأَسَدِ ) وذلك أنَّو يبتلع البَضعةَ العظيمة من غير مض ٍ (ٗ), وقوبؽم:(ابعُوعُ يُرضِي الأَسَدَ بِابعِيَفِ )(٘), ويُضرب للجوع الشديد أو الفاقة (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٖ, :ٛٗ. (ٕ) المصدر السابق, جػٖ, :ٖٜٕ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ, :ٙٓٗ. (ٗ) المصدر السابق, جػٕ, :ٕٓٓ. (٘) الحيواف في الأدب العربي, مرجع سابق , جػٔ, :ٛٚ.

عدد الصفحات ٩١

92 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشديدة تُرضي ابؼرء باليسير, وقوبؽم:(النَّهرُ يشرَبُ مِنوُ الكَلبُ والأَسَدُ )(ٔ), و:(مَن يػَتْ بَعِ الأَسَدَ لمَ يعدِـْ بغَمً ا)(ٕ) , ويُضرب للشخص يعرؼ أين بهد حاجتو. وقد ورد الأسد في القَصَص العربّْ كثيرً ا, ومن ذلك أنهم زعموا أفَّ لبؤةً كانت في غيضةٍ وبؽا شبلبف(ٖ), وأنهَّا خرجت في طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما, فمر ّٔما إسوار(ٗ) فحمل عليهما ورمابنا فقتلهما وسلخ جلديهما فاحتػَقَبػَهُمَا(٘) وانصرؼ ّٔما إلى منزلو , ثم إنها رجعت فلما رأت ما حلَّ ّٔما من الأمر الفظيع اضطربت ظهرً ا لبطنٍ وصاحت , وكاف إلى جنبها شغبر(ٙ) فلما بظع ذلك من صياحها قاؿ بؽا: ما ىذا الذي تصنعين وما نزؿ بك فأخبرينِ بو . قالت اللبؤة: شبلبي مرَّ ّٔما إسوارٌ فقتلهما وسلخ جلديهما فاحتقبهما ونبذبنا بالعراء(ٚ), قاؿ بؽا الشغبر: لا تَضِجّْي وأنصفي من نفسك, واعلمي أفَّ ىذا الإسوار لم يأت إليك شيئً ا إلاَّ وقد كنتِ تفعلين بغيرؾِ مثلو , وتأتين إلى غير واحدٍ مثل ذلك بفن كاف بهد بحميمو(ٛ) ومن يعزُّ عليو مثل ما بذدين بشبليك, فاصبري على فعل غيرؾ كما صبر غيرؾ عليو منك , فإنَّ و قد قيل كما تُدين تُداف, ولكلّْ عملٍ بشرة من الثواب والعقاب وبنا على قدره في الكثرة والق لَّة كالزرع إذا حضر ابغصاد أعطى على حسب بذره . قالت اللَّبؤة: بينّْْ لي ما تقوؿ وأفصِح لي عن إشارتو , قاؿ الشغبر: كم أتى لك من العمر؟ قالت اللبؤة: مائة سنة. قاؿ الشغبر: ما كاف قُوتُك؟ قالت اللبؤة: بغم الوحش . قاؿ الشغبر: من كاف يطعمكِ إياه؟ قالت اللبؤة : كنت أصيد الوحش وآكلو . قاؿ الشغبر: أرأيت الوحوش التي كنت تأكلين , أما كاف بؽا آباءٌ وأمهات؟ قالت: بلى. قاؿ الشغبر: فما بالي لا أرى ولا (ٔ) المرجع السابق ,:ٛٚ. (ٕ) المرجع السابق ,:ٛٚ. (ٖ) شبلاف مثنى شبل: ولد الأسد.(انظر:لساف العرب,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الشين),:ٕٖ٘). (ٗ) الإسوارٌ والأُسوار بالضم: الواحد من أساورة فارس, وىو الفارس من فرسانهم المقاتل.(انظر:لساف العرب,جػٗ,(باب الراء, فصل السين),:ٖٛٛ). (٘) احتقبهما: من الحقب وأصلو حبل يُشد بو رحل البعير إلى بطنو كي لا يتقدـ إلى كاىلو وىو غير الحزاـ, والحقيبة: ما يحمل من القماش على الفرس خلف الراكب, وحقبتها واحتقبتها: حملتها. (انظر:لساف العرب, جػٔ,(باب الباء, فصل الحاء),:ٕٖٗ). (ٙ) شغبر: ابن آوى. (انظر:لساف العرب,جػٗ,(باب الراء, فصل الشين),:ٛٔٗ). (ٚ) نبذىما بالعراء: أي ألقاىما في الفضاء.(انظر:لساف العرب,جػٔٔ,(باب الذاؿ, فصل النوف,:ٔٔ٘). (ٛ) الحميم: القريب.(انظر:لساف العرب,جػٕٔ,(باب الميم, فصل الحاء),:ٕ٘ٔ).

عدد الصفحات ٩٢

93 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبظع لتلك الآباء والأمهات من ابعز ع والضجيج ما أرى وأبظع لك؟ أما إنو لم ينزؿ بك ما نزؿ إلا لسوء نظرؾ في العواقب , وقلة تفكرؾ فيها , وجهالتك بدا يرجع عليك من ضرىا . فلما بظعت اللبؤة ذلك من كلبـ الشغبر عرفت أفَّ ذلك بفا جنت على نفسها وأفَّ عملها كاف جورً ا وظلمً ا, فتركت الصيد وانصرفت عن أك ل اللحم إلى أكل الثمار والنُّسك والعبادة(ٔ). في ىذه القصة حكمة من ابغكم وىي أفَّ ابعزاء من جنس العمل, فعلى قدر عمل ابؼرء يكوف جزاؤه , فليعمل ابؼرء ابػير ليكن جزاؤه خيرً ا وثوابً ا, وربدا كاف اختيارىم للؤسد في ىذه القصة تأكيدً ا على صدؽ اعتقادىم في ابعزاء , فهذا الأسد ابؼهاب سيد الغابة بدا بوملو من قوة وبطش بهري عليو ما بهري على غيره من الأحكاـ . وكثيرً ا ما أسب الشعراء على بفدوحيهم صفات الأسد, بؼا رأوا في ىذا ابغيواف من القوة والشجاعة, يقوؿ ابن ابؼعتزُّ (ٕ) بيدح ابؼعتضد: (الكامل) اسْػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػلَمْ أَمِيػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػرَ المُػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػؤْمِنِينَ وَدُـْ فِػػػػػػػػػػػػػػػي غِبْطَػػػػػػػػػػػػػػػةٍ وَلْيػَهْنِػػػػػػػػػػػػػػػكَ الن صْػػػػػػػػػػػػػػػرُ فػَلَػػػػػػػػػػػػػػػرُب حَادِثَػػػػػػػػػػػػػػػةٍ نػَهَضْػػػػػػػػػػػػػػػتَ بِهَػػػػػػػػػػػػػػػا مُتػَقَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػد ماً فػَتَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػأَخ رَ الػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػد ىْرُ لَيْػػػػػػػػػػػػػثٌ (ٖ) فػَرَائِسُػػػػػػػػػػػػػوُ اللُّيُػػػػػػػػػػػػػوثُ فَمَػػػػػػػػػػػػػا يػَبػْػػػػػػػػػػػػػيَضُّ مِػػػػػػػػػػػػػنْ دَمِهَػػػػػػػػػػػػػا لَػػػػػػػػػػػػػوُ ظفْػػػػػػػػػػػػػرُ سَحَػػػػػػػبَ الجُيُػػػػػػوشَ فَكَػػػػػػمْ بِهَػػػػػػا فُتِ حَػػػػػػتْ بػَعْػػػػػػػػػػػػػػػػدَ الت مَنُّػػػػػػػػػػػػػػػػعِ بػَلْػػػػػػػػػػػػػػػػدَةٌ بِكْػػػػػػػػػػػػػػػػرُ (ٗ) يصور ابن ابؼعتز أمير ابؼؤمنين في صورة أسدٍ , لكنَّ ىذا الأسد لا يفترس ابغيوانات بل يفترس الأسود الأخرى , وذلك لشدة شجاعتو وقوتو وبأسو, ىذا الليث لا يُرى بياض أظافره فهي دائمة ابغمرة من دماء فرائسو , وذلك لاستمراره ومداومتو على افتراس أعدائو فلب بذف ىذه الدماء ولا يُرى بياض أظافره منها, كذلك أمير ابؼؤمنين لا بهف سيفو ولا يُرى بياضو لكثرة قتالو . (ٔ) كليلة ودمنة, ابن المقفع, (بيروت-لبناف: دار الكتب العلمية), :ٕٖٚ. (ٕ) ىو عبد الل بن محمد بن جعفر, من شعراء العصر العباسي, كاف غزير الأدب وافر الفضل, توفي سنةٜٕٙىػ مقتولاً . (انظر: معجم الأدباء, ياقوت الحموي, جػٗ,:ٜٔ٘ٔ). (ٖ) ليْثٌ : "الل يثُ : الأَسدُ ". انظر: (لساف العرب,جػٕ,(باب الثاء, فصل اللاـ),:ٛٛٔ). (ٗ) ديوانو, جػٔ, شرحو : مجيد طراد,قطعة [ٕٖٔٔ],(دار الكتاب العربي):ٖٗٗ-ٖ٘ٗ.

عدد الصفحات ٩٣

94 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فابن ابؼعتز من شعراء العصر العباسي , العصر الذي عُرؼ بابغضارة والازدىار إلا أنَّو فضل في مدح ابػليفة أف يستمد صورتو التشبيهية من الصحراء , وذلك لأفَّ فيها من القوة ما فيها؛ ولأفَّ العرب كاف وما زاؿ يرتبط بدوروثو الأدب والثقافي القدنً, فيلجأ من حين لآخر إلى تلك الصورة الشعرية القدبية لأنها ترمز إلى شيء في نفس الشاعر يظهره في تلك الصورة القدبية. وبالإضافة إلى الأسد كانت البيئة العربية تزخر بحيوانات متوحشة منها على س بيل ابؼثاؿ: الذئب الذي كثيرً ا ما أقضَّ مضجع العرب , واعتدى على حيواناتو الأليفة, وأدى ذلك إلى معرفة العربّْ بو, فذكره في قصصو وأشعاره وأمثالو , فقاؿ عنو:(أَجْوَعُ مِنْ ذِئْبٍ ) لأنَّو دىرَه جائع(ٔ), وقاؿ:(أَحْذَرُ مِنْ ذِئْبٍ ) قالوا: إنَّو يبل من شدَّة احتر ازه أف يُراوِح بين عينيو إذا ناـ, فيجعل إحدابنا مطبقة نائمة , والأخرى مفتوحة حارسة , بخلبؼ الأرنب الذي يناـ مفتوح العينين لا من احتراز, ولكن خلقة(ٕ), وقاؿ:(أَحْوَؿُ مِنْ ذِئْبٍ ) ىذا من ابغيلة, يقاؿ: بروَّؿ الرَّجل, إذا طلب ابغيلة(ٖ), وأيضً ا:(أَخَفُّ رَأْسً ا مِنَ الذّْئْبِ ) قالوا: إفَّ الذئب لا يناـ كلَّ نومو لشدَّة حذره, ومن شقائو بالسهر لا يكاد بىطئو من رماه , وإذا ناـ فتح إحدى عينيو(ٗ). والذئاب من أكثر ابغيوانات تواجدً ا في البادية الصحراوية , إذ عنِ الشعراء ّٔا وأخص ما عنوا بو حركتها التي شبهوا ّٔا ح ركة جيادىم , وحتَّ بظوا الذئاب باسم حركتها (العُسل) وصوروىا في حلكة الليل وىي تعسل على أطراؼ ابؼاء تبحث عن فرائسها (٘), "وكانت العرب تتشاءـ بالغراب وتتيامن بالذئب لأنو كَسُوب"(ٙ). أما في الشعر فقد ذكره كثير من الشعراء , من ىؤلاء : ابن الرومي(ٚ) حيث يقوؿ في أبضد بن جعفر البرمكي الندنً: (الوافر) (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٖٖ. (ٕ) المصدر السابق, جػٔ,:ٕٓٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ,:ٗٓٗ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ,:ٛٗٗ. (٘) الصورة الفنية في الشعر الجاىلي في ضوء النقد الحديث, نصرت عبد الرحمن , (عماف-الأردف: مكتبة الأقصى),:ٗٛ. (ٙ) فن الوصف في مدرسة عبيد الشعر, مرجع سابق ,:ٖٕٙ. (ٚ) سبقت ترجمتو ,:ٚٗ.

عدد الصفحات ٩٤

95 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَمُعْتَصِػػػػػػػػػػػػػمٌ بِأَن ػػػػػػػػػػػػػكَ ذُو صِػػػػػػػػػػػػػحَابٍ مِػػػػػػػػػػنَ الشُّػػػػػػػػػػعَرَاءِ نَصْػػػػػػػػػػرُىُمُ قَرِيػػػػػػػػػػبُ وَمَػػػػػا تُجْػػػػػدِي عَلَيْػػػػػكَ لُيُػػػػػوثُ غَػػػػػابٍ بِنُصْػػػػػػػػػػػػػػػػرَتِهَا إِذَا دَم ػػػػػػػػػػػػػػػػاؾَ ذِيػػػػػػػػػػػػػػػػبُ تػَوَق ػػػػػػػػػي الػػػػػػػػػد اءَ خَيػْػػػػػػػػرٌ مِػػػػػػػػنْ تَصَػػػػػػػػد لأَيْسَػػػػػػػػػػرِهِ وَإَفْ قػَػػػػػػػػػػرُبَ الط بِيػػػػػػػػػػبُ (ٔ) يشبو الشاعر نفسو بالذئب الذي يتغلب على بؾموعة من الأسود, ويقصد بالأسود ىنا الشعراء , فيرفع الشاعر قدر الذئب على الأسود, ومن ابؼعروؼ أفَّ الأسد أقوى من الذئب, إلا أفَّ الشاعر بىتار أف يتصف بالذئب , وىذا فيو تهديد وتوعد بؽم, ورفع بؼنزلتو بين الشعراء , فتشبيهو لنفسو بالذئب يتحدى بؾموعة من الأسود فيها كثير م ن الاحتقار والسخرية ّٔم وبشعرىم , ولعل السبب في اختيار الشاعر في تشبيهو نفسو بالذئب أفَّ الأسد تغلب عليو القوة والشجاعة والإقداـ, أما الذئب فمعروؼ بالدىاء وابؼكر وابػديعة مع القوة إذا اضطر لذلك, وفي كثير من الأحياف تتغلب ابغيلة وابػديعة على القوة والشجاعة في أمور كثيرة , لذا فضَّل الشاعر الذئب على الأسد. و من ابغيوانات ابؼتوحشة في البيئة العربية : الفهد الذي ضُرب بو ابؼثل في ثق ل الرأس فقالوا: ( أَثػْقَلُ رَأْسً ا مِنَ الفَهْدِ ) كأنهَّم أرادوا نومو لأنهم ق الوا: أنوـ من الفهد (ٕ), وقالوا: (أَكْسَبُ مِنْ فَهد ) وذلك أفَّ الفهود ابؽرمة التي تعجز عن الصيد لأنفُسِها بذتمع على فهدٍ فتيٍّ فيصيدُ بؽا في كلّْ يوـ شِبَعها (ٖ), و:(أَنػْوَـُ مِنَ الفَهْدِ ) لأفَّ الفهد أنوـ ابػلق وليس شيءٌ في جسم الفهد -أي في حجم الفهد- إلاَّ والفهدُ أثقلُ منو وأحْطَم لظهر الدابة(ٗ). وفي الشعر يقوؿ الراجز : (الرَّجز) لَػػػػػػػػػػػػػيْسَ بِنػَػػػػػػػػػػػػػو اـٍ كَنػَػػػػػػػػػػػػػوْـِ الفَهْػػػػػػػػػػػػػدِ وَلاَ بِأَك ػػػػػػػػػػػػػػػاؿٍ كَأَكْػػػػػػػػػػػػػػػلِ العَبْػػػػػػػػػػػػػػػدِ (٘) يصف الشاعر ابؼمدوح بأنو قليل النوـ , وينفي عنو أف يغلبو النوـ ويناـ كنوـ الفهد , لأفَّ الفهد عُرؼ بكثرة نومو حتَّ وُصف بذلك, فالشاعر يذكر الفهد في تشبيهو لأنو يعلم ىذه الصفة فيو أكثر من غيره من ابغيوانات في البادية , فالشاعر يريد أف يُثبت صفة بضيدة في (ٔ) ديوانو, جػٔ,:ٙٚٔ. (ٕ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٔ,:ٜٕٚ. (ٖ) المصدر السابق, جػٖ,: ٕٚ. (ٗ) المصدر السابق, جػٖ,:ٔٔٗ. (٘) ثمار القلوب, مرجع سابق ,:ٔٓٗ.

عدد الصفحات ٩٥

96 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابؼمدوح , وىي صفة القوة والشجاعة, ثم ينفي صفة أخرى وىي صفة النوـ ابؼعروفة في الفهد , فقد اختار لصورتو التشبيهية حيوانً ا عُ رؼ بالشجاعة والقوة وشدة النوـ , فأراد أف يُثبت الصفة ابغسنة وينفي السيئة ّٔذه الصورة , ثم بيتدحو بقلة الأكل وبأنَّو لا يأكل كأكل العبد, فالعبد لكثرة أعمالو التي يكلف ّٔا , ولكثرة حركتو يُصاب بابعوع الشديد, فإذا أكل أكثر من الطعاـ فكاف أكلو بنهمٍ شديدٍ , لذا نفى الشاعر ىذه الصفة عنو , فهو سريع اليقظة سريع ابغركة خفيف النوـ. كما أفَّ ىناؾ حيوانات زاحفة تواجدت في البيئة العربية مثل: ابغية التي تكثر في ابغاضرة والبادية, وقد ألف العرب رؤيتها , واستفاد من بظها وجلدىا , وعرؼ صفاتها وخصائصها فضرب ابؼثل ّٔا , فقاؿ: (أَرْوَى مِنْ حَيَّةٍ ) لأنهَّا تكوف في القفار فلب تشرب ابؼاء ولا تريده(ٔ), و:(أَطْوَؿُ ذَمَاءً من الأَفػْعَى ) وذلك أفَّ الأفعى تُذبح فتبقى أيامً ا تتحرَّؾ(ٕ), وقاؿ أيضاً :(أَظْلَمُ مِنْ حَيَّةٍ ) وذلك لأنهَّا بذيء إلى جُحر غيرىا فتدخلو وتغلبُو عليو(ٖ), و:(رَمَاهُ اللهُ بِأَفػْعَى حَارَية) و ابغارية : ىي التي نقص جسمها من الكِبرَ , يقاؿ : إفَّ الأفعى ابغارية لا تُبقي لديغها بل تقتلو من ساعتها(ٗ), و:(أَعْمَ رُ مِنْ حَيَّةٍ ) لأنهَّا لا بسوت حتَّ تُقتل , وزعموا أنها تكبر ثم تصغُر فلب تزاؿ كذلك حتَّ تُصاب فتموت(٘). وقد ورد ذِكر ابغية في الشعر كثيرً ا, كنوع من التخويف أو التهويل وغيره , بؼا للحية من رعب في قلوب الناس منذ القدـ , كقوؿ بشَّار بن برد(ٙ) واصفً ا قوافي شعره كأنياب الأفاعي: (الطويل) تَػػػػػػزِؿُّ القَػػػػػػوَافِي عَػػػػػػنْ لِسَػػػػػػانِي كَأَنػ هَػػػػػػا حُمَػػػػػاتُ الأَفَػػػػػاعِي رِيقُهُػػػػػن قَضَػػػػػاءُ (ٚ) (ٔ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٗٚ. (ٕ) المصدر السابق, جػٕ,:ٜٕٚ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,:ٖٖٔ. (ٗ) المصدر السابق, جػٕ,:ٕٙ. (٘) جمهرة الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:٘ٙ. (ٙ) بشار بن برد مولى لبني عقيل, ويقاؿ لبني سدوس, ويكنى أبا معاذ, ويلقب المر عث. والمرعث: الذي جعل في أذنيو الرعاث, وىي القرطة, وىو من أشعر المحدثين. (انظر: الشعر والشعراء, جػٕ,:ٚ٘ٚ). (ٚ) ديوانو,تحقيق وتكملة: محمد الطاىر عاشور,جػٔ,(القاىرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ,ٜٓ٘ٔ- ٜٙٙٔ),:ٙٚٔ.

عدد الصفحات ٩٦