65 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وىذه الرؤيا التي رآىا إبراىيم عليو السلبـ كانت ابتلبءً عظيمً ا من الله عز وجل , بىتبر فيو طاعتو وامتثالو لأمر الله عز وجل , فما كاف منو عليو السلبـ إلا أف سلَّم لأمر الله وأذعن طاعةً لو, وقد برىن إبظاعيل عليو السلبـ بامتثالو لأمر الله أولاً ثمَّ طاعة أبيو على قوة إبيانو وصبره, فما كاف إلاَّ أف فداه الله عزَّ وجلَّ بذِبحٍ عظيم , و كاف ىذا الذّْبح "جزا ءً بؼا مضى من طاعة إبراىيم ورضا إبظ اعيل وسنَّةً بؼا سيأتِ, سنَّة في ذرية إبراىيم استنَّ ّٔا بؿمدٌ ,فنحر يوـ العيد وىو اليوـ الثاني بعد الوقوؼ في عرفة من أياـ ابغج , وعُرؼ بيوـ النحر(ٔ), وىكذا كاف الكبش رمزً ا بغقيقة الإبياف, وبصاؿ الطاعة, وعظمة التَّسليم"(ٕ). وقد يكوف ابغيواف معجزة من الله لأحد أنبيائو كما في قولو تعالى : {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاىُمْ صَالِحً ا قَاؿَ يَا قػَوْـِ اعْبُدُواْ اللّوَ مَا لَكُم م نْ إِلَػوٍ غَيػْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بػَيػ نَةٌ م ن ر ب كُمْ ىَػذِهِ نَاقَةُ اللّوِ لَكُمْ آيَةً فَذَ رُوىَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّوِ وَلاَ تَمَسُّوىَا بِسُوَءٍ فػَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بػَعْدِ عَادٍ وَبػَو أَكُمْ فِي الأَرْضِ تػَت خِذُوفَ مِن سُهُولِهَا قُصُورً ا وَتػَنْحِتُوفَ الْجِبَاؿَ بػُيُوتً ا فَاذْكُرُ واْ آلاء اللّوِ وَلاَ تػَعْثػَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . قَاؿَ الْمَلأُ ال ذِينَ اسْتَكْبػَرُواْ مِن قػَوْمِوِ لِل ذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنػْهُمْ أَتػَعْلَمُوفَ أَف صَالِحً ا مُّرْسَلٌ م ن ر ب وِ قَالُواْ إِن ا بِمَا أُرْسِلَ بِوِ مُؤْمِنُ وفَ . قَاؿَ ال ذِينَ اسْتَكْبػَرُواْ إِن ا بِال ذِيَ آمَنتُمْ بِوِ كَافِرُوفَ . فػَعَقَرُواْ الن اقَةَ وَعَتػَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَب هِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِف كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَأَخَذَتػْهُمُ الر جْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِىِمْ جَاثِمِينَ . فػَتػَوَل ى عَنػْهُمْ وَقَاؿَ يَا قػَوْـِ لَقَدْ أَبػْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَب ي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لا تُحِبُّوفَ الن اصِحِينَ .} (ٖ) فقد بعث الله صابغً ا إلى بشود , يدعوىم إلى توحيد الله و إفراده بالعبادة , فقالوا: "يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُو ا قػَبْلَ ىَػذَا"(ٗ)...الآية, وظلَّ صافٌ يدعوىم فلم يتبعو منهم إلا قليلٌ مستضعفوف, فلما أفٌَّ عليهم بالدعاء والتحذير والتخويف سألوه فقالوا: يا صافٌ اخرج معنا إلى عيدنا -وكاف بؽم عيد بىرجوف إليو بأصنامهم - فأرِنَا آيةً فتدعو إبؽك فإف استُجيب لك اتبعناؾ, وإف استجيب لنا اتبعتنا. (ٔ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق , :ٛٔٗ. (ٕ) في ظلاؿ القرآف, سيد قطب, جػٚ, طٔ,(دار إحياء التراث,ٕٜ٘ٔـ),:ٙٙ. (ٖ) سورة الأعراؼ, الآيات:ٖٚ-ٜٚ. (ٗ) سورة ىود, الآية: ٕٙ.
عدد الصفحات ٦٥66 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأخذ عليهم ابؼواثيق بذلك, وأتى الصخرة وصلَّى ودعا ربو عز وجل, فانفجرت وخرجت من وسطها الناقة كما طلبوا , وىم ينظروف, فآمن بو سيد قومو, وابظو جندع بن عمرو , ورىطٌ من قومو , فلما خرجت الناقة قاؿ بؽم صافٌ : {ىَذِهِ نَاقَةٌ ل هَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يػَوْـٍ م عْلُوـٍ }(ٔ), ثم أوحى الله إلى صافٌ أفَّ قومك سيعقروف النَّ اقة, فأتتهم صيحةٌ من السماء فتقطعت قلؤّم فهلكوا(ٕ). فهذه الناقة ليست كأي ناقة , بل ىي ناقةٌ عظيمةٌ خرجت من صخرة صمَّاء, وىي آية من أعظم آيات الله, وىي معجزة خارقة لقوـ صافٌ ليؤمنوا بالله عز وجل . لقد كاف ذكر الله للناقة في القرآف برذيرً ا للمشركين حين طلبوا من الرسوؿ أف يأتيهم بابؼعجزات , فطلبوا منو أف بووؿ بؽم "الصفا" ذىبً ا, فحذرىم رسوؿ الله من مطالبهم ىذه, لأفَّ الرسل السابقين كانوا يأتوف قومهم بابؼعجزات فيكذبوا ّٔا فيعذّٔم الله على تكذيبهم, "فكاف ذكرىا بيانً ا لعدـ استحباب طلب الآيات من الله عز وجل "(ٖ). والسبب الآخر لذكر الناقة في القرآف , وىو السبب الأىم "ىو الدعوة إلى الإبياف بالله واحدً ا أحدً ا حيث استطاع -سبحانو- أف يرسلها إليهم من غير وساطة , ومن غير أسبابٍ معتادة, وىم يعرفوف أفَّ النوؽ تأتِ من النوؽ, لكن ىذه لم تلدىا ناقة, وإبمَّ ا وجدت أمامهم بغير الأسباب ابؼعتادة, فهي خارقة معجزة , بل ىي آية من عند الله, لكنهم لم يصدقوا بتلك الآية"(ٗ) فاستحقوا العذاب الأليم . وقد يذكر القرآف حيوانً ا أو حشرة صغيرة ضئيلة بغكمة معينة أرادىا الله عز وجل , ومن ىذه ابغشرات النملة في قصة سليماف عليو السلبـ في قولو تعالى : {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَافَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِن وَالإِْنسِ وَالط يْرِ فػَهُمْ يُوزَعُوفَ . حَ ت ى إِذَا أَتػَوْا عَلَى وَادِي الن مْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيػُّهَا الن مْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَن كُمْ سُلَيْمَافُ وَجُنُودُهُ وَىُمْ لاَ يَ شْعُرُوفَ . فػَتَبَس مَ ضَاحِكً ا (ٔ) سورة الشعراء, الآية: ٘٘ٔ. (ٕ) قصص الأنبياء, إسماعيل بن كثير القرشي, تحقيق ومراجعة: الشيخ خليل الميس, (بيروت- لبناف: دار القلم),:٘ٔٔ-ٕٚٔ. (ٖ) المرجع السابق ,: ٖٖٛ. (ٗ) المرجع السابق : ٖٖٚ-ٖٖٛ.
عدد الصفحات ٦٦67 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ م ن قػَوْلِهَا وَقَاؿَ رَب أَوْزِعْنِي أَفْ أَشْكُرَ نِعْمَ تَكَ ال تِي أَنػْعَمْتَ عَلَي وَعَلَى وَالِدَي وَأَفْ أَعْمَلَ صَالِحً ا تػَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِؾَ الص الِحِينَ }(ٔ) بىبر تعالى عن عبده ونبيّْو وابن نبيّْو سليماف بن داود عليهما الصلبة والسلبـ, أنَّو ركب يومً ا في جيشو و بصيعو من ابعنّْ والإنس والطير, فابعن والإنس يسيروف معو, والطير سائرة معو تظلُّو بأجنحتها من ابغرّْ وغيره , {حَت ى إِذَا أَتػَوْا عَلَى وَادِي الن مْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيػُّهَا الن مْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَن كُمْ سُلَيْمَافُ وَجُنُودُ هُ وَىُمْ لاَ يَشْعُرُوفَ } فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليماف وجنوده بعدـ الشعور . لقد ذكر الله عز وجل النملة في الآية الكربية ليبين أنهَّا أمَّةٌ من الأمم التي خلقها الله عز وجل لعبادتو , فابغيوانات والطيور وابغشرات أممٌ أمثالنا, {وَ مَا مِن دَآب ةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْوِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}(ٕ). ثم إفَّ الله عز وجل أراد أف يضرب لنا مثلبً لكل أمةٍ من الأمم التي سخرىا لسليماف , وىذا من ابؼلك الذي آتاه الله عز وجل لسليماف , كما أف الله عز وجل علمو منطق الطير وابغشرات , كما أراد أف يوضح لنا مدى ربضة ىذه النملة وشفقتها ببنات جنسها , فقد نبهتهنَّ إلى ما بيكن أف بودث حتَّ بوذرنو وينجين بأنفسهن من ابؽلبؾ , فالربضة ليست في بنِ البشر فحسب, بل في ابغيوانات والطيور وابغشرات , وإذا كانت ىذه الربضة موجودة في الكائنات فكيف بربضة أرحم الر ابضين! قاؿ رسوؿ الله ":إف للِ مائةَ رحمةٍ أنزؿ منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنسِ والبهائمِ والهوَاـِ فبها يتعاطفوف , وبها يتراحموف, وبها تعطِف الوُحوش على ولَ دِىا, وأخ ر الل تسعً ا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوـَ القيامة"(ٖ) وكما كاف سليماف عليو السلبـ يسمع لغة ابغشرات ويفهمها فقد كاف أيضً ا يتحدث إلى الطير كما فعل مع ابؽدىد في قولو تعالى : {وَتػَفَق دَ الط يػْرَ فػَقَاؿَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْىُدَ أَـْ كَافَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لأَُعَذ بػَن وُ عَذَابً ا شَدِيدً ا أَوْ لأََذْبَحَن وُ أَوْ لَيَأْتِيػَن ي بِسُلْطَافٍ مُّبِينٍ . فَمَكَثَ غَيػْرَ بَعِيدٍ فػَقَاؿَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِوِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِن ي وَجَدتُّ امْرَأَةً (ٔ) سورة النمل, الآيات:ٚٔ-ٜٔ. (ٕ) سورة الأنعاـ, الآية:ٖٛ. (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٖ,:ٕٛٓٔ.
عدد الصفحات ٦٧68 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَ جَدتػُّهَا وَقػَوْمَهَا يَسْجُدُوفَ لِلش مْسِ مِن دُوفِ الل وِ وَزَي نَ لَهُمُ الش يْطَافُ أَعْمَالَهُمْ فَصَد ىُمْ عَنِ الس بِيلِ فػَهُمْ لاَ يػَهْتَدُوفَ . أَلا يَسْجُدُوا لِل وِ ال ذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي الس مَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَيػَعْلَمُ مَا تُخْفُوفَ وَمَا تػُعْلِنُوفَ . الل وُ لاَ إِلَوَ إِلا ىُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . قَاؿَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَـْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . اذْىَب ب كِتَابِي ىَذَا فَأَلْقِوْ إِلَيْهِمْ ثُم تػَوَؿ عَنػْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يػَرْجِعُوفَ . قَالَتْ يَ ا أَيػُّهَا المَلأَُ إِن ي أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِن وُ مِن سُلَيْمَافَ وَإِن وُ بِسْمِ الل وِ الر حْمَنِ الر حِيمِ . أَلا تػَعْلُوا عَلَي وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَتْ يَا أَيػُّهَا المَلأَُ أَفػْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَ مْرً ا حَت ى تَشْهَدُوفِ . قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قػُو ةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ . قَالَتْ إِف الْمُلُوؾَ إِذَا دَخَلُوا قػَرْيَةً أَفْسَدُوىَا وَجَعَلُوا أَعِز ةَ أَىْلِهَا أَذِل ةً وَكَذَلِكَ يػَفْعَلُ وفَ . وَإِن ي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِي ةٍ فػَنَاظِرَةٌ بِمَ يػَرْجِعُ الْمُرْسَلُوفَ . فػَلَم ا جَاء سُلَيْمَافَ قَاؿَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَاؿٍ فَمَا آتَانِيَ الل وُ خَيػْرٌ م م ا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِي تِكُمْ تػَفْرَحُوفَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فػَلَنَ أْتِيػَنػ هُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنػ هُم م نػْهَا أَذِل ةً وَىُمْ صَاغِرُوفَ }(ٔ) يذكر الله عز وجل لنا في ىذه السورة نوعً ا من الطيور وىو ابؽدىد, وذكر من ابغشرات النمل, وذكر من الإنس بلقيس, كما ذكر ابعافَّ في قولو: "قَاؿَ عِ فْريتٌ م نَ الْجِن أَنَا آتِيكَ بِوِ ",كل ذلك لبياف عظم ما آتاه الله لسليماف من ابؼلك, حيث دعا الله عز وجل أف يؤتيو ملكً ا لا ينبغي لأحدٍ من العابؼين, فكاف لو ذلك. ثم ذكر عز وجل ما دار بين سليماف والنملة من حديث , ثم ما دار بين سليماف وابؽدىد, ليقر قضية مهمة, وىي مبدأ قضية ابغوار مع من كاف أقل مكانةً وأقل أبنيةً , فابؽدىد طائر لا يعقل كما يعقل الإنساف , ومع ىذا كلو فقد بردث معو سليماف عليو السلبـ واستجوبو وبظع منو ثم أرسلو , وىذا من ىدي الأنبياء عليهم السلبـ, لذا أراد الله عز وجل من ابؼؤمنين أف يقتدوا ّٔم في طريقتهم في ابغوار مع غيرىم لكسب قلؤّم ودعوتهم إلى الدين , فابغوار "يوقظ العواطف والانفعالات بفا يساعد على تربيتها وتوجيهها بكو ابؼثل الأعلى ,كما أفَّ لو نتائج سلوكية طيبة , وكل ىذا من أغراض التربية ابغقَّة"(ٔ) (ٔ) سورة النمل, الآيات:ٕٓ-ٖٚ. (ٔ) حوار أـ جدؿ؟, عادؿ نور الدين, طٔ, (مكتبة الرشد, ٕٚٗٔىػ):ٙٔ.
عدد الصفحات ٦٨69 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحقيقة أخرى وىي : "إفَّ ىذه الأ مم –أمة الطير وابغيواف وابغشرات– تعرؼ الله حق قدره وتؤمن بأنَّو ابؼستحق للعبادة, ويظهر ذلك في قصة ابؽدىد الذي جاء لسليماف -عليو السلبـ- من سبأ بنبأٍ يقين, وأعلمو أنو وجد في سبأ ملكة وقومها يسجدوف للشمس من دوف الله, واستغرب ابؽدىد من ىذه العبادة الباطلة وعللها بأنه ا من عمل الشيطاف, حيث قاؿ: "وَزَي نَ لَهُمُ الش يْطَافُ أَعْمَالَهُمْ فَصَد ىُمْ عَنِ الس بِيلِ فػَهُمْ لاَ يػَهْتَدُوفَ "(ٕ) الأمر الآخر أفَّ ذِكرَ الله عز وجل للهدىد في القرآف "كشف لنا تلك ابغقيقة: وىي حقيقة أفَّ لكل أمَّةٍ لغة ووسائل للتفاىم في ما بينها , وإف كنَّا بقهلها بكن البشر فلؤفَّ الله سبحانو جعل بيننا وبين تلك الأمم حواجز, والدليل على أفَّ التفاىم قائم واللغة قائمة بين أفراد تلك الأمم ىو أفَّ الله سبحانو حين علَّم سليماف منطق الطير فأزاؿ ما بينو وبين تلك الأنواع من حواجز , فهم سليماف وأدرؾ منطق تلك الأفراد "(ٖ) كما يتضح من حديث ابؽدىد مع سليماف أنَّو قد قاـ بدهمة استكشافية عر ؼ من خلببؽا بفلكة سبأ, التي بركمها امرأة , ثم قاـ بعدىا بدور السفير وابؼوفد السياسي من سليماف عليو السلبـ إلى بفلكة سبأ, فهذا الطير لعب دورً ا عسكريِّ ا مهمِّ ا أدَّى إلى ىداية بفلكة سبأ. "إلا أفَّ ابغقيقة التي أراد السياؽ القرآني أف يكشفها لنا من خلبؿ قصة ابؽدىد مع سليماف لا تدخل في الإعجاز, وإبما تبقى حقيقة جارية ثابتة بعد أف ثبتها القرآف , وىي: أف ىذه الأنواع أو ىذه الأمم توحد الله وتسبحو دوف جحود أو عصياف أو بسرد كما يفعل الإنساف, وبفا يؤيد ىذه ابغقيقة ىي قوؿ الله عز وجل : {تُسَب حُ لَوُ الس مَاوَاتُ الس بْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِن وَإِف م ن شَيْءٍ إِلا يُسَب حُ بِحَمْدَهِ وَلَػكِن لا تػَفْقَهُوفَ تَسْبِيحَهُمْ إِن وُ كَافَ حَلِيمً ا غَفُورً ا}(ٔ)"(ٕ), "فهذا طيرٌ غيرَّ بؾرى حياة بفلكة سبأ حيث أتى بخبرىم إلى سليماف فكشفهم لو, فدعاىم إلى عبادة الله فأسلموا"(ٖ). (ٕ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٖٗٚ. (ٖ) المرجع السابق ,:ٖٖٚ. (ٔ) سورة الإسراء, الآية: ٗٗ. (ٕ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٖ٘ٚ. (ٖ) المرجع السابق ,:ٕٖٚ.
عدد الصفحات ٦٩71 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولم يكن ابؽدىد وحده سببً ا في توحيد العبادة لله عز وجل , بل كانت ابغية معجزة أيَّد الله ّٔا موسى عليو السلبـ ليؤمن فرعوف وقومو بالله عز وجل ك ما ورد في قولو تعالى : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَاؿَ ىِيَ عَصَايَ أَتػَوَك أُ عَلَيػْهَا وَأَىُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى . قَاؿَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى . فَأَلْقَاىَا فَإِذَا ىِيَ حَي ةٌ تَسْعَى . قَاؿَ خُذْىَا وَلاَ تَخَ فْ سَنُعِيدُىَا سِيرَتػَهَا الأُْولَى }(ٗ), وىذا خارؽ عظيم وبرىاف قاطع على أفَّ الذي يكلمو ىو الذي يقوؿ للشيء كن فيكوف , وأنَّو الفعاؿ بالاختيار. وقد قاؿ الله تعالى في الآية الأخرى : {وَأَفْ أَلْقِ عَصَاؾَ فػَلَم ا رَآىَا تػَهْتػَزُّ كَأَنػ هَا جَاف وَل ى مُدْبِرً ا وَلَمْ يػُعَق بْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِن كَ مِنَ الآْمِنِين }(٘) أي: قد صارت حية عظيمة بؽا ضخامة ىائلة , وأنيابٌ تصكُّ ,وىي مع ذلك في سرعة حركة ابعاف , وىو ضرب من ابغيَّات, يقاؿ لو : ابعاف وابعناف , وىو لطيف ولكن سريع الاضطراب وابغركة جدِّ ا, فهذه بصعت الضخامة والسرعة الشديدة , فلما عاينها موسى عليو السلبـ:" وَل ى مُدْبِراً " أي: ىاربً ا منها, لأفَّ طبيعتو البشرية تقتضي ذلك, "وَلَمْ يػُعَق بْ " أي: ولم يلتفت . فناداه ربو قائلبً لو: "يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِن كَ مِنَ الآْمِنِينَ " فلمَّا رجع أمره الله تعالى أف بيسكها: "قَاؿَ خُذْىَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُىَا سِيرَتػَهَا الأُْولَى "فيقاؿ: إنَّو تهيَّب منها تهيُّبً ا شديدً ا, فوضع يده في كمّْ مدرعتو , ثم وضع يده في وسط فمها, وعند أىل الكتاب: أمسك بذنبها فلما استمكن منها إذا ىي قد عادت كم ا كانت عصا ذات شعبتين , فسبحاف القدير العظيم رب ابؼشرقين وابؼغربين !(ٙ) ويبدو أفَّ في اختيار الله عز وجل للحية أمرين: الأوؿ: أفَّ ابغيَّة ىي من الزواحف التي تظهر بشكل دائم في البيئات الصحراوية , وقد أَلِفَ الناس رؤيتها أكثر من غيرىا من الزواحف, لذا كاف اختيار الله عز وجل برويل العصا إلى حية من ىذا الباب. (ٗ) سورة طو, الآيات:ٚٔ-ٕٔ. (٘) سورة القصص, الآية:ٖٔ. (ٙ) قصص الأنبياء, مرجع سابق , :ٖٔٔ-ٖٗٔ.
عدد الصفحات ٧٠71 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأمر الثاني: أفَّ ابغية تُستخدـ كثيرً ا من قبل السحرة لتخويف الناس , وقوـ موسى اشتهروا ببراعتهم في السحر, فأراد الله عز وجل أف يتحداىم بِنس ما برعوا فيو . ومن أضخم ابغيوانات التي ذكرىا الله في القر آف الكرنً الفيل في قصة أبرىة , يقوؿ الله عز وجل : {أَلَمْ تػَرَ كَيْفَ فػَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَىُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيػْرً ا أَبَابِيلَ . تػَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ م ن سِج يلٍ . فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ م أْكُوؿٍ .}(ٔ) "لقد احتوت ىذه السورة القصيرة على خارقتين وقعت ا للحيواف, خارقة الطير الأبابيل , وخارقة فيل أبرىة , حيث جرت ىاتين ابػارقتين في قصةٍ واحدةٍ , وقد حدثت ىذه القصة عاـ مولد النبي ,فسُمي ذلك العاـ بعاـ الفيل إشارة إلى تلك ابػارقة التي حدثت فيو وىي خارقة فيل أبرىة "(ٕ) "وأصحاب الفيل ىم أبرىة والنظاـ ابغاكم , ونسبهم -سبحانو- إلى الفيل والبشر أعظم من ابغيواف, لأفَّ الفيل في حابؽم تلك كاف أعلى مرتبةً منهم كبشر, ىذا من ناحية, ومن ناحية أخرى أفَّ الفيل كاف ىو قائدىم ومناط آمابؽم وبؿط أنظارىم فنسبهم بصيعً ا إليو فقاؿ - سبحانو-"بأَصْحَابِ الْفِيلِ "(ٖ) وقد ذكر الله عز وجل في كتابو حادثة الفيل تسليةً للرسوؿ عمَّا يلبقيو من ظلم كفار قريش , فالله سبحانو يذكّْر رسولو بذلك ابعيش العظيم الذي جرَّ معو أعظم ابغيوانات خلقةً وىو الفيل , لتخويف قريش وكل من يقف في طريقها , فماذا كاف مصيره حين عصى الله وبرداه؟ فالله سبحانو يطمئن رسولو ويذكره بقدرتو على البطش بأعدائو , ولا شيء أىوف عليو من ذلك, كما أفَّ الله عز وجل أراد من ذكر الفيل أف بىوؼ قريش ويرعبهم ويرىبهم, وأف يذكرىم بعظم قدرة الله عز وجل في القضاء على أعدائو , فأبرىة وجيشو صحبوا معهم (ٔ) سورة الفيل, الآيات:ٔ-٘. (ٕ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٖٛٛ. (ٖ) المرجع السابق ,:ٜٖٚ.
عدد الصفحات ٧١72 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفيل بؽدـ الكعبة وعلى الرغم من قوتو وضخامتو وما أوتِ من تدريب , انشلَّ وعجز وبرؾ أماـ قدرة الله , فإذا وجهوه إلى ابغرـ رفض , وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من ابعهات ىروؿ . فأرسل الله عليهم طيرً ا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل , وكأفَّ الله سبحانو اختار الطير دوف غيره لإذلابؽم وإىانتهم, فالطير أصغر من الفيل بأضعاؼ مضاعفة, إلا أفَّ جيش أبرىة وقف عاجزاً عن ابؽرب منهم أو النجاة, فالله أراد السخرية منهم وإذلابؽم , بالإضافة إلى أفَّ الله سبحانو صوَّر بؽم قدرتو على تدمير أعدائو العصاة بأصغر جند من جنوده(ٔ). بفا سبق يتضح أفَّ للحيواف أبنية عند بصيع الشعوب على اختلبؼ مذاىبهم وعقائدىم على امتداد التاريخ وتعاقب الأجياؿ , فكانوا بورصوف على اقتنائو ويدفعوف عنو كل من يعتدي عليو من إنساف أو حيواف مفترس, وربدا نشبت ابغروب أحيانً ا بينهم بسبب حيواف. وقد تبرز أبنية ابغيواف في تعلقهم بو واعتقادىم فيو, فقد ظلت ىذه ابؼعتقدات قائمة حتَّ ظهور الإسلبـ, فظلَّ في صراع معها حتَّ نصره الله عليها وأبطل كل ذلك. (ٔ) المرجع السابق ,:ٕٓٗ.
عدد الصفحات ٧٢73 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبحث الثاني الت شبِ يوُ بالحيوافِ في الأَ دبِ والش عرِ العَ رَ بي
عدد الصفحات ٧٣74 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في ىذا الفصل إبرازٌ لظاىرةٍ مهمةٍ من ظواىر ابغضارة العربية ابؼتأصّْلة في العرب منذ أقدـ العصور, وىو الكشف عن مدى اىتمامهم بتسجيل حركات ابغيواف وسكناتو وطبائعو بأجلى صورة وأبل قوؿ . أما عن أمثابؽم السائرة فنجدىا جامعةً لكلّْ صفات ابغيواف وطبائعو, وقد أُطلقت ىذه الأمثاؿ على فئةٍ من الناس اتفقوا في صفاتهم مع صفات ىذه ابغيوانات , وقد تكوف ىذه الصفات إمَّا بضِيدةً أو سيّْئةً مذمُومةً (ٔ). وقد نَظَم العرب من الأشعار في ابغيواف أكثر بفا نَظَمو أيُّ شعبٍ آخر , فقلَّما بقد قصيدةً مهما كاف موضوعها وليس للحيواف ذكرٌ فيها(ٕ). فما من شاعرٍ عربٍّ إلاَّ وللحيواف أثرٌ مهمٌ في شعره, ولكنهم متفاوتوف في ىذا ابؼضمار, فمنهم من يأتِ على ذكره عرضً ا عندما يشبّْو الشجاع بالأسد , وابؼاكر بالثعلب , والغادة ابغسناء بالظبية. إلى غير ذلك من التَّشبيهات الشائعة عندىم, ومنهم من وُلِع بالصيد فذكر في طرديَّاتو: ابػيل والكلبب والفهود, وجوارح الطير , وما تصيده ىذه السباع من ابغيوانات (ٖ). وفي ذلك يقوؿ ابعاحظ: "وقلَّ معن بظعناه في باب معرفة ابغيواف من الفلبسفة, وقرأناه في كتب الأطباء وابؼتكلمين, إلاَّ وبكن وجدناه أو قريبً ا منو في أشعار العرب وفي معرفة أىل لغتنا وملتنا"(ٗ). فمنهم من وقف على الكثير من أصناؼ ابغيوانات الصغيرة وابعسيمة , الأليفة منها والوحشيَّة, وُقوؼ فاحصٍ متأمّْلٍ بوصي عليها حركاتها وأنفاسها , بل ولم يغفل البعض منهم عن كلّْ ما ىبَّ ودبَّ , أو طار في أجواء السماء, أو عاـ أو رَكَسَ في ابؼاء بفَّا ىو موجودٌ في بلبدىم, دارسً ا خصائصو وطبائعو(٘). (ٔ) الحيواف في الأدب العربي, شاكر ىادي شاكر,جػٔ,طٔ,(بيروت-لبناف: مكتبة النهضة العربية,٘ٓٗٔىػ),:ٛ. (ٕ) المرجع السابق ,:ٛ. (ٖ) المرجع السابق, جػٔ, :ٚ. (ٗ) الحيواف,مصدر سابق,جػٖ,:ٕٛٙ. (٘) الحيواف في الأدب العربي, مرجع سابق , :ٚ.
عدد الصفحات ٧٤75 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما نلمس من معاشرة الإنساف العربّْ للحيوانات عطفً ا منقطع النظير, حتَّ على ابؼفترس منها عندما يتعرض للجوع أو العطش , كقصة الفرزدؽ (ٔ) مع الذّْئب وىي معروضة عرضً ا رائعً ا في قصيدتو النُّونيَّة التي مطلعها: (الطويل) وَأَطْلَػػسَ (ٕ) عَس ػػاؿٍ (ٖ) ومَػػا كَػػافَ صَػػاحِبً ا دَعػػػػػػػػوتُ بِنَػػػػػػػػارِي مُوىِنًػػػػػػػػا فَأَتَانِيَػػػػػػػػا(ٗ) وأمثاؿ ىذه القصة كثيرةٌ , بقدىا في ثنايا الدواوين الشعريَّة. وسوؼ نتناوؿ في ىذا ابؼبحث بصلة من ابغيوانات ورد ذكرىا في أمثاؿ العرب ووردت كثيرً ا في قصصهم, ووصفها كثير من شعرائهم , وىذه ابغيوانات التي سنوردىا في ىذا ابؼبحث ىي عينها التي تناوبؽا ابغديث النبوي في تشبيهاتو. ولعل الإبل ىي أوؿ ىذه ابغيوانات, حيث كانت بؽا مكانةٌ عاليةٌ عند العرب, فهي من أغلى أموابؽم وأبشنها على الإطلبؽ, وخير دليلٍ على ذلك دفع الدّْ يَّات من الإبل إذ أنها بسثل شيئً ا نفيسً ا, فهي أغلى ما لديهم بعد الإنساف, لذا لم بهدوا ما يعدؿ قيمة ىذا الإنساف في حاؿ قتلو غير الإبل تُدفع لأىل ابؼقتوؿ دية بؽم, ففرحهم ّٔا بىفف حزنهم وآلامهم على فراؽ أحد أفرادىم . فقد كانت الإبل أكثر ابغيوانات ملبزمة للعربّْ , لذلك برع الشعراء في وصف أدؽّْ تفاصيلها واستمدوا تشبيهاتهم من واقع حياتهم وارتباطهم ّٔا , يقوؿ الدكتور شوقي ضيف : "...إذ نراىا تبتدئ عادةً بوصف الأطلبؿ وبكاء الدمن, ثم تنتقل إلى وصف رحلبت الشاعر في الصحراء , وحينئذ يصف ناقتو التي بسلؤ حسو ونفسو وصفً ا دقيقً ا فيو حذؽٌ ومهارة..."(٘). (ٔ) الفرزدؽ: ىماـ بن غالب بن صعصعة, بن ناجية, من شعراء العصر الأموي, أسن الفرزدؽ حتى قارب المائة, توفي سنةٓٔٔىػ, (انظر:معجم الأدباء, جػٙ,:ٕ٘ٛٚ). (ٕ) أطلس: ىو الذئب الذي في لونو غبرة إلى السواد. (انظر:مختار الصحاح, باب الطاء, مادة (ط ؿ س), :ٜٖ٘). (ٖ) عساؿ: يقاؿ:(عَسَلَ ) الذئب يػَعْسِلُ أي : أعْنَقَ وأسرَعَ . (انظر: مختار الصحاح,باب العين,مادة(ع س ؿ), :ٕٖٗ). (ٗ) ديوانو, شرحو : علي فاعور, طٔ, (دار الكتب العلمية,ٚٓٗٔىػ):ٕٛٙ. (٘) الفن ومذاىبو في الشعر, شوقي ضيف, طٔ, (مصر: دار المعارؼ),:ٛٔ.
عدد الصفحات ٧٥76 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولسمو فوائدىا, وضعها القرآف الكرنً نصب أعين العرب مرارً ا, يُشيد عن طريقها بنعم الله عليهم ويلفتهم إلى ما في خلقها وطبائعها من آيات تدعو إلى الاعتبار والتفكير, فخاطبهم بقولو: {أَفَلاَ يَنظُرُوفَ إِلَى الإِْ بِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }(ٔ). وقد أكثروا التمثيل ّٔا فقالوا: (ضَرَبوُ ضَرْبَ غَرَائِبِ الإِبِلِ ), يُضرَب مثلبً لشِدَّة الظُّلم, وغيره من ابؼكاره (ٕ), ومنو أيضً ا قوبؽم: (أَرْغُوا بؽَاَ حُوَارَىَا تَقِرُّ ) –وابغُوار بالضم ولد النَّاقة(ٖ)- وىو يُضرب مثلبً لإغاثة ابؼلهوؼ بقضاء حاجتو ليسكن, وأصلو أفَّ النَّاقة إذا بظعت رُغَاءَ حُوَارِىا سَكَنَت وىَدَأت (ٗ), ويقولوف: ( ىَذَا أمرٌ لا تػَبػْرُؾُ عليو الإبل ) يُضرب للؤمر العظيم الذي لا يُصبر عليو, وأصلو أفَّ الإبل إذا أنكرت الشيء نفرت منو فذىبت في الأرض , ولا بهمعها الراعي إلاَّ بتعبٍ (٘), وقيل أيضاً : (أَحقَدُ من بصََل)(ٙ), فابعمل معروؼٌ بابغقد , خاصةً في أيَّاـ الضّْراب, وأياـ الضّْراب ىي الأيَّاـ التي يُسار فيها ابتغاءَ الرّْزؽ(ٚ). والأمثلة الواردة في الإبل العربية كثيرة , أكثر من أف تُػحصى في ىذا ابؼبحث, وقد آثرنا أف نذكر أشهرىا وابؼتداوؿ منها على الألسنة . وقد كثُر ذكر الإبل في القَصَص, ومن ذلك أفَّ "رجلبً عائنً ا جلس يومً ا إلى بصاعة فمر ّٔم قطار بصاؿ, فقاؿ العائن: من أي بصلٍ تريدوف أف أطعمكم من بغمو؟ فأشاروا إلى أحسنها , فنظر إليو العائن فوقع ابعمل لساعتو, وكاف صاحب ابعمل حكيمً ا, فقاؿ: من ربط بصلي فليحلو, وليقل: بسم الله عظيم الشأف شديد البرىاف ما شاء الله كاف , حبس حابس من حجر يابس وشهاب قابس , اللهم إنيّْ رددت عين العائن عليو وفي أحبّْ الناس إليو , وفي كبده (ٔ) سورة الغاشية, الآية:ٚٔ. (ٕ) مجمع الأمثاؿ, أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراىيم الميداني, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراىيم, جػٕ, (طباعة عيسى البابي الحلبي وشركاه ):ٕٓٙ. (ٖ) مختار الصحاح, مصدر سابق, مادة (ح و ر),:ٔٙٔ. (ٗ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق,جػٕ, :ٖٖ. (٘) المصدر السابق, جػٗ, :ٜٚٗ. (ٙ) جمهرة الأمثاؿ, أبو ىلاؿ, الحسن بن عبد الل بن سهل العسكري, جػٔ, طٔ,(صيدا: بيروت, المكتبة العصرية, ٕٗٗٔىػ),:ٖٓٗ. (ٚ) مختار الصحاح, مصدر سابق, مادة (ض ر ب), :ٖٛٚ.
عدد الصفحات ٧٦77 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكليتو , بغمٌ رقيقٌ وعظمٌ دقيقٌ فيما لو يليق, فوقف ابعمل لساعتو كأف لم يكن بو بأس , وندرت عين العائن"(ٔ). فهذه القصة توضح خوؼ العرب على إبلو وبذلو كل ما في وسعو حتَّ لا يصيبها مكروه , لأنهَّا كانت بالنسبة لو عصب ابغياة. واحتلت الإبل مكانة كبيرة في شعر عرب ابعاىلية والإسلبـ , ولشدَّة عنايتهم ّٔا وبصفاتها وطباعها, لا تأخذنا الدىشة عندما نعلم أفَّ العرب أوؿ ما عمدوا إلى التَّأليف كاف أوؿ ما ألَّفوا فيو الإبل, فخصَّ اللغويوف الإبل بالرسائل اللغوية منذ وقت مبكر , مثل: كتاب الإبل لعبد ابؼلك بن قريب الأصمعي , وكتاب الإبل لأب عبيد القاسم بن سلبـ , وغيرىا. فصوروىا وربظوا بؽا لوحاتٍ فنية ناطقة , فهم يستحضروف دقائقها وبوصروف أطرافها ويستقصوف جوانبها ويصفوف أعضاءىا عضوً ا عضوً ا, فلم يتركوا عرقً ا ولا عصبً ا إلا وصفوه أدؽَّ وصف, فوصفوىا حسيِّ ا مرارً ا كثيرة, فربظوا لونها وشكلها وشبهوىا بالسفينة والدلو والسيف والسحابة والنخلة, وبردثوا عن لُغامها وصوتها ونشاطها وىزابؽا, ووصفوىا معنويِّ ا أحيانً ا نادرة في بـتلف أحوابؽا ومراحل بموّْىا وأماكن وجودىا في أطراؼ الليل وآناء النهار كأبمَّا يتغزلوف ّٔا, بردثوا عن عاطفتها وحنينها وشوقها وعتأّا , فعبروا عن إحساسها ومشاعرىا , وبردثوا عن علبقتهم ّٔا وموقفهم منها , وعانوا معها بفا تعاني وبفا تشكو , فسجَّلوا بذلك صورةً رائعةً صادقةً تنبع من أعماؽ النفس البشرية ويطاؿ ابػلجات العاطفية(ٕ). يقوؿ عُبيد بن الأبرص(ٖ) وىو يصوّْر ناقتو الشَّابة بعد كل تعب وكلل, وقد حنَّت وىاج شوقها وميضٌ بابغجاز بعد منتصف الليل فحنَّت إليو , فيلمس عُبيد شوؽ ناقتو برفق ولا يعنّْفها: (الطويل) وَحَن ػػتْ قػَلُوصِػػي بػَعْػػدَ وَىػػنٍ (ٗ) وىَاجَهػػا مَػػػػعَ الش ػػػػوؽِ يػَوْمًػػػػ ا بِالحِجَػػػػازِ وَمِػػػػيضُ (ٔ) حياة الحيواف الكبرى,مصدر سابق,جػٔ,:ٕٛٛ. (ٕ) الناقة في الشعر الجاىلي, مرجع سابق ,:ٖ٘-ٓٗ. (ٖ) عبيد بن الأبرص بن عوؼ بن جُشم, كاف شاعراً جاىلياً قديماً من المعمرين, شهد مقتل حُجر أبي امرئ القيس, قتلو النعماف بن المنذر يوـ بؤسو. (انظر: الشعر والشعراء, جػٔ, :ٕٚٙ). (ٗ) وىن: "الوَىْنُ والػمُوْىِنُ : نحوٌ من منتصف الليل". انظر: (لساف العرب,جػٖٔ,(باب النوف, فصل الواو),:٘٘ٗ).
عدد الصفحات ٧٧78 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فػَقُلْػػػػػػػتُ لَهَػػػػػػػا لا تَضْػػػػػػػجَرِي إِف مَنْػػػػػػػزِلاً نَػػػػػػػأَتْنِي(ٔ) بِػػػػػػػوِ ىِنْػػػػػػػدٌ إِلَػػػػػػػي بَغِػػػػػػػيضُ (ٕ) فابغجاز موطن (ىند), وىند حبيبة صروـ, والسبل إلى ابغجاز ضيّْقة وبغيضة إلى قلب عبيد, لكنَّ ابعاىلي يعلق بالأرض بحكم حياتو الرعوية يتشبث بالمحسوس وقلَّما يفارقو , إف علب عليو ظل بصره مشدودً ا إليو, وإف ابتعد عنو فلمسافة قريبة , وىو كذلك في علبقتو بحبيبتو وناقتو, وفي صوره وأخيلتو . ولعلَّ الناقة ىنا ترمز إلى عاطفة الشاعر التي ىيجها وميض ابغجاز, وأفَّ ىناؾ صراعً ا قد نشب بينهما وبين العقل, فهي لا تزاؿ عالقة بابغجاز وبديار الأحبة , والعقل يأبى الرضوخ والإذلاؿ بغبيبة صروـ(ٖ). ويشبو طرفة (ٗ) ناقتو عندما يضرّٔا بالسوط بقولو: (الطويل) أَحَلْػػػػتُ عَلَيػْهَػػػػا بِػػػػالقَطِيعِ (٘) فَأَجْػػػػذَمَتْ (ٙ) وَقَػػػػدْ خَػػػػب آؿُ (ٚ) الأَمْعَػػػػزِ (ٛ) المُتػَوَق ػػػػدِ (ٜ) فَذَالَتْ (ٔٓ) كَمَػا ذَالَػتْ وَلِيػدَةُ مَجْلِػسٍ (ٔٔ) تُػػػػػػػرِي رَبػ هَػػػػػػػا أَذْيَػػػػػػػاؿَ سَػػػػػػػحْلٍ مُمَػػػػػػػد دِ (ٕٔ) (ٔ) نأتػني بو: "الن أيُ : البُعد, والن أيُ : الػمُفارقة". انظر: (لساف العرب,جػ٘ٔ,(باب الياء, فصل النوف),:ٖٓٓ). (ٕ) ديوانو,تحقيق: حسين نصار,طٔ,(دار بيروت للطباعة والنشر,ٜٚ٘ٔـ),:ٛٛ-ٜٛ. (ٖ) انظر: كتاب الناقة في الشعر الجاىلي, :ٕٔٔ-ٕٕٔ, بتصرؼ. (ٗ) طرفة بن العبد بن أبي سفياف بن قيس بن ثعلبة, كاف في حسب من قومو جريئاً على ىجائهم وىجاء غيرىم, كاف أحدث الشعراء سنا وأقلهم عمراً , قُتل وىو ابن العشرين.(انظر: الشعر والشعراء, جػٔ,:٘ٛٔ-ٛٛٔ). (٘) القَطِيع: "السوط يقطع من جلد سيرٍ ويعمل بو". انظر: (لساف العرب,جػٛ,(باب العين, فصل القاؼ), :ٕٕٛ). (ٙ) أجْذَمَتْ : "الجَذْـُ : السُّرعة". انظر: (لساف العرب,جػٕٔ,(باب الميم, فصل الجيم),:ٚٛ). (ٚ) خب آؿُ : "الخَبَبُ : ضربٌ من العَدْوِ ". انظر: (لساف العرب,جػٔ,(باب الباء, فصل الخاء),:ٖٔٗ).؛ آؿُ : "الأَؿُّ : السُّرعةُ ". انظر: (لساف العرب,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الهمزة),:ٖٕ). (ٛ) الأَمْعَزِ : "الأَمْعَزُ : الأرض الغليظةُ ذات الحجارة. انظر: (لساف العرب,جػ٘,(باب الزاي, فصل الميم),:ٔٔٗ). (ٜ) الػمُتوَق د:"مُتػَوَق دٌ : سريع الت وقُّد في الن شاطِ والػمَضاءِ ". انظر:(لساف العرب,جػٖ,(باب الداؿ, فصل الواو), :ٙٙٗ). (ٔٓ) ذَالَتْ :"الذ أَلافُ : مشيٌ سريعٌ خفيفٌ في ميَسٍ وسرعةٍ ".انظر:(لساف العرب,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الذاؿ), :ٕٗ٘). (ٔٔ) وَلِيدَة: "الوَلِيدَة: الجَارِيَةُ والأمَةُ ". انظر: (لساف العرب,جػٖ,(باب الداؿ, فصل الواو),:ٛٙٗ). (ٕٔ) ديوانو,(دار بيروت للطباعة والنشر,ٜٜٖٔىػ),:ٜٕ.
عدد الصفحات ٧٨79 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقوؿ الشاعر: أنّو إذا ضرب ناقتو بالسوط, فإنها تسرع في السير على الأرض التي اختلطت تربتها بابغجارة وابغصى , وتبخترت كما تتبختر جارية صبيَّة أماـ سيدىا, فتريو ذيل ثؤّا الأبيض الطويل في رقصها , فطوؿ ذنب الناقة يشبو طوؿ ذيل ثوب الرَّاقصة, فالشاعر يشبو ناقتو بالمحبوبة. والسوط ىنا يرمز إلى القَدَرِ وقسوتو , وىذه الصَّبيَّة الفتيَّة التي تتبختر بِمابؽا وتتمايل رقصً ا وغنجً ا أماـ ربّْ البيت ما ىي إلا ىذه ابغياة ابعميلة التي تسحر ابؼرء بدفاتنها , فيصارع الدَّىر من أجلها ويستميت في الدفاع عنها ولا يفارقها إلا مرغمً ا(ٔ). ويلي الإبل في الأبنية حيواف اتصف بابعماؿ ابػلبَّب في خِلقتو وخُلقو , تغن العرب بو كثيرً ا, وأعجبوا بو فائو وبصيل خصالو, ذلك ىو ابػيل, الذي ىاـ العربُّ بو وعرؼ كثيرً ا من صفاتو وأوصافو, ولعل ذلك بسبب اىتمامو بو وقربو منو , فذكره كثيرً ا في أمثالو في مواطن الوفاء والنجدة والكرـ , فقاؿ: ( أَسْ رَعُ مِنْ فَرِيقِ ابػَيْلِ ) ويعنِ بو الفرس الذي يسابق فيسبق , فهو يفارؽ ابػيل وينفرد عنها (ٕ), و: (ابػَيْلُ أَعْلَمُ بِفُرْسَانهَِا) يعنِ أنهَّا قد اختَبػَرَتْ ركَّأّا فهي تعرؼ الكفء من غيره. ومعن ابؼثل: استعن بدن يعرؼ الأمر (ٖ), وأيضاً :(ابػَيْلُ بذَْرِي عَلَى مَسَاوِيهَا) أي: إف كاف ّٔا –يعنِ ابػيل- أوْصَابٌ أوعيوبٌ فإفَّ كرمه ا بوملها على ابعري, فكذلك ابغر الكرنً بومل ابؼؤَف وبومي الذّْمار, وإف كاف ضعيفً ا, ويستعمل الكرـ على كل حاؿ (ٗ). أما في الشعر, فإفَّ ابػيل من أىم ابغيوانات التي وصفها الشعراء على مر العصور, فقد نشأت بين العربّْ وحصانو علبقة تاربىيَّة مصيريَّة "فكانا صديقين وفيَّين يتقابظاف صروؼ ابغياة, ويتعرضاف لنفس ابؼخاطر , ويتذوقاف نفس النَّشوة في غمار ابؼعارؾ , وكانت النُّصرة والعزة بشرة لتعاونهما الوثيق وشجاعتهما وجلدبنا وبراعتهما "(٘). فلم تكن للخيل عند العربّْ ابؼكانة العظمى والاىتماـ الكبير , من أجل الزينة و التفاخر وحسب , بل كانت وسيلتو إلى العزَّة والنصر, فالعربُّ أبّّ بطبعو, بؿارب مقداـ بحكم ظروؼ (ٔ) انظر: كتاب الناقة في الشعر الجاىلي,:ٗٔٔ, بتصرؼ. (ٕ) مجمع الأمثاؿ, مصدر سابق, جػٕ,:ٖٗٔ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ, ٕٓٗ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ, ٕٓٗ. (٘) الحصاف العربي الأصيل, قبلاف غلوب, جروس برس, طٔ, (طرابلس-لبناف,ٜٜٛٔـ),:ٕٔ.
عدد الصفحات ٧٩81 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حياتو, وامتلبكو فرسً ا أصيلة سابقة يعنِ الفوز والغلبة غازيً ا أو مدافعً ا, ولذلك نرى كثيرً ا من الشعراء الفرساف قد تغنَّوا وتفنَّنوا بحب ىذه ابػيوؿ سواء في بؾالسهم أـ في حلهم وترحابؽم , في حرّٔم وسلمهم أـ في مرحهم وبؽوىم وصيدىم , تناولوىا بشتَّ أنواع الوصف , و برعوا في تربيتها ومعرفة الأصيل من ابؽجين منها , و خبروا طبائعها وعاداتها, ووضعوا لكل عضوٍ من أ عضائها ابظً ا, ونظموا فيها ابؼؤلفات الكثيرة والقصائد الرائعة فأسسوا ّٔا قواعد الفروسية الرائعة , فدخلت ىذه ابػيوؿ في بـتلف الأغراض الأدبية : في الفخر, والوصف, وابؼديح, والاعتذار, والتشبيو(ٔ), وكانوا في الاربراؿ والانتقاؿ يستخدموف الإبل ولا يركبوف ابػيل وإبما يقودونها ويربطونها بالإبل , وىذا يدؿ على مدى اىتمامهم ّٔا, ورغبتهم في ادخار جهدىا وطاقتها ليوـ احتياجهم بؽا في حرب أو صيد أو سبق أو مفاخرة , وكانوا يسموف خيوبؽم وكأنها أبناؤىم فيتحدث أحدىم عن فرسو بابظو , ويسقونها اللبن حتَّ تستعيد بظنها(ٕ), يقوؿ النابغة الذبياني(ٖ) مادحً ا ابن ابعلبح (النعماف بن وائل): (الطويل) سَػػػبػَقْتَ الر جَػػػاؿَ البَاىِشِػػػينَ (ٗ) إِلَػػػى العُػػػلا كَسَبْقِ الجَوَادِ اصْطَادَ قػَبْػلَ الط ػوَارِدِ (٘)(ٙ) فالنابغة يشبو ىذا ابؼمدوح بابػيل السريعة الكربية حيث إفَّ ابؼمدوح يسابق أىل ابؼعالي والكرـ والسؤدد فيسبقهم كما تسبق ابعياد كلبب الصيد التي تتسابق على طرد الصيد , فتسبقها وتظفر بو, فسرعة ابؼمدوح في ابؼبادرة إلى الكرـ والػمعالي تذكر الشاعر وترسم في خيالو صورة ابػيل الوفيَّة الكربية في سرعتها وسبقها للكلبب في الظفر بالصيد, فشبهو بأوفى حيوافٍ وأسرع و في البادية وىو ابػيل. (ٔ) الخيل في قصائد الجاىليين والإسلاميين, أحمد إسماعيل أبو يحيى,طٔ,(بيروت-لبناف:المكتبة العصرية, ٚٔٗٔىػ),:ٔٙ. (ٕ) فن الوصف في مدرسة عبيد الشعر,محمد لطفي الصباغ ,طٔ,(بيروت-لبناف:المكتب الإسلامي, ٖٓٗٔىػ), :٘ٚٔ-ٙٚٔ. (ٖ) سبقت ترجمتو ,:ٜٗ. (ٗ) البَاىِشِينَ : "البػَهْشُ : المسارعةُ إلى أخذِ الش يء". انظر: (لساف العرب,جػٙ,(باب الشين, فصل الباء),:). (٘) الط وَارد: "الط ريدَة: مَا طردت من صيدٍ وغيره". انظر: (لساف العرب,جػٔ,(باب الباء, فصل الخاء),:ٕٚٙ). (ٙ) ديوانو,تحقيق وشرح: كرـ البستاني,(دار صادر,ٖٜٙٔـ),:ٖٗ.
عدد الصفحات ٨٠