المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التشبيه بالحيوان في الحديث النبوي دراسة تحليلية وصفية

عفاف بنت أحمد العبدلي

صفحة ١٩ من ٢٢

289 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبصُل الصورة التشبيهية في الآية الكربية قد رُبظت بإبهازٍ بصيلٍ حوى كل جزءٍ من أجزاء الصورة , بدايةً من حركة اللساف في الكلب وتدلّْيو وخروج النفس بشدَّة في الشهيق والزفير, ثمَّ الزجر وما يتبعو من استمرار الكلب في ال لهث, يلي ذلك تركو بدوف زجر واستمراره أيضً ا في اللهاث. وقد جاء التشبيو في الآية الكربية {فَمَثػَلُوُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِف تَحْمِلْ عَلَيْوِ يػَلْهَثْ أَوْ تػَتػْرُكْوُ يػَلْهَث} ,مُتلبئمًا ومُتناسقً ا مع السّْياؽ الذي ورد فيو وىو زجر وتوبيخ كل من تهالك على الدنيا وسعى وراءىا , وابؼولى عزَّ وجلَّ بىاطب في ىذا التَّشبيو من ضعُف إبيانو وعقيدتو , وزعزعو متاع ابغياة الدنيا وزخرفها فابقرؼ معها وأخلد إليها , فقضية التشبيو ىنا قضية عقدية يضرب بؽا عزَّ وجلَّ ىذا ابؼثل ليوضح أفَّ ابؽلبؾ والعذاب سيكوف على من ترؾ الإبياف بالله وآياتو واتبع الشيطاف وىواه فأرداه والعياذ بالله . لقد عمد القرآف الكرنً إلى التشبيو بصورة ألفها العرب وعايشوىا , فجاء التركيز فيها على صفةٍ مكروىةٍ في الكلب لينفر من فعلٍ بؿرَّـٍ مكروه , فكانت الصورة موجزة لكنها عبرت عن ابؼعن ابؼقصود أكمل تعبير بد ا حوت من حركة دائمة {إِف تَحْمِلْ عَلَيْوِ يػَلْهَثْ أَوْ تػَتػْرُكْوُ يػَلْهَث} ,صورت ىذه ابغركة ابؼعن ابؼقصود ورسختو في الذّْىن. ولننتقل إلى التشبيو النَّبوي لنرى كيف وصف الرسوؿ  ىذا ابغيواف (الكلب) في تشبيهاتو, يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ : " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلاَ يػَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْوِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ "(ٔ). لقد استخدـ عليو الصلبة والسلبـ في ىذا التشبيو صفة من صفات الكلب لتقريب الصورة , وىي بسط الكلب ذراعيو , وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ ىذه الصفة للكلب في قولو تعالى : {وَكَلْبػُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْوِ بِالْوَصِيدِ }(ٕ), ولعلَّ التشبيو النبوي جاء ىنا بالكلب لعلمو  بدا للكلب من صفاتٍ خسيسةٍ دنيئةٍ (ٖ), فاستخدـ عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهو صورة موجزة (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٖٔٚ. (ٕ) سورة الكهف, الآية:ٛٔ. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٖٓٔ.

عدد الصفحات ٢٨٩

291 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكنها مُعبرّْة أبيََّا تعبيرٍ , لقد نبو  أصحابو على عملٍ مكروهٍ في صلبتهم فاستخد ـ حيوانً ا ليس بغريبٍ عليهم بل ىو معهم في بيئتهم وبؿيطهم . ويستخدـ عليو الصلبة والسلبـ (الكلب) في موضعٍ آخر ويركّْز على صفة أخرى ذميمة فيو للتحذير من عمل وفعل يكرىو عليو الصلبة والسلبـ فيقوؿ : {إِن مَا مَثَلُ الذِي يػَتَصَد ؽُ بِصَدَقَةٍ ثُم يػَعُودُ فِ ي صَدَقَتِوِ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ ثُم يَأْكُلُ قػَيْئَوُ }(ٗ). إنهَّا من أبشع الصور ومن أخسّْ صفات الكلب ابؼعروفة عنو (٘), وحتَّ بينع رسوؿ الله  ىذا الفعل جاء ّٔذه الصورة الػمُقزّْزة, لينفّْر أصحابو من ىذا الفعل. فألفاظ ىذا التشبيو تدور حوؿ صورة الكلب وىو يَقِيء ثم بعد ذلك يأكل قيئو, فالصورة التشبيهية مُوجزةٌ لكنَّها بضلت صورةً مليئة بابغركة بدايةً من القيء ونهايةً باسترجاعو , لقد استخدـ ابغديث النبوي صفات الكلب السيئة القبيحة كطريقة جلوسو وانبساطو , ورجوعو في قيئو, وما ذاؾ إلا لعلمو ّٔذه الصفات السيئة ابؼتأصلة في الكلب, فأوردىا  في تشبيهاتو للتحذير من بصلة أفعاؿٍ بؿرمة أو مكروىةٍ في العبادة , فجاءت ىذه التشبيهات بألفاظٍ سهلة موجزة عبرت عما قصده عليو الصلبة والسلبـ من معافٍ أبصل تعبيرٍ وأكملو. ويعد ابغمار من ابغيوانات التي لازمت العرب أيضً ا وخاصة الفقير منهم , فاستخدمو القرآف الكرنً في التشبيو بو بقولو : {مَثَلُ ال ذِينَ حُم لُوا التػ وْرَاةَ ثُم لَمْ يَحْمِلُوىَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْـِ ال ذِينَ كَذ بُوا بِآيَاتِ ا لل وِ وَالل وُ لاَ يػَهْدِي الْقَوْـَ الظ الِمِينَ }(ٔ). فالله عزَّ وجلَّ يذـُّ اليهود الذين أعطوا التوراة وبضلوىا للعمل ّٔا ثم لم يعملوا ّٔا, فحملُها يبدأ بالإدراؾ والفهم والفقو , وينتهي بالعمل لتحقيق مدلوبؽا في عالم الضمير وعالم الواقع , ولكن سيرة بنِ إسرائيل كما عرضها القرآف الكرنً , -وكما ىي في حقيقتها - لا تدؿُّ على أنهَّم قدَّروا ىذه الأمانة, ولا أنهَّم فقهوا حقيقتها و لا أنهَّم عملوا ّٔا, ومن ثمَّ كانوا كابغمار بومل الكتب الضخاـ, وليس لو منها إلى ثقلها, فهو بوملها بضلبً حسيِّ ا ولا يدري ما عليو , فهو (ٗ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:٘ٚٔ. (٘) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٓٔٛ. (ٔ) سورة الجمعة, الآية:٘.

عدد الصفحات ٢٩٠

291 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليس صاحبها, وليس شريكً ا في الغاية منها!, وىي صورة رزيَّةٌ بائسةٌ , ومثلٌ سيّءٌ شائنٌ , لكل من علم ولم يعمل بعلمو فهذا مثلو وبئس ابؼثل (ٕ). وفي ىذا التشبيو صورٌ عدةٌ مُترابطة بين حامِلي التوراة وابغمار ابغامل للؤسفار , ترابطت واتَّػحدت حتَّ ظهرت ىذه الصورة التشبيهية ابؼعروضة, "فالشَّبو لا يتعلق بابغمل حتَّ يكوف من ابغمار, ثم لا يتعلق أيضً ا بحمل ابغمار حتَّ يكوف المحموؿ الأسفار, ثم لا يتعلق ّٔذا كلو حتَّ يقترف بو جهل ابغمار بالأسفار المحمولة على ظهره "(ٖ). "ففي اليهود شبوٌ من ابغمل من حيث ىو بضل على كلّْ حاؿ, وذلك أفَّ ابغافظ للشيء بقلبو يشبو ابغامل للشيء على ظهره وعلى ذلك يقاؿ بضََلة ابغديث, وبضََلة العلم"(ٗ). ويبدو للباحثة أفَّ سبب تشبيو اليهود بابغمار من بين سائر ابغيوانات في ىذه الآية أمورٌ , منها أفَّ ابغمار من أشهر ابغيوانات بالبلبدة وابعهالة حتَّ لقد قالوا للبليد على سبيل ابؼثاؿ: "أجهل من بضار"(ٔ), ولػمَّا كاف ابؼقصود إعلبف بَلبدَة اليهود وجهلهم للتوراة وعدـ الإفادة منو وقع ىذا التشبيو, ومنها اشتهاره بالذُّؿّْ وحقارة الشأف , وفي ىذا قاؿ الشاعر: (البسيط) وَمَػػػػػػػػػػػا يُقِػػػػػػػػػػػيمُ بِػػػػػػػػػػػدَارِ الػػػػػػػػػػػذُّؿ يػَعْرِفػُهَػػػػػػػػػػػا إِلا الأَذَلا فِ عَيػْػػػػػػػػػػػػػػػرُ الحَػػػػػػػػػػػػػػػي والوَتَػػػػػػػػػػػػػػػدُ ىَػػػػػػػػذَا عَلَػػػػػػػػى الخَسْػػػػػػػػفِ مَرْبُػػػػػػػػوطٌ بِرُم تِػػػػػػػػوِ وَذَا يُشَػػػػػػػػجُّ فَمَػػػػػػػػا يػَبْكِػػػػػػػػي لَػػػػػػػػوُ أَحَػػػػػػػػدُ (ٕ) وكذلك اليهود , أذلاَّء حقير و ف لا تُزيل أموابؽم الذّْلة وابغقارة عنهم, قاؿ تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذ ل ةُ وَالْمَسْكَنَةُ }(ٖ), كابغمار بسامً ا, وىذا التشبيو ّٔذه الصورة أجلُّ وأدؽُّ وأروع , ذلك أفَّ اليهود كابغمار بوسُّ وف و يشعر وف, و يذىبوف و بهيئوف, و يتحمَّلوف و يصبر وف, ولكنهم في (ٕ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق, جػٕ,:ٜٖٛ.؛ الكشاؼ, مصدر سابق,جػٗ,:ٖٓٔ.؛ في ظلاؿ القرآف, مصدر سابق, جػٕٛ, :ٜٚ-ٜٛ.؛ التحرير والتنوير, مصدر سابق,جػٕٛ,(باب سورة الجمعة, الآية:٘),:ٖٕٔ-ٕٗٔ. (ٖ) أسرار البلاغة, مصدر سابق,:ٛٚ-ٜٚ. (ٗ) المصدر السابق,:ٔٛ. (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,: ٔٛٓ. (ٕ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثاني, من ىذا البحث,:ٛٔ. (ٖ) سورة البقرة, الآية:ٔٙ.

عدد الصفحات ٢٩١

292 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غاية البلبدة؛ إذ لا ينتفعوف بدا بضُّْلوا من علمٍ ودينٍ قونًٍ , "وىكذا كاف ذكر ابغمار لتوضيح بشاعة وفظاعة اليهود في عدـ إدراكهم وثقتهم وفهمهم وتطبيقهم للكتاب الذي بضُّْلوه"(ٗ). وإذا تأملنا ىذا التشبيو وجدنا أفَّ ألفاظو "كمثل, ابغمار, بومل, أسفارً ا", واضحةٌ سهلةٌ سلسةٌ , وذلك أنهَّا بزاطب ابؼؤمنين وبرذرىم من أف يكونوا كاليهود الذين بضلوا التوراة ثم لم بوملوىا, بالإضافة إلى أفَّ الغرض من سهولة ىذه الألفاظ وضوحها وسرعة بزيل ىذه الصورة ابؼهينة لليهود ولكل من بضل علمً ا ولم يعمل بو , كما نلبحظ أفَّ بصَُلو بسيطة التراكيب ليحصل التنبيو والتحذير للمخاطبين وىم ابؼؤمنو ف من الوقوع فيما وقع فيو اليهود . ويشبّْو القرآف الكرنً بابغمار في موضع آخر في قولو تعالى : {فَمَا لَهُمْ عَنِ الت ذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَ نفِرَةٌ . فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ }(٘). فالقرآف الكرنً في ىذه الآية الكربية , يتساءؿ مُستنكرً ا موقف ابؼكذبين من الدَّعوة إلى التذكرة والنَّجاة من ىذا ابؼصير , ويرسم بؽم صورةً ساخرةً تثير الضحك فيقوؿ: {فَمَا لَهُمْ عَنِ الت ذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ "؟ " كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ }! ويكشف عن حقيقة الغُرور الذي يساورىم فيمنعهم من الاستجابة لصوت الػمُذكّْر النَّاصح, ثم يقوؿ عزَّ وجلَّ مُعقّْبً ا على ذلك النُّفور وسببو : {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ م نػْهُمْ أَف يػُؤْتَى صُحُفً ا مُّ نَش رَةً } ,إنَّو ابغسد للن والرغبة في أف يؤتى كل منهم الرسالة , فكيف بىتار الله عزَّ وجلَّ بؿُمدً ا  ويوحي إليو , فكانت رغبتهم الػمُلحَّة في أف يناؿ كلّّ منهم ىذه الػمنزلة , وأف يُؤتى كلّّ منهم صحفً ا تنشر على الناس وتُعلن, ولا بد أفَّ الإشارة ىنا كانت بصدد الكُبػَرَاء الذين شقَّ عليهم أف يتخطاىم الوحي إلى بؿمد بن عبد الله , ولقد علم الله أين يضع رسالتو واختار بؽا ذلك الإنساف الكرنً الكبير العظيم, فكاف ابغنق الذي يغلي في الصدور, والذي يكشف عنو القرآف وىو يعلل ذلك النُّفور وابؽُروب!(ٔ) (ٗ) الحيواف في القرآف, مرجع سابق ,:ٗٗ٘. (٘) سورة المدثر, الآيات:ٜٗ-ٔ٘. (ٔ) في ظلاؿ القرآف, مصدر سابق,جػٜٕ,:ٖٚ٘-ٕٖٚ.؛ مفاتيح الغيب, مصدر سابق,جػٖٓ,:ٚٔٚ.؛ التحرير والتنوير, مصدر سابق,جػٜٕ,(باب سورة المدثر, الآياتٜٗ-ٔ٘),:ٜٕٖ.

عدد الصفحات ٢٩٢

293 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومشهد بضُُر الوحش وىي مُستنفِرةٌ تفرُّ في كلّْ ابذاهٍ وحين تسمع زئير الأسد وبزشاه .. مشهدٌ يعرفو العرب, وىو مشهدٌ عنيفُ ابغركة مُضحكٌ أشد الضحك حين يُشبَّو بو الآدميُّوف ! حين بىافوف! فكيف إذا كانوا إبمَّا ينفروف ىذا النفار الذي يتحولوف بو من آدميين إلى بضُُر, لا لأنهَّم خائفوف مُهدَّدوف بل لأفَّ مُذكّْرً ا يذكرىم برّٔم وبدصيرىم , وبيُهد بؽم الفرصة ليتَّقوا ذلك ابؼوقف الرَّزي ابؼهين, وذلك ابؼصير العصيب الأليم؟! والصفة ابعامعة بين الػمُشركين وابغمر, أفَّ كُلبِّ منهما ضعيفٌ منهارٌ أماـ قوى طا غية يشعر أنَّو واقعٌ لا بؿالة, لأفَّ الصَّائد بفَّا لا بيكن مقاومتو إذف فالفرار الفرار. فالألفاظ في ىذه الصورة التشبيهية تدور حوؿ "بضر, مستنفرة , فرت , قسورة ", فػ"بضر" جاءت بابعمع للمبالغة في استهجانهم, ولفظة "مستنفرة " أي: "مذعورة "(ٕ) وىي أدؿُّ وأبل من الفرار في ىذه الصورة , لأفَّ عامل ابؼفاجأة والسرعة ابػاطفة في النّْفار والاستنفار أظهرُ منو في الفرار , كما بروي معن ابػوؼ وبؿاولة ابؽرب , فألفاظ التشبيو قوية صارخة ساخرة تتناسب مع شدة عناد الكفار وىرؤّم من ابغق. وبصُلُوُ موجزة برمل صورً ا رائعةً مليئةً بابغركة السريعة ابؼفاجئة , وقد لاءمت العناصر التي بُنِ منها التَّشبيو مع ما ىو مألوؼٌ لدى العرب وفي بيئتهم , إذ إفَّ كلبِّ من "ابغمير ابؼتوحشة , والقسورة -الأسد- من بيئةٍ واحدة ىي البيئة الصحراوية الصعبة, فهذه العناصر تناسب ىذه الفئة البدوية الشديدة ابػلق ابؼتينة الطباع , فكأفَّ قوة العناصر التي تكوف منها التشبيو تتبع قوة ابؼعن. وقد استخدـ التشبيو القرآني الصورة ابغسية في إظهار تكذيب ابؼشركين وفرارىم من ابغق وذلك أوقع في النفس وأكثر ثباتً ا ووضوحً ا. وإذا قارنا بين الآيتين الكربيتين في قولو تعالى : {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا} ,وبين قولو تعالى: {كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ } ,وجدنا أفَّ التشبيو في الآية الأولى في قولو تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا} مُوجَّوٌ إلى ابؼؤمن, فكانت الألفاظ واضحةً سهلةً تدؿُّ (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘,(باب الراء, فصل النوف),:ٕٕٗ.

عدد الصفحات ٢٩٣

294 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على أنهَّا بزاطب قومً ا شهدوا نزوؿ الوحي فامتلؤت بو قلؤّم وحفظوا منو ما حفظوا , فكأفَّ ىذا التشبيو الذي يتعامل مع ىؤلاء القوـ وشدة حرصهم على ما ينفعهم , وانظر إلى اختياره للفظة "أسفارً ا" التي ىي وعاء العلم والفقو التي بورص عليها كلُّ من اشتاقت نفسو إلى التفقو والتعلم في أيّْ بؾاؿ, فكيف بو إذا كاف مُوجَّهً ا لقوـٍ حديثي عهد بدينٍ بضل بؽم خيري الدنيا والآخرة . بينما التشبيو في الآية الثانية في قولو تعالى: {كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ } , بىاطب فيو ابؼولى عزَّ وجلَّ كفار قريش وىم جهلةٌ قساةُ القلوب غِلبظُ الأخلبؽ , حاربوا الإسلبـ بكلّْ قوَّةٍ جبَّارةٍ لديهم, فكاف التشبيو القرآني يعاملهم بنفس الغلظة والقوة و التهديد والتخويف الذي عاملوا بو الإسلبـ وأىلو , سواءً كانت تلك ابؼعاملة في الألفاظ القاسية الصاخبة التي استخدمها معهم "بضر, مستنفرة , قسورة ", أو في الصورة نفسها حيث حوت على صورةٍ من صُور الافتراس والوحشية, بين القوي والضعيف, ونُلبحظ أفَّ الآيتين الكربيتين قد استخدمتا "ابغمار" في التَّشبيهين إلا أفَّ الآية الأولى في قولو تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا} قد استخدمت في التشبيو"ابغمار الأىلي" الذي يتواجد في ابغاضرة فناسب اختياره للتشبيو في ىذا ابؼقاـ. بينما الآية الثانية استخدمت "ابغمار الوحشي " الذي عادةً ما يُوجد في البيئة البدوية الصحراوية (ٔ), لتناسب مقاـ الشدَّ ة في التشبيو. بالإضافة إلى أفَّ كلبِّ من التشبيهين قد استخدـ صورةً حسية مألوفةً مُشاىدةً في البيئة العربية إلا أفَّ الغرض منها في الآية الأولى {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا} كاف سرعة بزيل الصورة وبسكُّنها من نفوس الصحابة, بينما كاف الغرض من ىذه الصورة ابغسية في الآية الثانية : {كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ } ىو السخرية والتخويف وإذلابؽم , وقد كاف بؿور الآيتين الكربيتين يدور حوؿ أمرٍ من أُمورِ العقيدة , فالآية الأولى : {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً ا} كانت برُذّْر ابؼؤمنين من أف يكونوا كاليهود في عدـ انتفاعهم بدينهم وكتأّم وما فيو من الأوامر والنَّواىي , أما الآية الثانية: {كَأَنػ هُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فػَر تْ مِن قَسْوَرَةٍ } فهي أيضًا (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٔٛٓ.

عدد الصفحات ٢٩٤

295 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تدور حوؿ تكذيب ابؼشركين بعقيدة الإسلبـ وكيف أفَّ الله عزَّ وجلَّ سخر منهم وىدَّدىم وتوعَّدىم على تكذيبهم. وإذا كاف القرآف الكرنً قد استخدـ ابغمار في تشبيهاتو فإفَّ ابغديث النبوي الشريف قد سار على نفس النَّهج فشبو بو في أكثر من موضع , ولنأخذ قولو  :{أَمَا يَػخْشَى الذِي يػَرْفَعُ رَأْسَوُ قػَبْلَ الإِمَاـِ أَفْ يُػحَو ؿَ اللُ رَأْسَوُ رَأْسَ حِمَارٍ؟ }(ٕ) إنَّو تهديدٌ شديدٌ بـُيفٌ يوجَّو إلى أولئك الذين يسابقوف الإماـ فيرفع أحدىم رأسو قبل الإماـ, سواءً كاف ذلك في الركوع أو السجود, لقد رسم بؽم عليو الصلبة والسلبـ صورةً بشعةً بـُيفةً كاف العنصر الأساسي فيها ىو (ابغمار), وبؼاذا كانت بشعة؟ لأنهَّا تتناوؿ رأس الإنساف الذي يوجد بو بصيع ملببؿو التي بسُيّْزه عن غيره, إنَّو يعنِ ذاتو وبؿور اعتناءه وبسيُّزه, فكيف يتحوؿ إلى ىذه البشاعة, وما السبب الذي يؤدي إلى ىذا التَّحوُّؿ؟ إفَّ ابػطاب في ىذا التَّشبيو يُوجّْهو عليو الصلبة والسلبـ إلى فِئةٍ من ابؼؤمنين قد بَدَرَ منهم فعلٌ كرىو  ,وىذا الفعل كاف في شيءٍ ىو ركنٌ من أركاف الإسلبـ ألا وىو الصلبة, فكاف لابد أف يشبو عليو الصلبة والسلبـ ّٔذا التشبيو البشع وابؼخيف في نفس الوقت ليكو ف برذيرً ا بؽم. لقد وظف الرسوؿ  كلَّ صفةٍ اتصف ّٔا ابغمار من جهلٍ وغباءٍ وبلبدةٍ (ٔ), بالإضافة إلى بشاعة الصورة ليحذر كل من سابق الإماـ في ركوعو أو سجوده فيسارع إلى التوبة , واعتمد  في توضيح ىذا الفعل على صورةٍ مألوفةٍ مُشاىدةٍ بؽم في بيئتهم. وقد ورد ذكر ابغمار في موضع آخر في التشبيو النبوي في قولو  :{مَا مِنْ قػَوْـٍ يػَقُومُوفَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُوفَ اللَ فِيوِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَافَ لَهُمْ حَسْرَةً }(ٕ). لقد جسَّدت اللفظتاف "جيفة, بضار" الصورة أبصل بذسيد فأحاطت بالتشبيو من كلّْ جانبٍ , وأبرزتو للعين و الأنف معً ا في صورةٍ قبيحةٍ منفرةٍ , وىاتاف اللفظتاف بدا حَوَتَا من معَافٍ (ٕ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٜٚٔ. (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٔٛٓ. (ٕ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٕٕٓ.

عدد الصفحات ٢٩٥

296 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وصورٍ تتناسباف مع مقاـ ابغديث وموضوعو, وىو الانشغاؿ في ابغديث بدا لا يعود على ابؼرء بفائدةٍ من حديثو , بل إنَّو يؤدي إلى ىلبكو وخسرانو في الدارين , وقد جاء التشبيو بسيط الترَّكيب ليحصل التنفير من ىذا ابػلق القبيح, ومن ذا الذي يرغب في أف يقوـ من بؾلسو عن جيفة بضار؟ وفي حديثٍ آخر يستخدـ الرسوؿ  ابغمار وذلك في قولو لأصحابو :{يُػجَاءُ بِالر جُلِ يػَوْـَ القِيَامَةِ فػَيػُلْقَى فِي الن ارِ فػَتػَنْدَلِقَ أَقػْتَابُوُ فِي الن ار فػَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ , فػَيَجْتَمِعُ أَىْلُ الن ارِ عَلَيْوِ فػَيػَقُولُوفَ : أَيْ فُلاَفُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالػمَعْرُوؼِ وَتػَنػْهَانَا عَنِ الػمُنْكَرِ ؟ قَاؿَ : كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالػمَعْرُوؼِ وَلاَ آتِيوِ , وَأَنػْهَاكُمْ عَ نِ الػمُنْكَرِ وَآتِيوِ }(ٖ). فابعزاء بؽذا الرجل كاف من جنس العمل , فكاف يظهر منو من ابؽداية والصلبح عكس ما كاف بىُفي من ابؼعاصي , فكاف جزاؤه أف يفضح ويكشف عما كاف بىفيو عن الناس . لقد مثَّل ابغمار بدا فيو من جهلٍ وغباءٍ ذلك الرجل , إذ إنَّ و من أشدّْ ابعهل والغباء أف ينصح ابؼرء غيره ولا بيتثل ىو بؽذه النصيحة ويطبقها أولاً قبل غيره. فإذا ما ألقينا نظرةً على كلٍّ من تشبيهات القرآف الكرنً وابغديث النبوي الشريف , وجدنا أفَّ القرآف الكرنً وابغديث الشريف عندما يوجهاف تشبيهاتهما للمؤمنين تكوف ألفاظ ا لتشبيو واضحةً سهلةً مرنةً , لأنهَّما يتعاملبف مع قوـٍ مؤمنين مطي عين, فناسب أف يكوف التشبيو واضحً ا سلسً ا ليػّْنً ا ىيػّْنً ا بومل التوجيهات والتعليمات السامية التي يريدانها من ىذا التشبيو . كما نلبحظ أفَّ التشبيهات في قولو  :"أَفْ يُػحَو ؿَ اللُ رَأْسَوُ رَأْسَ حِمَارٍ ", وقولو أيضً ا: "إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ", كانت موجزة بسيطة , فكاف ىناؾ تناسبٌ بين ابؼوضوع الذي سِيقَت لأجلو ومع من وُجهت إليهم . إلا أنَّنا بقد التشبيو في قولو " :يُػجَاءُ بِالر جُلِ يػَوْـَ القِيَامَةِ فػَيػُلْقَى فِي الن ارِ فػَتػَنْدَلِقَ أَقػْتَابُوُ فِي الن ار فػَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ ", فيو شيءٌ من التَّحليل والتَّفصيل في تركيبو, وذلك أنَّو بوُذّْر من قضيَّة خطيرةٍ يقع فيها كثيرٌ من الناس وىي قضية الرّْياء والأمر بابؼعروؼ وتركو , والنهي عن ابؼنكر وإ تيانو, وما يدخل في ذلك من إظه ارٍ للطاعة وإخفاء للمعصية (ٖ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٜٛٔ.

عدد الصفحات ٢٩٦

297 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وخداع للمسلمين, فاستلزمت القضية شيئً ا من التفصيل للتخويف والتحذير الذي يدخل في ىذا التشبيو. بينما نلبحظ أفَّ التشبيهين الآخرين في قولو " :أَمَا يَػخْشَى الذِي يػَرْفَعُ رَأْسَوُ قػَبْلَ الإِمَاـِ أَ فْ يُػحَو ؿَ اللُ رَأْسَوُ رَأْسَ حِمَارٍ ", وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "مَا مِنْ قػَوْـٍ يػَقُومُوفَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُوفَ اللَ فِيوِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ", كاف العمل أو الفعل ابغاصل من الصحابة  في التشبيه واضحً ا صربوً ا لم يُداخلو رياءٌ , فجاء التشبيهاف بـتصر ين موجز ين بوملبف التحذير من مثل ىذه الأعماؿ. ويتناوؿ القرآف الكرنً (ابغيَّة) فيرد التشبيو ّٔا في قولو تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاؾَ فػَلَم ا رَآىَا تػَهْتػَزُّ كَأَنػ هَا جَاف وَل ى مُدْبِرً ا وَلَمْ يػُعَق بْ يَا مُ وسَى لاَ تَخَفْ إِن ي لاَ يَخَاؼُ لَدَي الْمُرْسَلُوفَ }(ٔ). فابػطاب من الله عزَّ وجلَّ مُوجَّوٌ إلى موسى عليو السلبـ, وىو بداية تكليفو بالرسالة , والله عزَّ وجلَّ يُريد أف يُؤيّْد موسى عليو السلبـ في إرسالو بدعجزةٍ , فأراد أف يُريَوُ ىذه ابؼعجزة, فأمره بأف يُلقي عصاه فألقاىا كما أمر الله عزَّ وجلَّ , فإذا ىي تدِبُّ وتسعى , وتتحرؾ حركةً كحركة "ابعاف" وىو "ضربٌ من ابغيَّات أكحل العينين يضرب إلى الصُّفرة لا يؤذي , وىو كثير في بيوت الناس"(ٔ), فعندما رآىا موسى عليو السلبـ أدركتو طبيعتو الانفعالية , وأخذتو ىزَّ ة ابؼفاجأة التي لم بزطر لو بباؿٍ , وجرى بعيدً ا عن ابغيَّة دوف أف يفكر في الرجوع! وىي حركةٌ تبدو فيها دىشة ابؼفاجأة العنيفة من ىوؿ ما رأى , فيعقّْب ابؼولى عزَّ وجلَّ عليو بقولو : {يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِن ي لاَ يَخَاؼُ لَدَي الْمُرْسَلُوفَ } ,أي لا بزففأنت مُكلَّفٌ بالرسالة , والرسل لا بىافوف في حضرة رّٔم وىم يتلقوف التكليف (ٕ). فهذه صورة من صور الإعجاز الإبؽي , وىي معجزة عظيمة أرسلها الله عزَّ وجلَّ إلى فرعوف وقومو. (ٔ) سورة النمل, الآية:ٓٔ. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٖٔ,(باب النوف, فصل الجيم),:ٜٚ. (ٕ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق, جػٗ,:ٓٛ٘.؛ الكشاؼ, مصدر سابق,جػٗ,:ٜٕٚ.؛ في ظلاؿ القرآف, مصدر سابق, جػٖٓ, :ٙٗٙ-ٚٗٙ.

عدد الصفحات ٢٩٧

298 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فألفاظ ىذه الصور التشبيهية برمل معن القوة من جهة ابػالق "ألق, عصاؾ, تهتز, كأنها, جاف", ثم ىي برمل معن الضعف وابػوؼ من جهة ابؼخلوؽ "ولى, مدبرً ا, لم يعقب". فالصورة الأولى تكوَّنت بفعل الله عزَّ وجلَّ فجاءت الألفاظ قويةً تتناسب مع آية الإعجاز, فقولو: "ألق" أمرٌ , ليس من أيّْ أحدٍ بل من الله عزَّ وجلَّ القاىر في أقوالو وأفعالو القادر على كل شيءٍ , ولفظة "تهتز" تُشعرنا بالاربذاؼ خاصةً مع تكرار حرؼ التاء في أوؿ الكلمة وثالثها, ثم نُلبحظ اختيار أداة التشبيو "كأفَّ " التي تستخدـ حيث يَقوى التشبيو فيكوف ابؼشبو ىو عينو ابؼشبو بو(ٖ), أما لفظة "جاف" وىي ابؼشبو بو, فنلبحظ أفَّ ابؼولى عزَّ وجلَّ اختارىا على غيرىا من ابغيوانات وذلك لعدة أسباب , أوبؽا أفَّ شكل ابغية "يتناسب مع شكل العصا من حيث الطوؿ والشكل تقريبً ا, وثانيها أ فَّ ابغية ّٔذا الشكل والطوؿ تُع د ابغيواف الزَّاحف الوحيد الذي يتواجد في البيئة العربية, وثالثها أفَّ ابغيَّة كانت ك ثيرً ا ما تقتر ف بالسحر والكهانة, وقوـ موسى اشتهروا بالسحر فكانت ىذه ابغية بردّْيً ا بؽم(ٗ). وإذا انتقلنا إلى الصورة الثانية وجدناىا بسثل ردة فعل موسى عليو السلبـ حينما رأى ىذه ابغية فكانت الألفاظ في ىذه الصور تتناسب وابػوؼ والفزع من ذلك ابؼنظر , فلفظة: "ولى" تعنِ "الإِ دبار وابؽُروب"(ٔ) وىي أبل من "فرَّ " إذ أنهَّا تعنِ "الرَّوغَاف وابؽُروب"(ٕ) أي أفَّ الإنساف لا يُدبِر بفَّا بىاؼ مباشرة بل إنَّو يُراوِغُ بيَنةً ويسرةً وبواوؿ تفادي ما بىيفو, فإذا لم يَستِطع فعندىا يلجأ للهرب , ولكن لفظة "ولى" أعطت ابؼعن ابؼناسب حيث إفَّ موسى عليو السلبـ لم يُراوغ بل إنَّو بؽوؿ خوفو وفزعو أدبر على الفور وىرب مباشرة دوف تفكير, وىي أبل في ابػوؼ والفزع وىذا ما أرادتو الآية الكربية . ثم قولو عزَّ وجلَّ :"ولم يعقب " أي "لم يعطف ولم ينتظر "(ٖ) أي أنَّو لػمَّا رأى العصا حيَّةً لشدة خوفو وفزعو منها لم ينتظر ليتأكد مػمَّا رأى بل إنَّو مباشرة ولىَّ ىاربً ا, وىذا دليلٌ على (ٖ) عروس الأفراح, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٗ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٖٔٔ. (ٔ) مختار الصحاح, مصدر سابق,(باب الواو, مادة(و ؿ ى),:ٖٙٚ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘,(باب الراء, فصل الفاء),:ٓ٘. (ٖ) مختار الصحاح, مصدر سابق,(باب العين, مادة(ع ؽ ب),:ٗٗٗ.

عدد الصفحات ٢٩٨

299 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حالة ابػوؼ الشَّديد التي أصابتو, فهذه الألفاظ كما قلنا سابقً ا مثَّلت حالة ابػوؼ والفزع الذي أصاب موسى عليو السلبـ, وىي تتناسب مع معن التشبيو في الآية الكربية. أمَّا الصورة التشبيهية في قولو تعالى : {فػَلَم ا رَآىَا تػَهْتػَزُّ كَأَنػ هَا جَاف } فقد احتوت على ابغركة السريعة ابؼخيفة وقد بسثلت تلك ابغركة في لفظة "تهتز" إذ إنهَّا أعطت التشبيو حركةً بعد سُكوفٍ . وترد "ابغية" في ابغديث النبوي في قولو  :{إِف الإِيمَافَ لَيَأْرِزُ إِلَى الػمَدِينَة كَمَا تَأْرِزُ الحَي ة إِلَى جُحْرِىَا}(ٗ). وىذه الصورة التشبيهية عقدىا عليو السلبـ ليأكد على أفَّ الإبياف كما بدأ من ابؼدينة فإنَّو يعود وبهتمع فيها كما بذتمع ابغيَّة حوؿ جحرىا, وعلى الرغم من أفَّ ابغية من الزَّواحف ابػطرة على الإنساف فإنَّو  قد اختارىا لأنَّو أراد أف يشبو بحركتها وىي بذتمع حوؿ جحرىا , و الشيء الآخر الذي جعلو  بىتار ابغية دوف غيرىا ىو أنهَّا ابغيواف الزَّاحف الوحيد الذي يعيش البيئة العربية ويشاىده كثيرٌ من الناس في ابغاضرة والبادية. فالصورة التشبيهية بسيطة التركيب لكنَّها حَوَتْ صورةً حيَّة نابضةً مليئةً بابغركة أدَّت إلى وُضوح ابؼعن ورسوخو في الأذىاف, ومن ىنا فإفَّ الألفاظ التشبيهية في الآية القرآنية وابغديث النبوي واضحة جليَّةً لتحصل السرعة في بزيل حركة ابغيَّة في كلٍّ من الآية الكربية وابغديث الشريف . ويتناوؿ القرآف الكرنً الطير , وذلك في تعداد نعم الله تعالى على عيسى عليو السلبـ, قاؿ تعالى: {إِذْ قَاؿَ اللّوُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَي دتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَل مُ الن اسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَل مْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتػ وْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الط ينِ كَهَيْئَةِ الط يْرِ بِإِذْنِي فػَتَنفُخُ فِيهَا فػَتَكُوفُ طَيػْرً ا بِإِذْنِي...}(ٔ), فهذه من معجزات الله التي أيَّ د ّٔا عيسى عليو السلبـ, وقد تكرر ذكر ىذه ابؼعجزة (خلق الطير) في سورة أخرى في قولو تعالى : {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَن ي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ م ن ر ب كُمْ أَن ي (ٗ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الثاني من ىذا البحث,:ٕ٘ٔ. (ٔ) سورة المائدة, الآية:ٓٔٔ.

عدد الصفحات ٢٩٩

311 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَخْلُقُ لَكُم م نَ الط ينِ كَهَيْئَةِ الط يْرِ فَأَنفُخُ فِيوِ فػَيَكُوفُ طَيػْرً ا بِإِذْفِ اللّوِ ...}(ٕ), فالله عزَّ وجلَّ أجرى ىذه ابؼعجزة على يد عيسى عليو السلبـ تأييدً ا لو على صدؽ رسالتو , وكانت ىذه ابؼعجزة بإذف الله وإرادتو , لذلك جاء في السياؽ في كلب السورتين بلفظة "بِإِذْفِ اللّوِ ", كما في قولو تعالى: "فػَتَنفُخُ فِيهَا فػَتَ كُوفُ طَيػْرً ا بِإِذْنِي", وفي قولو تعالى: "فَأَنفُخُ فِيوِ فػَيَكُوفُ طَيػْرً ا بِإِذْفِ اللّوِ ", فهذا الطير بروؿ بػإذف الله إلى طيرٍ يطير كباقي الطيور, بعد أف كاف طينً ا ىامدً ا لا حراؾ لو ولا حياة , والطين ىنا يعنِ: "الوحل "(ٖ), أي أنَّو ترابٌ بـلوطٌ بابؼاء , وقد يسمى بذلك وإف زالت عنو رطوبة ابؼاء , ولكن عند تشكيلو إلى أشكاؿ لابد وأف يكوف طريِّ ا أي بـتلطً ا بابؼاء, وىكذا شكَّل عيسى عليو السلبـ قطعةً من الطين "كهيئة الطير" أي على شكل طير حينما بعثو الله تعالى إلى بنِ إسرائيل حين كانوا يتصوروف -كما يتصور غيرىم من ابؼلحدين في كل زماف - أفَّ الإنساف إذا مات وعاد لطين الأرض لم يعد ىناؾ من يقدر على بعثو. فالذي عرفو عيسى عليو السلبـ ونعرفو بكن البشر أفَّ ابغياة التي تنشئ شيئً ا آخر "غير التراب وغير سائر ابؼواد ابؼيتة في ىذه الأرض شيءٌ زائد وشيءٌ مُغايِر وشيءٌ ينشئ آثارً ا وظواىر لا توجد أبدً ا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلبؽ "(ٔ). وإذا نظرنا إلى ألفاظ ىذه الآية بقدىا تكونت من : "إذ, بزلق, من الطين, كهيئة, الطير, بإذني, فتنفخ فيها". فػ"إذ" بقد أنهَّا تكررت مع ذكر كل معجزة من ابؼعجزات التي أيَّد ّٔا الله عزَّ و جلَّ عيسى عليو السلبـ, فكأنهَّا براكي استغراب وحيرة وإنكار قوـ عيسى عليو السلبـ بؽذه ابؼعجزات , فكأنهَّم شعروا بابؼفاجأة العظيمة والذىوؿ الصارخ أماـ ىذه ابؼعجزات, وإف كاف ابػطاب في الآية الكربية موجهً ا إلى عيسى عليو السلبـ؛ إلا أفَّ ىذه ابؼعجزات كانت موجهةً لقومو, بداية من حديثو مع الناس في ابؼهد , إلى إبرائو الأكمو والأبرص , وإخراجو ابؼوتى, وخلق الطير , وكل ذلك بإذف الله . وقولو تعالى في الآية الكربية: "تَخْلُقُ ", حددت الزمن الذي حدثت فيو ابؼعجزة , أي وقت خلق الطير الذي أمر الله فيو عيسى عليو السلبـ بالنفخ في الطين, ثم لننظر إلى بصاؿ حرؼ "من" حيث يدؿ على أفَّ ابؼخلوؽ جزء بسيط من الطين , وكأفَّ "من" ىنا توحي لنا بعجز البشر وضعفهم أماـ ابػالق , فحتَّ عيسى عليو السلبـ لم يكن (ٕ) سورة آؿ عمراف, الآية:ٜٗ. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٖٔ,(باب النوف, فصل الطاء),:ٕٓٚ. (ٔ) في ظلاؿ القرآف, مرجع سابق ,جػٖ,:ٜٓٔ.

عدد الصفحات ٣٠٠

311 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بإمكانو إلا أف يُشكل ىذا ابعزء الضئيل من الطين فيصنعو على شكل وىيئة طير بدوف روح . وماذا يكوف ىذا الصنع أماـ صنع الله بؽذا الكوف العظيم بدا فيو من بـلوقات وموجودات , فػ"من" جسدت ضعف ابؼخلوؽ أماـ قدرة الله عزَّ وجلَّ , ثم تأتِ لفظة "الطين" التي تعنِ "الو حل"(ٕ), تدؿ على أنَّو تراب بـلوط بابؼاء ليسهل تشكيل ىيئة الطير . وقولو تعالى : "كَهَيْئَةِ ", فػ(الكاؼ) للتشبيو, و(ىيئة) ىنا للدلالة على شكل الطير العاـ, أي بدوف بزصيص بعزء منو , بل ىيئة كاملة , ولفظة "الطير" تدؿ على عموـ الطير بدوف بزصيص لطائر معين. وقولو تعالى : " بِإِذْنِي" فيها دليل على عجز عيسى عليو السلبـ بػلق الطير بدوف أمر الله وقدرتو , ثم قولو عزَّ وجلَّ : "فػَتَنفُخُ فِيهَا", "الضمير للكاؼ لأنهَّا صفة ابؽيئة التي كاف بىلقها عيسى عليو السلبـ وينفخ فيها, ولا يرجع إلى ابؽيئة ابؼضاؼ إليها لأنهَّا ليست من خلقو و لا من نفخو في شيء"(ٖ), ونلبحظ بصاؿ (الفاء) في قولو تعالى : "فتنفخ, فتكوف", إذ تعطينا ترتيبً ا في الأحداث, إذ جاء تشكيل الطين أولاً ثم النفخ, ثم بعد ذلك صيرورة الطين طيرً ا بإذف الله. فألفاظ الآية الكربية واضحة سهلة التركيب خالية من ابؼؤكدات لأفَّ ابػطاب فيها موجو إلى نبي الله عيسى عليو السلبـ. لقد اختار الله عزَّ وجلَّ الطير بؽذه ابؼعجزة, لأفَّ الطير -والله أعلم- يطير وبولق في السماء فيراه القاصي والداني, بولق في السماء ولا ينكره أحد , فحركة طيرٍ يطير في السماء لا تنشأ إلا عن طيرٍ لو روحٌ وحجمٌ مناسب, وقدرة فائقة على الطيراف بسكّْن الناس من رؤيتو. أما ابغديث النبوي فقد وظف (الطير) في أكثر من تشبيو. وذلك بدا بىدـ ابؼعن الذي يرمي إليو , فقد ورد عنو  أنَّو قاؿ: {يَدْخُلُ الجَن ةَ أَقػْوَاـٌ أفْئِدَتػُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الط يْرِ }(ٔ). فقد ركز عليو الصلبة والسلبـ في ىذه الصورة على صفة اختصت ّٔا الطيور عامة وىي الرقة وابػوؼ والضعف , فالطير أكثر ابغيواف خوفً ا وفزعً ا, وذلك للحث على صفات ابػوؼ وابؽيبة وتقوى الله وخشيتو وىي الداعي إلى دخوؿ ىؤلاء القوـ ابعنة . (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٖٔ,(باب النوف, فصل الطاء),:ٕٓٚ. (ٖ) الكشاؼ, مصدر سابق,جػٔ,:ٖ٘ٙ. (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٕٚ.

عدد الصفحات ٣٠١

312 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فألفاظ التشبيو النبوي موجزة ولكنها بضلت بداخلها بصلة من ابؼعاني السامية التي توجب للمؤمن دخوؿ ابعنة, وىي مع ذلك بسيطة سلسة لأنهَّا بزاطب أقوامً ا مؤمنين وبرثهم على بصلة من الصفات ابغسنة المحببة إلى الله ورسولو . لقد استخدـ القرآف الكرنً وابغديث الشريف الطير في تشبيهاتهم ا, حيث كاف في القرآف لبياف قدرة الله على ابػلق من العدـ , بينما ركز ابغديث الشريف على بصلة من صفات الطير كقولو  :{لَوْ أَن كُػمْ تػَوَك لُوفَ عَلَى اللِ حَق تػَوَكُّلِوِ لَرَزَقَكُمْ كَػمَا يػَرْزُؽُ الط يػْرَ ...}(ٕ), وقولو: {يَدْخُلُ الجَن ةَ أَقػْوَاـٌ أفْئِدَتػُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الط يْرِ }(ٖ), وقولو أيضً ا: {اقػْرَءُ وا الز ىرَاوَيْن البػَقَرَة وسورة آؿِ عِمْرَافَ , فَإِنػ هُمَا تَأْتِيَافِ يػَوْـَ القِيَامَةِ كَأَنػ هُمَا غَمَامَتَافِ , أَوْ كَأَنػ هُمَا غَيَايػَتَافِ , أَوْ كَأَنػ هُمَا فِرْقَافِ مِنْ طَيْرٍ صَوَاؼ ...}(ٔ). لقد حلَّق الطير في بظاء الإنساف العرب وغيره, ورآه وألفو وىاـ بو , وروَّض الوحشيَّ منو واستفاد من الأليف, من ىنا جاء التشبيو بو في القرآف الكرنً وابغديث الشريف , لعلمهما بصفات ىذا ابغيواف وطبائعو, وما بوملو من رقة وضعف وخوؼ وفزع وصدؽ في التوكُّل على الله. ولم يقتصر القرآف الكرنً وابغديث النبوي الشريف في التشبيو على ابغيواف والطير فحسب , بل إنهَّما تناولا ابغشرات أيضً ا, ومن تلك ابغشرات : الفراشة , حيث ورد ذكرىا في قولو تعالى : {يػَوْـَ يَكُوفُ الن اسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ }(ٕ). تصف ىذه السورة الأحواؿ والأىواؿ يوـ القيامة وما يصيب الناس من الفزع وابػوؼ من تلك ابؼشاىد التي تطير بؽا القلوب, وترجف منها الأوصاؿ اربذافً ا, وبوسُّ السامع كأفَّ كلَّ شيءٍ يتشبَّث بو في ىذه الأرض قد طار حولو ىباءً ! وبقي الناس في ىذه الأىواؿ صغارً ا ضئالاً على كثرتهم , فهم كػ "الفراش ابؼبثوث" متطايروف مستخفوف في حيرة (الفراش ) الذي يتهافت على ابؽلبؾ, وىو لا بيلك لنفسو وجهة , ولا يعرؼ بؽا ىدفً ا! (ٕ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٕٗ. (ٖ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٕٚ. (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٛٔ. (ٕ) سورة القارعة, الآية:ٗ.

عدد الصفحات ٣٠٢

313 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهذه صورةٌ موجزةٌ معبرّْةٌ بغاؿ الناس في ذلك اليوـ العصيب , ضعاؼٌ أذلاَّ ءُ , بههلوف مصيرىم, كالفراش في انتشاره وتفرُّقو وذىابو وبؾيئو(ٖ). وقد عبرت ألفاظ الآية الكربية عن ذلك اليوـ وعن تلك الأىواؿ, فلفظة (يوـ) تكررت فأعطت غموضً ا, فمهما بزيل الإنساف أحواؿ ذلك اليوـ وأىوالو, فلن يصل بزيلو وتصوره إلى حقيقة ذلك اليوـ وما فيو من العذاب الشديد, {وَتػَرَى الن اسَ سُكَارَى وَمَا ىُم بِسُكَارَى وَلَكِن عَذَابَ الل وِ شَدِيدٌ }(ٔ), فيظلُّ ما بودث في ذلك اليوـ مُبهمً ا غامضً ا عن تصوُّر بنِ آدـ, وىذا بفا أوحى بو التنكير في لفظة (يوـ), ثم لننظر إلى لفظة (يكوف) حيث جاءت بابؼضارع وذلك ل سرعة استحضار الصورة فكأنهَّا حادثة الآف أماـ أبصارنا. لقد اختار ابؼولى عزَّ وجلَّ "الفراش " لتشبيو الناس, وما بودث بؽم في ىذا اليوـ, فحركة الناس وىم فز عو ف خائفو ف مذىولو ف "كالفراش ابؼبثوث في انتشاره وتفرقو وعدـ ىدايتو وجهلو فابؼعروؼ عن الفراش أنَّو يطير ويتهافت في السراج أو الضوء أيِّ ا كاف مصدره , وذلك لضعف أبصارىا , فلب تزاؿ تطلب الضوء وترمي بنفسها في النار مرَّةً بعد مرَّةٍ , حتَّ برترؽ, وىذا من فرط جهلها وضعفها (ٕ), والناس كذلك في اتباعهم للمعاصي التي تهوي ّٔم في نار جهنم , ثم بؾيء لفظة (الفراش ) بابعمع يدؿ على الكثرة والانتشار على غير ىداية منها , وىذا ىو حاؿ الناس في ذلك اليوـ لشدة فزعهم وخوفهم , ثم لنتأمل لفظة (ابؼبثوث) وما توحي بو من شدة الانتشار والتفرؽ في كل مكاف , فػ"الباء والتاء أصلٌ واحدٌ وىو تفريق الشيء وإظهاره , يُقاؿ: بثُّوا ابػيل في الغَارَةِ , والله خ لق ابػلق وبثَّهم في الأرض بؼعاشهم , وفي القرآف : {وَزَرَابِي مَبْثُوثَةٌ }(ٖ) أي كثيرةٌ متفرّْقةٌ "(ٗ). (ٖ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق, جػٗ,:ٓٛ٘.؛ الكشاؼ, مصدر سابق,جػٗ,:ٜٕٚ.؛ في ظلاؿ القرآف, مصدر سابق, جػٖٓ, :ٙٗٙ-ٚٗٙ. ؛ مفاتيح الغيب, مصدر سابق,جػٕٖ,:ٕٛٙ.؛ التحرير والتنوير, مصدر سابق,جػٖٓ,(باب سورة القارعة, الآية: ٗ-٘),:ٔٔ٘-ٕٔ٘. (ٔ) سورة الحج, الآية:ٕ. (ٕ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٜٔٔ. (ٖ) سورة الغاشية, الآية:ٙٔ. (ٗ) معجم مقاييس اللغة, أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا , تحقيق: عبد السلاـ محمد ىاروف,جػٔ,(دار الفكر,ٜٜٖٔىػ),:ٕٚٔ.

عدد الصفحات ٣٠٣

314 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالصورة التشبيهية في الآية الكربية موجزةٌ , لكنَّها حَوَت بداخلها حركات سريعة عشوائية تصوّْر حاؿ الناس في ذلك اليوـ وتصف صورةً من صُوَرِه, فهي موجَّهةٌ للمشركين ابؼنكرين للبعث وابغساب, فأراد ابؼولى عزَّ وجلَّ أف يقلب معتقدً ا باطلبً تغلغل في قلؤّم في أمر البعث وابغساب بعد موتهم. لقد كاف التشبيو بػ "الفراش " في الآية الكربية يصوّْر لنا مشهدً ا من تلك ابؼشاىد ابؼرعبة لنستعدَّ لذلك اليوـ العظيم بدا فيو من أىواؿٍ ومصاعب . ويستخدـ ابغديث النبوي الشريف (الفراش ) أيضً ا ولكن لتشبيو حاؿ النبي  مع أمتو ابغرص عليهم وىدايتهم, يقوؿ الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ : {إِن مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الن اسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػَوْقَدَ نَارً ا فػَلَم ا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَوُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَىَذِهِ الد وَابُ التِي تػَقَعُ فِي الن ارِ يػَقَعْنَ فِ يهَا, فَجَعَلَ الر جُلُ يػَنْزِ عُهُن وَيػَغْلِبػْنَوُ فػَيػَقْتَحِمْنَ فِيهَا , فَأَنَا آخُذُ بِػحُجُزِكُػمْ عَنِ الن ارِ وَأَنػْتُمْ تػَقْتَحِمُوفَ فِيهَا }(ٔ). لقد رسم لنا  في ىذا التشبيو صورةً حسيَّةً بضلت بداخلها حركاتٍ حيةً مُتلبحقةً سريعةً اعتن فيها رسوؿ الله  في اختيار ابؼشبو بو الذي يُوصل ابؼعن الذي يُريدُه. إفَّ بصيع ألفاظ التشبيو لتروي لنا ما لاقاه عليو الصلبة والسلبـ في سبيل ىداية أمتو وانتزاعها من النار , لقد كانت الصورة التشبيهية بالفراش في ابغديث النبوي مُركَّبة حَوَت الكثير من التفصيل في لوحةٍ تسلسُليَّةٍ سريعةٍ مليئةٍ بالصراع وابؼعاناة, فهي مُوجهةٌ للصحابة  ولأمة بؿمد  . فػ"الفراش " بأنواعو ابؼختلفة من ابغشرات ابعميلة التي كاف العرب كثيرً ا ما يشاىدونها في البادية وابغاضرة , وأينما وُجد الضوء لشغفها الشديد بو وابقذأّا بكوه, فربدا كاف فيو ىلبكها , ومن ىنا جاء التشبيو بو في القرآف الكرنً وابغديث النبوي الشريف . ومن ابغشرات ابؼنتشرة في البيئة العربية (ابعراد ), وقد ذكره القرآف الكرنً في قولو تعالى: {يَخْرُجُوفَ مِنَ الأَْجْدَاثِ كَأَنػ هُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ }(ٕ), فهذا مشهدٌ من مشاىد يوـ القيامة, وىو (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الرابع من ىذا البحث,:ٕٓٗ. (ٕ) سورة القمر, الآية:ٜ.

عدد الصفحات ٣٠٤