المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التشبيه بالحيوان في الحديث النبوي دراسة تحليلية وصفية

عفاف بنت أحمد العبدلي

صفحة ١٨ من ٢٢

273 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والسنة النبوية الشريفة , وسوؼ تورد الباحثة بصيع التشبيهات التي وردت عن ابغيواف في القرآف الكرنً, وذلك لقلتها ثم استنباط ما بينها وبين بعض التشبيهات بابغيواف في ابغديث النبوي وذلك لكثرة ىذه التشبيهات في ابغديث النبوي الشريف . فعلى سبيل ابؼثاؿ ورد في القرآف الكرنً التشبيو بػ "الإبل" في موضعين: في قولو تعالى: {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ }(ٕ), وفي قولو تعالى: {وَلاَ يَدْخُلُوفَ الْجَن ةَ حَت ى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَم الْخِيَاطِ }(ٖ), بينما ورد في ابغديث الشريف في أكثر من عشر ة مواضع, لذا ستكتفي الباحثة بابؼواضع التي وردت في القرآف الكرنً لقلتها مع موضع واحدٍ أو موضعين من ابغديث الشريف لكثرة ىذه ابؼواضع , ثم تقوـ بابؼقارنة فيما بينها , وذلك كما أسلفت سابقً ا من حيث الأسلوب وابػصائص والسمات ولا نقصد من ذلك ابؼفاضلة . لقد كاف من التقاليد ابؼعروفة لدى العرب أنهَّم كانوا يعهدوف بأبنائهم الصغار إلى مرضعات البوداي لتصح أبدانهم ولتستقيم ألسنتهم على طريق البياف الفصيح , وابػلفاء على عرش الدولة الإسلبمية كانوا بوافظوف على ىذه العادة , لكن في صور متطورة . وما كاف ىذا أو ذاؾ إلا إدراكً ا لقيمة السماع وابؼشافهة والرواية في تطبيع الناشئة على فصاحة الأسلوب وبلبغة الكلبـ , وقد كاف معظم النأّين من الشعراء رواة لغيرىم إلى أف تتأصل ملك ة البياف في نفوسهم فيقبلوف على قرض الشعر وينبغوف فيو , بؽذا لا بيكن أف نتجاىل أثر القرآف الكرنً على بيانو  ,فالقرآف الكرنً بظعو الرسوؿ  من جبريل, {وَإِن وُ لَتَنزِيلُ رَب الْعَالَمِينَ . نػَزَؿَ بِوِ الرُّوحُ الأَْمِينُ . عَلَى قػَلْبِكَ لِتَكُوفَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَافٍ عَرَبِي مُّبِينٍ }(ٔ), وكاف جبريل يقرأه عليو , وبؿمد  يعلمو لأصحابو , وكاف  يتلوه آناء الليل وأطراؼ النهار , {وَأُمِرْتُ أَفْ أَكُوفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَفْ أَتػْلُوَ الْقُرْآفَ فَمَنِ اىْتَدَى فَإِن مَا يػَهْتَدِي لِنػَفْسِوِ وَ مَن ضَل فػَقُلْ إِن مَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ }(ٕ). (ٕ) سورة المرسلات, الآيات:ٕٖ-ٖٖ. (ٖ) سورة الأعراؼ, الآية:ٓٗ. (ٔ) سورة الشعراء, الآيات: ٕٜٔ-ٜٗٔ. (ٕ) سورة النمل, الآيات: ٜٔ-ٕٜ.

عدد الصفحات ٢٧٣

274 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالرسوؿ  قد تأثر بالقرآف وبلبغتو لذا جاءت تشبيهاتو تالية للتشبيهات القرآنية مع بعد ما بين التشبيهين, فالتشبيو النبوي وإف كاف قد ارتقى في سلم البياف والبلبغة إلى درجة عالية فإنَّو جاء على طريقة العرب , أمَّا التشبيو القرآني فعلى غير ذلك؛ فقد جاء بدا تتقطع دونو نياط القلوب(ٖ), فالتشبيو النَّبويُّ ليس في درجة الإعجاز القرآني , ولكنو في أعلى مراتب البلبغة البشرية . وحتَّ ندرؾ ما بين التشبيهين من خصائص مشتركة , وأثر التشبيو القرآني في التشبيو النبوي, فلنأخذ قولو تعالى واصفً ا حاؿ الكفار ابؼكذبين بآيات الله عزَّ وجلَّ في قولو: {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِوِ تُكَذ بُوفَ . انطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ . لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يػُغْنِي مِنَ الل هَبِ . إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ }(ٗ). فػ"ابعِمَالاَت: واحدُىا :بصَِاؿ, وقد بهوز أف يكوف واحدُ ابعِمَالات بصَِالة"(٘), وىي بصيغة ابعمع (للجمل) في قولو تعالى: {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } ,فوردت ىذه الآية في بؾاؿ ذكر ابغساب وابعزاء للكافرين حيث يساؽ آّرموف إلى جهنم : {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِوِ تُكَذ بُوفَ . انطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ . لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يػُغْنِي مِنَ الل هَبِ . إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ . وَيْلٌ يػَوْمَئِذٍ ل لْمُكَذ بِينَ } ,انطلقوا أيها ابؼكذبوف بالله وبالرسل وبآيات الله إلى ما كنتم تكذبوف بو فها ىو ذا أمامكم حاضر مشهود(ٔ), {انطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ } يعنِ بؽب النار إذا ارتفع وصعد معو دخاف فمن شدتو وقوتو أفَّ لو ثلبث شعب, {لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يػُغْنِي مِنَ الل هَبِ } أي أفَّ ظل الدخاف ابؼقابل للَّهب لا ظليل ىو في نفسو, {وَلاَ يػُغْنِي مِنَ الل هَبِ } يعنِ ولا يقيهم حر اللهب "(ٕ), "إنَّو ظلّّ خانقٌ لافػحٌ , وتسميتو بالظل ليست إلا امتدادً ا للتهكم, وبسنيو بالظل تكشف عن حر جهنم! انطلقوا وإنكم لتعرفوف إلى أين ! وتعرفونها ىذه التي تنطلقوف إليها , فلب حاجة لذكر (ٖ) أضواء على البلاغة النبوية, مرجع سابق ,:ٚ٘-ٛ٘. (ٗ) سورة المرسلات, الآيات:ٖٓ-ٖٖ . (٘) لساف العرب, مصدر سابق,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الجيم),:ٖٕٔ. (ٔ) الحيواف في القرآف, مرجع سابق ,:ٗٔ٘. (ٕ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق,جػٗ,:ٜٔٗ.

عدد الصفحات ٢٧٤

275 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابظها"(ٖ). {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} ,و"القَصَر: بالتحريك : أصل العنق, وىو ما غلظ من أسفل أعناؽ الإبل "(ٗ), أي يتطاير الشرر من بؽبها في غلب ظة أعناؽ الإبل وطوبؽا , {كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } أي كابعماؿ في ضخامتها وكبرىا . ففي ىذه الآية الكربية تشبيهاف, الأوؿ: تشبيو الشَّرر بالقصر, في غلظتو ومقدار طولو, والثاني: تشبيو الشرر بابعمالات في قتامة لونها وكبر حجمها , حيث إفَّ "صفر" ىو "السواد, فالصفر سود الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وىو مشرب صفرة , ولذلك بظَّت العرب سود الإبل صُفرً ا"(٘). وقد اختلف ابؼفسروف في معن التشبيهين لاختلبؼ القراءات (ٙ), إلا أفَّ الذي يهمنا قراءة من قرأىا : {بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ. كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } ,فمن قرأىا (كالقَصَر), بفتحتين, قصد ّٔا أعناؽ الإبل, وبسيل الباحثة إلى تفسير (القَصَر) بالفتح على أنهَّا أعناؽ الإبل, وذلك أفَّ شرر النار عادةً عندما يتطاير يكوف طويلبً نوعً ا ما وذلك بحسب قوة دفعو من النار فإذا وقع على الأرض أو على أيّْ شيءٍ أصبح لو بقعة ومساحة معينة على ابعسم الذي وقع فيو, و تكوف ىذه ابؼساحة أكبر بكثير بفَّ ا خرجت وىي عليو من النار وذلك نتيجة اصطدامها بابعسم الذي وقعت عليو. فإذا كاف سياؽ الآية ّٔذه الصورة -حيث شبَّو أولاً بأعناؽ الإبل ثم بأحجامها- كاف في التشبيو تدرج من ابعزء وىو رقبة الإبل إلى ا لكل وىو حجمها وضخامتها, وذلك التدرج أدى إلى ترتيب الصورة في أذىاننا لتكتمل الصورة والرؤي ة, والتشبيو بالػ(ابعمالات) بؼن قرأىا بالكسر حيث تعنِ أنهَّا بصع (ابعماؿ). (ٖ) في ظلاؿ القرآف, مصدر سابق,جػٜٕ,:٘ٔٗ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘,(باب الراء, فصل القاؼ),:ٔٓٔ. (٘) المصدر السابق, جػٗ,(باب الراء, فصل الصاد),:ٓٙٗ. (ٙ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق, جػٗ,:ٜٔٗ.؛ الكشاؼ, مصدر سابق,جػٗ,:ٕٗٓ. ؛ تأويل مشكل القرآف, أبو محمد عبد الل بن مسلم بن قتيبة الدينوري, طٔ,(بيروت-لبناف: دارالكتب العلمية,ٖٕٗٔىػ),:ٜٗٔ. ؛ مفاتيح الغيب من القرآف الكريم, محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي,جػٖٓ,(دار إحياء التراث العربي), :ٜٚٚ. ؛ التحرير والتنوير,محمد الطاىر بن محمد الطاىر عاشور التونسي جػٜٕ,(باب سورة المرسلات, الآيات :ٕٖ-ٖٖ),طٗ,(تونس: الدار التونسية, ٜٗٛٔـ), :ٖٙٗ-ٖٚٗ.

عدد الصفحات ٢٧٥

276 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذا كانت القراءات على ىذا النحو كاف التشبيو مسايرً ا بؼألوفات البيئة ولِمَا بكن بصدده من التشبيو بابغيواف في القرآف والسنة , وكاف ذلك موافقً ا بؼألوؼ العرب في تشبيهاتهم حيث "يستعيروف للنيراف أعناقً ا فيقولوف: ( برزت أعناؽ النار ) كما يستعيروف بؽا ذوائب وألسنة فيقولوف: (برزت ذوائبها وألسنتها ) بحسب ما تقتضيو الصفة وابغاؿ"(ٔ). فشبو تعالى "الشَّرر" وىو "ما تطاير من النَّار "(ٕ) بػ"القَصَر", وىو "بالتحريك : أصل العُنُق إذا غَلُظتْ , وىي تطلق على أعناؽ الإبل"(ٖ), فالتشبيو في الآية الكربية يصف ىذا "الشرر" حين خروجو حيث يكوف طويلبً غليظً ا كأعناؽ الإبل, فجمع بين الطوؿ والسماكة مبالغةً في عِظَمِو, وقد جاءت لفظة "شرر" بالتنكير, وفي تنكيرىا ما يوحي بكثرتو وأنَّو "شرر" عظيم يتناسب مع عقيدتهم وكفرىم وأعمابؽم الفاسدة . ثم شبو الشرر بػ"بصالات صفر" أي أنهَّا مثل الإبل في حجمها العظيم ولونها الداكن, وإبمَّا كرر تشبيو "الشرر" بػ"القصر" ثم بػ"ابعمالات الصفر", تأكيدً ا منو على عظم ىذه النار التي ترمي ّٔا , وبزويفً ا منها وإرىابً ا للكافرين من سطوتها , والتشبيو على ىذا النحو بغير حرؼ العطف آكد في صفة ابؼوصوؼ وأبل في نعتو من التشبيو ابؼعطوؼ "(ٔ), من ىنا نلبحظ السبب وراء اختيار (ابعمل) للتشبيو في الآية الكربية, وذلك أفَّ (ابعماؿ) أكبر ابغيوانات التي عرفها العرب واستفاد منها وأكثرىا ملبزمةً لو من غيرىا(ٕ). ولَمَّا كانت الإبل أعظم الأشياء في نفوس العرب لصبرىا على الأىواؿ واحتماؿ الأثقاؿ, كانوا يضربوف ّٔا الأمثاؿ ويشبهوف ّٔا (ٖ). يقوؿ أبو خراش ابؽذلي بـُاطبً ا أخاه عُروة(ٗ): (الوافر) (ٔ) الجماف في تشبيهات القرآف, أبو القاسم عبد الل بن محمد ابن ناقيا,حققو وشرحو : محمد بن رضواف الداية, طٔ,(دمشق: دار الفكر, ٖٕٗٔىػ), :ٕٓٗ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٗ,(باب الراء, فصل الشين),:ٔٓٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػ٘,(باب الراء, فصل القاؼ),:ٔٓٔ. ؛ مختار الصحاح, مصدر سابق,(باب العين, مادة (ؽ ص ر), :ٖٚ٘. (ٔ) الجماف في تشبيهات القرآف, مصدر سابق,:ٚٔٗ. (ٕ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثاني من ىذا البحث,:ٓٚ. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:٘ٓٔ.

عدد الصفحات ٢٧٦

277 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لَعَل ػػػػػػػػػكَ نَػػػػػػػػػافِعِي يَػػػػػػػػػا عُػػػػػػػػػرْوَ يػَوْمًػػػػػػػػػ ا إِذَا جَػػػػػػػػاوَرْتُ مِػػػػػػػػنْ تَحْػػػػػػػػتِ القُبُػػػػػػػػورِ إِذَا رَاحُػػػػػػػػػػػػوا سِػػػػػػػػػػػػوَايَ وَأَسْػػػػػػػػػػػػلَمُونِي لِخَشْػػػػػػػػػػػنَاءِ الحِجػػػػػػػػػػػارَةِ كَػػػػػػػػػػػالبَعِيرِ (٘) من ىنا عمدت الآية الكربية إلى التشبيو ّٔا. وقد اقترف التشبيو الأوؿ في الآية الكربية في قولو تعالى: {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} بأداة التوكيد ابؼشددة (إفَّ ) وذلك مبالغةً وتأكيدً ا على عظم ىذا الشرر وىولو. وبؾيء الفعل ابؼضارع يوحي بكثرة ىذا الشرر وتعاقبو الواحد تلو الآخر يدؿ على ذلك بؾيئو على صيغة ابعمع (شرر) وليس ابؼفرد (شرارة ) وذلك إمعانً ا في بزويفهم وبيانً ا لقدر العذاب الذي ينتظرىم . وقد صِي كلب التَّشبيهين في بصُلٍ مُوجزةٍ في قولو تعالى : {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} ثم قولو تعا: {كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } ,لأفَّ ابؼقاـ مقاـ بزويف وعذاب وىو حديثٌ مُوجَّوٌ للكفار فاستلزـ الأمر عدـ التطويل في ابغديث معهم , وذلك احتقارً ا لشأنهم وإذلالاً بؽم في ىذا ابؼوقف العسير , كما نلبحظ استخداـ التشبيو الأوؿ في قولو تعالى : {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ } ,استخدـ فيو ابؼولى أداة التشبيو(الكاؼ) وذلك لأفَّ (الكاؼ) تدؿُّ على مطلق التشبيو(ٔ), فػ(الكاؼ) في التشبيو تعود على كل "الشرر" الذي ترمي بو جهنم , ففيها نوعٌ من العموـ, لأفَّ التشبيو يتحدث عن نار جهنم, فالضمير ابؼتصل في (إنهَّ ا) عائدٌ على جهنم, أما التشبيو الثاني في قولو تعالى: {كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } فقد استخدـ فيو ابؼولى عزَّ وجلَّ أداة التشبيو (كأفَّ ) لقوة التشبيو بين ابؼشبو "الشرر" وابؼشبو بو "بصالات صفر", فػ(كأفَّ ) تستخدـ حيث يقوى التشبيو(ٕ), وىي عائدةٌ على تشبيو "الشرر" لأفَّ الضمير ابؼتصل في أداة التشبيو "كأنَّو" عائدٌ على "الشرر" ففيها نوعٌ من ابػصوصية, وقد جاء التعبير عن ىذه الصُّور البيانية (ٗ) خويلد بن ىذيل بن مرة, من شعراء ىذيل, نهشتو حية فمات في زمن عمر بن الخطاب ( .الشعر والشعراء, جػٕ, :ٖٙٙ). (٘) ديواف الهذليين,مصدر سابق,جػٕ,:ٖٙٔ. (ٔ) عروس الأفراح, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٛٔ.؛أدوات التشبيو, مصدر سابق,:ٙٔٔ. (ٕ) عروس الأفراح, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٛٔ.

عدد الصفحات ٢٧٧

278 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ّٔذه الألفاظ الصاخبة القويَّة الأداء "شرر, القصر, بصالات, صفر", فلبءمت ىذه الألفاظ ىذه الفئة الكافرة , فكأفَّ قوة التعبير ىنا تابعٌ لقوة العذاب وشدتو. كما حو ت الآيات الكربية صورً ا موجزة لعذاب ىؤلاء ابؼكذبين ابؼعرضين بدايةً من قولو تعالى: {انطَلِقُوا إِلَى ظِل ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ . لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يػُغْنِي مِنَ الل هَبِ . إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَن وُ جِمَ الَتٌ صُفْرٌ }(ٖ), ىذه الصور البيانية بضلت أجواء حارة شديدة ابغرارة تتناسب مع قسوة قلوب ىؤلاء ابؼكذبين وشدة كفرىم وعنادىم , فكأفَّ ىذه النار الشديدة ابغرارة أُعدَّت بؽؤلاء ابؼكذبين كي تصهر عنادىم وكذّٔم وشدة إعراضهم عن آيات الله عزَّ وجلَّ , بالإضافة إلى أفَّ ابؼولى عزَّ وجلَّ عمد إلى التشبيو بػ "الشرر" وىو أمرٌ معروؼٌ بؿسوسٌ مشاىدٌ بغلظ أعناؽ الإبل وحجم ها ولونها وىي أمورٌ بؿسوسةٌ أيضً ا, وذلك أوقع في النفس وأبل للتهويل والتخويف من ىذا العذاب الذي ينتظرىم . ويرد ذكر ابعمل في قولو تعالى : {إِف ال ذِينَ كَذ بُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبػَرُواْ عَنػْهَا لاَ تػُفَت حُ لَهُمْ أَبػْوَابُ الس مَاء وَلاَ يَدْخُلُوفَ الْجَن ةَ حَت ى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَم الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }(ٗ), في ىذه الآية الكربية تقريرٌ وتوكيدٌ للمصير الذي لن يتبدؿ, ابؼصير الذي ينتظر كل من كفر بالله وكذَّب برسالاتو وخرج عن عبادتو وعمَّا خُلق لأجلو إلى عبادة غيره وافترى عليو الكذب وتكبرَّ على آياتو , ذلك ابؼصير ىو أسوأ مصيرٍ يواجو الإنساف منذ ولادتو وبعد وفاتو, ذلك ابؼصير –والعياذ بالله- ىو نار جهنم, التي لا تُبقي ولا تذر, لواحة للبشر عليها تسعة عشر, سيخلد فيها بعد موتو وبعد ما يُلبقي من أىواؿ وعذاب وتعذيب, {إِن ا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرً ا}(ٔ), ذلك أفَّ مصير كلَّ إنسافٍ إمَّا إلى جنَّةٍ وإمَّا إلى نارٍ , فما داـ ىؤلاء لا تفتح بؽم أبواب السماء ولا يدخلوف ابعنة فحتمً ا سيكو ف مصيرىم –والعياذ بالله- النار بىلدوف فيها(ٕ). (ٖ) سورة المرسلات, الآيات: ٖٓ-ٖٖ. (ٗ) سورة الأعراؼ, الآية:ٓٗ. (ٔ) سورة الإنساف, الآية:ٗ. (ٕ) الحيواف في القرآف الكريم, فوزية البغدادي, رسالة ماجستير,:ٖٙ٘.

عدد الصفحات ٢٧٨

279 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و قولو تعالى: {لاَ تػُفَت حُ لَهُمْ أَبػْوَابُ الس مَاء } ,أي: لا يصعد بؽم عملٌ صافٌٌ , وقيل: إفَّ ابعنة في السماء, فابؼعن: لا يُؤذف بؽم في صعود السماء ولا يطرؽ بؽم إليها ليدخلوا ابعنة, وقيل لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كَػمَا تصعد أرواح ابؼؤمنين, وقيل لا تنزؿ عليهم البركة ولا يُغاثوف(ٖ). "وقد يقوؿ قائلٌ ماداـ أفَّ ابعنة في السماء فقد تكوف النار أيضً ا في السماء , فكيف يدخلوف النار وأبواب السماء لا تُفتَّح بؽم؟ وابعواب على ذلك: -والله أعلم- أنَّو قد يكوف ابؼراد من قولو سبحانو وتعالى: {لاَ تػُفَت حُ لَهُمْ أَبػْوَابُ الس مَاء } ,أي يروف ما في السماء من ملكوتٍ وجنافٍ ونعيمٍ , ولا يتمتعوف بدا فيها, وكل شيء مغلقٌ في وجوىهم , وليس أمامهم إلا طريقٌ واحدٌ لا بؿَيدَ عنو وىو جهنم يساقوف إليها في أبشع صورة وأفظع منظر {إِن ا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرً ا}"(ٗ)(٘). وقولو: {وَلاَ يَدْخُلُوفَ الْجَن ةَ} أُعطيت حكم ابػبر لأفَّ قولو{لاَ تػُفَت حُ لَهُمْ أَبػْوَابُ الس مَاء} خبرٌ فعُطفت على الأولى لأفَّ للؤولى بؿلبً من الإعراب وىو ابػبرية , وأريد إعطاء ىذا ابغكم للجملة الثانية فعطفت عليها, و(الواو) ىنا أعطت معن الترتيب, إذ إفَّ إغلبؽ السماء أمامهم حادثٌ قبل ابؼوت -فيما بميل إليو- وعدـ دخوبؽم ابعنة بعد ابؼوت, ومهما اختلفت الأقواؿ في قولو: {لاَ تػُفَت حُ لَهُمْ أَبػْوَابُ الس مَاء } فإنهَّا بصيعً ا كناية عن ابغرماف والطرد من ربضة الله , أما عدـ دخوبؽم ابعنة فكاف ىذا ابعزاء صربوً ا واضحً ا في قولو تعالى: {وَلاَ يَدْخُلُوفَ الْجَن ةَ}(ٔ). إذً ا فقد حُرمت عليهم ابعنة لأنهَّ م كذبوا بآيات الله ودخوبؽم إ ياىا مستحيل (استحالة دخوؿ ابعمل في سمّْ ابػياط), فابعمل: ىو ابغيواف ابؼعروؼ عند العرب , وىو "الذَّكر من الإبل (ٖ) تفسير ابن كثير ,مصدر سابق, جػٕ,:ٖٕٕ.؛الكشاؼ, مصدر سابق,جػٕ,:ٛٚ.؛ مفاتيح الغيب, مصدر سابق, جػٗٔ, :ٕٗٔ.؛ التحرير والتنوير, مصدر سابق,جػٛ,(باب سورة الأعراؼ, الآيةٓٗ-ٔٗ),:ٕ٘ٔ-ٕٚٔ. (ٗ) سورة الإنساف, الآية:ٗ. (٘) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٖٚ٘. (ٔ) المرجع السابق ,:ٖٛ٘.

عدد الصفحات ٢٧٩

281 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وزوج الناقة "(ٕ), و"السَّم: الثقب"(ٖ), و"ابػياط: الإبرة "(ٗ), حيث شبَّو سبحانو وتعالى استحالة افتتاح أبواب ابعنة ودخوؿ الكافرين ابعنة باستحالة دخوؿ ابعمل في ثقب الإبرة , حتَّ لا يتبادر إلى أذىانهم بؾرد التفكير في دخوؿ ابعنة, ونلبحظ أفَّ ىذه الصورة عندما ترتسم في ابػياؿ فأوؿ ما يلفت الانتباه فيها ىو الكبر والضخامة يقابلو الصغر والضآلة, إنهَّا صورةٌ توحي بابغسرة وفقداف الأمل , وىي ردّّ قويّّ غاضبٌ وصريحٌ بؼن اعتقد من الكفار أنَّو سيدخل ابعنة , فػ(ابعمل) في ىذه الآية فُسّْر عدة تفسيرات, فمنهم من قاؿ: "إنَّو ابعبل, ومنهم من قاؿ: إنَّو (ابعمل) ابغيواف ابؼعروؼ عند العرب , وعن ابن مسعود  أنَّو سُئِل عن ابعمل فقاؿ: زوج الناقة, استجهالاً للسائل وإشارةً إلى أفَّ طلب معن آخر تكلف"(٘), وفي كلب ابغالين فإفَّ الآية القرآنية قصدت بػ (ابعمل) الكبر والضخامة , وبػ(ثقب الإبرة ) الصّْغر والضَّآلة , فثقب الإبرة معروؼٌ لديهم , واستعماؿ الإبرة ىو إدخاؿ ابػيط في ثقبها , فابػيط وحده ىو الذي بيكن أف يدخل في ثقب الإبرة , أما أف يدخل شيء غيره فمستحيل, وإما أف يكوف ذلك الذي يدخل ثقب الإبر ة شيءٌ ضخمٌ كابعمل مثلبً أو ابعبل فدونك فقف بتصورؾ ما تشاء أماـ ىذا ابؼشهد العجيب: مشهد ابعمل بذاه ثقب الإبرة -فحين يفتح ذلك الثقب الصغير بؼرور ابعمل الكبير, فانتظر حينئذ -وحينئذ فقط - أف تفتح أبواب السماء بؽؤلاء ابؼكذبين ف يقبل دعاؤ ىم أو توبتهم- وقد فات الأواف- وأف يدخلوا إلى جنات النعيم! أما الآف وإلى أف يلج ابعمل في سم ابػياط , فهم ىنا في النار , التي تداركوا فيها بصيعً ا وتلبحقوا وتلبوموا وتلبعنوا وطلب بعضهم لبعض سوء ابعزاء "(ٔ). إفَّ ألفاظ التشبيو في الآية الكربية بسثل "يلج, ابعمل, سم, ابػياط", فإذا تأ ملنا لفظة "يلج" وبؼاذا اختارىا القرآف الكرنً في التشبيو بدلاً من "دخل: التي ىي نقيض ابػروج "(ٕ), بقد أفَّ لفظة "يلج: الدخوؿ"(ٖ) أيضً ا, وىي "مأخوذةٌ من: وفًَ يَلِجُ ولوجً ا وىي كلُّ شيءٍ أوبعتو (ٕ) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق ,جػٔ,:ٕٗٛ. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٕٔ,(باب الميم, فصل السين),:ٖٖٓ. (ٗ) المصدر السابق, جػٚ,(باب الطاء, فصل الخاء),:ٜٕٛ. (٘) الكشاؼ, مصدر سابق,جػٕ,:ٛٚ. (ٔ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٖٚ٘. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الداؿ),:ٜٖٕ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕ,(باب الجيم, فصل الواو),:ٜٜٖ.

عدد الصفحات ٢٨٠

281 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيو وليس منو"(ٗ), وىنا نقف أماـ روعة البياف القرآني ودقتو إذ استخ دـ مع "ابعمل" لفظة "يلج" لأفَّ ابعمل ليس من أجزاء ابغياكة وليس من الأدوات التي تستخدـ عادةً مع "الإبرة " كابػيط مثلبً , وىذا يزيد في استحالة دخوؿ "ابعمل" في ثقب الإبرة ومن ثمَّ استحالة دخوؿ الكافرين ابعنة . وىي توحي بالصعوبة أيضً ا, وخاصة في لفظة "سم" إذ إفَّ ضم الشفتين عند النطق بابؼيم بيثَّل ضيق ثقب الإبرة, وقد حذفت أداة التشبيو من ىذه الصورة التشبيهية مبالغة في استحالة دخوؿ ابعمل في ثقب الإبرة الذي بيثّْل في ابغقيقة استحالة دخوؿ الكافر ابعنة. إفَّ ىذا التشبيو مُوجَّوٌ إلى فئةٍ كافرةٍ مكذبةٍ فكاف التشبيو موجزً ا إلا أنَّو بومل معن التهديد والوعيد واليأس من ربضة الله عزَّ وجلَّ , وقد استخدـ القرآف صورةً تشبيهيةً بغيواف معروؼ في البيئة العربية بحجمو الضخم الكبير لتوضيح أمرٍ ىو من الغيبيات ومن الأمور الأخروية التي توعد الله ّٔا الكافرين . لقد كاف ال تشبيو في السورتين الكربيتين {حَت ى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَم الْخِيَاطِ } ,وقولو: {إِنػ هَا تػَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَن وُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ } بومل التهديد والوعيد والعذاب الشديد لفئةٍ كفرت وكذبت بالله وآياتو. لقد تدرجت الآيات الكربية في بياف العذاب الذي أعدَّه ابؼولى عزَّ وجلَّ للمكذبين بآياتو بعد تذكيره بؽم بنعمة الله عليهم , فكانت العاقبة والنتيجة ابغتمية لعصيانهم توعدىم بأشد العذاب ووصف بعض منو بزويفً ا بؽم, و لقد استخدـ القرآف الكرنً "ابعمل" في تصوير بيانيٍّ للعذاب الذي ينتظر ابؼعرضين عن آيات الله عزَّ وجلَّ , وذلك كما قلنا سابقً ا لعلمو بدكانة ىذا ابغيواف عند العربّْ بالإضافة إلى أنَّو أكبر ابغيوانات الأليفة وابؼتوحشة التي عرفها العرب. لقد استخدـ القرآف الكرنً (الإبل) في التشبيو , وذلك بزويفً ا وتهديدً ا وتهويلبً للمكذبين ابؼشركين , والقرآف الكرنً في تشبيهو بػ "الإبل" يقرُّ قضيةً عقدية , وكاف ىذا التشبيو في بصلٍ موجزة وبألفاظٍ قويةٍ صارخةٍ شديدةٍ , ركَّز فيها القرآف على الشكل ابػارجي للئبل من ناحية ابغجم والطوؿ باعتبار أفَّ الإبل من أكبر ابغيوانات الأليفة وأعظمها نفعً ا للعربّْ . (ٗ) المصدر السابق, جػٕ,(باب الجيم, فصل الواو),:ٓٓٗ.

عدد الصفحات ٢٨١

282 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذا انتقلنا إلى ابغديث النبوي وجدنا أفَّ الأحاديث التي تناولت الإبل بالتشبيو ليست بالقليلة على عكس ما ورد في القرآف الكرنً , ويرجع ذلك لعدة أسباب سنعرضها من خلبؿ عرض ىذه الأحاديث لنعرؼ أوجو التشابو والاختلبؼ من حيث ابؼوضوع والعناص ر ابؼشتركة في كلٍّ من القرآف الكرنً وابغديث الشريف. فأوؿ ىذه الأحاديث ما رُوي عن أب ىريرة أفَّ أعرابيِّ ا أتى رسوؿ الله  فقاؿ: {إف امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمً ا أَسْوَدَ وَإِن ي أَنْكَرْتُوُ , فػَقَاؿَ لَوُ رَسُوؿُ اللِ  :ىَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَاؿَ نػَعَمْ . قَاؿَ : فَمَا أَلْوَانػُهَا؟ قَاؿَ حُمْرٌ . قَاؿَ : فػَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَؽَ؟ قَاؿَ : إِف فِيهَا لَوُرْقً ا قَاؿَ : فَأَن ى تػَرَى ذَلِكَ جَاءَىَا؟ قَاؿَ : يَا رَسُوؿَ اللِ عِرْؽٌ نػَزَعَهَا . قَاؿَ : وَلَعَل ىَذَا عِرْؽٌ نػَزَعَوُ }(ٔ). فهذا ابغديث بيثل قضيَّة مهمة من قضايا آّتمع ابؼسلم, وىي قضية الشَّرؼ والنَّسب, وىذه القضية من أىم القضايا في آّتمع العرب, ولا بد من التعامل معها بأسلوب مُقنِعٍ يعتمد على ابغوار بين الرسوؿ  وبين الأعراب , معتمدً ا فيو  على أسلوبٍ تشبيهيٍّ رائع استدرج فيو الأعراب بكو وضع ابغل بنفسو , ومساعدتو على ابػلبص من تردُّده وشكّْو, ليأتِ حكم رسوؿ الله  في نهاية ىذا ابغوار مُقنعًا لو بساـ الإقناع حين قاؿ عليو الصلبة والسلبـ : "وَلَعَل ىَذَا عِرْؽٌ نػَزَعَوُ ". لقد اعتمد عليو الصلبة والسلبـ في ىذه القضيَّة على (الإبل) في تقريب الصورة البيانية معتمدً ا على ما يعرفو ىذا الأعراب من الإبل وىو ابػبير بأحوابؽا , كما اعتمد عليو الصلبة والسلبـ في ىذا التشبيو على التفصيل الذي يتخللو عددٌ من أساليب الاستفهاـ, (ىل, فما, فهل, فأنى), وذلك ليقرّْب ابغقيقة بؽذا الأعراب بفَّا جعلو يستنتج ابغكم العقلي ابؼقنع بنفسو. كما نلبحظ أفَّ الألفاظ التي بُنِ منها التشبيو تدور حوؿ اختلبؼ الألواف في الإبل الذي يرجع إلى أصلٍ واحدٍ , بالإضافة إلى بساطتها لتحصل السرعة في استنتاج ابغكم الذي يريده  ,بالإضافة إلى أفَّ الرسوؿ  في ىذا التشبيو يُعافً فيو قضية اجتماعية أخلبقية, يوجو ابػطاب فيها إلى بؾتمع مسلم, فكاف لا بدَّ من التفصيل فيها, ونلبحظ أفَّ الصورة التشبيهية في ابغديث جا ءت مُناسبة لأسلوب ابغديث ومقامو ؛ إذ يتحدث عن أمرٍ يتعلق بالنَّسب (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٕٙٔ.

عدد الصفحات ٢٨٢

283 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و انتقاؿ الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء , فكاف التشبيو بالإبل وصفاتها وأحوابؽا مناسبً ا بؼقاـ ابغديث, وقد شبو ابغديث النبوي أمرً ا بؿسوسً ا وىو اختلبؼ اللوف في ابن الأعراب بأمرٍ آخر بؿسوس وىو اختلبؼ الألواف في نتاج الإبل, وذلك أبل في الإقناع . ويشبو الرسوؿ  بالإبل في موضع آخر في قولو :"تػَعَاىَدُوا القُرْآفَ فػَوَ الذِي نػَفْسِي بِ يَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تػَفَص يً ا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا "(ٔ), ففي ىذا التشبيو النبوي بوث عليو الصلبة والسلبـ أمتو على تعهد القرآف وملبزمتو وتلبوتو , ولأبنية ىذا الكتاب كاف لا بد أف يكوف ابؼشبو بو ذا أبنية في حياة العرب, من حيث الأبنية وابؼنفعة, فكاف اختياره  للئبل؛ إذ إفَّ بؽا مكانة عظيمة في حياتو. من ىنا نلبحظ أفَّ التشبيو النبوي بيثل ابغقَّ الذي نزؿ من السَّماء على قلب رسوؿ الله , فكاف لزامًا أف بوتوي التشبيو على بصلة من ابؼؤكدات : (القسم, لاـ الابتداء, أشد) التي برمل معن التفصيل لبياف أبنية ىذا الكتاب في حياة ابؼؤمن. لقد مثَّلت ألفاظ التشبيو النبوي السياؽ الذي وردت فيو فكانت موجزة سهلة برمل بداخلها صراعً ا ومعاناة يدؿ على ذلك لفظة: "أشد, تفصيً ا", حيث تبينَّ حركةً وصراعً ا بين الإبل وعقابؽا, والتي ىي في ابغقيقة بسثل ابؼؤمن وحرصو على القرآف وبين تفلُّت القرآف منو إف ىو تهاوف في تلبوتو وملبزمتو. ومن ىنا نلبحظ أفَّ التشبيو النبوي قد جاء بدا يتلبءـ مع القضية التي يطرحها, من حيث الألفاظ التي تتناسب مع سياؽ التشبيو ومن حيث ابؼشبو بو الذي تتناسب خصائصو وصفاتو مع ابؼشبو لتكتمل الصورة التشبيهية كما ينبغي أف تكوف . ويشبو الرسوؿ  بالإبل في تقرير قضية من القضايا ابؼهمة في الدين وىي الفطرة التي فطر الله بصيع الناس عليها, فيقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: {مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى ىَذِهِ الفِطْرَةِ فَأَبػَوَاهُ يػُهَو دَانِوِ وَيػُنَص رَانِوِ كَػمَا تػُنْتِجُوفَ الإِبِلَ فػَهَلْ تَػجِدُوفَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَت ى تَكُونُوا أَنْػتُم تَػجْدَعُونػَهَا, قَالُوا يَا رَسُوؿَ الل أَفػَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرً ا قَاؿَ : اللُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ }(ٔ). (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٜٕٔ. (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٖٔ٘.

عدد الصفحات ٢٨٣

284 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يؤكد عليو السلبـ في ىذا التشبيو على مبدأ الفطرة في الإنساف , ويشير فيو إلى الدور ابؼهم الذي يلعبو الوالداف في تغيير عقيدة أبنائهما, ومع أفَّ ىذا التشبيو كاف مُوجهً ا إلى ابؼؤمنين فإنَّو اقترف بابعملة الشرطية التي برمل معن التأكيد الشديد , وذلك أفَّ التشبيو يتعلق بأمرٍ عقديٍّ يتصل بدعرفة الله والإقرار بو . وألفاظ التشبيو النَّبوي ىنا تدور حوؿ : "يهودانو, ينصرانو , بذدعونها, جدعاء", وىي تشترؾ في تصوير معن واحدٍ وىو فعل التغيير الذي حدث على كل من ابؼشبو وابؼشبو بو, وقد آثر عليو الصلبة والسلبـ استخداـ لفظة "ابعدع ", وىي "القطع البائن في الأنف والأذف والشفة واليد وبكوىا(ٕ)" في قولو: "بذدعونها" آثرىا على لفظة "الوسم" وىي: "أثر الكي"(ٖ) مع أنهَّا كانت موجودة في عهده  ,وذلك أفَّ ابعدع وىو"القطع" أثره أبقى وأوضح في رسم الصورة . بالإضافة إلى أفَّ النتيجة ابغاصلة لفعل "ابعدع " قد تناسبت بدا فيها من تغييرٍ وألمٍ بؽذه الإبل التي ىي من أحبّْ وأبشن ما بيلك العرب , قد تناسبت مع النتيجة ابغاصلة للفعل "يهودانو" و"ينصرانو "؛ إذ إفَّ ابؼولود ىو أحبُّ شيء إلى أبويو ومع ذلك فإفَّ ىذين الأبوين يكوناف السبب في تهويده وتنصيره, فيكوف مآلو إلى ما يؤبؼو ويسو ءه وىو عذاب النار, فهذا التغيير يصحبو ألمٌ بؽذه الإبل, كما يصحبو ألمٌ بؽذا ابؼولود في آخرتو. وقد أراد الرسوؿ  من اختياره للفظة "ابعدع " في قولو: "حتَّ تكونوا أنتم بذدعونها" أف يوضح لنا بغضو بؽذا الفعل الذي يصنع بابغيواف سواءً ابعدع أو الوسم, فكلببنا فيو إيذاءٌ للحيواف الضعيف الذي لا بيلك من أمره شيئً ا. إذً ا من الألفاظ السابقة للتشبيو النبوي يتضح أفَّ ألفاظ التشبيو النبوي سهلة وبصلو بسيطة التركيب اعتمد فيها عليو الصلبة والسلبـ على وصف ما بودث للئنساف بعد ولادتو حتَّ بىرج عن فطرتو ويغيرىا , وذلك لأنهَّا موجهة لأصحابو وأمتو, بالإضافة إلى أفَّ التشبيو النبوي قد شبو أمرً ا معنويِّ ا وىو الفطرة بأمرٍ حسيٍّ يشاىده ويعرفو العرب, وذلك أدعى إلى توضيح الصورة وبيانها ورسوخها في أذىانهم , إذ أنهَّا مسألة تتعلق بالعقيدة. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ,(باب العين, فصل الجيم),:ٔٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػٕٔ,(باب الميم, فصل الواو),:ٖ٘ٙ.

عدد الصفحات ٢٨٤

285 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إفَّ ابؼشبو بو الذي دار حولو التشبيو النبوي ىو نفسو الذي استخدـ في التشبيو القرآني وىو الإبل, بفا يؤكد على بسكُّن ىذا ابغيواف في حياة العر ب فهو موجودٌ في حياتهم أينما ابذهوا. ويدؿ على ذلك استخدامو  بؽذا ابغيواف في وصف حوضو عليو الصلبة والسلبـ قولو : {إِف حَوْضِي أَبػْعَدُ مِنْ أَيػْلَةَ مِنْ عَدَفٍ, لَهُوَ أَشَدُّ بػَيَاضً ا مِنَ الثػ لْجِ , وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِالل بَنِ , وَلآَنِيَتُوُ أَكْثػَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوـِ , وَإِن ي لأََصُدُّ الن اسَ عَنْوُ كَمَا يَصُدُّ الر جُلُ إِبِلَ الن اسِ عَنْ حَوْضِوِ . قَالُوا يَا رَسُوؿَ اللِ أَتػَعْرِفػُنَا يػَوْمَئِذٍ قَاؿَ : نػَعَمْ , لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَِحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُ وفَ عَلَي غُر ا مُحَج لِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ }(ٔ). لقد احتوت ىذه الصورة التشبيهية على عدة تشبيهات , ىذه التشبيهات وإف كانت قد اشتركت في معن عاـ وىو تشبيو حوض الرسوؿ  ووصفو للناس الذين يردوف عليو , فإفَّ لكل تشبيوٍ معرِضً ا ومعن يتلبءـ مع السياؽ الذي ورد فيو , وذلك مبالغةً في وصف ابغوض وذلك لتقريب الصورة والإبؼاـ بحاؿ ابؼشبو من حيث ابؼسافة , و ابغجم, و اللوف, و الكثرة , و الطعم, وما ذلك إلا لتمكُّن الصورة في النفس وجذبً ا وتشويقً ا بؽذا ابغوض. ونلبحظ أفَّ ألفاظ التشبيو النبوي سهلة وبسيطة على الرغم من أنهَّا تتحدث عن أمرٍ من أمور الآخرة , وذلك لأنهَّا موجهةٌ إلى أمَّة مؤمنة, بالإضافة إلى أنهَّا مبنيّة على التفصيل لبياف صفة ابؼشبو الذي يعنِ للصحابة رضواف الله عليهم الشيء الكثير. ويستخدـ الرسوؿ  (الإبل) بكثرة في تشبيهاتو ومن ذلك ىذه القضية التعبدية ابؼهمة لكل مؤمنٍ عاصٍ , يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: {لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ ثُػم سَارَ حَت ى كَافَ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَ رضِ فَأَدْرَكَتْوُ القَائِلَةُ فػَنػَزَؿَ فػَقَاؿَ تَػحتَ شَػجَرَةٍ فػَغَلَبَتْوُ عَيػْنُوُ وَانْسَل بَعِيرُهُ فَاستػَيػْقَظَ فَسَعَى شَرَفً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَى شَرَفً ا ثَانِيً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَىَ شَرَفً ا ثَالِثً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, فَأَقػْبَلَ حَت ى أَتَى مَكَانَوُ الذِي قَاؿَ فِيوِ , فػَبػَيػْنَمَا ىُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَت ى وَضَعَ خُطَامَوُ فِي يَدِهِ . فػَلَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتػَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ ىَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِوِ }(ٔ). (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٜٖٔ. (ٔ) تقدـ تخريجو: الباب الثاني, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٖٔ٘.

عدد الصفحات ٢٨٥

286 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فألفاظ ىذا التشبيو النبوي سهلة متصلة مترابطة, كلُّ معن منها يؤدي ويوصل إلى الآخر بطريقة بذعل التشبيو متكاملبً بيثل صورةً واقعيةً مشاىدة معروفة, يلعب فيها "البعير" المحور الرئيس في ىذا التشبيو حيث مثلت الألفاظ مع بعضها البعض مكانة البعير ابؼ همة في حياة ىذا الرجل وفي حياة العرب بصفةٍ عامةٍ . وإذا نظرنا إلى بصل التشبيو النبوي في ىذا ابغديث وجدناىا سهلة التركيب تتحدث عن أمورٍ ىي من واقع حياة كلّْ عربٍّ بل من واقع كلّْ إنسافٍ . فالتشبيو النبوي قاـ على التفصيل والتحليل الذي يصف مشاعر الضياع بزتلط بدش اعر ابغزف والفرح , تلك ابؼشاعر التي تسيطر في حقيقتها على كل عاص , إنها مشاعر نفسية جسَّدىا لنا عليو الصلبة والسلبـ ّٔذه الصورة. لقد تعددت ابؼوضوعات التي استخدـ فيها ابغديث النبوي التشبيو بالإبل وذلك على الرغم من أف من وجه ت إليهم ىذه التشبيهات ىم من آّت مع ابؼسلم , فكاف لا بد من ىذا الاختلبؼ والتنوع في التشبيهات النبوية لأنها تعافً قضايا بـتلفة دينية و اجتماعية و أخلبقية, ولكل قضية من ىذه القضايا سياؽ خاص ّٔا, بفا استلزـ أف تكوف ألفاظها سهلة بسيطة سلسة في تركيبها برمل في ثناياىا تفصيلبً وبرليلبً يوصل الفكرة واضحة جلية. ويذكر القرآف الكرنً حيوانً ا آخر في تشبيهاتو لا يقلُّ أبنية عن (الإبل), ذلك ىو (الكلب), حيث ورد ذكره في قولو تعالى : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نػَبَأَ ال ذِيَ آتػَيػْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنػْهَا فَأَتػْبػَعَوُ الش يْطَافُ فَكَافَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئػْنَا لَرَفػَعْنَاهُ بِهَا وَلَػكِن وُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتػ بَعَ ىَوَاهُ فَمَثػَلُوُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِف تَحْمِلْ عَلَيْوِ يػَلْهَثْ أَوْ تػَتػْرُكْوُ يػَلْهَث ذ لِكَ مَثَلُ الْقَوْـِ ال ذِي نَ كَذ بُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْ صُصِ الْقَصَصَ لَعَل هُمْ يػَتػَفَك رُوفَ }(ٔ). فمن بلبغة القرآف أنَّو حين يتخذ ابغيواف مادةً لأمثالو ينتقي من كلّْ نوعٍ منو الصف ة التي بىتص ّٔا, ويشتهر ّٔا أيضً ا وتكوف فيو أوضح بفَِّا ىي في سواه, بحيث إذا ضُرِب ابؼثل بو أعطاؾ صورةً واضحةً كل الوضوح, و دليلبً ساطعً ا كفلق الصبح(ٕ). (ٔ) سورة الأعراؼ, الآيات:٘ٚٔ-ٙٚٔ. (ٕ) الحيواف في القرآف الكريم, مرجع سابق ,:ٕٚ٘.

عدد الصفحات ٢٨٦

287 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالكلبب مثلبً من أخسّْ ابغيوانات نفسً ا, وأبرز صفة فيو وأخسّها بصيعً ا اللهاث الدَّائم ابؼتصل(ٖ), لذا شبَّو بو تعالى في قولو: {فَمَثػَلُوُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِف تَحْمِلْ عَلَيْوِ يػَلْهَثْ أَوْ تػَتػْرُكْوُ يػَلْهَث} ,وقد اختلف ابؼفسروف في اسم ىذا الرجل الذي شبهتو الآية الكربية بػ (الكلب), كما اختلفوا في الآيات التي آتاه الله إياىا, وبيكن إبهازىا في الآتِ : "قيل: ىو عالمٌ من علماء بنِ إسرائيل, وقيل: من الكنعانيّْين ابظو بَلعمُ بن بَاعُوراء, أوتِ علم بعض كتب الله فا نسلخ منها, أي من الآيات بأف كفر ّٔا ونبذىا وراء ظهره , وقيل: ىو رجلٌ من مدينة ابعبَّارين يقاؿ لو بلعاـ, وقيل: ىو أُميَّة بن أب الصَّلت الثقفي, أما الآيات فقيل إنهَّ ا اسم الله الأعظم, أو إنهَّا كتابٌ من كتب الله عزَّ وجلَّ , أو إنهَّا حجج التوحيد, أو أنهَّا العلم بكتب الله عزَّ وجلَّ "(ٗ). وأيِّ ا كاف الرجل , وأيِّ ا كانت ىذه الآيات, فإفَّ ىذا التشبيو في ىذه الآية الكربية {فَمَثػَلُوُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِف تَحْمِلْ عَلَيْوِ يػَلْهَثْ أَوْ تػَتػْرُكْوُ يػَلْهَث } ,قد ضربو الله عزَّ وجلَّ لكلّْ من عُرض عليو ابؽدى فأبى أف يقبلو وانسلخ وركن إلى الدنيا ولذَّاتهِا , "فهبط بو من مكاف الإنساف إلى مكاف ابغيواف بل مكاف الكلب, ولقد كاف لو من آيات الله التي أوتِ إياىا جناح يستطيع أف يطير بو إلى أعلى علّْيين, ولكنو ىبط إلى أسفل سافلين, فظلَّ يلهث وراء أغراض الدنيا بؽثً ا قلقً ا لا يطمئنُّ أبدً ا"(ٔ). والآية الكربية في ىذا التشبيو تصوّْ ر لنا ىذا الكلب في أسوء صورة وىي صورتو في حالة بؽثانو, وأصل اللَّهث: "حرُّ العطش في ابعوؼ , وبؽََث الكلبُ إذا أَخرجَ لسانو من التَّعب أو العطش"(ٕ), "واللَّهث: النَّفس الشديد الذي يلحق الإنساف من شدَّة الإعياء, وىو في الكلبب طباعٌ "(ٖ), ونفهم من القوؿ الأخير أفَّ "كلَّ شيء يلهث فإبما يلهث من إِعياءٍ أو عطشٍ أو (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٓٔٗ. (ٗ) تفسير ابن كثير , مصدر سابق, جػٕ,:ٕٙٚ-ٕٚٚ.؛ الكشاؼ, مصدر سابق,جػٕ,:ٖٓٔ. ؛ الجماف في تشبيهات القرآف, مصدر سابق,:ٜٓ.؛ مفاتيح الغيب, مصدر سابق,جػ٘ٔ,:ٙٓٗ.؛ التحرير والتنوير, مصدر سابق,جػٜ,(باب سورة الأعراؼ, الآية: ٘ٚٔ-ٙٚٔ),:ٖٚٔ. (ٔ) مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي,مقاؿ:د:عبد المجيد قطامش, بتصرؼ, (العددٗ ,ٔٓٗٔىػ),:ٔٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٕ,(باب الثاء, فصل اللاـ),:ٗٛ. (ٖ) الجماف في تشبيهات القرآف, مصدر سابق,:ٜٔ.

عدد الصفحات ٢٨٧

288 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ علةٍ خلب الكلبَ , فإنَّو يلهث في حاؿ الكلل, وحاؿ الراحة , وحاؿ الصحة وابؼرض , وحاؿ الريّْ والعطش, فضربو الله مثلبً بؼن كذب بآياتو فقاؿ: إف وعظتو فهو ضاؿّّ , وإف لم تعظو فهو ضاؿّّ , كالكلب إف طردتو أو زجرتو فسعى بؽََث, أو تركتو على حالو أيضً ا بؽََث"(ٗ). وللتمثيل بالكلب في ىذه الصورة التشبيهية تطابُقٌ رائعٌ , ذلك أفَّ ابػارج عن طاعة الله ابؼقبل على الدنيا لا يكاد يشبع بفَّا فيها من متاعٍ , وسعيو ورا ء ابؼاؿ دائمٌ كفعل الكلب في استمراره على التَّشمشُم والأكل, وإقباؿ العاصي على ابؼعاصي وتلذُّذه ّٔا كالكلب في تلذُّذه بابعيف, وىو في انسلبخو من آيات الله عزَّ وجلَّ واتباعو ىواه لشدَّة بؽفو على الدنيا وانقطاع قلبو عن الله, كالكلب في شدَّة بؽثو ابؼتصل إذ لا يصبر ولا يتحمَّل ترؾ اللهث. ؤّذه الصور الدَّقيقة جاءت الصفات التي توفرت في الكلب واتفقت مع ما يتصف بو ابؼنصرؼ عن ىدي الله ابؼقبل على ابغياة الدنيا باندفاعٍ وبؽفةٍ . وإذا نظرنا إلى ألفاظ ىذا التشبيو وجدناىا كالآتِ "الكلب, برمل, يلهث, تتركو ", فابؼشبو بو (الكلب), وىو كما قلنا آنفً ا من أخسّْ ابغيوانات نفسً ا, بل إفَّ أبرز صفةٍ فيو وأخسها وأقبحها اللهاث الدائم ابؼتصل, وىذه الصورة للكلب بدا برملو من قذارةٍ واشمئزازٍ وقبحٍ ىي نفسها التي أراد عزَّ وجلَّ أف يربظها ويطبعها على الذي يعرض وينسلخ عن آيات الله عزَّ وجلَّ , وتعريفو للفظة (الكلب) تفيد أنَّو ليس أيَّ كلبٍ , بل الكلب في حالة بؽثانو , وىذا التعريف أفاد بزصيص الكلب في حاؿ اللهاث , وتوحي الأفعاؿ "برمل, يلهث, تتركو " بالاستمر ار في الفعل ونعنِ بو فعل (اللهاث) وىذا ما أرادت الآيات أف تطبعو في بـيّْلتنا وبكن نتخيل صورة الكلب وىو يلهثُ باستمرارٍ . ونرى أفَّ لفظة "يلهث" ىي التي تفي بابؼعن الذي سِيق من أجلو التشبيو وىو حالة السَّاعي بشدَّةٍ وراء مُغريات الدنيا وزينتها, فهي تصوّْ ر حالة الشهيق والزفير بحركةٍ سريعةٍ قد أعيت الكلب حتَّ أنَّو عندما يزجر لا يترؾ اللهث, وابؼنشغل عن آيات الله الساعي وراء الدنيا في حركةٍ شديدةٍ لا يكاد يرتاح ولا بينعو شيءٌ مهما كاف عن ابعري والركض خلف ىذه ابغياة الدنيا, فهي تُصوّْر ابؼعرض عن الله وآياتو سو اءً في حاؿ وعظو ونصحو أو في حاؿ تركو. (ٗ) حياة الحيواف الكبرى, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٔٗ. ؛تأويل مشكل القرآف, مصدر سابق,:ٕٙٔ.

عدد الصفحات ٢٨٨