المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التشبيه بالحيوان في الحديث النبوي دراسة تحليلية وصفية

عفاف بنت أحمد العبدلي

صفحة ١٧ من ٢٢

257 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابغيوانات, وأفَّ ىذه ابغيوانات تكثر في بيئتهم, وىذا يدؿ على أنهَّم قوـٌ فيهم من الوحشية الشيء الكثير , بالإضافة إلى خشونتهم وبنجيتهم , وقد يػحت مل أفَّ مُرادَهُ كماؿُ شُعُورىم ووُفُورِىا حتَّ يطئونها بِأقدَامِهم"(٘), وقولو: " وَيػَت خِذُوفَ الد رَؽَ ", فػ(الواو) في ابعملة السابقة أفادت ابعمع بين انْتِعابؽِِم بالشَّعر واتّْػخاذِىم الدَّرؽ, أي أنهَّم أثناء القتاؿ حين يتَّخِذُوف الدَّرَؽ يكونوف مُنتَعلِين بِنِعَاؿٍ من شَعَرٍ , و"الدَّرَؽُ : ضربٌ من الترَّسة تػُتَّخَذُ من ابعُلُود , وىي تِرسٌ من جُلودٍ ليس فيو خَشَبٍ ولا عَقِبٍ "(ٙ), ويبدو من وصف رسوؿ الله  بؽم حيث ينتَعلُوف الشَّعر ويتَّخذُوف تُروسً ا من ابعلد, يبدو أنهَّم يتَّخذُوف ابغيوانات ذات الشَّعر الكثيف التي تكثػُرُ في بلبدىم, وىذا يدؿُّ دلالةً واضحةً على أنَّو يكوفُ لباسُهُم أيضً ا من الشَّعر, كما أفَّ نِعَابؽُم تكوف من الشَّعر, وىو الظَّاىر لِمَا في بِلبدِىِم"(ٔ). ثم يأتِ قولو " :يػَرْبِطُوفَ خَيػْلَهُمْ بِالن خْلِ", بوتمل أمر ين: أوبؽُما إثباتٌ وتأكيدٌ منو  في أنهَّم سوؼ يدخلوف بلبد ابؼسلم-العرب منهم -, والأمر الثاني: أنَّو أراد عليو الصلبة والسلبـ أف بىُبرِ عن كِبرَ أجسامِهِم , حتَّ إفَّ أحدَىُم لِعِظَمِ جِسمِوِ يستطيع أف يربِط خيلَو في النَّخل , وقد يكوف الأمراف معً ا, "فالصورة تشتَمِل على قوـٍ مُتوحّْشين شُعُورُىم طويلةٌ تُسدَؿ حتََّّ تَصل إلى أرجلُهم , فتكوف كالنّْعاؿ بؽا, وُوجوىُ هم عريضةٌ تُشبو الترُّوس , وقد شبّْ و الوجو بالترُّس لبسط الوجو واستدارتو , وشبّْ و بالػمِطرقَة من الترُّوس أي الػمُغطَّاة بِلدةٍ بؽا مُعيَّنةٍ , وذلك لِغِلَظِ ىذه الوُجوه , وكثرة بغَمِها ونػُتُوء وَجَنَاتهِا , وبُعدىا عن التَّناسُقِ الشَّكلي . والذي يدعو إلى برسُّس ىذه الوجوه ىو الشعور بأنها نافرة القسمات وأنها تشبو ابعلود في خشونة ابؼلمس"(ٕ), وىذا يدؿ كثرة خوضهم للمعارؾ وبسرسهم فيها . إفَّ ىؤلاء القوـ الذين وَصَفهُم عليو الصلبة والسلبـ قد "وُجِدُوا ّٔذه الصفات كلّْها في زماننا وقاتلَهُم الػمُسلموف مرَّاتٍ عديدةٍ "(ٖ), وىذا يعنِ اقتراب الساعة, لأنَّو  نفى أف تقوـ الساعة إلا بعد مُقاتلَةِ ىؤلاء القوـ, وىذا ابغديث بدا حوى ىو من معجزاتو  ,إذ يػُخبرنا عن (٘) فتح الباري, مصدر سابق,جػٔ,:ٜٙٔ. (ٙ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل الداؿ),:ٜ٘. (ٔ) عوف المعبود, مصدر سابق, جػٔٔ,:ٕٚٚ. (ٕ) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٜٕ٘. (ٖ) عوف المعبود, مرجع سابق ,جػٔٔ,:ٕٚٚ

عدد الصفحات ٢٥٧

258 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحداثٍ مُستقبليَّةٍ ويَصِفُ لنا قومً ا لم يرَىُم كأنَّو ينظرُ إِليهم , فيُجِيدُ عليو الصلبة والسلبـ وَصَفَهم لنا وصفً ا دقيقً ا مُعتمدً ا على الإبهاز ثم التَّفصيل, وذلك عندما أَ وْجز في وصفهم بقولو: "قػَوْمً ا صِغَارَ الأَعْيُنِ عِرَاضَ الوُجُوهِ ", ثمَّ تفصيلُوُ وتشبيهُوُ بؽذه الأعينُِ وىذه الوُجُوه حينَما قاؿ: " كَأَف أَعْيػُنػَهُمْ حَدَؽُ الجَرَادِ , كَأَف وُجُوىَهُمْ الػمِجَافُّ الػمُطْرِقَةُ ", وىذا الإبهاز ثم التَّفصيل أدَّى إلى ترتيب الصُّورة في أذىاننا, حيث بدَأَ بِابعُزءِ ثمَّ بالكُلّْ , أي بالعين ثمَّ بالوجو حتََّّ تكتمل الصُّورة والرُّؤي ة, لأنَّو لو ذكر الكُل وىو الوجو ثمَّ ابعزء وىو العين لتشَّتَت الصُّورة في بـُيػّْلَتِنَا وأصبحت ترتَكِزُ على العين فقط , ولكنَّ ذِكر العين و ىي ابعُزء ثمَّ الوَجو وىو الكل يُساعدُنا بِالاحِتِفَاظ بالصورة كاملةً بأجزائها أي بالعين داخل الوجو , وىذا من بلبغتو  في جَذبِ الانتباه ثمَّ إيصاؿ الصورة كما أرادىا إلى سامعيو . والشَّيءُ الآخر الذي يدؿُّ على دِقَّة تعبيره  ىو اختياره للمشبو بو , فابؼشبو بو الأوَّؿ ىو: "حَدَؽُ الجَرَادِ " حينما شبَّو صِغَر أعينهم بحِدؽ ابعراد , إذ إفَّ ابعراد ىو ابغشرة الوحيدة التي يستطيع ابؼرءُ أف يشاىد صِغَرَ أعيُنِها بوضوحٍ , لأفَّ ابعراد أصناؼ بـتلفة , فبعضو كبير ابعثة وبعضو صغير(ٔ), ثم إفَّ ابعراد "من ابغيوافِ الذي ينػْ قَادُ لرئيسو, فيجتمع كالعسكر إذا ظَعَنَ أوَّلو تػَتَابَعَ بصيعُو, وإذا نػَزَؿ أوَّلو نػَزَؿ بصِيعُو"(ٕ), كما أفَّ ابعراد إذا ىاجم ابؼزارع فإنَّو يُبيد كل شيءٍ فيها, ويترؾ الأرض جرداء خاوية بدوف حياة , وكذلك العدو العسكري فإنَّو إذا ىاجم قتل وأسر وشرَّد ودمَّر, فيترؾ البلبد التي دخلها مدمرة بدوف حياة , فالػمَقَاـ الذي ذكره الرسوؿ  في ابغديث ىو مَقَاـُ حربٍ وقتاؿٍ بين الػمُسلمين وغيرىم , ولا يوجد أنسبُ من ىذه ابغشرة التي تعيش حياتها أشبَوَ بدُِستعمرةٍ عسكريَّةٍ كي يُشبّْو ّٔا عليو الصلبة والسلبـ. وابؼشبو بو الثاني ىو: "الػمِجَافُّ الػمُطْرِقَةُ ", وىي نوعٌ من التػُّرُوس أُلْبِست الأَطْرِقَة من ابعِلْد وذلك في تشبيهو عليو الصَّلبة والسلبـ لوُجُوىِهِم, فاستخدـ في التَّشبيو أداةً حربيَّةً لتَتَناسب مع مَقَاـِ ابغَدِيثِ وغَرَضِوِ , وكل ىذه الصفات التي ذكرىا  بؽؤلاء القوـ تثير الفزع وابػوؼ , فهم أولاً بؿاربوف قد اعتادوا على ابػشونة والشدة وخلت قلؤّم من الربضة, يظهر ذلك من وصفهم (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٜٔٔ. (ٕ) حياة الحيواف الكبرى, مصدر سابق,جػٔ,:ٜٕٙ.

عدد الصفحات ٢٥٨

259 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي ذكره عليو الصلبة والسلبـ , فهذا الوصف بالإضافة إلى أنَّو إخبارٌ باقتراب الساعة فإفَّ فيو برذيرً ا من ىؤلاء القوـ وحثِّ ا منو عليو الصلبة والسلبـ على بؿاربتهم . لقد جسَّد لنا الرسوؿ  صفاتٍ لم يػَرَىَا وجعلها بارزةً أمامنا وكأنَّنا نرَاىا ونُشاىدىا كما أراد .  ويعرض الن بغشرة تواجدت في بؿيطنا ليظهر من خلببؽا صغر الشيطاف وبزاذلو عن ذكر الله عزَّ وجلَّ , وتلك ابغشرة ىي الذبابة , فعن أب ابؼليح(ٖ) عن رجلٍ قاؿ : كنتُ رَدِيفَ النَّبيّْ  فػَعَثػَرَتْ دَابَّةٌ فقُلتُ : تَعِسَ الشَّيْطَافُ . فػَقَاؿَ : {لاَ تػَقُلْ تَعِسَ الش يْطَافُ فَإِن كَ إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تػَعَاظَمَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ البػَيْتِ , وَيػَقُوؿُ بِقُ و تِي. وَلَكِنْ قُلْ : بِسْمِ اللِ فَإِن كَ إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ الذُّبَابِ }(ٔ). فرسوؿ الله  يستلهم ابؼواقف اليوميَّة التي بردث للصحابة في توجيهِهِم وتعليمهم أمُورَ دينهم ودنياىم, من ذلك ما أورده الصحابُّ  من أنَّو كاف"رَدِيفَ النَّبيّْ  "ومعن رَدِؼَ الرَّجُل وأَرْدَفَوُ : رَكِبَ خَلْفَوُ وارْتَدَفَوُ خَلْفَوُ "(ٕ), أي أنَّو كاف خلف رسوؿ الله  ,"فػَعَثػَرَتْ دَاب ةٌ ", والعَثػْرَةُ : " الزَّلَّةُ , ويػُقَاؿُ : عَثَػرَ بِوِ فػَرَسُوُ فَسَقَطَ "(ٖ), أيْ أنَّو زَؿَّ فَرسُوُ فَسَقَطَ , فقاؿ الصحابُّ : " تَ عِسَ الش يْطَافُ ", والتػَّعْسُ : " ابؽَلبَؾُ والشَّرُّ والبػُعْدُ والابكِْطَاطُ , والتػَّعْسُ أيضاً أف يػخِرَّ على وَجْهِوِ "(ٗ), أيْ أفَّ الصحابَّ دَعَا على ىذا الشيطاف , فنهاه الرسوؿ  عن ذلك وقاؿ: "لاَ تػَقُلْ تَعِسَ الش يْطَافُ ", فػ(اللبـ) أفادت توكيد النَّه ي(٘) منو عليو الصلبة والسلبـ, ثمَّ بينَّ  السبب في ذلك النَّهي بقولو : "فَإِن كَ إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تػَعَاظَمَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ البػَيْتِ , وَيػَقُوؿُ بِقُ و تِي", فػ(الفاء) في (فإنَّك) أشعَرَتػْنَا بتفسير وتوضيح النَّهي السابق عليها, و(إنَّك) (ٖ) أبو المليح بن أسامة بن عمير, أو عامر بن بن عمير الهذلي, اسمو عامر, وقيل زيد أو زياد, ثقة من الثالثة, مات سنة ثماف وتسعين, وقيل ثماف ومائة. (الإصابة,جػٕٔ,:ٕٕٙ). (ٔ) سنن أبي داود, مصدر سابق,جػ٘,:ٕٓٙ, كتاب الآداب, باب لا يقاؿ خبُثت نفسي, حديث رقم:ٕٜٛٗ. (حديث صحيح, صححو الألباني, وأخرجو أحمد في مسنده ,رقم:ٜٕٔ٘ٓ, ورقم:ٕٜٕ٘ٓ, ورقم:ٜٕٓٙٓ). (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٜ,(باب الفاء, فصل الراء),:٘ٔٔ. (ٖ) المصدر السابق, جػٗ,(باب الراء, فصل العين),:ٜٖ٘. (ٗ) المصدر السابق, جػٙ,(باب السين, فصل التاء),:ٕٖ-ٖٖ. (٘) سبق تعريفو,:ٔٗٚ.

عدد الصفحات ٢٥٩

261 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جاءت لتوكيد ابغكم بعدىا , ثمَّ قولو: "إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ ", فػ(إذا) دلَّت على تأكيد ابغكم في حاؿ حُدُوثو, ثم صورت ابؼفاجأة التي أحدثها ذلك القوؿ , وقولو: "تػَعَاظَمَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ البػَيْتِ ", فػ(تعاظم) تدؿ على التَّفاعُل, أي أفَّ الشيطاف يتأثػَّرُ بالكلمة في تفاعل ّٔا ويزىُو ّٔا حتََّّ يصبح كالبيت . وتصوّْر لنا ىذه اللَّفظة (تعاظم) الشيطاف وىو ينتفِخُ ويكبرُ ويتيوُ اختيالاً وافتخارً ا, وليتو يكتفي بذلك وحسب , بل إنَّ و لفرط زىوه وغروره يقوؿ : "بِقُ و تِي", أي حدث ذلك الأمر بقوَّتِ وعظَمَتيِ , وابعملة الشرطية في قولو: "فَإِن كَ إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تػَعَاظَمَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ البػَيْتِ " تصور ابغجم الذي بلغو الشيطاف متأثػّْرً ا بقولو: "تَعِسَ الش يْطَافُ ", وقد استخدـ  في التشبيو "مثل" بدلاً من "الكاؼ" و"كأفَّ "؛ لأنَّو أراد عليو الصلبة والسلبـ أف يصور حجم وىيئ ة الشيطاف عندما يتعاظم أو يتصاغر, ولم يكن الغرض تقريب الشبو بين الشيطاف والبيت , أو بين الشيطاف والذباب , إبمَّا ركَّز عليو الصلبة والسلبـ على ىيئة وحجم البيت والذباب , أي الضخامة والكبر, وعكسها الضآلة والصغر. وىنا يوجو الرسوؿ  أصحابو إلى القوؿ الصحيحفي مثل ىذه الأمور بقولو: "وَلَكِنْ قُلْ : بِسْمِ اللِ ", فػ(الواو مقرونةً بلكن) أفادت الاستدراؾ وتأكيد ابغكم الذي يأتِ بعدىا , وقولو عليو الصلبة والسلبـ : " قُلْ : بِسْمِ اللِ ", ففعل الأمر ىنا أراد بو  تعليم الصحابة العمل الصحيح والقوؿ الصحيح في مثل ىذه الأمور, وقولو: "فَإِن كَ إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ الذُّبَابِ ", فقولو: "فَإِنَّكَ " جاءت لتوكيد قولو  ,وقولو: "إِذَا قػُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ الذُّبَابِ ", فلفظة (تصاغر) تصوّْر لنا الشيطاف وىو يتضَاءَؿ ويصغُرُ شيئً ا فشيئً ا حتَّ يُصبِحَ مثل الذُّباب. وصورة الذُّباب "تعبرّْ عن قػُبْح الشيطاف وضآلتو وخسَّتِوِ ودناءتِوِ "(ٔ), فليس في ابغشرات من بذتمع فيو ىذه الصفات كالذُّباب, ومن صفاتو "أنَّو كُلَّما ذُبَّ آبَ "(ٕ), أي كلما دُفِعَ رَجَعَ , وكذلك الشيطاف كلما استُعِيذَ منو ذَىَبَ ولكنَّو يعودُ و لا ييئس من ابن آدـ , ومن (ٔ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٖ٘ٗ. (ٕ) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق ,جػٔ,:ٛٛٗ.

عدد الصفحات ٢٦٠

261 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صفاتو –أي الذُّباب- "أنَّو أجهل ابػلق لأنَّو يُلقِي نفسو في ابؽَلَكَةِ "(ٖ), وكذلك الشيطاف فهو أجهل ابػلق لأنَّو أغضَبَ اللهَ حين خلق آدـ وما زاؿ يُغضِبُ وُ ويعصِيوِ , من ىنا نُلبحظُ الدّْقة البيانيَّة للرسوؿ  في اختيار ابؼشبو بو الذي يتطابق بسامًا مع ابؼشبو. "فسِبابُ الشيطاف بهعلو يتػَعَاظَمُ حتَّ يكوف مثل البيت , وذِكْرُ الله بهعلو يتَصَاغَرُ حتَّ يكوف مثل الذُّباب, وفي ىذا تأديبٌ عظيمٌ للمسلمين لينتبهو ا إلى أفَّ الأمور السلبيَّة لا تصنع شيئً ا, وأفَّ الأمور الإبهابية مهما كانت يسيرةً تستطيع أف تُفيد صاحبها فائدةً كبيرةً "(ٗ). "وثػمَّةَ تضَادّّ (٘) بين (تعاظم وتصاغر ), فالصورة آيلَةٌ إلى التضاؤُؿ من قطعةٍ كبيرةٍ إلى نقطةٍ , فثػمَّة بروُّؿٌ من البيت إلى الذُّباب, فإذا دؿَّ البيت على الرّْفعة والأماف والتَّحضُّ ر والكبر, فإفَّ الذُّباب يدؿُّ على الضَّعة والتَّفاىة والضَّآلةِ , وقد نهى عن كلمة (تعس) لأنهَّا تزيدُ الشَّيطافَ لُصوقً ا بالشَّر الذي جُبِلت عليو ذَاتُوُ . والشيطاف كائنٌ لا مفهوـٌ رمزيّّ مُػجرَّدٌ , فهو مو جودٌ غائبٌ عن ابغَواسّْ كما تدؿُّ على كينُونَتِوِ العقيدة الإسلبمية من الكتاب والسنة , ولكنو غيرُ مرئِيٍّ , ولا تنالو ابغواس , وتبعً ا بؽذا صار التعبير عنو بالبيت عندما يتعاظم بذسيمً ا, وكذلك عندما يتضاءَؿ ليصير ذُبَابً ا, وقد شبهو بالبيت ىنا لأنَّو أجوؼ , أو ىو كبر يُ قضَ ى عليو , وتشبيهُ وُ بالذباب ابعمع دوف الذُّ بابة ابؼفردة , لأفَّ ابعمع من ىذه ابغشرات يدؿُّ على صِ غَ ر الواحدة بالنَّ ظر, في حين يدؿ ذِ كْ رُ الواحدة على تفرُّ دِ ىا بابؼكاف واحتماؿ كِ برَ حجمِ هَ ا. وصيغة (تػَ فَ اعَ لَ ) في (تَ عاظَ مَ وتَ صَ اغَ رَ ) تُ فيد منح الشيطاف صفةً جديدةً لم تكن فيو قبل ىذا ابغين, وبشة تدرُّ جٌ في استحواذِ هِ على مساحةٍ كبيرةٍ من الصُّ ورة , ثمَّ على مساحة صغيرة ابغجم وابؼعن, تذكّْ رُ نا ىذه البُ قعة بالنَّ جاساتِ والأوبِ ئَ ة والنزؽ من بررُّ كاتِ الذُّ باب وإزعاجو , والتَّ عاسة وابؽلع أف يُ صبح الشيطاف أكبر من حجم الإنساف, والسعادة أف يَ صغُ ر, ليصبح ذبابً ا مكروىً ا"(ٔ). (ٖ) المصدر السابق,جػٔ,:ٛٛٗ. (ٗ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٕٕٗ. (٘) الت ضاد: الجمع بين الشيء وضده. (انظر: البديع في ضوء أساليب القرآف, مرجع سابق ,:ٕ٘ٚ). (ٔ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٖ٘ٗ-ٖٙٗ.

عدد الصفحات ٢٦١

262 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  وبرتل(البعوضة) الدرجة الأولى في إيذاء الإنساف وم رضو, ومع ىذا الصغر ابؼتناىي فإنَّو  يضرب ّٔا ابؼثل في ىواف الدنيا على الله عزَّ وجل, بل إنَّو يضرب بأخف جزء منها وىو ابعناح, فعن أب ىريرة (ٕ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله  :{إِن وُ لَيَأْتِي الر جُلُ العَظِيمُ الس مِينُ يػَوْـَ القِيَامَةِ لاَ يَزِفُ عِنْدَ اللِ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ }(ٖ). فرسوؿ الله  يضرب لنا ىذا التشبيو ليبين أفَّ التقوى والعمل الصافٌ بنا أساس ابؼفاضلة عند الله عزَّ وجلَّ , فيقوؿ: "إِن وُ لَيَأْتِي الر جُلُ العَظِيمُ الس مِينُ يػَوْـَ القِيَامَةِ ", فهنا بدأ عليو الصلبة والسلبـ بأداة التوكيد (إفَّ ) ثم أردؼ بػ (لاـ الابتداء) زيادةً في التأكيد, ثم قرف (اللبـ) بالفعل ابؼضارع ليدلّْل على صدؽ حقيقة ما سيقوؿ واستمرار ه, فأكَّد  بكل ىذه ابؼؤكّْدات مع علمو أفَّ الصحابة  لا ينكروف حديثو, بل ىم مصدقوف لكل ما يقوؿ, إلا أفَّ غرابة الصورة التشبيهية وشدة خوفو عليو الصلبة والسلبـ على أصحابو من أف يقعوا فيما حذَّرىم منو جعلتو يؤكّْد بكل ىذه ابؼؤكدات, ثم إفَّ رسوؿ الله  قد نعت ىذا الرجل بصفتين أوَّبؽما أنَّو عظيمٌ , وىذه العَظَمَة ىي عَظَمَة مَنصِبٍ أو مكانةٍ أو سيادةٍ أو رئاسةٍ , بالإضافة إلى ضخامة ابعسم والبِنْية, أي أنَّو صاحب مكانةٍ عاليةٍ وصاحب جسمٍ ضخم ابؽيكل, وضخامة ابؽيكل لا تعنِ أنَّو بظينٌ , فقد يكوف ضخم ابعسم من ناحية الطوؿ وابغجم, وليس بالضرورة أف يكوف بظينً ا وىذا ما قصده  ,بدليل أنَّو أردؼ بػ (الواو) ليجمع بين ضخامة ابعسم وبظنتو, ولو أراد أنَّو صاحب مكانةٍ عظيمةٍ دوف ضخامةٍ في جسمو لكاف عليو الصلبة والسلبـ قاؿ: "العظيم السمين" دوف ذكر الواو في قولو: "العَظِيمُ وَالس مِينُ ", فهذه الواو جعلت ىذا الرجل بومل عدة صفات ىي عِظَمُ ابؼكانة وعِظَمُ ابػِلْقَةِ وعِظَمُ السّْ مْنَة. لكن ما مصير ىذا الرجل يوـ القيامة؟ يقوؿ  إنَّو "لاَ يَزِفُ عِنْدَ اللِ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ ", فالنَّفي في بداية ابعملة أراد منو  أف يػُجَسد صِغَر حجم ىذا الرجل, حتَّ إنَّو أصغر بكثيرٍ من جناح بعوضة, ولو حذؼ النفي لكاف فُهِم من التشبيو أفَّ الرجل يَزِف جناح بعوضة, وىذا ما لا يريده عليو الصلبة والسلبـ , فالنفي والفعل ابؼضارع يؤكداف ضآلة ىذا الرجل وصِغَره, ثم ذِكْرُه  للظرؼ (عند) لو أبنيتو البالغة إذ إفَّ فيو تهويلبً وبزويفً ا وتذكيرً ا بالعرض أماـ الله عزَّ (ٕ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ. (ٖ) صحيح البخاري, مصدر سابق,جػ٘,:ٖٕٙ,كتاب تفسير القرآف, باب تفسير قولو: "أُولَئِكَ ال ذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَب هِمْ وَلِقَائِوِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ".

عدد الصفحات ٢٦٢

263 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجلَّ , فيزداد ابؼرءُ بؿاسبةً لنفسو ويستزيد من الأعماؿ الصابغة حتَّ لا يكوف في الدنيا عظيمً ا بظينً ا وداخلو خاوٍ من الطاعات. لقد اختار الرسوؿ  (جناح البعوضة) ليدلّْل على الصّْغَر الػمُتناىي بؽذا الرجل برقيرً ا وإىانةً وإذلالاً لو, بالإضافة إلى أنَّو  قد حذؼ أداة التشبيو في قولو"جَنَاحَ بػَعُوضَة" ولم يقل "كجناح بعوضة" أو "مثل جناح بعوضة" وذلك حتَّ يطابق ابؼشبو ابؼشبو بو بسامً ا, فيصبح ذلك الرجل الضَّخم السَّمين في حجم جناح بعوضة, فحذفو عليو الصلبة والسلبـ للؤداة أدَّى إلى تقوية الشَّبو بين ابؼشبو الرجل وبين ابؼشبو بو جناح البعوضة. لقد حوت ىذه الصورة التشبيهية بصلةً من ابؼؤكدات كػ (إفَّ ) و(لاـ الابتداء ) و(ابظية ابعملة), ثم النفي بػ(لا), ثم حذفو عليو الصلبة والسلبـ لأداة التشبيو من الصورة , كل ذلك لينبو وبوذر من الاغترار بالدنيا وابعري وراء ملهياتها من مكانةٍ وماؿٍ وصحةٍ , وعدـ الاغترار بأشكاؿ الناس ومناصبهم , بل البحث عن ما برملو قلؤّم من تقوى وإبياف , وأفَّ ال تقوى والإبياف بنا ابؼقياساف ابغقيقياف اللذاف يقاس ّٔما الناس سواء في الدنيا أو يوـ القيامة. لقد وصف عليو الصلبة والسلبـ (ابغجم) في صورتو التشبيهية وأبدع أبيََّا إبداع حيث إفَّ جناح البعوضة على صغره فإفَّ وزنو لا يػُعَدُّ شيئً ا يُذكَر مقارنةً مع بقية أ عضائها الأخرى , والأبصل أف نعرؼ أفَّ في البعوضة شراىةً عندما بسَُصُّ دـ الإنساف , فإذا لم بسنع نفسها عنو وتأخذ كفايتها منو فقط فإنهَّا بسصو حتَّ تنشقَّ وبسوت (ٔ) ويكوف في ذلك ىلبكها ونهايتها, وىكذا حاؿ الإنساف الذي بهري خلف ملذَّات الدنيا, ولا ىمَّ لو إلاَّ التَّلذُّذ بدتعها , فيظل كذلك حتَّ يدركو ابؼوت أو بيوت بأحد أسباب تلك ابؼلذات . من ىنا نلبحظ الدّْقة الفائقة في اختياره  بعناح البعوضة بالذات دوف غيرىا من ابغشرات كالذباب وغيرىا مثلبً , لأفَّ خفة جناح البعوضة بيثل عمل ىذا الرجل السَّ مين العظيم, إذ إنَّو يأتِ يوـ القيامة بأعماؿٍ خفيفةٍ في ابؼيزاف , فلم يتزوَّد بالأعماؿ الصابغة التي تثقل ميزاف العبد يوـ القيامة فيكوف في ذلك ىلبكو , كما أفَّ البعوضة تتصف بصفةٍ مُشأّةٍ لصفة ىذا الرجل فهي تستلِذُّ بالدـ , و لا بسنع نفسها عنو حتَّ يؤدي إلى ىلب كها, كذلك ذلك (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٕٔ.

عدد الصفحات ٢٦٣

264 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرجل بهري وراء الدنيا وزينتها ولا بينع نفسو منها , بل يظلُّ يلهث وراء الدنيا حتَّ تكوف سببً ا في ىلبكو والعياذ بالله. لقد أبدع الرسوؿ  في استغلبؿ ابغجم وفي اختيار نوع ابغشرة حينما أراد أف يصور لنا حقيقةً معنويةً اغترَّ ّٔا كثيرٌ من الناس فوضعها في ىذه الصورة التشبيهية ابؼوجزة التي عبرَّت عما أراده عليو الصلبة والسلبـ أدؽَّ تعبيرٍ وأوجزه.  وفي حديث آخر عن سهل بن سعد (ٕ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله  :{لَوْ كَاَنِت الدُّنػْيَا تػَعْدِؿُ عِنْدَ اللِ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ مَا سَقَىَ كَافِرً ا مِنػْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ }(ٖ). يظهر ىذا ابغديث ىواف شأف الدنيا فهي لا تساوي عند الله شيئً ا, واللهُ عزَّ وجلَّ لم بهعل الدُّنيا مقصودةً لذاتها بل جعلها طريقً ا وسبيلبً مُوصِلبً إلى ابعنة فهي دارُ ابتلبءٍ وجزاءٍ , أعطاىا للجَهَلَةِ والكَفَرَةِ , ومنعها الصَّابغِين الػخَيرِّْين , بغقارتها ودناءتها, وحسبنا ّٔا ىوانً ا على الله أنَّو صغَّرىا وحقَّرىا وقلَّل من شأنها كما في ىذا ابغديث, حيث قاؿ " :لَوْ كَاَنِت الدُّنػْيَا ", فبدأ عليو الصلبة والسلبـ بالأداة (لو) التي تعنِ انتفاء عدـ سقيا الكافر بسبب انتفاء مكانة الدنيا عند الله عز وجل , فقد دلت على "أفَّ علة انتفاء مضموف ابعزاء ىي انتفاء مضموف الشرط "(ٔ), وقد جاء الفعل ىنا بصيغة ابؼاضي ليدؿَّ على أفَّ الدُّنيا عند الله منذ خلقها لا تُساوي شيئاً , فأفاد ىنا معن أفَّ ابغكم صادرٌ مُنذ القِدَـ على الدُّنيا بابغقارة وابؽواف , وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "تػَعْدِؿُ عِنْدَ اللِ ", فلفظة (تعدؿ) تدؿُّ على الػمُوازنَة أي تَزِفُ وتُسَاوِي , وىذه اللفظة أبرزت الصورة التي يرتكز عليها التَّشبيو, وقولو: "عِنْدَ اللِ ", فذِكر الظَّرؼ ىنا لو أبنيتو إذ إفَّ الذي ىانت عليو الدنيا ىو الله عزَّ وجلَّ وليس أيُّ أحدٍ , بل ىو الذي خَلَقَ الدنيا وأنشَأَىَا من عدـٍ , وقولو: "جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ ", ابؼشبو بو ىنا ىو جزءٌ صغيرٌ خفيفُ الوزف بالنسبة إلى جسم البعوضة, فعلى الرغم من صِ غَر البعوضة وضآلتها فإفَّ الله عزَّ وجلَّ اختار أصغر وأخفَّ ما فيها برقيرً ا وازدراءً بؽذه الدنيا , وىو مثَلٌ للقلَّة وابغقارة , وربػَّما تناسب اختيار البعوضة وجناحها مع مقاـ التَّحقير في ابغديث , حيث إفَّ البعوضة من ابغشرات ابغقيرة (ٕ) سبقت ترجمتو ,:ٕٖ. (ٖ) سنن الترمذي,مصدر سابق, جػٗ,:٘ٛٗ. كتاب الزىد, باب ما جاء في ىواف الدنيا على الل,حديث رقمٕٖٕٓ. (صححو الألباني بمجموع طرقو , حديث رقم:ٙٛٙ). (ٔ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق, جػٕ,:ٓ٘.

عدد الصفحات ٢٦٤

265 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وابغشرات التي جعلها الله مع حقارتها وصغرىا عذابً ا لأقواـٍ جَبَابِرةٍ كفروا بالله وأشركوا , كالنَّمرود في زمن إبراىيم عليو السلبـ . "فإذا بِناح البعوضة سقفٌ ع اؿٍ للدنيا بكل ما فيها من مباىجَ ولذائذَ زائلةٍ , فباتت الدُّنيا ّٔذا التشبيو دَنِيئةً أقصى الدَّناءة وتافهةً أقصى التَّفاىة, وأحقر من جناح بعوضة مُقزّْزٍ يَدُوسُوُ ابؼؤمن وبيضي, كما أشار التَّشبيو بِناح البعوضة إلى سُخف من يشتغل قلبُوُ بالدنيا, وشبَّهو بدن بهلس أماـ جناح بعوضة ويقلّْبو لعلو بهد فيو كنزً ا, وفي ذِكر ابعناح قهرٌ لأفَّ البعوضة تُسلَبُ قوتها من جناحها , فتُمسِي فاقدة القُوى فضلبً عن كونو بصادً ا حين يُنتَزع من جسم البعوضة"(ٕ). وقولو " :مَا سَقَىَ كَافِرًا مِنػْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ", فالنفي أفاد ابؼبالغة في التأكيد, وقولو: "سَقَى" يُقاؿ "للمَاء خاصَّةً "(ٖ), وقولو: "كَافِرً ا" بالتَّنكير لتدؿ على التَّعميم والتَّكثير, أي الكفار على كثرتهم أيِّ ا كانوا في بقاع الدُّنيا, وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "مِنػْهَا", فتقدُّـ ابعار وآّرور ىنا للتَّذكير بحقارة الدُّنيا في أوَّؿ ابغديث, وقولو " :شَرْبَة مَاءٍ", فػ(الشَّربة) تدؿُّ على "ما يُشرَب من ابؼاء مرَّةً واحدةً "(ٗ), وخصَّ علي و الصلبة والسلبـ ابؼاء دوف غيره من الػمَطعَمِ وابؼأكل, لأفَّ ابؼاء عصَبُ ابغياة وأساسُها , قاؿ تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُل شَيْءٍ حَي }(ٔ), والإنساف لا يتحمَّل العيش بدوف ابؼاء, لكنو قد يتحمَّل العيش بدوف الطعاـ, مُعتمدً ا على ابؼاء, ولعلمو عليو الصلبة والسلبـ بأبنّْية ابؼاء عند الإنساف خصَّو بالذّْكر في ىذه الصورة التشبيهية دوف غيره, "وابؼعن أنَّو لو كاف بؽا أدنى قدرٍ ما سَقَى كافرً ا منها -أي من مياه الدُّنيا- شربة ماء , أي بيَُتَّع الكافر منها أدنى بسََتُّع , فإفَّ الكافر عدوُّ الله , والعدوُّ لا يُعطَى شيئً ا بفَّا لوُ قدرٌ عند الػمُعطِي, فمن حقارتها عنده لا يُعطِيها لأوليائِوِ "(ٕ). (ٕ) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٖٛٔ-ٗٛٔ. (ٖ) مختار الصحاح, مصدر سابق, (باب السين, مادة (س ؽ ى),:ٖ٘ٓ. (ٗ) المصدر السابق,(باب الشين, مادة(ش ر ب),:ٖٖٖ (ٔ) سورة الأنبياء, الآية:ٖٓ. (ٕ) تحفة الأحوذي, مصدر سابق,جػٙ,:ٖٓ٘.

عدد الصفحات ٢٦٥

266 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقد استخدـ  "أسلوب الشَّرط الػمُتضمّْن معن النَّفي وبذوُّز الػمُشأّة وعلو ابؼشبو, بفَّا يُفيدُ الإِيغَاؿَ في التَّأثيرِ وتنشيطِ ابؽِممِ "(ٖ), وأبرز لنا معنً معنويِّ ا وجسَّدهُ بصورةٍ مألوفةٍ من واقع حياتنا, وقػَرَنهَا بالإقنَاعِ والدَّليلِ الوَاضِحِ .  ويذكر الرسوؿ  جناح البعوضة في موضع آخر, فعن عبد الله بن أنيس (ٗ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله  :{إِف مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ الش رْؾَ بِاللِ وَعُقُوؽَ الوَالِدَيْنِ وَاليَمِينَ الغَمُوسُ , وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ إِلا جُعِلَتْ نَكْتَةً فِي قػَلْبِوِ إِلَى يػَوْـِ القِيَامَةِ }(٘). فرسوؿ الله  بوذّْرنا من أمورٍ عظيمةٍ تُوجِب غضبَ الله وعقابو فقا ؿ: "إِف مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ ", فػ(إفَّ ) دلت على التَّوكيد, و(من) دلت على أفَّ ىناؾ كثرةً بؽذه الكبائر و إبمَّا الشرؾ والعُقوؽُ واليَمينُ الغَمُوسُ بعضً ا منها, فدؿَّ ذلك على ابؼبالغة في التحرنً , و(أكبر) جاءت على وزف (أفعل) لتدؿَّ أيضاً على ابؼبالغة , و ىي بدعن أعظم الكبائر, وقولو: "الكَبَائِر", فػ(الكبائر): "بصع كَبيرةٍ , وىي السَّيئةُ العظيمة التي خطيئتها في نفسها كبيرةٌ وعقوبةُ فاعلها عظيمةٌ , وقيل الكبيرة: ما أوعد عليو الشَّارعُ وعينَّ لوُ حدِّ ا"(ٔ). ثم حدَّد عليو الصلبة والسلبـ أوَّؿ الكبائر بقولو: "الش رْؾُ بِاللِ ", والشرؾُ ىو "أف بذعلَ أحدً ا شريكً ا للآخر, والػمُراد بو ىا ىنا ابزّْاذ إلوٍ غير الله , وأراد بو الكفر "(ٕ), واختار لفظ الإشراؾ لأنَّو كاف الغالب في العرب وفي الكَفَرة, ثم قاؿ " :وَعُقُوؽُ الوَالِدَيْنِ ", فعطف عليو الصلبة والسلبـ بػ(الواو) التي دلَّت على ابعمع مع ما قبلها في ابغكم, وىو أنهَّا من الكبائر, (ٖ) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٖٛٔ. (ٗ) عبد الل بن أنيس الجهني, صحابي شهد العقبة وأحداً , مات بالشاـ في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين. (الإصابة, جػٙ, :ٕ٘). (٘) سنن الترمذي, مرجع سابق ,جػ٘,:ٕٕٓ, كتاب تفسير القرآف, باب من سورة النساء, رقمٕٖٓٓ. (أخرجو الترمذي وحسنو. ؛ وابن حباف في صحيحو, الإحساف,جػٕٔ,:ٖٗٚ, رقم:ٖٙ٘٘. ؛ والحاكم في المستدرؾ, جػٗ, :ٜٕٖ, رقم:ٛٓٛٚ. وقاؿ صحيح, وقاؿ الشيخ الألباني: حسن). (ٔ) تحفة الأحوذي, مصدر سابق,جػٙ,:ٖٕ. (ٕ) المصدر السابق, جػٙ,:ٓٛٗ.

عدد الصفحات ٢٦٦

267 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولو: "عُقُوؽُ " مأخوذٌ من "عقَّو عقِّ ا أي شَقَّوُ "(ٖ), ومعن ذلك قَطعُ وصلِهِمَا, وإيذاؤ بنَا بدا لا بوتملبف من ابؼعصية بؽما, وبـُالفة أمرِبنَِا فيما لم يكن فيو معصيةٌ للهِ عزَّ وجلَّ , وعدـ ابغُنػُوّْ والعطف عليهما, ولِعظَم ىذا الأمر عند الله تعالى قػَرَنَو بالشرؾ بالله عزَّ وجلَّ , فقاؿ: {وَاعْبُدُواْ اللّوَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِوِ شَيْئً ا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً ا}(ٗ). ثم قولو  :"وَاليَمِينُ الغَمُوسُ", فػ"الغَمْسُ : إِرْسَابُ الشَّيءِ في الشَّيءِ , واليمين الغَمُوسُ ىي الكاذبة التي تُقطَع َِّٔا ابغُقوؽُ "(٘), و"اليمين الغَمُوسُ ىي اليمينُ الكاذبةُ الفَاجرةُ التي يَقطعُ ّٔا ابغالفُ ماؿَ غيرِهِ , وبظُّْيت غَمُوس لأنهَّا تػَغْمِسُ صاحبَه ا في الإِثمِ ثم في النَّار "(ٙ), ولفظة (غَمُوس) على وزف فػَعُوؿ وذلك مبالغةً في عِظَم ىذه ابؼعصية, ثم ذكَر عليو الصلبة والسلبـ بعد قولو: "وَاليَمِينُ الغَمُوسُ " تفصيلبً بؽذه اليمين بعد أف أبصلها بقولو: "وَاليَمِينُ الغَمُوسُ " بقولو: "وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ يَمِ ينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ إِلا جُعِلَتْ نَكْتَةً فِي قػَلْبِوِ إِلَى يػَوْـِ القِيَامَةِ ", ىذا التفصيل والتوضيح منو  أفاد أف(اليمين الغَمُوس) من ابؼعاصي التي تكثرُ وتنتشرُ بين الناس ويػُتػَهَاوف ّٔا , فاحتاجت إلى مَزِيدٍ من التَّفصيل والتحذير, وىذا أدَّى إلى ابؼبالغة في بررنً ىذه الكبيرة على عكس الكبيرتين السَّابقتين بؽما وبنا (الشرؾ بالله , وعقوؽ الوالدين), فلب تَكثُراف ولا تنتشراف انتشار (اليمين الغموس) بين الناس. ثم قولو: "وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ يَمِينَ صَبْرٍ ", فػ(ابغَلِفُ ) ىو اليمين ولكنَّو نوعٌ بين اللَّفظتين تأكيدً ا, وقولو: "حَلَفَ حَالِفٌ ", فػ(حالفٌ بالله ) تذكيرٌ بأفَّ اليمينَ ما كانت إلا بالله لا بغيرِهِ وإبعادً ا للتَّوىُّم في أفَّ ابغلف بغير الله عزَّ وجلَّ يكوف بيينً ا, وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "يَمِينَ صَبْرٍ ", فأصل الصَّبرْ : "ابغَبسُ , وكلُّ من حَبَسَ شيئً ا فقَدْ صَبػَرَهُ "(ٔ), واليمين الصبر ىي التي أُلزِـَ ِّٔاَ وحُبِس عليها صاحبهُا وكانت لازِمةً لصاحبها من جهةِ ابغُكم, وقيل بؽا مَصْبُورةٌ , وإف كاف صاحبهُا في ابغقيقة ىو الػمَصبُورُ لأنَّو إبمَّا صَبػَرَ من أجلها , أي حُبِسَ فوُصفَت بالصَّبر وأُضيفَت إليو , وابؼراد بِيَمين الصَّبر أف بوبس السُّلطاف الرجل حتَّ بولف ّٔا , وىي لازمةٌ (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل العين),:ٕٕ٘. (ٗ) سورة النساء, الآية:ٖٙ. (٘) لساف العرب, مصدر سابق, جػٙ,(باب السين, فصل الغين),:ٙ٘ٔ. (ٙ) تحفة الأحوذي, مصدر سابق, جػٛ,:ٜٕ٘. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٗ,(باب الراء, فصل الصاد),:ٖٛٗ.

عدد الصفحات ٢٦٧

268 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لصاحبها من جهةِ ابغكم , وقيل بيين الصبر ىي التي يكوف مُتعمّْدً ا فيها للكذب قاصدً ا لإذىابِ ماؿِ ابؼسلم كأنَّو يصبرّْ النَّفس على تلك اليمين أي بوبسُها عليها"(ٕ). وقولو: "فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ ", فقولو: " فَأَدْخَلَ " أي ابغالف (فيها) ابعار وآّرور يعود على (اليمين), "مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ ", أي أدخل فيها مثل جناح البعوضة في صِغَرِهِ وخفَّتِوِ , فجناح البعوضة ىو أصغرُ جزءٍ وأخفُّو وىو جزءٌ شفاؼٌ جدِّ ا حتَّ إنَّو يكادُ لا يُرى, فكذلك (بيين الصبر) قد يكذِبُ فيها صاحبها كذبةً صغيرةً قد بوتقرىا لِصِغَرىا , وقد لا يُلبحظ ىذه الكذبة أحدٌ غير ابغالف , فمن ىنا شبَّهها عليو الصلبة والسلبـ بدثل جناح البعوضة. وقولو: "إِلا جُعِلَتْ نَكْتَةً فِي قػَلْبِوِ إِلَى يػَوْـِ القِيَامَةِ ", فبناء الفعل للمجهوؿ في لفظة (جُعِلَتْ ) أفاد التَّعظيم لشأف (الكذب في بيين الصَّبر), وأنهَّا من أكبر ابؼعاصي, واستخدـ عليو الصلبة والسلبـ "جعل" في قولو "جُعِلَت" ليدلل على أفَّ ىذه النكتة لم تكن موجو دة من قبل, بل إنهَّا بدأت ونشأت وتكوَّنت بسبب ىذه اليمين الغموس. وقولو: "نُكتة" فػ"النَّكتُ : أف تَنكُتَ بِقَضِيبٍ في الأرض فتؤثػّْرَ بِطَرفِوِ فيها , والنُّكتة : كالنُّقطة , وىي أيضً ا نقطةٌ سوداءَ في شَيءٍ صاؼٍ "(ٖ), ومعن ذلك أفَّ النَّكت ىو بقاءُ الأَثَرِ في الشَّيءِ , ومن ىنا فإفَّ "أَثػَرَ تلك النُّكتةِ التي ىي من الرَّيْن والكذب يبقى أَثرُىا إلى يوـ القيامة, ثم بعد ذلك يترتَّب عليها وَبَابؽُا والعقاب عليها فكيف إذا كاف كذبً ا بؿَْضً ا"(ٔ), ولننظر إلى بصاؿ الوصل بين ابعمل في قولو  :"إِف مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِ رِ الش رْؾَ بِاللِ وَعُقُوؽَ الوَالِدَيْنِ وَاليَمِينَ الغَمُوسُ ", حيث أدى ىذا الوصل إلى بصع ىذه ابؼعاصي برت مظلة الكبائر ابؼوجبة للعقاب والوعيد . لقد حذر  من ىذه الكبائر أشدَّ برذيرٍ , نُلبحظ ذلك فيما حَوَاهُ ابغديث من صِي ٍ تدؿُّ على ابؼبالغة والتأكيد في حُرمتها , مثل قولو  :"إِف مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ ", فػ(إفَّ ) جاءت مؤكدة بؼا بعدىا , وابظية ابعملة "إِف مِنْ أَكْبَرِ ", وأفعل التفضيل في قولو (أكبر), و صيغة فعوؿ في لفظة (الغَمُوس), والصورة التشبيهية "مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ " دلَّت على ابؼبالغة, وبناء الفعل (ٕ) تحفة الأحوذي, مصدر سابق,جػٛ,:ٜٕ٘. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٕ,(باب التاء, فصل النوف),:ٓٓٔ-ٔٓٔ. (ٔ) تحفة الأحوذي, مصدر سابق, جػٛ,:ٜٕ٘.

عدد الصفحات ٢٦٨

269 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للمجهوؿ في (جُعلت) للمبالغة في تعظيم شأف الكذب في اليمين, وأيضا بصلة الاستثناء "مَا حَلَفَ حَالِفٌ ...إِلا جُعِلَتْ ", فجملة الاستثناء دلَّت على ابؼبالغة في التحرنً, كلُّ ىذا لينبهنا  لِعِظَم ىذه الكبائر فنبتعد عنها ولا نقع فيها. وىكذا نلبحظ بفا سبق أفَّ ابغشرات في تشبيهاتو  لم تقل أبنية عن غيرىا, فقد وظَّفها عليو الصلبة والسلبـ توظيفً ا بليغً ا لإبراز أىم ابؼعاني التي تضمنها التشبيو , فجسدت ىذه ابغشرات ابؼعاني في صورة حية مشاىدة واضحة , فثبتت من خلببؽا القيم وابؼبادئ وابؼفاىيم التي أرادىا عليو الصلبة والسلبـ , فقد استخدـ  (النَّحلة ) في ابؼواقف التي فيها حثّّ على العبادة والطاعة والذكر , كما في قولو : "إِف مِم ا تَذْكُرُوفَ مِنْ جَلاَؿِ اللِ ... لَ هُن دَوِي كَدَوِي الن حْلِ ", أما ابؼواقف التي بذسد معاناتو  في ىداية أمتو فيستخدـفيها عليو الصلبة والسلبـ (الفراشة ) بؼا في ىذه ابغشرة من جهلٍ , وعندما يريد عليو الصلبة والسلبـ أف بوذّْر أمتو من دخوؿ قوـ بلبدىم ومقاتلتهم إياىم فإنَّو يستخدـ (ابعرادة ) بؼا بؽا من صفات بفيزة , فهي تعيش في بيئتها أشبو ما تكوف بدستعمرة عسكرية كما في قولو عليو الصلبة و السلبـ : "لاَ تػَقُوـُ الس اعَةُ حَت ى تػُقَاتِلُوا ....., كَأَف أَعْيػُنػَهُمْ حَدَؽُ الجَرَادِ ", وعندما يتحدث  عن الذُّؿ والاستصغار, يردُ الذباب في تشبيهو كما في قولو : "لاَ تػَقُلْ تَعِسَ الش يْطَافُ ....., تَصَاغَرَ حَت ى يَكُوفَ مِثْلَ الذُّبَابِ ". كما استخدـ عليو الصلبة والسلبـ (البعوض) في ثلبثة مواضع, كل موضعٍ بضل معن من ابؼعاني وأراد بو  بذسيد الفكرة أو ابؼعن الذي يدور في فكره عليو الصلبة والسلبـ , ففي بياف أبنية العمل الصافٌ وأنَّو الأساس في رفع الدرجات وبؾاؿ التفاضل بوذر  من أف يأ الإنساف يوـ القيامة بأعماؿٍ قليلة لا تزف عند الله شيئً ا, فيشبو بِناح البعوضة ليوضح خفة وشفافية ىذه الأعماؿ, كما في قولو: "إِن وُ لَيَأْتِي الر جُلُ العَظِيمُ الس مِينُ يػَوْـَ القِيَامَةِ لاَ يَزِفُ عِنْدَ اللِ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ "(ٔ), ويستخدـ  جناح البعوضة مرة أخرى لتجسيد معن الاستصغار وابؽواف مع انعداـ الرؤية لشدة الصغر ابؼتناىي للشيء المحرـ كما في قولو : "إِف مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ .... فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحَ بػَعُوضَةٍ "(ٕ). (ٔ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الرابع,:ٕٓ٘. (ٕ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الرابع,:ٕٗ٘.

عدد الصفحات ٢٦٩

271 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقد تنوعت أساليب التشبيو النبوي تنوعً ا واسع آّاؿ, مرتبطة في ذلك بدا استخدمو عليو الصلبة والسلبـ من ابغيوانات التي شبو ّٔا, حيث دلت ىذه ابغيوانات على ابؼعاني وارت بطت ّٔا لاشتمابؽا على خصائص وصفات ناسبت ىذه ابؼعاني. ومن ىنا ندرؾ قيمة ىذا التشبيو والعناصر التي أسهمت في بياف قيمتو من خلبؿ خصائص ىذه ابغيوانات التي منحت التشبيو أسباب القوة والتأثير. وابؼتأمل للتشبيو بابغيواف في أحاديثو  بهد صورً ا بيانية متنوعة ا ّٓالات تقرب ابغقائق وتوضح القضايا وتبرز الكامن من ابؼعاني وتتجاوز الواقع إلى ما وراءه من الأمور إيضاحً ا بؼا يرتبط بدضامينها من القضايا ويتعلق ّٔا من ابؼواقف ابؽامة . وكشفً ا للحقائق وتقريبً ا للغوامض البعيدة بهد ابؼتأمل في ىذه التشبيهات عناية بالغة بدقائق كل حيواف من حيث بيئتو وحياتو وطريقة عيشو وصفاتو وخصائصو . فمنها التشبيو بابغيواف الذي يشتمل عليو الأسلوب ابؼفصل القائم على الإطناب والاعتناء بابعزئيات والعناصر ابؼبرزة دلالتو , ومن أمثلتو قولو  :"لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ ..."(ٖ), وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "إِف حَوْضِي أَبػْعَدُ مِنْ أَيػْلَةَ مِنْ عَدَفٍ لَهُوَ أَشَدُّ بػَيَاضً ا مِنَ الثػ لْجِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِالل بَنِ ..."(ٗ), وغيرىا بفا لا يتسع ابؼقاـ لذكره , ففي ىذه التشبيهات البيانية تتوالى التفاصيل ابؼتعلقة ّٔا إيضاحً ا للمعاني الكامنة وبيانً ا بؼا تشير إليو من دلالات حتَّ تكتمل الصورة التشبيهية بابغيواف , فتتضح القضية التي يدور حوبؽا التشبيو. وإيضاحً ا للمزيد من التشبيهات النبوية في ابغديث النبوي بقد تنوعً ا في التشبيو بابغيواف بين الإطناب كما سبق , والإبهاز وىو الاكتفاء بدا يدؿ على ابؼذكور من ابؼعاني والدلالات الواضحة, أو التي بيكن إيضاحها في ضوء فهم التشبيو وتأمل جوانبو, وذلك كما ىو ابغاؿ (ٖ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٖ٘ٔ. (ٗ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٜٖٔ.

عدد الصفحات ٢٧٠

271 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما ورد عنو  في قولو: "إِن مَا الن اسُ كَإِبِلِ الػمِائَةِ لاَ تَكَادُ تَػجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً "(ٔ), وفضلبً عن ذلك فإفَّ التشبيو النبوي بابغيواف بصع بين قوة الإبهاز الداؿ, ودقة البياف ابؼفصل في آفٍ واحدٍ , كما في قولو  في تشبيهو بالإبل: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوـَ الػجُمُعَةِ غُسْلَ الػجَنَابَةِ ..."(ٕ), فكل صورة من ىذا التشبيو موجزة واضحة , وكل ىذه الصور ابؼتتالية بذتمع في آفٍ واحدٍ موضحة ابؼغزى من إيراد التشبيو . وىكذا بيكن القوؿ بأفَّ التشبيهات التي وردت بابغيواف في ابغديث النبوي الشريف ترد متنوعة تنوعً ا يتناسب مع اختيار ابؼشبو بو (ابغيواف), وما يقتضيو ك لٌ منها من معافٍ ودلالاتٍ تضمنتها الصورة التشبيهية . (ٔ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٖٖٔ. (ٕ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٙٗٔ.

عدد الصفحات ٢٧١

272 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبحث الخامس المَ وْ ضُ وعَ اتُ والعَ نَ اصِ رُ المُ شْ تػَ رَ كَ ةُ بػَ يْ نَ الت شْ بِ يوِ بِ الحَ يَ وافِ فِ ي القُ رآفِ الكَ رِ يمِ , والحَ دِ يثِ الن بوي اختار الله نبيو بؿمدً ا  من بين آلاؼ الفصحاء, وجعلو أفصحهم , وأيَّده بالقرآف الكرنً معجزةً تبهر قومو فصاحةً وبيانً ا, وجاءت سنَّتو مبيّْنةً لتلك ابؼعجزة وشارحةً بؼعانيها ومفصّْلةً لتلك الآيات التي ترقى ّٔم من مستنقع ابعاىلية إلى قمم الأخلبؽ الفاضلة . قاؿ تعالى: {لَقَدْ مَن اللّوُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بػَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً م نْ أَنفُسِهِمْ يػَتػْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِوِ وَيػُزَك يهِمْ وَيػُعَل مُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِف كَانُواْ مِن قػَبْلُ لَفِي ضَلاؿٍ مُّبِينٍ }(ٔ). فهو عليو الصلبة والسلبـ ابؼبلّْ عن ربو ابؼبينّْ بؼا في القرآف , فابؼعاني بصيعها من عند الله, والقرآف مُعجزٌ وابغديث مبدعٌ , وقد اشتركت ابؼوضوعات وابؼعاني بين ابغديث النبوي والقرآف لأنهَّما توضيحٌ بؼنهجٍ ربانيٍّ واحد ورسالة بظاوية واحدة . وىذا ما سوؼ نلبحظو من خلبؿ ىذا ابؼبحث -إف شاء الله- وستحاوؿ الباحثة جاىدة استقصاء ابؼعاني وابؼوضوعات ابؼشتركة بين التشبيهات بابغيواف الواردة في كلٍّ من القرآف الكرنً (ٔ) سورة آؿ عمراف, الآية:ٗٙٔ.

عدد الصفحات ٢٧٢