241 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلا أفَّ الصحابة أرادوا تفسيرًا يوضّْح حقيقة أمر ىؤلاء الكُهَّاف, فقالوا: "فَإِنػ هُمْ يُػحَد ثُوفَ أَحيَانً ا بِالش يْءِ يَكُوفُ حَق ا!" أي أنهَّم على علمٍ بأفَّ حديثهم لا يُصدَّؽ دائمً ا, لكنهم يريدوف تفسيرً ا بؼا يكوف حقِّ ا من أحاديثهم, فيردُّ عليهم بدا يُزيل دىشتهم وتعجُّبهم ويوضح بؽم الأمر بقولو: "تِلكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَق يػَخْطِفُهَا الجِن يُّ فػَيُ قِ رُّ ىَ ا فِي أُذُفِ وَلِي وِ قر الد جَاجَةِ فَيخْلِطُوفَ فِيهَا أَكْثػَرَ مِنْ مِائةِ كِذْبَةٍ " فقد "كاف ابعنُّ يصعدوف إلى جهة السماء , فيركب بع ضهم بعضً ا إلى أف يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلبـ فيلقيو في أُذُف الكاىن فيزيد فيو, فلما جاء الإسلبـ ونزؿ القرآف , حُرست السماء من الشياطين وأُرسلت عليهم الشُّهب, فبقي من استراقهم ما يتخطَّفو الأعلى فيُلقيو إلى الأسفل قبل أف يُصيبَو الشّْهاب. وإلى ذلك جاء ت الإشارة بقولو تعالى : {إِلا مَنْ خَطِفَ الخَطْفة فَأَتػْبػَعَوُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }"(ٔ)(ٕ). فرسوؿ الله بينَّ بؽم بقولو : "تِلكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَق " فاستخدـ عليو الصلبة والسلبـ اسم الإشارة (تلك) التي يُشار ّٔا للبعيد, ليؤكّْد للصحابة أنهَّا كلمة استرقها ابعنُِّ من مكافٍ بعيدٍ في السماء ثم أطْلَع الكاىن عليها, ثم إفَّ استخدامو وإفراده لكلمة (الكلمة) دوف بصعها كأف يقوؿ (كلمات) أو (بصُل ) تدؿ على ضعف ابعنِ حتَّ أنَّو لضعفو لم يستطع أف يسترؽ غير كلمةٍ واحدةٍ فقط, ولذلك حدَّد عليو الصلبة والسلبـ ذلك بقولو:"الكلمة" دوف سواىا, و أمَّا قولو عليو الصلبة والسلبـ "مِنَ الحَق " فػ"من" للتبعيض, وقد أوحت بأنَّو لا يستطيع أف بىطف إلا القليل, وأقلُّ القليل ىو كلمة واحدة, وذلك بػوفو واضطرابو وعجزه , وكل ذلك بيثّْل ضعفو وحقارتو أماـ قدرة الله عزَّ وجلَّ , ثم بودد صِفَة ىذه الكلمة أنهَّا كلمة حقٍّ جاءت من عند الربضن خالصةً نقيَّةً , فيخطفُها ابعنُِّ ويسرع ّٔا إلى وليّْو, وىنا نرى براعةً أخرى في اختياره للفعل"يخطفها" وذلك أفَّ الفعل يدؿ على استمرار ىذا الفعل في كل زمافٍ , وبذدده -أي في كل زمنٍ يظهر فيو كاىنٍ -, والأمر الآخر الأكثر روعةً ىو أنَّو اختار كلمة (بىطفها) التي تدؿ على "الأخذِ بسرعةٍ وحذَرٍ وخِفْيَةٍ "(ٖ), وذلك يعنِ أفَّ ابػاطف دائمً ا في (ٔ) سورة الصافات, الآية:ٓٔ. (ٕ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٓٔ,:ٕٚٔ. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٜ,(باب الفاء, فصل الخاء),:٘ٚ.
عدد الصفحات ٢٤١242 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حذرٍ لعلمو أفَّ عملو قد ينكشف في أي بغظةٍ لأنَّو دوف بزطيطٍ مُسبَقٍ , فابػاطف في ابغديث لا يعلم شيئً ا عمَّا يُريدُ خطفَوُ , أي لا يعلم مُسبػَقً ا شيئً ا عن الكلمة التي يُريدُ خطفَهَا, وفي أيّْ وقتٍ بيكن أف بىطفها , فعملو ينصَبُّ على السُّرعة في ابػَطفِ وابغذر من العقاب , ولو استخدـ عليو الصلبة والسلبـ كلمة (يسترَقها ) التي تدؿ على "أخذِ الشَّيء في خِفْية "(ٗ) لفهمنا أنَّو يقصد أفَّ ابعنَِّ خطَّط ودبَّر لسرقة كلمةٍ مُعينةٍ وىذا التخطيط الػمُسبق قد يكفل لو عدـ العقاب الذي سيصيبو على عكس ما يُفهم من كلمة (بىطفها) التي في ابغديث الشريف , إذً ا فما الذي بودث بؽذه الكلمة التي بىطفها ابعنِ؟ يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ:"يػَخْطِفُهَا الجِن يُّ فػَيُ قِ رُّ ىَا فِي أُذُفِ وَلِي وِ قر الد جَاجَةِ ", وقد ذكر ابغديث لفظة "ابعنِّْ " ولم يقل "الشيطاف" لأفَّ الشيطاف يطلق على "كل متمرد عاتٍ من ابعنّْ " فابعنِّْ لم يتمرد على إبليس بل ىو في طاعتو , يسترؽ السمع وبىطف الكلمة ويقرىا في أذف وليو, فبعد أف بىطفها ابعنِ يذىب ّٔا إلى وليّْو وىو الكاىن فيُقِرُّىا, و"القَرُّ ": "ترديد الكلبـ في أُذُفِ الأبكم حتَّ يفهمو "(ٔ), فاختياره عليو الصلبة والسلبـ بؽذه الكلمة يصوّْر لنا عجز الكاىن وشدَّة غبائو وضعفو, إذ إفَّ ابعنِ يظل يردد على الكاىن الكلمة حتَّ يفهمها ويستوعب معناىا, بالإضافة إلى أفَّ حرؼ (الراء ) ابؼشدد(ٕ) في ابؼفعوؿ ابؼطلق (قرَّ ) عند النطق بو يظل يرتعد ويتكرَّر على اللساف حيث يوحي بالتكرار من ابعنِّْ على الكاىن فيما بىبره بو, وىذا من بلبغتو ,بالإضافة إلى أف(القرَّ ) "يُطلق على صوت الدَّجاجة إذا قَطَعَتو"(ٖ), وىذا تشبيوٌ منو بؽذا ابعنِّْ الذي بىطف الكلمة حيث يظلُّ يردّْدُىا في أُذُفِ الكاىن ح يستوعبها, فتشبيهو بؽذا ابعنِّْ بالدجاجة دوف الدّْيك فيو سخريةٌ شديدةٌ ّٔذا ا, لأفَّ ابؼعروؼ عن الدَّجاجة خوفها وضعفها الشديد مقارنةً بالديك, وفي ىذا مُبالغة في شدَّة ضعف ىذا ابعنِ مقارنةً مع قوَّة الله عزَّ وجلَّ وقدرتو. ثم يواصل عليو الصلبة والسلبـ ما بودث بؽذه الكلمة من ابغقّْ عندما يُقِرُّىا ابعنُِّ في أُذُف الكاىن بقولو:"فَيخْلِطُوفَ فِيهَا أَكْثػَرَ مِنْ مِائةِ كِذْبَةٍ ", إفَّ ىذه الكلمة التي يتلقَّاىا الكاىن (ٗ) المصدر السابق, جػٓٔ, (باب القاؼ, فصل السين),:ٙ٘ٔ. (ٔ) المصدر السابق, جػ٘, (باب الراء, فصل القاؼ),:ٗٛ. (ٕ) سر الفصاحة, مرجع سابق ,:ٕٓ. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘, (باب الراء, فصل القاؼ),:ٗٛ.
عدد الصفحات ٢٤٢243 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من ابعنِّْ لا يَدَعُها كما ىي بل بىلطها بدائة كذبة, وىنا نلبحظ دور الكاىن وىو كما قاؿ عليو الصلبة والسلبـ بىلطها بدائة كذبة , لقد وضَّح لنا عليو الصلبة والسلبـ صِفةً من صفات الكاىن وىي الكذب والدَّجل على النَّاس, ونلبحظ الدور الذي لعبو حرؼ العطف (الفاء) في قولو عليو الصلبة والسلبـ "فيقرىا , فيخلطوف" حيث مثَّلت سرعة الاختطاؼ وابػلط والكذب, وكل ذلك يتناسب مع فعل الدَّجل الذي يقوـ بو الكهاف. وقولو " :بمائة كذبة " لم يقصد الرسوؿ من ذكره بؼائة كذبة العدد بالتحديد إبما قصد عليو الصلبة والسلبـ (الكثرة ) إذ رُبدا خلطها الكاىن بأكثر من ذلك العدد. وىذا ابغديث بدا حوى من صورة تشبيهية بصيلة بسثّْل حاؿ الكهنة لا يتنافى مع قوؿ الله عزَّ وجلَّ : {وَأَن ا كُن ا نػَقْعُدُ مِنػْهَا مَقَاعِدَ لِلس مْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآْفَ يَجِدْ لَوُ شِهَابً ا ر صَدً ا}(ٔ), إذ إفَّ ىناؾ من ابعنّْ من يصعد إلى السماء فيسرؽ الكلمة الواحدة لعجزه أف يأخذ أكثر من ذلك ولضعفو وخوفو من أف تصيبو الشهب , عقابً ا بؼا يفعل, ويؤكد ذلك قولو عليو الصلبة والسلبـ "يخطفها الجن ي" دليل على عدـ السماح بؽم بالاستماع . لقد عبرَّت ىذه الصورة عن حاؿ الكُهَّاف والسحرة وابؼشعوذين أصدؽ تعبيرٍ , ووصفتهم وصفً ا دقيقً ا, وبيَّنت أف لا حوؿ بؽم ولا قوَّة بِانب قدرة الله وقوتو, وأفَّ سيطرتهم لا تكوف إلا على ضعفاء النفوس بفن يبتعدوف عن الله وعن ذكره . وبسيز ابغماـ من بين الطيور بألوانو ابؼختلفة الرائعة التي يكوف السواد جزءًا منها, فيرد ىذا اللوف في تشبيهو ,فعن ابن عباس رضي الله عنهما (ٕ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : {يَكُوفُ قػَوْـٌ يَػخْضِبُوفَ فِي آخِرِ الز مَافِ بِالس وَادِ كَحَوَاصِ لِ الػحَمَاـِ لاَ يَرِيػحُوفَ رَائِػحَةَ الػجَن ةِ }(ٖ). فرسوؿ الله بىبرنا عن أمرٍ مستقبليٍّ فيأتِ بالفعل"يَكُوفُ " ليدؿَّ على أفَّ ىؤلاء القوـ ليسوا في زمن النبيّْ ,فدؿَّ الفعل على أمرٍ غيبيٍّ أخبر عنو فهو من معجزاتو عليو الصلبة (ٔ) سورة الجن, الآية:ٜ. (ٕ) تقدمت ترجمتو ,:٘ٚٔ. (ٖ) سنن أبي داود, مصدر سابق,جػٗ,:ٛٔٗ-ٜٔٗ, كتاب الترجل , باب ما جاء في خضاب السواد. (وىو حديث صحيح, رواه النسائي, جػٛ,:ٖٛٔ. ؛ وأحمد في مسنده, جػٗ,:ٕٙٚ, حديث رقم:ٜٕٚٗ).
عدد الصفحات ٢٤٣244 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والسلبـ, بالإضافة إلى أفَّ ىذا الفعل "يكوف" فيو نفيٌ بؽذه ابؼعصية في زمنو عليو الصلبة والسلبـ وبين أصحابو فكأنَّو عليو الصلبة والسلبـ ينزه أصحابو عن مثل ىذا الفعل, ويرجع ىذا الفعل إلى ابؼستقبل , ثم يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ : " قػَوْـٌ يَػخْضِبُوفَ ", فهؤلاء القوـ بىضبو ف. وابػِضَابُ : "مَا يُػخْتَضَبُ بِوِ مِنْ حِنَّاءٍ وَكَتَمٍ وَبكَْوِهِ , وخَضَبَ الشَّيءَ يَػخْضِبُوُ : غَيػَّرَ لَونَوُ بحُِمْرَةٍ أو صُفْرَةٍ أو غَيرِبنَِا"(ٗ), وابؼعن أنهَّم "يػُغَيرّْوفَ الشَّعرَ الأَبْيضَ من الشَّيبِ الواقعِ في الرَّأسِ واللّْحيةِ بِالسَّ وادِ أيْ بِاللَّوفِ الأَسودِ "(٘), وقولو : "فِي آخِرِ الز مَافِ " توضيحٌ إلى أنهَّم ليسوا من الصحابة ,كما أنهَّم ليسوا من التَّابعين وغيرىم بل ىم قوـٌ من أواخر أمَّةِ بؿمَّدٍ , وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "بِالس وَادِ " أفاد ابعار وآّرور برديد اللوف وأنَّو اللوف الأسود دوف غيره كالأبضر مثلبً , وىذا أدَّى إلى توضيح اللوف الػمُحرَّـ, وابعملة الفعلية في بداية ابغديث من قولو " :يَكُوفُ قػَوْـٌ يَػخْضِبُوفَ فِي آخِرِ الز مَافِ بِالس وَادِ " دلَّت على إثبات فعلهم ىذا. ثمَّ شبَّههم عليو الصلبة والسلبـ بقولو : " كَحَوَاصِلِ الػحَمَاـِ ", فػ(الكاؼ) للتشبيو(ٔ), وابغَوَاصِلُ ىي "فيِ الطَّائر , وىي بدنزلة الػمَعِدَةِ من الإنسافِ "(ٕ), "أيْ كصُدُورِىا فَإنهَّا سُودٌ غَالبً ا"(ٖ), فشبَّو ىؤلاء القوـ الذين يػخضِبُوف بغاىم بالسواد شبههم بحواصل ابغماـ, لكن ما الذي جعل النبي يشبو بابغماـ دوف غيره من الطيور على الرغم من أف"بصيع الطيور تكوف بؽم حوصلةٌ لتخزين الطعاـ"(ٗ) بداخلها؟ إنَّو ذلك الطوؽ الذي تتميز بو ابغمامة دوف غيرىا من الطيور والذي يتصف غالبً ا بالسواد, يقوؿ الدميري: "إفَّ كلَّ ذات طوؽٍ بضاـ "(٘), وىذا ما يدؿ على أفَّ ىذا الطوؽ ابؼلوف لا يكوف إلا في ابغماـ على اختلبؼ أنواعو وأشكالو , فهذه ابغوصلة عندما بستلئ بالطعاـ تنتفخ وتبرز, وبروزىا وعليها ىذا اللوف الأسود بهسّْم وبهسّْد شكل اللحية السوداء, إذ أنهَّا (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الخاء),:ٖٚ٘. (٘) عوف المعبود, مصدر سابق,جػٙ,:ٛٚٔ. (ٔ) عروس الأفراح, مصدر سابق, جػٕ,:ٜٛٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الحاء),:ٗ٘ٔ. (ٖ) عوف المعبود, مصدر سابق, جػٙ,جزءٔٔ,:ٛٚٔ (ٗ) موسوعة مملكة الحيوانات, مرجع سابق , جػٙ,:ٖٓٗ. (٘) حياة الحيواف الكبرى, مرجع سابق ,جػٔ,:ٖٗٙ.
عدد الصفحات ٢٤٤245 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تنتفخ على شكل طوليٍّ في صدر ابغمامة ثم يكوف الطوؽ الأسود في نهايتها, والشيءُ الآخر الذي يعود إلى سبب التَّشبيو بو دوف غيرِهِ من الطيور ىو أفَّ ابغماـ من أشدّْ الطُّيور شبػَهً ا بِطِباعِ الإنساف, "فلب يوجد شيءٌ قطُّ من رجلٍ أو امرأةٍ إلا وىو في ابغماـ "(ٙ). وقولو " :لاَ يَرِيػحُوفَ رَائِػحَةَ الػجَن ةِ " فالنَّفي ىنا دؿَّ على ابؼبالغة في التحرنً أي "لا يشمُّوف ولا بهدوف رائحة ابعنَّة فالػمُراد بو التَّهديد"(ٚ) بؼن يقوـ ّٔذا العمل. وقد أدى جناس الاشتقاؽ(ٔ) في قولو: "لا يريحوف رائحة" إلى التركيز على الرائحة التي تُشم وليس على حاسة الشم نفسها بفا جعلنا نشتاؽ بؽذه الرائحة ونتمناىا , ولفظة "لا يربووف" التي استخدمها عليو الصلبة والسلبـ من "رَاحَ الشيءُ يراحُو ويَربوُو إذا وجد ربوو"(ٕ), وكأفَّ في ىذه اللفظة إخبارً ا منو بأفَّ رائحة ابعنة تسبق دخوبؽا , وفي ذلك تشريفٌ وتبشيرٌ للمؤ منين البعيدين عن أصغر ابؼعاصي فضلبً عن أكبرىا, كما فيها زجرٌ وإىانةٌ وإذلاؿٌ للعاصين بأنهَّم بورموف أقل ما يكوف وىو شمهم رائحة ابعنة , وبرمل تأكيدً ا مطلقً ا على عدـ دخوبؽم إياىا وذلك بحرمانهم حتَّ أقل ما يكوف منها وىي رائحتها , وعادةً ما تكوف رائحة الشيء ابغسن تبشيرً ا يبعث السرور والفرح , على عكس ما يكوف في رائحة الشيء الػمُنفّْر, ولا أدؿَّ على ذلك من قوؿ يعقوب عليو السلبـ: {إِن ي لأََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ }(ٖ), فكانت ىذه الرائحة بشير خيرٍ وفرح وسرور من الله عزَّ وجلَّ على يعقوب عليو السلبـ , ونلبحظ دقة اللفظ القرآني في قولو : {فػَلَم ا أَف جَاء الْبَشِيرُ } ,فلفظة"البشير" وىو الرسوؿ الذي بضل قميص يوسف , أو بالأصح بضل رائحة يوسف ابؼوجودة في القميص , ىذا الرسوؿ أطلق عليو القرآف لفظة "البشير" لأنَّو بومل البشارة ليعقوب عليو السلبـ . بؽذا جاء عليو الصلبة والسلبـ بلفظة "رائحة ابعنة " ليثير ابؼشاعر ويرغبنا في الابتعاد عن ابؼعاصي وعما نهى عنو عليو الصلبة والسلبـ, وقد اعتمد عليو الصلبة والسلبـ في ىذا ابغديث على "حاسة الشم بؼا بؽا من تأثير على النفس والعواطف, فالروائح الطيبة تزيد من الشعور (ٙ) المرجع السابق ,:ٖ٘ٙ. (ٚ) عوف المعبود, مصدر سابق,:ٛٚٔ. (ٔ) سبق تعريفو,:ٕٜٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٕ,(باب الحاء, فصل الراء),:ٙ٘ٗ. (ٖ) سورة يوسف, الآية:ٜٗ.
عدد الصفحات ٢٤٥246 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالسرور والانتعاش والثقة بالنفس والإحساس بِماؿ ابغياة والكوف"(ٗ), بل إنهَّا تثري ابػياؿ وبرركو في جلب صورٍ بصيلةٍ عاشها الإنساف أو يعيشها. لقد وردت بصلة من الطيور في تشبيهاتو عليو ال صلبة والسلبـ حيث أبرز من خلببؽا أمورً ا بؽا أبنيتها فصورىا صورً ا رائعة تناسبت مع مقاـ ابغديث وموضوعو , فحين يرغّْب في أمرٍ من أمور الدين أو فضيلة أو خلقٍ بضيدٍ فإنَّو يذكر في تشبيهو صفات عامة في الطير , ولا بودد طيرً ا معيػَّنً ا كما في قولو: "اقػْرَ ءُ وا القُرآفَ فَإِن وُ يَأْتِي..."(ٔ), وقولو: "لَوْ أَن كُػمْ تػَوَك لُوفَ عَلَى اللِ حَق تػَوَكُّلِوِ ..."(ٕ) وقولو: "يَدْخُلُ الجَن ةَ أَقػْوَاـٌ أفْئِدَتػُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الط يْرِ "(ٖ), إلا أنَّو حين يريد التحذير أو التخويف أو إيضاح أمرٍ من أمور الدنيا فإنَّو يعمد إلى اختيار طيرٍ بعينو كالدجاجة في حديث: "سأَؿَ أُنَاسٌ رَسُوؿَ اللِ عَنِ الكُه افِ..."(ٗ), أو كابغماـ في قولو : "يَكُوفُ قػَوْـٌ يَػخْضِبُوفَ فِي..."(٘), وذلك الاختيار منو عليو الصلبة والسلبـ بؽذه الطيور يكوف بدا يناسب ابؼعن الذي يريده بدا بوقق وضوح الصورة وابؼعن ابؼراد . (ٗ) المجلة العلمية للتمريض, تصدرىا كلية التمريض جامعة بغداد , العددٔ, السنةٕٛٓٓـ,:ٕٔ, د.نهى عناية الحسناوي, د.عائد صباح النصيري. (ٔ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الثالث,:ٕٛٔ. (ٕ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الثالث,:ٕٕٗ. (ٖ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الثالث,:ٕٕٚ. (ٗ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الثالث,:ٜٕٕ. (٘) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الثالث,:ٕٖٕ.
عدد الصفحات ٢٤٦247 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبحث الرابع الت شْ بِ يوُ بِ الحَ شَرَاتِ فِ ي الحَ دِ يثِ الن بَ وِ ي , خصَ ائِ صُ وُ وأَ سرَ ارُ هُ البَ لاَ غِ ي ة
عدد الصفحات ٢٤٧248 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زخرت البيئة العربية بكثير من ابغشرات , النَّافع منها والضَّار, وقد ألِف العربُّ كثيرً ا من ىذه ابغشرات , ؤّر بأنواعها وأشكابؽا وتعايش معها , وظهر ذلك جليِّ ا في أوصافهم, وقد استخدـ الرسوؿ ذلك في تشبيهاتو لأصحابو؛ فعمد إلى استخداـ ابغشرات الصغيرة الضئيلة لإيضاح معن من ابؼعاني , لا يقل أبنية عما ورد في التشبيهات السابقة بالدواب والزواحف والطيور. فأوؿ ىذه ابغشرات التي افتتن العرب بصنيعها وعجب من دقة عملها (النحلة), وىي ذات مكانة عالية عنده, فهي غذاؤه وعلبجو, وقد أوردىا عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهاتو مع ما يتناسب وىذه ابؼكانة, فقد ذكرىا في تشبيهو في أمور العبادة وفي خصاؿ ابؼدح كما في قولو في ابغث على الذكر , فعن النُّعماف بن بَشِير (ٔ) قاؿ: قاؿ رسوؿُ الله :{إِف مِم ا تَذْكُرُوفَ مِنْ جَلاَؿِ اللِ الت سْبِيحُ وَالتػ هْلِيلُ وَالت حْمِيدُ , يػَنػْ عَطِفْنَ حَوْؿَ العَرْشِ لَهُن دَوِي كَدَوِي الن حْلِ تُذْكَرُ بِصَاحِبِهَا , أَمَا يُػحِبُّ أَحَدُكُمْ أَفْ يَكُوفَ لَوُ أَوْ لاَ يػَزَاؿُ لَوُ مَنْ يُذْكَرُ بِوِ }(ٕ). فرسوؿ الله بىبرُِنا عن فضل ذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ والثَّناء عليو , بقولو :"إِف مِم ا تَذْكُرُوفَ مِنْ جَلاَؿِ اللِ " فػ(إفَّ ) لتأكيد ما بعدىا, لكنَّ الص حابة ىنا ليسوا منكرين لفضل الذ كر ولكنَّ ذىنهم وتصوُّرىم خاؿٍ من أبنية ىذا الذكر وفضلو وعظمتو وجزيل ثوابو عند الله (ٔ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٚ. (ٕ) سنن ابن ماجة, أبي عبد الل محمد بن يزيد القزويني, حققو وعلق عليو:محمد فؤاد عبد الباقي,جػٕ,(دار البياف للتراث),:ٕٕ٘ٔ, كتاب الآداب, باب فضل التسبيح, حديث رقم:ٜٖٓٛ. (وىو حديث صحيح, و صححو محمد بن عبد الل النيسابوري في كتابو : المستدرؾ على الصحيحين ,تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا , جػٔ,طٔ,(بيروت-لبناف: دار الكتب العلمية :ٛٚٙ,حديث رقم :ٔٗٛٔ). ؛وأخرجو أحمد بن حنبل في المسند,تحقيق: شعيب الأرناؤوط, جػٖ,طٕ,(مؤسسة الرسالة,ٕٓٗٔىػ), :ٖٖٚ, حديث رقم:ٖٛٛٛٔ.
عدد الصفحات ٢٤٨249 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عزَّ وجلَّ بدليل بؾيء لفظة "مم ا تذكروف", فأراد عليو الصلبة والسلبـ أف يوضح بؽم مقدار ىذا الفضل وعظمو, فأراد أف يقرّْبو لأذىانهم ويؤكده بؽم وبهعلو شاخصً ا ماثلبً أماـ أعينهم. وقولو: "مِم ا تَذْكُرُوفَ ", فالفعل يدؿُّ على كثرةِ أنواع الذّْكر التيّْ يُتقرَّب ِّٔا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ , وإف كاف "الت سْبِيحُ وَالتػ هْلِيلُ وَالت حْمِيدُ " بعضً ا منها, وبؾَيء الفعل بابؼضارع يدؿُّ على أفَّ ىذه الأذكار من العبادات التي بهب أف تكوفُ على لسافِ الػمُؤمن بصفةٍ مستمرَّةٍ , وأف لا يفترُ عن ذكر الله بل لا يزاؿ لسانُو رطبً ا بذكر الله عزَّ وجلَّ بعد كل حينٍ , فػ"الذكر ىو الذي لو ا لػمنزلة الزَّائدةُ على بذؿِ الأموَاؿِ والأَنفُسِ , لأنَّو عملٌ نفسيّّ , وفعل القلب ىو أشقُّ من عمل ابعوارح, بل ىو ابعهادُ الأكبرِ "(ٔ). وقولو " :مِنْ جَلاَؿِ اللِ ", أي "عَظَمَتوِ "(ٕ) وتقديسو وتبجيلو, أي أفَّ من أفضل الأشياء التي تستخدمونها وتفعلونها لتعظيم الله التسبيح والتهليل والتحميد, وقد تقدَّـ الفعل "تَذْكُرُوفَ " على ابعار وآّرور "مِنْ جَلاَؿِ اللِ " لأبنيَّة الػمُقدَّـ ومكانتِوِ في العبادة والطاعة, وما بهلبُو على الػمُؤمن من الأجر وابػير. وقولو: " الت سْبِيحُ وَالتػ هْلِيلُ وَالت حْمِيدُ ", فػ"التسبيح: ىو التَّنزِيوُ للهِ سبحانوُ وتعالىَ , وتبريءٌ للهِ من السُّوءِ براءةً "(ٖ), والتَّسبيح فيو تعظيمٌ للهِ عزَّ وجلَّ وإجلبؿٌ لو عن كلّْ شيءٍ , و"الت هليلُ : ىو قوؿُ الػمُؤمن لا إلو إلا الله , وىي أفضلُ الذكر لأفَّ بؽا تأثيرً ا في تطهِيرِ الباطنِ عن الأَوصاؼِ الذَّمِيمَة التيّْ ىي معبوداتٌ في باطن الذَّاكرِ , فيُفيدُ عُموـَ نَفي الإلَوِ بقولو: (لاَ إِلَو), ويثبتُ الواحدُ بقولوِ (إلاَّ الله), فيػَعُودُ الذّْكر من ظاىر لِسَانِوِ إلى بَاطنِ قلبِوِ , فيتَمَكَّنُ فيوِ ويستَوِي على جَوَارِحوِ "(ٗ), ففِيوِ إثباتٌ لِوحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ , وأمَّا "الت حْمِيدُ " فػ"ابغمدُ أفضلُ الدُّعاءِ , لأفَّ الدعاءَ عبارةٌ عن ذِكرِ الله وأف يطلُبَ حاجتَوُ وابغمد يشمَلُها , فإفَّ من بضَِدَ الله إبمََّا بوَْمَدُهُ على نِعَمِوِ , وابغمد على النَّعمةِ ط لبٌ للمَزِيدِ , قاؿ تعالى : {لَئِن شَكَرْتُمْ (ٔ) شرح سنن ابن ماجة, السيوطي عبد الغني فخر الحسن الدىلوي, جػٔ,(كراتشي: قديمي كتب خانة ),:ٕٓٚ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٔٔ,(باب اللاـ, فصل الجيم),:ٙٔٔ. (ٖ) مختار الصحاح, مصدر سابق, (باب السين, مادة (س ب ح),:ٕٕٛ. (ٗ) شرح سنن ابن ماجة, جػٔ,:ٕٓٚ.
عدد الصفحات ٢٤٩251 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأَزِيدَن كُمْ }(٘)(ٙ), فابغمد ثػَنَاءٌ على الله وشكرٌ لوُ , وىذه الأنواع الثَّلبثة "الت سْبِيحُ وَالتػ هْلِيلُ وَالت حْمِيدُ " قد عُطِفَ فيها بػ(الواو), لأنهَّا تدخُلُ بصيعها برت أنواعِ الذّْكرِ , وقد يتلفَّظُ ّٔا العبدُ في آفٍ واحدٍ , لذا كاف العطف فيها بػ(الواو). وقولو :"يػَنػْعَطِفْنَ حَوْؿَ العَرْشِ ", فػ"يػَنػْعَطِفْنَ ": " أي يػَنْحَنِينَ ويَدُرْفَ "(ٚ), فاللَّفظة أخرجت الصورة من السُّكو فِ إلى ابغركة الدَّائِرِيَّة , وىذا يدؿُّ على أنهَّا في حركةٍ دائمةٍ , إذ إفَّ ابغركةَ الدَّائرية تعنِ عدـ الانتهاء إلى حدٍّ مُعينٍَّ في ابغركة , وذلك أكثر مبالغةً في أنهَّا لا تفتػُرُ عن التَّذكير بِصاحبِها, فركّزت الصُّورة على حاسَّة البصرِ في تَػجْسيدِ الصُّ ورة . وقولو: " لَهُن دَوِي كَدَوِي الن حْلِ ", فقولو: " لَهُن دَوِي " أي: " بؽُنَّ صوتٌ , وىو شدَّةُ الصوت وعلُوّه وبُعدُهُ في ابؽَواءِ "(ٔ), أي أفَّ صوت ىؤلاء النَّحل قويّّ جدِّ ا وعاؿٍ ويظلُّ يُسمَع في ابؽواء , فهنا أصبحت الصورة أكثر تنبيهً ا وجذبً ا بغاسَّة السمع , فالػمُؤمن إذا ذَكَرَ ربَّوُ واستحضرهُ دائمً ا وأثن عليو وظلَّ لسانُوُ رطباً بِذِكرِ الله, لا يغفَلُ ولا ينسى الله, فإفَّ الله عزَّ وجلَّ قد سخَّر لو ىذه الأذكار فهي تدُور حوؿ العرشِ بؽا صوتٌ قويّّ عاؿٍ تُذكَر بصاحِبِها وبعَمَلِو الصَّافٌ, فكما أنَّو ذَكَر الله, فهي تُذكَر بِوِ عند الله, فابعزاء من جنس العمل . وقولو: "تُذْكَرُ " لا يعنِ ذلك أفَّ الله عزَّ وجلَّ قد نَسيَ عبدَه وعملَو , تعالى الله عن ذلك, أو أنَّو لا يعلم ما قاـ بو من العِبادة والذّْكر, إبمَّا ىو ترغيبٌ منو بوثُّ فيو أصحابو وأ مَّتو على مُلبزمةِ الذّْكر وعدـ الغفلة عنوُ . وقولو " :تُذْكَرُ بِصَاحِبِهَا " فبناء الفعل للمجهوؿ في لفظة "تُذكر" دليلٌ على كثرة واستمرار ذكر ىذا الصاحب عند الله عزَّ وجلَّ , بفَّا يزيده تشريفً ا وترغيبً ا في الاستمرار في الذكر والطاعة والعبادة , فكأنهَّا شواىد عليو, وشُفعاءُ لوُ لأنهَّا من العمل الصَّافٌ. وقولو: " أَمَا يُػحِبُّ أَحَدُكُمْ أَفْ يَكُوفَ لَوُ أَوْ لاَ يػَزَاؿُ لَوُ مَنْ يُذْكَرُ بِوِ ", فالغرض من الاستفهاـ(ٕ) الترَّغيب وابغثُّ على مُلبزمةِ الذّْكر , فكأنَّو قاؿ: إنَّو مع ىذه الفضيلة كيف ينسى أحدكم أ و يغفل عن ىذا الذّْكر؟ حيث إفَّ صورة الذّْكر الذي يُدوّْي عند العرش يُذكَر بصاحبو (٘) سورة إبراىيم, الآية:ٚ. (ٙ) شرح سنن ابن ماجة, مرجع سابق , جػٔ,:ٕٓٚ. (ٚ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٜ,(باب الفاء, فصل العين),:ٕٓ٘. (ٔ) عوف المعبود, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٖ. (ٕ) سبق تعريفو,:ٕٔٚ.
عدد الصفحات ٢٥٠251 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالنَّحلة عندما بذتمع حوؿ ابػليَّة وتُدَوّْي بصوتها تظلُّ ىذه الصورة حاضِرةً في الذّْىن كلما سبَّحْنا أو ىلَّلْنا أو بضَِدْنا اللهَ تعَالى, إفَّ عذُوبة العِبادةِ وحلبوتهَا في النفس لتدفعُنا إلى الاستزادة من الطَّاعات والقُرُباتِ . بالإضافة إلى أفَّ بين الػمُؤمن والنَّحلة شبهً ا كبيرً ا, قاؿ رسوؿ الله :"إف مَثَلَ الػمُؤمِنِ كَػمَثَل الن حلةِ أَكَلَت طَي بً ا وَوَضَعت طَي بً ا ووَقػَعَت فلم تُكَس ر ولم تػُفْسِد "(ٖ), "لقد أشبوَ الػمُؤمنُ النَّحلة في حَدَقتِها وفِطْنَتِها, وقِلَّةِ أَذَاىَا وخَفَارَتهِا , ومنفعتها, وقػُنُوعِها وسَعيِها في النَّهار, وتػَنػَزُّىُهَا عن الأَقْذَار, وطِيبِ أكْلِها , فإنهَّا لا تأكُلُ من كَسْبِ غيرِىَا "(ٔ). فالسّْياؽُ في ابغديث يدؿُّ على ما ينفعُ الػمُ ؤمنَ من خَيرٍْ في الدُّنيا والآخرة, ولا يوجد أَنْسَبُ من النَّحلةِ للتَّشبيو ِّٔا في ىذا ابغديث, فالنَّحل "حيوافٌ فهيمٌ كيّْسٌ شُجَاعٌ فَطِنٌ لوُ نظرٌ في عواقِبِ الأُمورِ , وىي من ابغيواف الذي يقطعُوُ عن عملِوِ آفاتٌ منها الظُّلمةُ والغَيمُ والرّْيح والدُّ خافُ والػمَاءُ والنَّار, وكذلك الػمُؤمنُ لو آفاتٌ تفتػُرُ بو عن عملوِ منها : ظُلمةُ الغفلةِ وغيْمُ الشَّكّْ وريح الفِتْنةِ ودُخافُ ابغَرَاـِ وماءُ السَّعَةِ ونَار ابؽوى"(ٕ). فرسوؿ الله يريد من ابؼؤمن أف يكوف مثل النحلة دائم العمل في الطاعات في نشاطٍ مستمرٍ وعملٍ دءوب, فطن كيّْس لو نظر في عواقب الأمور, لقد نبَّهنا عليو الصلبة والسلبـ إلى أبنّْية التَّسبيحِ والتَّهليلِ والتَّحمِيدِ وىي أمورٌ معنويَّةٌ , لكنَّو جسَّدَىا لنا في صُورةٍ حيَّةٍ بصيلَةٍ . وتأتِ الفراشة في ابؼكانة الثانية بعد النحلة , وذكرىا عل يو الصلبة والسلبـ في أحاديث منها حديثو في وصف حالو مع أمتو , فعن أب ىريرة (ٖ), أنَّو بظع رسوؿ الله يقوؿ: {إِن مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الن اسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػَوْقَدَ نَارً ا فػَلَم ا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَوُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَىَذِهِ الد وَابُ التِي تػَقَعُ فِي الن ارِ يػَقَعْنَ فِيهَا , (ٖ) السلسلة الصحيحة للألباني,محمد ناصر الدين الألباني,جػ٘,(الرياض:مكتبة المعارؼ),:ٕٚٛ, رقم ٕٕٛٛ. (ٔ) حياة الحيواف, مرجع سابق , جػٕ,:ٙٙٗ. (ٕ) المرجع السابق , جػٕ,:ٙٙٗ. (ٖ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٙٔ.
عدد الصفحات ٢٥١252 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَجَعَلَ الر جُلُ يػَنْزِ عُهُن وَيػَغْلِبػْنَوُ فػَيػَقْتَحِمْنَ فِيهَا , فَأَنَا آخُذُ بِػحُجُزِكُػمْ عَنِ الن ارِ وَأَنػْتُمْ تػَقْتَحِمُوفَ فِيهَ ا}(ٗ). يقوؿ " :إِن مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الن اسِ", استخدـ في بداية كلبمو أداة القصر (إبمَّا) التي "بذيء بػبر لا بههلو ابؼخاطب"(٘), فقد أثبتت أمرً ا معلومً ا ثابتً ا لدى الصحابة وىو أنَّو عليو الصلبة والسلبـ إبمَّا بُعث بؽدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور, وبضلت "إن ما" في بداية ابغديث معن التأكيد في فضل الرسوؿ وحقو على أمتو , كما أفادت اختصاص الرسوؿ بابؽداية دوف غيره من البشر, ثم أردؼ بقولو : "مَثَلِي وَمَثَلُ الن اسِ ", حيث أفَّ (مثل) "تدؿ على ابؼشأّة في ابؽيئة والصورة "(ٔ), وتكرارىا عبارة عن تنبيو يستحوذ على الذىن و يشده لسماع الصورة التشبيهية التي ستكوف بديلبً عن ابؼعاني آّردة , ويعنِ ىذا اىتمامً ا بابؼشبو بو الذي يُؤخذ منو العظة والعبرة , وفي تكرارىا "مَثَلِي وَمَثَلُ الن اسِ " مبالغة في صدؽ الصورة وتطابقها, فالصحابة يعلموف خوؼ الرسوؿ وشفقتو عليهم, فيزدادوا بذلك شوقً ا وإثارةً بؼا سيقولو, ثم لػمَّا جاءت كلمة (مَثَلِي) ازداد تشوُّؽ الصحابة وتلهُّفهم بؼعرفة التَّشبيو الذي سيعقده عليو الصلبة والسلبـ في ىذا ابغ ديث, وقولو: " ومثل الناس " قصد بو عموـ ابعنس, وقولو: "كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػَوْقَدَ نَارً ا" "فجمع بين (الكاؼ) التي للتَّشبيو(ٕ) وبين (مَثَل) للدلالة على تشبيو ابؽَيئَاتِ والأحواؿ , إذ لو دخلت (الكاؼ) على (رجل ) لاتهم بادي الرأي أنَّو مشبَّوٌ بو إفرادً ا"(ٖ), وىذا ما لا يقصده عليو الصلبة والسلبـ, وتنكير لفظة "رجل " في ىذه الصورة ابؼليئة بابعهد وابؼعاناة دليلٌ على كثرة ىذه الصورة في البيئة العربية وكثرة مشاىدة الصحابة بؽا, فهذا الرَّجل "اسْتػَوْقَدَ نَارً ا", وتدؿُّ لفظة (استوقد) على الشّْدة والػمُعاناة التي لاَقاىا حتَّ أوقد ىذه النار, والوقت الطويل الذي أنفقو في الإيقاد, وىذا ما تدؿ عليو بنية الكلمة بزيادة "الألف والسين والتاء ", "فػَلَم ا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَوُ ", فػ"الفاء" في قولو : " فلما أضاءت" أوحت بعنصر ابؼفاجأة والفرحة والسرور بعد شدة ابعهد وابؼعاناة , فاشتعلت ىذه (ٗ) صحيح البخاري, مصدر سابق,جػٚ,:ٙٛٔ, كتاب الرقاؽ, باب الانتهاء عن المعاصي. (٘) دلائل الإعجاز, مصدر سابق,:ٕٗ٘. (ٔ) أدوات التشبيو, مرجع سابق ,:ٖٙ. (ٕ) عروس الأفراح,مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٖ) الحديث النبوي من الوجهة البلاغية, مرجع سابق ,:ٚ٘ٔ.
عدد الصفحات ٢٥٢253 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النَّار وأضاءت , "والضَّوءُ فَرطُ الإِنَارَة "(ٗ), "جَعَلَ الفَرَاشُ وَىَذِهِ الد وَابُ التِي تػَقَعُ فِي الن ارِ يػَقَعْنَ فِيهَا", فلفظة (جعل) تدؿ على سُرعة تػَهَافُتِ ىذا الفراش وىذه الدَّواب في النَّار بدوف رَويَّةٍ . ونُلبحظ في ابعملة السابقة تتابُ ع الأفعاؿ "جعل, تقع, يقعن", للدلالة على بذدُّد الفعل, "فَجَعَلَ الر جُلُ يػَنػْزَعُهُن وَيػَغْلِبػْنَوُ فػَيػَقْتَحِمْنَ فِيهَا " حاوؿ الرجل أف يُنقذىنَّ ويصدَّىنَّ , يدؿ على ذلك لفظة (ينزعهُن ) التي تدؿ على "الاقتلبعِ والإِزَالَة بشدَّةٍ "(٘), فهو مُصرّّ على إنقاذىنَّ ولم يي ئس بل إنَّو بهدد فعلو بعد كلّْ مرَّةٍ "وَيػَغْلِبػْنَوُ " وتدؿُّ اللفظة على أنَّو بذؿ كلَّ ما في وُسعِو لإنقاذىنَّ , وأنَّو لم برترؽ واحدةٌ منهن إلاَّ بعد أف أفلتت منو. ىنا تنتهي الصُّورة التي ربظها لأصحابو والتي مثَّل ّٔا على نفسو مع أمَّتو, ثم يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "فَأَنَا آخُذُ بِػحُجُزِكُػمْ عَنِ الن ارِ وَأَنػْتُمْ تػَقْتَحِمُوفَ فِيهَا ", فتقدنً الاسم "أنا" على ابػبر أدى إلى أف يكوف الفعل خاصِّ ا بالرسوؿ دوف أحدٍ غيره, كما أدى إلى زواؿ شك السامعين في أفَّ يكوف غير الرسوؿ ىو من يقوـ ّٔذا الفعل. ونلبحظ أبنية (الفاء) في كلمة (فأنا) حيث ربطت بين الصورة في أوؿ ابغديث وبين آخره , ونُػحسُّ بأفَّ الضمير (أنا) ىو النَّجاة , والفعل (آخُذُ ) يدؿ على استمرارية الرَّسوؿ في زجر أمَّتِوِ وردّْىا عن طريق الغِوَاية حتَّ بعد أف بغَِق بربّْو لا يزاؿ يردُّ أمَّتو بالقرآف الكرنً الذي أُنزِؿ وبسنَّتِوِ النَّبويَّة , فرسوؿ الله أخذ بحُجُزِ الأمة , وابغجز ىنا ىو "بؾَْمَعُ الإِزارِ وموضع شِدَّتِوِ "(ٔ), ويدؿ اختياره للفظة(ابغُجُز) على الرغبة الشديدة منو في إنقاذ أمتو, ورغم ذلك كلّْو , يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ "وَأَنػْتُمْ تػَقْتَحِمُوفَ ", فلفظة (تقتحموف) تدؿ على "إِقْحَاـِ النَّفس في الشَّيء من غيرِ رَوِيَّةٍ "(ٕ), فهم مصرُّوف على الدخوؿ فيها يتدافعوف بكوىا لاعتقادىم بدنفعتها, لا لأنهَّم لا يعوف كثيرً ا من أمور ابغياة ويعتقدوف في بعضها ابػير اعتزازً ا بظاىرىا خاصة وأفَّ مغريات ابغياة كثيرة فينخدعوف بزخرفها ويتدافعوف بكوىا , فكانت دعوة (ٗ) فتح الباري, مصدر سابق,:ٖٚٔ-ٖٛٔ. (٘) لساف العرب, مصدر سابق,جػٛ,(باب العين, فصل النوف),:ٜٖٗ. (ٔ) المصدر السابق, جػ٘,(باب الزاي, فصل الحاء),:ٕٖٖ. (ٕ) المصدر السابق, جػٕٔ,(باب الميم, فصل القاؼ),:ٕٙٗ.
عدد الصفحات ٢٥٣254 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابؼصطفى ربضة للعابؼين وىداية تنير بؽم الطريق وتوضح بؽم الأمور وتبينّْ بؽم ابغلبؿ وابغراـ في جلّْ الأمور ودقيقها, كل ذلك ليدفعهم عن النار, كما تدؿ على بذدُّد الفعل من النَّاس مرَّةً بعد مرَّةٍ وفي كلّْ زمافٍ . إفَّ الألفاظ التي جاء ّٔا عليو الصلبة والسلبـ في ضرب ىذه الصورة لتحمل في طيَّاتهِا شدَّة الػمُعاناة التي يلبقيها في دعوتو لأمتو, ففي قولو (استوقد) ابؽمزة والسين والتاء تدؿ على الكدّْ وطلب إِيقَادِ النار , وفي قولو (ينزعهُن ) معن ابعذب والنَّزع والقلع , وقولو (يػَغْلِبػْنَوُ ) و(يػَقْتَحِمْنَ ) بصيعها تروي لنا ما لاقاهُ عليو الصلبة والسلبـ في سبيل ىداية أمَّتِوِ . إفَّ ىذه الصورة ابغسيَّة قد بضلت بداخلها حركاتٍ حيَّةً مُتلبحقةً سريعةً اعتن فيها رسوؿ الله في اختيار ابؼشبَّو بو الذي يُوصِل ابؼعن الذي يريده حين قاؿ: "جَعَلَ الفَرَاشُ وَىَذِهِ الد وَابُ " فػ(الفراش ) "تَطِيرُ وتػَتػَهَافَتُ في السّْراج لضعف إِبصارِىَا , فهي تطلب ضوءَ النَّهار, فإذا رأتْ فَتِيلَة السّْراج بالليل ظنَّت أنهَّا في بيتٍ مُظلمٍ وأفَّ السّْراج في البيت الػمُظلم الػموضع الػمُضيء, فلب تزاؿ تطلب الضَّوء وترمي بنفسها في النَّار مرَّةً بعد مرَّةٍ حتَّ برَْترَؽ "(ٔ), فكذلك النَّاس مػمَّن ارتكبوا الذنوب والآثاـ يرموف بأنفسهم إلى التَّهلُكة وإلى النَّار, وما ذاؾ لضعف بصرىم بل لضعف بصيرتهم التي أعمتهم عن ابؽدى , أمَّا تشبيهو عليو الصلبة والسلبـ بػ(الدَّواب) وىي "كلُّ ما دَبَّ على الأرضِ "(ٕ), ويغلبُ على ابغيوانات , فكاف ذلك لتحقيرىم. وىذه الصورة كانت أوجز وأبل في إيصاؿ مُرادِ رسوؿ الله لأصحابو ولأمَّتو, فهي برمل "صراعً ا ومغالبةً بين ابؽوى وابؽدى, وحرارةً وبؽيبً ا وأشعةً وظُلمةً , فنتمثَّل ما وراءىا من نوازع ابػير الػمُنجي, والشرّْ الػمُردِي , فينتقل إحساسنا إلى حالِنا وحاؿِ النَّبي فنرى أنفسنا صراع ابؽ وى الغالب للهدى, وىنا بكاوؿ أف نفهم ىذه الػمُفارقات, وأف نقيس حركاتنا وأنفاسنا مع ىذا السَّاىر ابغريص, فنرى كلَّ كبيرةٍ ومعصيةٍ نارً ا تُغرينا بالبريقِ يصرعُنا فيها ابؽوى , وبهذبُنا منها الرَّءوؼ الرحيم يأخذ بحُجُزِنَا مُكرّْرً ا الزَّجر, مُقرّْرً ا ابغرمة , مُ ؤكدً ا النّْداء, ما أشقانا وما أتعسنا حين نغلِبُوُ فنقْتَحِم في النَّار "(ٖ). (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٜٔٔ. (ٕ) مختار الصحاح, مصدر سابق,(باب الداؿ, مادة (د ب ب),:ٜٚٔ. (ٖ) الحديث النبوي من الوجهة البلاغية, مرجع سابق ,:ٙ٘ٔ.
عدد الصفحات ٢٥٤255 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن ابغشرات التي آذت الإنساف في قوتو وقضت عليو أحيانً ا (ابعراد ), حيث شبو ّٔا عليو الصلبة والسلبـ في وصف قوـ يأتوف في آخر الزماف لقتاؿ ابؼسلمين , وتلك ابغرب ىي من علبمات قرب الساعة , فعن أب سعيدٍ ابػُدريّْ (ٗ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله :{لاَ تػَقُوـُ الس اعَةُ حَت ى تػُقَاتِلُوا قػَوْمًا صِغَارَ الأَعْيُنِ عِرَاضَ ا لوُجُوهِ , كَأَف أَعْيػُنػَهُمْ حَدَؽُ الجَرَادِ , كَأَف وُجُوىَهُمْ الػمِجَ افُّ الػمُطْرِقَةُ , يػَنْتَعِلُوفَ الش عَرَ , وَيػَت خِذُوفَ الد رَؽَ , يػَرْبِطُوفَ خَيػْلَهُمْ بِالن خْلِ }(٘). فرسوؿ الله بودّْثُنا عن أمرٍ غيبيٍِّ من الأُمورِ الػمُستقبليَّة وىو من العَلبمات التي بردث قبل قياـ السَّاعة ولن تقُوـَ السَّاعة حتَّ بودث ىذا الأمر, وىو قتاؿُ قوـٍ صِغَار الأَعْينُِ عِرَاضُ الوُجُوهِ , وىذا "فيوِ علبمةٌ لنُبُوءتِوِ , وأنَّوُ سيبلُ ُ مُلْكُ أُمَّتِوِ غَايَةَ ابؼشارؽ التي فيها ىؤلاء القوـ"(ٔ), فالرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ يقوؿُ : "لاَ تػَقُوـُ الس اعَةُ ", فػ(النَّفي ) أفاد تأكيد الأمر الذي يليو وىو قياـ الساعة, و"الس اعَةُ " أراد ّٔا يوـ القيامة لأفَّ من أبظائها الساعة, وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "حَت ى تػُقَاتِلُوا", فحرؼ العطف (حتَّ) أفاد أفَّ أجزاء ما قبلها مترتبة على ما بعدىا(ٕ), فػ"حتَّ" أفادت أفَّ ابعملة التي قبلها وىي قياـ الساعة مترتبة على ابعملة التي بعدىا وىي ظهور ىؤلاء القوـ ّٔذه الصفات ابؼخيفة , وقد بضلت معن الشرط فلب تقوـ الساعة إلا بظهور ىؤلاء القوـ , وقد أوحت لنا بأفَّ ىذا الأمر مستقبلي يكوف في آخر الزماف كما أخبر عليو الصلبة والسلبـ , وقولو: " تػُقَاتِلُوا", فمجيء اللَّفظة بابؼضارع دؿَّ على أنَّو أمرٌ واقعٌ مستقبلبً لا بؿالة من وقوعو, وأنَّو علبمةٌ على قُربِ قِياـِ السَّاعة . ثمَّ قولو " :قػَوْمًا صِغَارَ الأَعْيُنِ ", فمن صفات ىؤلاء القوـ أنهَّم صِغَار الأعينُِ , "عِرَاض الوُجُوهِ ", وىذه الصفة الثانية بؽم أفَّ وُجوىَهُم مُستدِيرةٌ عريضةٌ , فرسوؿ الله (ٗ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٛٔ. (٘) سنن ابن ماجة,مرجع سابق , جػٕ,:ٕٖٚٔ, كتاب الفتن, باب الترؾ, حديث رقم:ٜٜٓٗ. (أخرجو أحمد,جػٖ, :ٖٔ, رقم:ٜٕٚٔٔ. ؛وابن حباف,جػ٘ٔ,:ٚٗٔ,رقم:ٚٗٚٙ. (ٔ) شرح صحيح البخاري, ابن بطاؿ, أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطاؿ البكري القرطبي, تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراىيم, جػ٘,طٕ,(دار الرشد السعودية),:ٛٓٔ. (ٕ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,جػٔ,:ٜٚ.
عدد الصفحات ٢٥٥256 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَصِفهم لنا وكأنَّو قد رآىم, وقد جاء وصفهم بالإضافة لتخصيصهم ّٔذه الصفات التي ذكرىا عليو الصلبة والسلبـ, وىذه الصفات: "صغار, عراض " جاءت على وزف "فِعَاؿ" مبالغة في اتصافهم ّٔذه الصفات, ثم يفصّْل لنا في ىاتين الصفتين بقولو: "كَأَف أَعْيػُنػَهُمْ حَدَؽُ الجَرَادِ ", وقصد بػ"ابغَدَؽ: السَّوَادُ الػمُسْتَدِير أيْ حَدَقَةُ العَينِْ سَوَادُىَا الأ عظم"(ٖ), فنػَعَتَهم عليو الصلبة والسلبـ بِشدَّة صِغَرِ العَينِ حتَّ أنهَّا لِصِغِرِىا تُشبوُ حَدَؽَ أَعينُِ ابعَرَاد , "وأعين ابعراد كبيرة مقارنة بصغر حدقتها , وذلك بيكّْنها من رؤية النباتات وأغصاف الأشجار من مسافات بعيدة"(ٗ), وىذا الوصف الدقيق منو عليو الصلبة والسلبـ أظهر عِظم صغر أعين أولئك القوـ. وحدقتا ابعرادة بضراواف , وعيناىا لامعتاف, كما ذكر علي بن أب طالب في وصفو للجراد (ٔ) فكأف ىؤلاء القوـ وحقدىم على ابؼسلمين قد استشاطوا غضبًا وابضرت أعينهم غيظًا, ولنا أف نتخيل تلك الأعين ّٔذه ابغمرة لنشعر بابػوؼ والفزع من بؾرد بزيلهم . ثم يػَقُوؿ " :كَأَف وُجُوىَهُمْ الػمِجَ افُّ الػمُطْرِقَةُ ", فاستخدـ عليو الصلبة والسلبـ أداة التشبيو (كأفَّ ) التي تُوحِي بِقوَّةِ التَّشبيوِ بين الػمُشبَّو والػمُشبو بو (ٕ), فوجوىهم شديدة الشبو ّٔذه آّاف من خلبؿ استدارة ىذه الوجوه التي تشبو ىذه آّاف ابؼستديرة . ثم إفَّ قولو : " الػمِجَ افُّ الػمُطْرِقَةُ ", فػ"الػمِ جَافُّ : من بؾََنَ الشَّيءُ بيَْجُنُ بؾُُوناً إذا صَلُبَ وغَلُظَ , والػمَجَنُ : الترَّسُ "(ٖ), وأمَّا "الػمُطْرِقَةُ ": " أصلُ الطَّرؽِ : الضَّربُ , ومنو بظُّْيَتْ مِطْرَقَةُ الصَّائِ وابغَدَّاد لأنَّو يُطرَؽُ ِّٔا أي يُضْرَبُ ِّٔا "(ٗ), وىذا كنايةٌ عن استدارة وجوىهم فكأنهَّا تِرسٌ طُرِقت أي ضُرِبتْ فَاستدَارتْ . ثم قولو " :يػَنْتَعِلُوفَ الش عَرَ ", "فالنَّعلُ : ىي التي تُلبَس في الرّْجْل , وقولو "يػَنْتَعِلُوفَ الش عَرَ " أي أفَّ نِعابؽَُم مضْفُورَةٌ من الشَّعر, وىذا يوحي لنا بأنهَّم قوـٌ يعتمدوف في غذائهم على (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل الحاء),:ٜٖ. (ٗ) موسوعة مملكة الحيوانات, مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٗ. (ٔ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٖٜ. (ٕ) عروس الأفراح, مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٖ) المصدر السابق, جػٖٔ,(باب النوف, فصل الميم),:ٓٓٗ. (ٗ) المصدر السابق,جػ,(باب القاؼ, فصل الطاء),:ٕ٘ٔ.
عدد الصفحات ٢٥٦