193 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونرى كيف أفَّ الظَّرؼ (بين) جسم حركة الشَّاة حين برتار في الذَّىاب مع أيّْ القطيعين, فقد أبرزت "حركت ين: ذاتيَّة ثابتة للجمع, وحركة متحركة متغيرّْة ابؼكاف للشَّاة, ثم إنَّنا بقدُ تثنية ابعمع (غنمين) وغرابة الصّْيغة تدؿ على غرابة موقف ابؼنافق عن السلوؾ الإنسانيّْ القونً , وزيادة العدد تأكيدٌ لزيادة شناعة ابؼوقف, وتؤكد التَّثنية حالة الضياع والتمزُّؽ بين الأعداد ابؽائلة"(ٕ), ومع ىذا فإفَّ الشَّاة لا يقرُّ بؽا قرارٌ فهي في حركةٍ دائمةٍ كما وصَفَها ابغديثُ : "تُغِيرُ إِلَى ىَذَا مَر ةً وَإِلَى ىَذَا مَر ةً ", فابعملة الفعلية تدؿُّ على استمرارىا في ىذا الفعل مرَّةً بعد مرَّةٍ مبالغةً في ضياعها, وىذا ما ينطبق على عمل ابؼنافق. لقد أظهرت الصورة التشبيهيَّة حالةً نفسيَّةً خفيَّةً مُعقَّدةً , وحولتها إلى صورةٍ حيَّةٍ مُتحركةٍ نُبصِرُىا ونفهم مدلولاتهِا فنأْخذَ منها العظة والعبرة . ويعتبر الكبش أفضل من ابعدي والشاة , وىو رمز للفداء منذ أبينا إبظاعيل عليو السلبـ, وقد وظَّف الرسوؿ ىذا ابؼعن في الكبش لإبراز معن ابػلود في الآخرة , فعن أب سعيد ابػدري (ٖ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله :{يػُؤْتَى بِالػمَوتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فػَيػُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَىْلَ الجَن ةِ فػَيَشْرَئِبُّوفَ وَيػَنْظُرُوفَ , فػَيػَقُوؿُ : ىَلْ تػَعْرِفُوفَ ىَذَا؟ فػَيػَقُولُوفَ : نػَعَمْ ىَذَا الػمَوْتُ . وَكَلُّهُمْ قَدْ رَآهُ , ثُػم يػُنَادِي : يَا أَىْلَ الن ارِ فػَيَشْرَئِبُّوفَ وَيػَنْظُرُوفَ , فػَيػَقُوؿُ : ىَلْ تػَعْرِفُوفَ ىَذَا؟ فػَيػَقُولُوفَ نػَعَمْ ىَذَا الػمَوْتُ . وَكَلُّهُمْ قَدْ رَآهُ , فػَيُذْبَحُ ثُػم يػَقُوؿُ : يَا أَىْلَ الجَن ةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتٌ ويَا أَىْلَ الن ارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتٌ . ثُػم قػَرَأَ : {وَأَنذِرْىُمْ يػَوْـَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَْمْرُ وَىُمْ فِي غَفْلَةٍ وَىُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }(ٗ)(٘). بىبرنا الرسوؿ عن أمرٍ من أمور الآخرة, ويصوّْر لنا عليو الصلبة والسلبـ ىذا الأمر بصورةٍ حَرَكِيَّة حتَّ تكوف أكثر ثباتً ا ورسوخً ا في أنفسنا فيقوؿ: "يػُؤْتَى بِالػمَوتِ " بصيغة الفعل ابؼضارع ابؼبنِّْ للمجهوؿ مع أفَّ ىذا الأمر ىو أمرٌ مستقبليّّ وذلك مبالغةً في استحضار الصورة وكأفَّ أحداثها بذري الآف أمامنا , ثم يصف ىذا ابؼوت بقولو : " كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ " (ٕ) المرجع السابق ,:ٕٕٖ. (ٖ) سعد بن مالك بن سناف بن عبيد الأنصاري,أبو سعيد الخدري, استُصغِر بأحد ثم شهد ما بعدىا, مات بالمدينة سنة ثلاث -أو أربع أو خمس- وستين. (الإصابة,جػٕٔ,:ٜٕٙ). (ٗ) سورة مريم, الآية:ٜٖ. (٘) صحيح البخاري, مصدر سابق, جػ٘,:ٖٕٙ-ٖٕٚ, كتاب تفسير القرآف, باب تفسير سورة مريم.
عدد الصفحات ١٩٣194 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فػ(الكاؼ) للتشبيو(ٔ), وقد قرنو بلفظة (ىيئة) لتجعل الصور أكثر بذسيدً ا ووضوحً ا, وقولو: "كَبْشٍ أَمْلَحَ " الكبش الأملح ىو "الذي فِيوِ بياضٌ وسوادٌ "(ٕ), وىذا الاختيار بؽذا اللَّوف فيو بصاؿٌ ودقّْةٌ في اختيار الألفاظ , إذ إفَّ اللوف الأبيض بدا فيو من ّٔجةٍ وبصاؿٍ بيثّْل أىل ابعنة , واللوف الأسود بدا فيو من الغموض وما بومل من الضَّلبؿ وابػوؼ بيثّْل أىل النار. ثمَّ يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ : "فػَيػُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَىْلَ الجَن ةِ ", والنّْداء ىنا للتنبيو على رُؤية الكبش, ثم يقوؿ: "فػَيَشْرَئِبُّوفَ وَيػَنْظُرُوفَ ", ونُلبحظ استخدامو عليو الصلبة والسلبـ بغرؼ العطف (الفاء) الذي أع طى الصورة بصالاً وسلبسةً , وجعل ابغوار يتلبحق بدنطقيَّةٍ في سهولةٍ ويسرٍ ودوف تكلُفٍ , ثم استخدـ بعد ذلك عليو الصلبة والسلبـ في قولو: "فػَيَشْرَئِبُّوفَ وَيػَنْظُرُوفَ " حرؼ العطف (الواو) وذلك أعطى ابؼعن وضوحً ا أكثر حيث دؿَّ على أنهَّم رفعوا رُ ءُ وسهم وأظهروىا معً ا, فالوصل أدى إلى تأكيد حدوث الفعلين منهم تفاؤلاً واستبشارً ا بفا سيسمعونو, ومعن "يَشْرَئِبُّوفَ " "من اشْرَأَبَّ الرَّجُلُ : مَدَّ عُنػُقَوُ , وقيل: ىو إذا ارتفع وعَلبَ "(ٖ) أي يرفعوف رُ ءُ وسهم لينظروا, ثم قاؿ عليو الصلبة والسلبـ : " فػَيػَقُوؿُ ىَلْ تػَعْرِفُوفَ ىَذَا؟" والاستفهاـ ىنا من الػمُنادي للتأكيد على أنهم قد رأوا الكبش وعرفوه كما كانوا يعرفونو في الدنيا , ثم يقوؿ : "فػَيػَقُولُوفَ نػَعَمْ ىَذَا الػمَوْتُ ", فقوبؽم: "فػَيػَقُولُوفَ نػَعَمْ ىَذَا الػمَوْتُ " ولم يقولوا : (ىذا الكبش) يدؿُّ على معرفتهم بحقيقة ابؼوت وأنه م قد رأوه قبل أف بهعلو الله على ىيئة كبشٍ , وربدَّا خوفهم من ابؼوت وكراىيتهم لو ىو ما جعلهم ينطقوف بحقيقتو , حتَّ وإف كاف الله عزَّ وجلَّ قد حوَّلو على ىيئة كبشٍ , ثم قولو عليو الصلبة والسلبـ: "وَكَلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ", تأكيد منو على أفَّ كلَّ إنسافٍ في ابعنَّ ة قد رأى ابؼوت وعَرَفَوُ , لأنَّو قد مرَّ على كلّْ حيٍّ في الدُّنيا, لذا كاف معروفً ا عندىم. ثم ينقلنا البياف النَّبويُّ إلى ابعزء الثاني من ىذا ابغوار في ىذه الصورة الغيْبِيَّة , وابعزء الآخر كاف مع أىل النار , حيث يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "ثُػم يػُنَ ادِي: يَا أَىْلَ الن ارِ ", ونُلبحظ أنَّو قد عَدَؿ ىنا عن حرؼ العطف (الفاء) في قولو : " فػَيػُنَادِي, فػَيَشْرَئِبُّوفَ , فػَيػَقُولُوفَ ", فالفاء ىنا دلَّت على الترتيب بين الأحداث والتعقيب مباشرةً بينها, بينما استعمل (ٔ) عروس الأفراح, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٕ,(باب الحاء, فصل الميم),:ٕٓٙ. (ٖ) المصدر السابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الشين),:ٖٜٗ.
عدد الصفحات ١٩٤195 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في بداية الأحداث عن أىل النَّار بحرؼ العطف (ثم) لأنَّو بردث أولاً عن أىل ابعنة, فأخذ ذلك فُسحةً من الوقت حتَّ انتقل ابغديث عن أىل النار, كذلك ابؼلك أو ابؼنادي في الصورة التشبيهية كاف في حديثو ترتيب وتراخ , لأنَّو بردَّث أولاً مع أىل ابعنة وأخذ ذلك وقتً ا زمنيِّ ا قصيرً ا ثم أعقب ابغديث مع أىل النار, وىذا ما نفهمو من حرؼ العطف (ثم), وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "فػَيَشْرَئِبُّوفَ وَيػَنْظُرُوفَ " أي أنَّو حدث منهم ما حدث من أىل ابعنة في أنهَّم رفعوا رُ ءُ وسهم ونظروا إليو, والوصل(ٔ) ىنا أيضً ا أدى إلى تأكيد حدوث الفعلين منهم, لكن خوفً ا وجزعً ا بفا سيسمعونو. ثم قولو: "فػَيػَقُوؿُ ىَلْ تػَعْرِفُوفَ ىَذَا؟ ", واستفهامُو(ٕ) ىنا للتأكيد على أنهَّم بصيعً ا قد رأوه , ثم يقوؿ " :فػَيػَقُولُوفَ: نػَعَمْ ىَذَا الػمَوْتُ " لأنهَّم قد عرفوه في الدنيا ومرَّ بك لّْ واحدٍ منهم, وقولو: "وَكَلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ", تأكيدٌ أيضً ا على أفَّ كلَّ إنسافٍ في النَّار قد رآهُ وعرفوُ , ثم يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "فػَيُذْبَحُ ", وىنا تأتِ خابسة ىذا ابغوار ونهايتو مع أىل ابعنَّة والنَّار . وفي ىذه الصورة الأُخرَوِيَّة يُذبَح ىذا الكبش الذي ىو في حقيقتو شيءٌ قػَهَرَ النَّاس وىَدَـَ لذَّاتهِم وفػَرَّؽ أحبَّتَ هم, يُذبَح كرمزٍ للفِداء, حيث إفَّ الكبش ىو ابغيواف الذي فدى الله بو نبيَّو إبظاعيل عليو السلبـ(ٔ), فوقع الاختيار عليو دوف غيره من ابغيوانات, وذلك أبل وأوقع في النفس, وفي موت ابؼوت ونهايتو سعادةٌ وسرورٌ لأىل ابعنَّة , وفي موتو حزفٌ لأىل النَّار لأنهَّم سيمكثوف وبىلَّدوف في النَّار . ثمَّ يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "ثُػم يػَقُوؿُ : يَا أَىْلَ الجَن ةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتٌ , ويَا أَىْلَ الن ارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتٌ ", فالنّْداء ىنا "للتَّنبيو على إعدامو وأنَّ و لا يعود"(ٕ), ونُلبحظ أفَّ الرسوؿ ىنا قدَّـ أىل ابعنَّة على أىل النَّار, وذلك لتعجيل ابؼسرَّة بؽم وىو نوعٌ من ابغَفَاوةِ ّٔم, كما نُلبحظ في الصورة السابقة بؾيء الأفعاؿ على صيغة ابؼضارع: "يػُؤْتَى, فػَيػُنَادِي, فػَيَشْرَئِبُّوفَ (ٔ) سبق تعريفو,:ٗٔٓ. (ٕ) سبق تعريفو,:ٕٔٚ. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:٘٘. (ٗ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٔٔ,:ٕٓٗ.
عدد الصفحات ١٩٥196 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَيػَنْظُرُوفَ , فػَيػَقُوؿُ , تػَعْرِفُوفَ , فػَيػَقُولُوفَ " لتقريب الصُّورة وجعلها واقعيَّةً وكأنهَّا بردث الآف(ٔ), وىذه الصيغة جعلت الصورة أيضً ا مُتحركةً بحيث تكوف أكثر وضوحً ا ويقينً ا في النفس. بفا سبق نلبحظ أفَّ (ابعدي, والغنم, والشاة, والكبش) من أوضع ابغيوانات عند العرب, حيث إنهَّا لا برتلُّ ابؼكانة العالية التي برتلها (الإبل), وإف كانت ذات فائدةٍ إلا أفَّ فائدتها لا تُقارف بفائدة (الإبل) و(ابػيل), وىي حيوانات برتاج للحماية والرعاية لضعفها وقلة حيلتها, ومن ىنا كاف التشبيو ّٔا في مواضع الضعف وابؽواف والتضحية . وقد استخدـ عليو الصلبة والسلبـ حيوانات لم تكن موجودة في البيئة العربية , لكنَّ الصحابة قد رأوىا وعرفوىا في البيئات آّاورة , وتعرفوا على صفاتها وخصائصها ابغميدة والقبيحة, منها: (ابػنزير ) فمن ىذا ابؼفهوـ استخدمو في ذـّْ عملٍ قبيحٍ رآه عليو الصلبة والسلبـ فنهى عنو, فعن سليماف بن بريدة (ٕ) عن أبيو أفَّ النبي قاؿ: {مَنْ لَعِبَ بِالنػ رْدَشِيرِ فَكَأَن مَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِوِ }(ٖ). فالدقائق والثواني بؽا أبنيتها في حياة ابؼسلم, بل إنهَّا ابغياة, ومن ىنا فإنَّو يشير إ ىذه الأبنية وإلى ضرورة استغلبؿ الأوقات بدا يعود على ابؼسلم بالفائدة , فضرب لنا ىذا التشبيو بؼن يضيع وقتو في أصناؼ اللهو كػ "النَّرد " وغيره, فقاؿ عليو الصلبة والسلبـ: "مَنْ " ومن الشرطية ىنا لفتت انتباه الصحابة وشدت اىتمامهم بؼا سيقولو بعدىا, فبعد أف شعر عليو الصلبة والسلبـ بأنَّو قد استحوذ على انتباه الصحابة أردؼ بعد "مَن" قولو عليو الصلبة والسلبـ: "لَعِبَ بِالنػ رْدَشِيرِ ", و(النَّرد ): "اسم أعجمي مُعرَّب, و(شير) بدعن حلو, والنَّرد شيءٌ يُلعَب بو, فارسيّّ وليس بعربٍّ , وىو النَّردَشِير "(ٗ). (ٔ) المثل السائر, مرجع سابق ,جػٕ,:ٙٔٗ. (ٕ) سليماف بن بريدة بن الػحُصيب الأسلمي المروزي, ثقة من الثالثة, مات سنة خمس ومائة, ولو تسعوف سنة. (تقريب التهذيب, الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني, قدـ لو: محمد عو امة, طٕ,(حلب- سوريا: دار الرشيد, ٛٓٗٔىػ),:ٕٓ٘). بريدة بن الػحُصيب: أبوسهل الأسلمي, صحابي, أسلم قبل بدر, مات سنة ثلاث وستين,(الإصابة, جػٔ,:ٖٖ٘). (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق,جػٗ,:ٓٚٚٔ, كتاب الشعر, باب تحريم اللعب بالنردشير, حديث رقم:ٕٕٓٙ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٖ,(باب الداؿ, فصل النوف),:ٕٔٗ.
عدد الصفحات ١٩٦197 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويتضح من ابغديث ومن قولو أنَّو كاف يُلعب ّٔذه اللعبة في عهده ,وابعملة الفعلية: "مَنْ لَعِبَ بِالنػ رْدَشِيرِ ", تدؿُّ على استمرارية التحرنً وبذدُّد ىذا التحرنً متَّ وُجدت ىذه اللعبة أو ما شأّها. فبعد أف بظع الصحابة ىذه ابعملة التي أَوحت بؽم في الوىلة الأوبأمرٍ خطير , لم يُدركوا مضمونها وما يقصده منها عليو السلبـ حتَّ أردؼ عليو السلبـ بقولو : "فَكَأَن مَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِوِ ". ونُلبحظ الدَّور الذي لعبو حرؼ (الفاء) حيث أَشْعَرَنَا وجذَبَ انتباىنا بػطورة ابغكم الذي يُريد أف يصدره , ثمَّ اختياره عليو الصلبة والسلبـ لأداة التشبيو (كأفَّ ) التي جعلت التشبيو أكثر قوَّةً (ٔ), ثم بإضافتو عليو الصلبة والسلبـ لػ(ما) إلى (كأفَّ ) أشعرتنا بشدَّة التحرنً وابؼبالغة في ابغكم الذي أصدره عليو الصلبة والسلبـ في حق من لَعِب بالنردشير , ولكن ما ىذا ابغكم الذي أصدره عليو الص لبة والسلبـ في ىيئة تشبيوٍ مُقزّْزٍ مُنػَفّْرٍ؟ يقوؿ عليو السلبـ "فَكَأَن مَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِوِ ", فالصَّب في الأصل : "التَّغيِير, والصَّب ُ ما يُصْبَ ُ وتػُلَوَّفُ بو الثّْياب "(ٕ), فالثّْياب عندما تُصبَ ُ يتغير لونها ويبقى أَثػَرُ الصَّب فيها, أيِّ ا كاف ىذا اللَّوف الػمصبوغ, ومن ىنا نُدرِؾ الدّْقة في اختياره عليو السلبـ لكلمة "صَبَغَ " بدلاً من أيّْ كلمةٍ أخرى "كأَدخلَ " أو "وضَعَ " لأفَّ الصَّب يبقى أثرُهُ , وىذا ما أراده عليو الصلبة والسلبـ , فاللعب بالنرد يبقى أثره بعد أف يُل عب بو أو بدا شأّو , من تضييع للؤوقات يتبعها تضييع للمصافٌ الشخصية والعامة وما يترتب على ذلك من ابػسراف والضياع , ثم اختياره عليو الصلبة والسلبـ بغرؼ ابعر "في" يدؿُّ على بسكُّن الصَّب ِ من اليد كلّْها وليس في جزءٍ منها, أي اشتمل اللحم والدـ على اليد كلها ولي س على جزء منها , لأفَّ معن (في) "الوعاء"(ٖ) فكأفَّ اليد كلها غمست في وعاء اللحم والدـ, فاللَّعب بالنَّرد واللَّهو بو يبقى أثرُهُ وتأثيره وذلك يتمثل في البُعد عن ذكر الله وعن الطاعات والعبادة. ثمَّ بعد ذلك بىتار عليو الصلبة والسلبـ (اليد) للصَّب دوف أي جزءٍ آخر من جسم الإنساف كالرّْجل مثلبً أو الشَّعر, لأفَّ اليد ىي ابعزء ابؼستخدـ في الأكل والشرب وتنظيف ابعسم وغيرىا, فكأفَّ الرسوؿ أراد أف يُنفّْر من ىذه اللعبة بأف خص الصب باليد حتَّ تبقى آثار ىذه اللعبة ماثلة أماـ أبصارنا, (ٔ) عروس الأفراح, مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٕ) المصدر السابق, جػٛ,(باب الغين, فصل الصاد),:ٖٚٗ. (ٖ) معاني الحروؼ, مرجع سابق ,:ٜٙ.
عدد الصفحات ١٩٧198 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولأفَّ اليد عادة ما تشترؾ في أي لعبة أخرى وأف اعتمدت بعض الألعاب على أجزاء أخرى غيرىا, وىنا ندرؾ بلبغتو في اختيار الألفاظ في أيّْ عملٍ حتَّ اللَّعب , وإف كانت ىناؾ بعض الألعاب تستدعي أف يشارؾ الإنساف بأجزاءٍ أخرى من جسمو كالرّْجل والبصر وغيرىا, إلا أفَّ النَّرد بالذَّات تكوف اليد ىي ابعز ءُ الأىمُّ في ىذه اللعبة, فأراد عليو الصلبة والسلبـ أف يُنفّْر كلَّ من لَعِب ّٔذه اللعبة بتشبيهو بؼن لعبها بأنَّو قد صَبَ َ يده بدـ وبغم ابػنزير , فلحم ابػنزير ودمو أكثر اللحوـ احتواء للجراثيم وابؼيكروبات في حالة أكلو وطبخو , فكيف إذا كاف من غير طبخ وكاف متر وكً ا متعفنً ا؟ فإفَّ كمية ابعراثيم والأمراض تتكاثر في اليد وخاصة إذا كاف في اليد دـ من دمو, فإفَّ ذلك يساعد على تكاثر ىذه ابعراثيم وزيادة الأمراض, فتمرض اليد ويزداد ابضرارىا من تلك ابعراثيم ابؼتراكمة , فبشاعة ىذه اللُّعبة "وحرمتُها كحُرمةِ الػمُشبَّو بِوِ "(ٔ). بالإضافة إلى أفَّ لوف الدـ الأبضر مصبوغٌ في اليد, يدؿُّ على قساوة القلب وعنفو وجبروت و وبُعده عن الله في إضاعة الأوقات بدا يُلهي عن الطاعة وعن العبادة وما يعود على الإنساف بالفائدة, و كلما بػَعُد الإنساف عن الله ازداد قلبُوُ قسوةً وخشونةً بفعل اللَّهو, وقد تؤدي ىذه ابػصاؿ إلى العنف بين اللبَّعبين مػمَّا يورِث في قلؤّم البغضاء وابغسد الذي يؤدي عادةً إلى الشّْجار, وقد بوصل ما لا بوُمَد عقباه , فيعتدي أحدىُم على الآخر فتسيل الدّْماء, وتنزؼ ابعراح , فمن ىنا نفهم بؼاذا عبرَّ في تشبيهو بػ(الدـ), ويبقى أف نعرؼ السر وراء اختياره عليو الصلبة والسلبـ للَّحم ودـ ابػنزير دوف غيره من ابغيوانات؟ "لقد اكتشف الأطباء مؤخرً ا أفَّ بغم ابػنزير بومل جراثيم شديدة الفتك , كما أفَّ الػمُتغذي من بغم ابػنزير يكتسب من طباع ما يأكلو, وابػنزير فيو من الطباع ابػبيثة الكثير , أشهرىا عدـ الغِيرَة والعفة, فهو من ابغيوانات التي تأكل القمامة والقاذورات والنَّجاسات , بل إنَّو يترؾ فريستو حتَّ تتعفَّن ثم يأكلها, وإذا لم بهد ما يأكلو فإنَّو يقوـ بأكل ما يتبرَّزُه"(ٕ). ومن الأمراض التي يسببها بغم ابػنزير على سبيل ابؼثاؿ لا ابغصر : "اضطرابات بـتلفة في ابعهاز ابؽضمي مع ضعفٍ عاـٍّ وبكُوؿٍ واصفرارٍ في الوجو بسبب الدُّودة الشَّريطية ابؼوجودة في (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق, جػ٘,:ٙٔ. (ٕ) موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي الشريف, عبد الرحيم مارديني , طٔ, (دمشق: دار المحبة للطباعة والنشر, ٕٕٓٓـ), :ٔٔٔ-ٕٔٔ.
عدد الصفحات ١٩٨199 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغم ابػنزير , كما بوتوي بغم ابػن زير على كميَّة كبيرة من بضض الب وليك خلبفً ا لسائر ابغيوانات, كما يسبب بغم ابػنزي ر التهاب السَّحايا وابؼخ نتيجة الإصابة بابؼيكروب السيحي الكثير الشيوع في بغم ابػنزير , بالإضافة إلى أمراضٍ نفسيَّة أخرى يسبّْبها بغم ابػنزير مثل موت النَّخوة , وعدـ الغِيرة على الأىل , وابػنزير من ابغيوانات آكلبت اللحوـ , فهو أكثرىا عنفً ا وشراسةً , وتنتقل ىذه الصفات العُدوانية إلى آكل بغم ابػنزير"(ٔ). بفا سبق يتضح لنا أنَّو لا يوجد حيوافٌ بومل بغمو ودمو ىذا الكم ابؽائل من ابعراثيم وابؼيكروبات والطُّفيليات الضَّارة للئنساف غير ىذا ابغيواف, فحتََّّ ابغيوانات الػمُفترسة وابػطيرة على حياة الإنساف قد يُستفاد من جلدىا أو قُرونهِا أو عظامِها أو بظّْها . بالإضافة إلى أفَّ ابػنزير بومل الطباع الشَّرسة التي قد يكوف ىناؾ شيءٌ منها أو كلها فيمن يأكل بغمو ويقابلو (النَّردشير ) فإنَّو يُؤثّْر ويُورِث فيمن لَعِبو شيئً ا من الطباع السيئة . لقد أراد النبي أف يُنفّْر وبوُرّْـ ىذه اللعبة وما كاف على شاكلتها من الألعاب الػمُحرمة كالػميسِر والقِمار بالتَّشبيو ّٔذا ابغيواف الذي لا يُوجد في خَلْ قِوِ أو خُلُقِوِ شيءٌ بصيلٌ حسنٌ بيكن أف يُستفاد منو, بل على العكس بسامً ا, وكذلك من لَعِبَ ّٔذه اللعبة أو ما شأّها فلب فائدة بىرج ّٔا غير تضييع الأوقات فيما حرـ الله . ونلبحظ أنَّو عليو الصلبة والسلبـ في ىذه الصورة اعتمد على مشبو بو ليس موجودً ا في البيئة العربية , وخالف بذلك ما ذكره علماء البلبغة من أفَّ الصورة التشبيهية عند العرب تعتمد على ما رأوه وعرفوه في بيئتهم , يقوؿ ابن طبا طبا: " واعلم أفَّ العرب أودعت أشعارىا من الأوصاؼ والتشبيهات وابغكم ما أحاطت بو معرفتها وأدركو عِيانها ومُدَّت بو بذارّٔا وىم أىل وبرٍ , صحونهم البوادي, وسقوفهم السماء, فليست تعدو أوصافهم ما رأوه منهما وفيهما "(ٕ). ونفهم من قوؿ ابن طباطبا أفَّ التشبيو لا بد أف يكوف مستمدً ا من حياة وواقع وبيئة الأشخاص ابؼعقود التشبيو بؽم , وإلا فإفَّ تأثيره يكوف مؤقتً ا, وتصبح ىذه التشبيهات غير (ٔ) الإعجاز الطبي في الكتاب والسنة, حسن ياسين عبد القادر,طٔ,(القاىرة: أميرة للطباعة عابدين,ٚٔٗٔىػ), :ٙ٘. (ٕ) عيار الشعر, أبو الحسن أحمد بن طباطبا العلوي, تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع,(القاىرة: مكتبة الخانجي),:٘ٔ.
عدد الصفحات ١٩٩211 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صابغة للبنتشار مع مرور الوقت واختلبؼ الأزماف , فتفقد تأثيرىا عند من لم تكن ىذه التشبيهات مستمدةً من بيئتهم, فهي صورة صابغة لبيئة معين ة وزماف معين , وىذا ما قصده القاضي ابعرجاني بقولو: "وقد يكوف في ىذا الباب ما تتسع لو أمةٌ وتضيق عنو أخرى ويسبق لو قوـ دوف قوـ, لعادة أو عرؼ أو مشاىدة أو مراس , كتشبيو العرب العادة ابغسناء بتريكة النعامة, ولعل من الأمم من لم يرىا , وبضرة ابػدود بالورود والتفاح وكثير من الأعراب من لم يعرفها , وكأ وصاؼ الفلبة وفي الناس من لم يصحر, وسير الإبل وكثير منهم لم يركب "(ٔ). ولكنَّ ابؼلبحظ أفَّ الصورة التشبيهية في حديثو عليو الصلبة والسلبـ لم تكن مستمدة من بيئتو ولا أصحابو ,ومع ذلك كلو فقد كانت مؤثرة خالدة إلى يومن ا ىذا, وبكن نفهمها ونعيشها ونشعر بتأثيرىا وبابؼقصود منها , فما الذي جعلها خالدة إلى يومنا ىذا؟ إنَّو بكل وضوح البياف النبوي وما بوويو من قوة وعمق وإحكاـ في اختيار الصورة التشبيهية التي تغوص في أغوار النفس الإنسانية فتلبمس أبعاد ىذه النفس وتؤثر فيها تأثيرً ا كبيرً ا, ما مكَّن بؽذه التشبيهات أف تكوف خالدة على مر الأزماف , وليس ذلك إلا للبياف النبوي. ومن ابغيوانات التي استخدمها عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهاتو نتيجة لتربية العرب بؽا ووجودىا في بيئتهم (البقرة ) و(الثور), وقد يكوف استخدامو عليو الصلبة والسلبـ بؽذه ابغيوانات لاتصافها بصفة معينة لا توجد إلا فيها , كاستخدامو عليو الصلبة والسلبـ البقر للتشبيو بنوع من السياط , فعن أب ىريرة (ٕ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : {صِنػْفَافِ مِنْ أَىْلِ الن ارِ لَمْ أَرَىُمَا , قػَوْـٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البػَقَرِ يَضْرِبُوفَ بِهَا الن اسَ , وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُ ءُ وسُهُن كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ الػمػَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الجَن ةَ وَلاَ يَجِدْفَ رِيحَهَا , وَإِف رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا }(ٖ). (ٔ) الوساطة بين المتنبي وخصومو, علي بن عبد العزيز الجرجاني ,تحقيق: ىاشم الشاذلي, (دمشق-سوريا: دار إحياء الكتب العربية):ٙٛٔ. (ٕ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٙٔ. (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق,جػٖ,:ٓٛٙٔ, كتاب اللباس والزينة, باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات, حديث رقم:ٕٕٛٔ.
عدد الصفحات ٢٠٠211 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في ىذا ابغديث معجزةٌ من معجزات الرسوؿ وىو إخباره عن أمرٍ غيبيٍّ ظهر في زمننا ولم يظهر في زمنو ,وابغديث يشتمل على صورتين مرتبطتين بإطارٍ واحدٍ ىو ابغكم الذي أصدره عليو الصلبة والسلبـ على التشبيهين بقولو : "صِنػْفَافِ مِنْ أَىْلِ النَّارِ ", فقد بدأ عليو السلبـ حديثو بالإبصاؿ ثم التفصيل, حيث إفَّ كلمة (صنفاف) بضلت معن العدد, إلا أفَّ ىذا العدد بومل الاختلبؼ في كلّْ معدودٍ , مع أفَّ ابغكم على كلٍّ منهما واحدٌ وىو أنهَّما "مِنْ أَىْلِ النَّارِ ", ىذه ابعملة الابظية دلَّت على ثبوت ىذا ابغكم واستمراره على كل من اتصف ّٔذه الصفة التشبيهية, بالإضافة إلى أفَّ قولو عليو الصلبة والسلبـ : "صِنػْفَافِ مِنْ أَىْلِ الن ارِ " فيو تشويق بؼعرفة الأسباب التي أدت ّٔذين الصنفين إلى النار , وفي بصلة: "صِنػْفَافِ مِنْ أَىْلِ الن ارِ " حذؼ للمسند إليو(ٔ) وىو ابؼبتدأ, لأفَّ الأصل: "بنا صنفاف" فحذؼ ابؼسند إليو "بنا" لأبنية ابؼسند "صنفاف" و للتركيز عليو , لأفَّ الغرض ىو توضيح أنهما صنفاف اثناف, كما أدى حذؼ ابؼسند إليو إلى شعورنا بالاحتقار والاستهزاء بؽذين الصنفين بؼا يصنعانو من ابؼعاصي ابؼوجبة لغضب الله عز وجل , وكلّّ من الصورتين مرتبطتين بابؼستقبل, يدؿ على ذلك قولو : "لَمْ أَرَىُمَا ", فالنفي يدؿ على عدـ وجودبن ا في زمن الرسوؿ ,وىذا التعبير الػمُجمل أراد من خلبلو أف بيهّْد بو ما يرد بعده من التفاصيل ابؼوضحة لأسباب ىذا ابغكم الذي أصدره عليو الصلبة والسلبـ. فالصورة الأولى "قػَوْـٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البػَقَرِ ", وىذه الصورة حذؼ فيها ابؼسند إليو, والأصل "ىم قوـ معهم سياط ", فحذؼ ابؼسند إليو ىنا لاحتقارىم لأنهَّم عُصاة , ولبياف وتوضيح صفتهم التي اتصفوا ّٔا وكانت سببً ا لأف يكونوا من أىل النار . فهؤلاء القوـ ىم أولئك القُساة الظَّلَمة الذين يسوموف الناس سوء العذاب بضرّٔم وتعذيبهم , وىذا مُشاىد ملحوظ في ىذا الزماف , فكم من مظلوـ يئنُّ برت وطأة الألم إمَّا في السُّجوف بغير ذنب, يذوؽ أصناؼ العذاب وأنواعو, وإمَّا خارجها بفن أراد الله بؽم أف يكونوا برت إمْرَةِ ظَلَمَةٍ جبَّارين, لا بذد الربضة إلى قلؤّم سبيلبً , فيعملوف على تعذيب من برت أيديهم بالضرب والإىانة والتعذيب والتنكيل لا لشيء بل ّٓرد حبّْ التعالي وتعذيب الناس . (ٔ) المسند إليو:ىو المحكوـ عليو أو المخبر عنو. (انظر:المعاني في ضوء أساليب القرآف الكريم, :ٛٛ).
عدد الصفحات ٢٠١212 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتوحي بصلتو " :قػَوْـٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البػَقَرِ " بتلبزـ وتلبصق كلٍّ من ابؼشبو بابؼشبو بو تلبزمً ا وبذاورً ا يدؿ على ثبوت ودواـ ىذه الصورة التي ربظها عليو الصلبة والسلبـ بؽذا الصنف من الناس, والذي أوحى ّٔذا التلبزـ والتلبصق حرؼ التشبيو "الكاؼ" بحيث لا تنفك عنهما ىذه الصفة, كما تدؿ على وجودىم في كل زمنٍ يأتِ بعد زمن النبي ,وقد صورىم عليو الصلبة والسلبـ وكأنَّو يشاىدىم ويراىم بوملوف في أيديهم سياطً ا يضربوف ّٔا الناس. والسياط: بصع سوطٍ "وىو الذي يػُجلد بو, ويكوف مصنوعً ا من ابعلد ابؼظفور فإذا ضُرب بو كاف أكثر ألَػمً ا من العصا, وبظي سوطً ا لأنو إذا سِيط بو إنسافٌ أودى بو خلط الدـ باللحم, فينتج عن ذلك ألػمٌ شديدٌ "(ٔ). وىذه السّْياط شبهها عليو الصلبة والسلبـ بأذناب البقر, حيث من ابؼلبحظ أفَّ "أذناب البقر تكوف من الأعلى غليظة مكسوَّة بِلدٍ يصل إلى نهاية الذَّنَب حيث يوجد بو قليلٌ من الشعر الطويل, وذنب البقر يتميَّز بالطُّوؿ نسبيٍّ ا, وىو عريضٌ من الأعلى يتدرج في النُّ حف حتَّ يصل إلى أسفل الذَّنَب "(ٕ), وىذا ما جعل الرسوؿ بىتار أذ ناب البقر لصورتو التشبيهية حيث إنهَّا متشأّة بسامً ا مع ىذه السّْياط, وقد لا بقد ما يشبِو ىذه السياط من أذناب ابغيوانات الأخرى كابػيل وابغمير وغيرىا , وقد كاف عليو الصلبة والسلبـ دقيقً ا في اختيار ابؼشبو بو الذي يتطابق مع ابؼشبو من حيث الغلظة والقوة والطوؿ, وقوة الضرب وشدتو الذي ينتج من ىذه ابؽيئة والتركيبة للذنب والسياط . ولعل الأمر الآخر الذي جعلو يشبّْو بالذَّنَب دوف غيره من أجزاء جسم ابغيواف ىو بغضو عليو الصلبة والسلبـ للظُّلم وأىلو, فالذَّنب أىوف وأقذر ما في ابغيواف, حيث إنَّو يقوـ بتغطية عورة ابغيواف , فأراد عليو الصلبة والسلبـ أف يربط بين قذارة ىذا الذَّنب وخسَّة نػُفُوس ىؤلاء الظَّلمة ودناءتهم, ونلبحظ أنَّو قد ربط بين الصورة الأولى والصورة الثانية بحرؼ العطف(الواو)(ٖ) لكي يدخل الصورة الثَّانية وىي قولو:"وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ " في حكم الصورة الأولى وىو أنهَّما من أىل النَّار معً ا, وقد نعت عليو الصلبة والسلبـ ىذا الصنف من (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب الطاء, فصل السين),:ٕٖٙ. (ٕ) موسوعة الحيواف, مرجع سابق ,:٘٘. (ٖ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,جػٔ,:ٜٚ.
عدد الصفحات ٢٠٢213 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أىل النار بعدَّة أوصاؼ في قولو: "وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ " ونُلبحظ أنَّو قد نكَّر كلمة(نساء) احتقارً ا وازدراءً بؽنَّ على ىذا الفعل . فأوَّؿ ىذه الأوصاؼ أنهنَّ كاسياتٌ عارياتٌ , "قِيل معناه كاسياتٌ من نعمة الله عارياتٌ من شكرىا , وقيل معناه تستر بعض بَدَنهِا وتكشف بعضو إظهارً ا بعمابؽا وبكوه, وقيل معناه تلبس ثوبً ا رقيقً ا يصف لوف بدنها"(ٗ), وقد تكوف تلبس ثيابً ا ضيّْقةً بحيث تصف كلَّ بدنها بحيث تبدو وكأنهَّا عارية. ونلبحظ أفَّ الطباؽ(٘) ىنا في قولو: "كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ ", لا بد منو؛ إذ إفَّ اجتماع الضدين "كاسيات" و"عاريات ", أديا إلى اكتماؿ الصورة وابؼعن , فلو ذكرت إحدى اللفظتين كلفظة "كاسيات" وحدىا دوف ذكر ضدىا "عاريات " لأدى إلى خلبؼ ابؼعن ولتوُىم أنهَّنَّ كاسياتٌ فقط , ولكنَّ ذكره للفظة "عاريات " أوصل ابؼعن والصورة كاملة لأفَّ الغرض ىو بياف أنهَّنَّ كاسيات, ولكنَّ ىذه الكسوة غير ساترة بؼفاتنهنَّ فكأنهَّنَّ عاريات , وىذا ىو الغرض من الطباؽ وىو مقصده . والصفة الثانية أنهَّنَّ مائلبتٌ بفُيلبتٌ , "وأمَّا مائلبتٌ فقيل معناه عن طاعة الله وما يلزمهن حفظو, بفُيلبتٌ أي يعلّْمن غيرىن فعلهنَّ ابؼذموـ , وقيل: مائلبتٌ بيشِينَ متبختراتٍ بفُيلبت لأكتافهنَّ , وقيل: مائلبتٌ بيشطن ابؼشطة ابؼائلة وىي مشطة البغايا , بفُيلبتٌ بيشطن غيرىن ىذه ابؼشطة"(ٔ), وفي قولو: "مائلاتٌ مُميلاتٌ " جناس اشتقاؽ(ٕ), لأفَّ الأصل اللغوي واحد, وىذا ابعناس أوضح أفَّ ىذا الصنف من النساء لا يكتفين بغواية أنفسهنَّ , بل إنهَّنَّ يُغوين غيرىنَّ من النساء بالتشبو ّٔنَّ , والرجاؿ في جذّٔم إليهنَّ , وقد جاءت الأوصاؼ السابقة بؽذا الصنف من النساء "كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مائلاتٌ مُميلاتٌ ", على وزف (فاعل) وبدوف عطف بين ابعمل ما يصور الغنج والعوج وابػلبعة وبهسد صورة الغواية وسرعة التأثر وابعذب للنفوس الضعيفة. (ٗ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق, جػٚ, :ٓٔٔ. (٘) الطباؽ:الجمع بين المتضادين في الجملة. (انظر:الإيضاح في علوـ البلاغة,مصدر سابق,:ٕٛٛ). (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق, جػٚ, جزءٗٔ,:ٓٔٔ. (ٕ) جناس الاشتقاؽ: أف يجمع الاشتقاؽ اللفظين, بمعنى أف يجمعهما أصلٌ واحد في اللغة. (انظر:البديع في ضوء أساليب القرآف الكريم, مرجع سابق ,:٘ٙٔ).
عدد الصفحات ٢٠٣214 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ليس ىناؾ أوجز من ىذا التصوير للنّْساء اللبتِ بيشينَ في الشوارع لابساتٍ ثيابً ا قصيرةً جدِّ ا دوف أكماـٍ , وربدَّا يكوف ثوب إحداىنَّ مفتوحً ا من موضع الصدر والظهر وابعانبين فمن تلبسو تكوف كاسيةً لأفَّ عليها كساءً , ومن تلبسو تكوف عاريةً لأنهَّا لا تستر م ن جسمها ومفاتنها شيئً ا بل لا تكاد بزفي إلا القبيح الػمُنفّْر"(ٖ), وىذا النوع من النساء لا يوجد في الشوارع فقط بل في وسائل الإعلبـ ابؼقروءة وابؼرئية . وبعد ىذه الأوصاؼ بؽذا الصنف من النساء أردؼ عليو الصلبة والسلبـ بصورة تشبيهية في قولو: "رُ ءُ وسُهُن كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ الػمػَائِلَةِ " فالبُخت "نوعٌ من ابعماؿ طويلة الأعناؽ عظيمة السَّناـ"(ٗ), فوصف مشطتهنَّ في ضخامتها وارتفاعها فوؽ ر ءوسهنَّ بأسنمة ابعماؿ البختية , واختارىا من بين أنواع ابعماؿ لطوؿ عنقها وعظم سنامها , ولنتأمل بصاؿ ىذا التصوير , فالشيء الثقيل حين يكوف فوؽ مرتفع بكيل وطويل يزيد ميلبنو , ولكن لتصوير شدة ابغركة والاضطراب , جاء رسوؿ الله بلفظة"مائلة". "ولنا أف نتصوَّر كيف ضُػخّْمَ التَّشوُّه في تصوير النساء , إذ تربع كائنٌ ضخمٌ على الكاسيات العاريات الػمُميلبت ابؼائلبت وىو بحجم سناـ ابعمل ف وؽ قاعدةٍ ترتَجُّ وتتقلقل وتتذبذب بين ىذه الناحية وتلك, وقد آلت صورة النساء إلى ل قطة مكبرَّة بسلؤ الأبصار وبرتويها لكونها حركة تشدُّ الانتباه لغرابتها , ويتجلَّى فيها مشهد الرأس وحده بعد مشهد ابعسد كلو, وقبح ىؤلاء النسوة يناسب البدء من ابعسد لاتصافهن بالشهو ة ابغيوانية, وإغراء الناس واستفزاز الغرائز ابؼريضة , إذ بدأ التصوير بالتدرُّج من الشكل ابعسدي إلى ابغركة في الرأس"(ٔ). ونلبحظ البراعة والدقة في التشبيو, فالسَّناـ أعلى شيء في ابعمل, والشعر أعلى شيء في جسد ابؼرأة , وابعمل عندما بيشي يتمايل السناـ وابؼرأة عندما تضع شعرىا ّٔذه الطريقة فوؽ رأسها فإنهَّا تشعر بالػخُيلبء وبأنهَّا قد جذبت أنظار الآخرين ما بهعلها بسشي وتتبختر في مشيتها وتتمايل. (ٖ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٓٛٔ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق,(باب التاء, فصل الباء),:ٜ. (ٔ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٕٕٚ-ٖٕٚ.
عدد الصفحات ٢٠٤215 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد ختم عليو الصلبة والسلبـ حديثو بدا يفزع لو قلب كل إنسافٍ وىو قولو: "لاَ يَدْخُلْنَ الجَن ةَ وَلاَ يَجِدْفَ رِيحَهَا ", فأكَّد عليو الصلبة والسلبـ عدـ دخوؿ ىذا الصنف ابعنة بتكرار النفي في قولو: "لاَ يَدْخُلْنَ الجَن ةَ وَلاَ يَجِدْفَ رِيحَهَا ", مبالغة منو في عدـ دخوبؽنَّ ابعنة, ولنتأمَّل لفظة "يجدف" وبؼاذا اختارىا عليو الصلبة والسلبـ بدلاً من "يشممن ربوها"؟ فابؼعلوـ أفَّ الشيء إذا وجد كاف بالإمكاف شمو ولكن إذا لم يوجد أساسً ا فلب بيكن شمُّو إطلبقً ا, وىذا ما قصده عليو الصلبة والسلبـ من اللفظة "يَجِدْفَ رِيحَهَا ", فكيف يشممن ريح ابعنة إذا لم يكنَّ من أىلها أصلب؟ ىذه ىي ابػابسة التي أكَّد ّٔا على ما بدأ بو حديثو حين قاؿ عليو الصلبة والسلبـ "صِنػْفَافِ مِنْ أَىْلِ الن ارِ لَمْ أَرَىُمَا " فهذه ابػابسة تأكيد للحكم الصادر في بداية ابغديث وىي قولو: "لاَ يَدْخُلْنَ الجَن ةَ وَلاَ يَجِدْفَ رِيحَهَا ". لقد احتوى ابغديث على عددٍ من ابعمل الابظية التي تدؿُّ على الثبوت والاستمرار وذلك بزويفً ا وبرذيرً ا منو لأمتو, وابغديث من معجزات الرسوؿ ,فقد أخبر عن أمورٍ يػَرَىا ثم كانت وبرقَّقت نبوءتو . أما الثور فيوجد حيث يوجد البقر , وىو من ابغيوانات الأليفة الكبيرة, وقد اعتمد عليو العرب في مزارعهم بغرث الأرض , وقد يستخدـ للؤكل , وقد أدرؾ عليو الصلبة والسلبـ كل ذلك فأورده في تشبيهاتو لصفةٍ وُجدت بو دوف غيره من ابغيوانات, فعن عَمر و بن مَيمُوف(ٔ) عن عبدِ اللهِ (ٕ) قَاؿ: قَاؿَ لَنَا رسُوؿُ الله :{أَمَا تػَرْضَوْفَ أَفْ تَكُونُوا رُبُعَ أَىْلِ الجَن ةِ . قَاؿَ : فَكَبػ رْنَا. ثُػم قَاؿَ : أَمَا تػَرْضَوْفَ أَفْ تَكُونُوا ثػُلُثَ أَىْلِ الجَن ةِ . قَاؿَ : فَكَبػ رْنَا, ثػُم قَاؿَ : إِن ي لأَرْجُو أَفْ تَكُونُوا شَطْرَ أَىْلِ الجَن ةِ , وَسَأُخْبِرُكُمْ (ٔ) عمرو بن ميموف بن مهراف, سبط سعيد بن جبير, ثقة فاضل, مات سنة سبع وأربعين. (الإصابة,جػٛ, :ٕٕٔ). (ٕ) عبد الل بن مسعود بن غافل, من السابقين الأولين ومن كبار الصحابة , أمره عمر على الكوفة, مات سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة. (الإصابة, جػٙ,:ٖٖٚ).
عدد الصفحات ٢٠٥216 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عَنْ ذَلِكَ , مَا الػمُسْلِمُوفَ فِي الكُف ارِ إِلا كَشَعْرَةٍ بػَيْضَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَسْوَدَ , أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَبػْيَضَ }(ٖ). قولو :"أَمَا تػَرْضَوْفَ؟" فيو تقريرٌ لأصحابو رضواف الله عليهم في شيءٍ عظيمٍ , يعلم أفَّ ابعميع يرغ بوف فيو, ولكنو يقررىم ترغيبً ا وتشويقً ا بؽم إليو, وتكريره للسؤاؿ فيو زيادة تشويقٌ بؽم بؼا سيأتِ بعده, "أما تكبيرىم فلسرورىم بؽذه البشارة العظيمة , وأما قولو ربع أىل ابعنة ثلث أىل ابعنة ثم الشطر ولم يقل أولاً شطر أىل ابعنة "- والشطر النصف"(ٗ)- فلفائدة حسنة وىي أفَّ ذلك أوقع في نفوسهم وأبل في إكرامهم , فإفَّ إعطاء الإنساف مرةً بعد أخرى دليلٌ على الاعتناء بو ودواـ ملبحظتو, وفيو فائدةٌ أخرى ىي تكريره البشارة مرةً بعد أخرى, وفيو أيضً ا بضلهم على بذديد شكر الله تعالى وتكبيره وبضده على كثرة نعمو "(٘). ثم يد لّْل بؽم على صدؽ كلبمو بصورةٍ تشبيهيةٍ يراىا الناس كثيرً ا فقاؿ: "مَا الػمُسْلِمُوفَ فِي الكُف ارِ إِلا كَشَعْرَةٍ بػَيْضَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَسْوَدَ , أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَبػْيَضَ ", فالشعرة البيضاء بسثل ابؼسلمين وكيف أنهَّم قليلوف بالنسبة ل لمشركين وللؤمم الأخرى , وقد اختار الرسوؿ للتشبيو بابؼسلمين اللوف الأبيض حيث يوحي بالنُّور والإبياف والصفاء وا , وىو ما يتصف بو ابؼسلموف, وفي ابؼقابل نلبحظ اختيار اللوف الأسود للكفر وأىلو وىو ما يوحي لنا بالظُّلمة والضلبؿ والكفر, وقولو: "أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَبػْيَضَ ": قاؿ مسلم في شرح النَّووي : قولو: "كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَبػْيَضَ " ىذا شكّّ من الراوي"(ٔ), يدؿ على ذلك وجود ابغرؼ (أو), وىذا دليل على شكّْ الراوي في أصل التشبيو "(ٕ), إذ إفَّ ابؼسلموف يُكرموف باللوف الأبيض لا الأسود فيكوف اختيار الرسوؿ في تشبيهو بؽم باللوف الأبيض فيو تكرنًٌ بؽم. (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٓٓ, كتاب الإيماف, باب كوف ىذه الأمة نصف أىل الجنة , حديث رقم:ٕٕٔ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٗ, (باب الراء, فصل الشين),:ٙٓٗ. (٘) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٕ, :ٜ٘. (ٔ) المصدر السابق, جػٕ, جزءٖ,:ٜ٘. (ٕ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٛٔٙ.
عدد الصفحات ٢٠٦217 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد أجاد الرسوؿ في اختيار اللونين حيثإفَّ كلبِّ منهما يؤدي إلى بسييز الآخر وىذا ما قصده عليو الصلبة والسلبـ, فابؼسلموف على الرَّغم من قلتهم فإنهَّم بفيَّزوف واضحوف في شئوف حياتهم فاعلين في ىذه ابغياة لأنفسهم ولغيرىم, ىذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فإفَّ ىذا التميز بين اللونين أدَّى إلى وضوح قلة عدد ابؼسلمين بالنسبة لغيرىم من ابؼشركين, كما أفَّ في قولو عليو الصلبة والسلبـ "كَشَعْرَةٍ بػَيْضَاءَ فِي ثػَوْرٍ أَسْوَدَ " طباؽ تضادٍّ (ٖ) بين لفظتي "بيضاء, أسود", وىذا التضاد خدـ الصورة البيانية وجعلها أكثر وضوحً ا وبسيزً ا لكل من اللونين, إذ أفَّ صورة اللوف الأبيض تكوف أكثر بسيزً ا ووضوحً ا مع الأسود, وكذلك اللوف الأسود وىو الغرض من الطباؽ حيث أدى إلى بسيز ابؼسلمين ووضوح قلة عددىم بالنسبة للؤم م الأخرى . وقد عمد عليو الصلبة والسلبـ إلى تركيب صورة التشبيو بأسلوب القصر (ٗ) عن طريق النفي والاستثناء لإثبات بسيُّز وخيرية الأمة الإسلبمية لأمرىم بابؼعروؼ ونهيهم عن ابؼنكر فهم أفضل الأمم, اختار بؽم أفضل القِبل وأفضل الرُّسل وأفضل الكتب , وخصهم بأفضل الش رائع , ومنحهم خير الأخلبؽ, فاستحقوا بذلك أف يؤكد بؽم عليو الصلبة والسلبـ عن الطريق النفي والاستثناء بأنهَّم نصف أىل ابعنة, وعلى الرغم من قلتهم فإنهَّم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود, فمجيء الصورة التشبيهية بالنفي والاستثناء كاف لإزالة الشك من نفوسهم وا لتأكيد بؽم على أنهَّم نصف أىل ابعنة. ولعل اختيار الرسوؿ للثَّور دوف غيره من ابغيوانات كالإبل مثلبً, يرجع أولاً إلى أنَّو أكبر ابغيوانات الأليفة التي عرفها العربُّ بعد الإبل, وثانيً ا أفَّ الثور بييز بابعلد ذو الشعر أو الوَبَر ثُنائِي اللوف, أي أفَّ شعره عادةً يتكوف من لونين على عكس الإبل حيث يتصف وَبَره "بصفاء اللوف"(ٔ). لقد كاف تشبيو النَّبي في غاية الدّْقة حيثإنَّو "كشف بطريقة بؿسوسة عن قلَّة عدد ابؼسلمين, وفي نفس الوقت أوضح أنهَّم ظاىروف متميّْزوف وسط ىذا الغُثَاء من الناس, فالشعرة البيضاء في ثورٍ أسود لا شك في أنهَّا تكوف ظاىرةً واضحةً تلفت الأنظار, فالتشبيو يُبرز دقة (ٖ) سبق تعريفو,:ٜٔٔ. (ٗ) سبق تعريفو,:٘ٚٔ. (ٔ) موسوعة الحيواف, مرجع سابق ,:ٓٔ.
عدد الصفحات ٢٠٧218 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اختيار ابؼصطفى للؤلفاظ ابؼناسبة ووضعها في مكانها ابؼناسب , فاختياره للشَّعرة ووصفها بأنهَّا بيضاء ثم إخباره بأنهَّا في ثورٍ أسود بؽو تشبيو يُظهِر أفَّ ابؼسلمين رغم قلتهم فإنهَّم بيثلوف نصف أىل ابعنة, ىذا التشبيو أفهم السامعين ابؼراد وأعطاىم صورةً واضحةً عن فضل الله على ىذه الأمة"(ٕ). لقد لاحظنا أنَّو عليو الصلبة والسلبـ يعمد إلى التشبيو بحيواف معين لاتصافو بصفة معينة قد لا توجد في غيره , فعندما شبو السياط بأذناب البقر لاحظنا أنَّو لا يوجد من ابغيوانات من يشبو ذيلو السياط إلى درجة كبيرة جدِّ ا مثل (البقر), وىنا ندرؾ الغرض من اختياره دوف غيره. وإذا نظرنا إلى الثو ر في التشبيو الآخر, وجدنا أفَّ الثور يعد ابغيواف الوحيد الأكبر جسمً ا الذي بوتوي جلده على لونين, من ىنا نفهم السر وراء اختيار حيوانات بعينها دوف أخرى , وىذا من بلبغتو البيانية. ويستخدـ عليو الصلبة والسلبـ (ابغمار) الذي عُرؼ عند العرب بالذُّؿّْ وابؽواف وبشاعة ابؼنظر في التنفير والتحذير من فعلٍ قاـ بو أحد الصحابة ,فعن أب ىريرة (ٔ) قاؿ: قاؿ بؿمَّدٌ :{أَمَا يَػخْشَى الذِي يػَرْفَعُ رَأْسَوُ قػَبْلَ الإِمَاـِ أَفْ يُػحَو ؿَ اللُ رَأْسَوُ رَأْسَ حِمَارٍ؟ }(ٕ) فلعظم مكانة الصلبة في الدين الإسلبمي, ولأنهَّا الرابط الذي يصل العبد بربو, فقد نهى عليو الصلبة والسلبـ عن أمورٍ قد تقع في العبادة حرصً ا منو على أف تكوف عبادتنا صحيحة خالية من الػمخالفات والبدع , من ذلك ىذا ابغديث الشريف الذي بدأه ّٔذا الاستفهاـ(ٖ) الذي قصد منو عليو الصلبة والسلبـ التوبيخ, ونلبحظ أفَّ الرسوؿ قد بدأ حديثو ّٔمزة الاستفهاـ ثم قرنها بػ (ما), "فهمزة الاستفهاـ إذا قُرنت بػ(ما) دلت على التقرير (ٕ) أثر التشبيو في تصوير المعنى, مرجع سابق ,:٘ٙ-ٙٙ. (ٔ) تقدمت ترجمتو ,ٕٙٔ. (ٕ) صحيح مسلم, مصدر سابق,جػٔ,:ٕٖٓ, كتاب الصلاة, باب تحريم سبق الإماـ بركوع أو سجود ونحوىما , حديث رقم:ٕٚٗ. (ٖ) سبق تعريفو,:ٕٔٚ.
عدد الصفحات ٢٠٨