219 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتحقيق"(ٗ) فرسوؿ الله قد علم أفَّ ىناؾ من أصحابو من يقوـ ّٔذا ا لعمل, فجاء استفهامو استفهامً ا شديدً ا توبيخً ا منو بؼن يقوـ ّٔذا العمل في صلبتو. "إنَّو تهديدٌ شديدٌ بـُيفٌ يُوجَّو إلى أولئك الذين يُسابقوف الإماـ فيرفع أحدىم رأسو قبل الإماـ سواءً في الركوع أو السجود"(٘). ثم إنَّو عليو الصلبة والسلبـ بعد ىذا الاستفهاـ عمد إلى "بزصيص ىذا الفعل بالفاعل باستخداـ الاسم ابؼوصوؿ (الذي)"(ٙ) حتَّ يوحي لنا بشناعة ىذا الفعل وبشاعتو فيُنفّْر من ىذا الفعل في الصلبة, كما أنَّو يدؿ على علمو مسبقا بأفَّ ىناؾ من يقوـ ّٔذا الفعل الصلبة فيشعر السامع بؽذا ابغديث بابػجل من ىذا الفعل بفا بهعلو يبادر إلى التوبة وإلى متابعة الإماـ في الصلبة. ثم يصور في حديثو حاؿ من يرفع رأسو قبل الإماـ بصورةٍ بشعةٍ مقزّْزةٍ, وىذه الصورة ىي عقاب من الله بؼن يقوـ ّٔذا الفعل, فيقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "أَفْ يُػحَو ؿَ اللُ رَأْسَوُ رَأْسَ حِمَارٍ؟ " صورة تشبيهية بدأىا عليو الصلبة والسلبـ بالتأكيد على قدرة الله عز وجل على مسخ رأس ىذا الػمُذنب إلى رأس بضار , ويزيد التشبيو تأكيدً ا حذؼ أداة التشبيو فتصبح الصورة التشبيهية حقيقة أكيدة ماثلة للعياف , ونلبحظ أفَّ رسوؿ الله عمد إلى اختيار الرأس الذي يوجد بو بصيع ملبمح الإنساف التي تعنِ لو ذاتو وما يتعلق ّٔا , وىذه الذات بكل ما فيها من ملبمح ىي بؿل اعتزاز الإنساف وفخره بنفسو , وأي شيء يصيبها يسبب لو ابغزف والألم , فكيف إذا حُولت ىذه الرأس بكل ما فيها من ملبمح إلى رأس بضار ! لذلك كرر عليو الصلبة والسلبـ لفظة "الرأس " في قولو "رَأْسَوُ رَأْسَ " للتهكم والسخرية والتركيز على ىذا ابعزء من ابعسم, ثم التأكيد على بشاعتو وتشوىو. ىذه الصورة ترسم في بـيلتنا ذلك الرأس الكبير مع الأذنين الطويلتين بالإضافة إلى الصوت القبيح وصفات الغباء والبلبدة التي يتصف ّٔا ابغمار, ويزيد الصورة التشبيهية بشاعةً (ٗ) معاني الحروؼ, علي بن عيسى الرماني,حققو: عبد الفتاح إسماعيل شلبي,طٖ,(جدة: دار الشروؽ, ٗٓٗٔ ىػ),:ٕٖ-ٖٖ. (٘) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٜٖٔ. (ٙ) دلائل الإعجاز, مصدر سابق,:ٜ٘ٔ.
عدد الصفحات ٢٠٩211 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أف يكوف الرأس رأس بضار وابعسد جسد إنساف , إفَّ ىذه الصورة ابؼقززة التي برمل كل صفات ومعاني البشاعة لتدعو كل من سَابَقَ الإماـ فػَرَفَعَ قبلو في الصلبة تدعوه إلى التفكير في ابغاؿ وابؼآؿ الذي ينتظره عندما يقوـ ّٔذا الفعل في صلبتو , فيُسارع إلى التوبة وتركو. وفي موضع آخر بوذّْر أيضًا عليو الصلبة والسلبـ من عاقبة الذي يُظهر غير ما يُػبطن بصورة تشبيهية بـيفة بردث في الآخرة يكوف حاؿ ابؼشبو كحاؿ ىذا ابغمار الذي أخبر عنو عليو الصلبة والسلبـ, فعن أسامة بن زيد (ٔ) قاؿ: بظعت رسوؿ الله يقوؿ: {يُػجَاءُ بِالر جُلِ يػَوْـَ القِيَامَةِ فػَيػُلْقَى فِي الن ارِ فػَتػَنْدَلِقَ أَقػْتَابُوُ فِي الن ار فػَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ , فػَيَجْتَمِعُ أَىْلُ الن ارِ عَلَيْوِ فػَيػَقُولُوفَ : أَيْ فُلاَفُ مَا شَأْنُكَ , أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالػمَعْرُوؼِ وَتػَنػْهَانَا عَنِ الػمُنْكَرِ ؟ قَاؿَ : كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالػمَعْرُوؼِ وَلاَ آتِيوِ , وَأَنػْهَاكُمْ عَنِ الػمُنْكَرِ وَآتِيوِ }(ٕ). فيصوّْر لنا عليو الصلبة والسلبـ صورةً من صُورِ الآخرة, ومنظرً ا من مناظر العذاب أعاذنا الله منو, وىذا ابؼنظر لرجلٍ كاف يأمُرُ بابؼعروؼ ولا يأتيو , وينهى عن ابؼنكر ويأتيو, وذلك برذيرً ا لأف نكوف من ىذا الصنف من أىل النار, لأفَّ الله عزَّ وجلَّ بيَْقُتُ صاحب ىذا الفعل ويتوعَّدُهُ بِالعذاب الشَّدِيدِ , يدؿُّ على ذلك قولو تعالى : {يَا أَيػُّهَا ال ذِينَ آَمَنُوا لِمَ تػَقُولُوفَ مَا لاَ تػَفْعَلُوفَ . كَبػُرَ مَقْتً ا عِندَ الل وِ أَف تػَقُولُوا مَا لاَ تػَفْعَلُوفَ }(ٔ), وقولو عزَّ و جلَّ : {أَتَأْمُرُوفَ الن اسَ بِالْبِر وَتَنسَوْفَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تػَتػْلُوفَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تػَعْقِلُوفَ }(ٕ). يقوؿ :"يُػجَاءُ بِالر جُلِ", فالفعل مبنِّّ للمجهوؿ, والفعل يوحي لنا بحقارة ىذا الرجل وكراىيتو حتَّ أفَّ ملبئكة العذاب تكره ىذا الرجل وتكره فعلو الذي قاـ بو , فهي مُستحقِرة لو كارىة لعملو , وكأنَّو قطعةٌ من بصادٍ أو خشبٍ تُلقَى في النَّار . (ٔ) أسامة بن زيد بن حارثة, صحابي مشهور, مات سنة أربع وخمسين وىو ابن خمس وسبعين بالمدينة. (الإصابة, جػٔ, :ٕٓٔ). (ٕ) صحيح البخاري, مصدر سابق,جػٗ,:ٜٓ, كتاب بدء الخلق, باب صفة النار وأن ها مخلوقة. (ٔ) سورة الصف, الآيات:ٕ-ٖ. (ٕ) سورة البقرة, الآية:ٗٗ.
عدد الصفحات ٢١٠211 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونرى أنَّو عليو الصلبة والسلبـ قد قدَّـ ابعار وآّرور (بالرجل ) على الظرؼ (يوـ القيامة) وذلك للتَّنبيو على ما خُصّْصَ "بؽذا الرجل من العذاب , ثم ذكره للظرؼ (يوـ القيامة) لو أبنيتو البالغة إذ أنَّو يوـٌ فيو من الػمَشاؽّْ والأىواؿ الشيء الكثير , فكيف إذا أُضيف إلى ذلك الفضيحة أماـ الناس والعذاب الشديد, فالتذكير بو بومل في طيَّاتِو ابػوؼ والفزع في ىذا اليوـ, لكن ما الذي بودث بؽذا الرجل في ىذا اليو ـ؟ يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "فػَيػُلْقَى فيِ النَّارِ " فػ(الفاء) في (فيلقى) تشعرنا ببداية رحلة العذاب بؽذا الرجل , ونلبحظ أفَّ الفعل (فيلقى) أيضً ا مبنِّّ للمجهوؿ وذلك إمعاف في استحقار ىذا الرجل, "كما بقد صفة الإكراه في صيغة الفعلين (بهُاء ),(فيُلقى), والبناء للمجهوؿ ىنا لو ميزتاف : إبياءٌ إلى القوة ابػارجية العظيمة التي تصنع ما تصنع, ولفتٌ لنظر الػمُتلقي إلى ابغدث نفسو لأبنيتو التصويرية "(ٖ). ثم ىل ىذا ىو حدُّ العذاب أف يُؤخذ فيلقى في النار؟ كلب إنها فقط بداية العذاب, فبعد أف يوضع في النار "فػَتػَنْدَلِقَ أَقػْتَابُوُ فِي الن ار ", والاندلاؽ و "الدَّلقُ : خروجُ الشَّيءِ من بـَرجِوِ سريعً ا, يػُقَاؿُ : دَلَقَ السَّيفُ من غِمْدِهِ إذا سَقَطَ وخرج من غيرِ أف يُسَلَّ "(ٗ), و"القَتَبُ : الػمِ عَ ى, وقيل القَتَبُ : ما حوى من البَطنِ واستَدَارَ "(٘), ومن ىنا نفهم أفَّ أمعاءهُ وأجَاوِيفَوُ بزرج بسرعةٍ دوف إرادتو , لذا نُلبحظ الدّْقة في اختيار لفظة (تػَنْدَلِقُ ) دوف غيرىا من الألفاظ كػ (خرجت ) أو (ظهرت ), لأفَّ مثل ىذه الكلمات لا برمل معن السرعة كما في لفظة (تػَنْدَلِق) فالكلمة توحي لنا برغبة ىذه الأعضاء في سرعة فضح ىذا الرجل بظهورىا وتعلُّقها بو, وليت الأمر يقتصر على ىذه الصورة فحسب , بل إفَّ ىذا الرجل ّٔذه الصورة ابؼفجعة يدور على أىل النار بصيعهم لتزداد مُعانَاتُوُ وعذابُو ويُفتضح أمرُه على رأس ابؼلؤ, لأفَّ الله عزَّ وجلَّ في ذلك اليوـ بىتم على أفواه الػمُذنبين فتتحدث أعضاؤُىم وتشهد عليهم بدا كانوا يصنعوف في الدنيا, وذلك يتمثَّل في قولو تعالى: {الْيػَوْـَ نَخْتِمُ عَلَى أَفػْوَاىِهِمْ وَتُكَل مُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُوفَ }(ٔ) (ٖ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٖٙٙ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٓٔ,(باب القاؼ, فصل الداؿ),:ٕٓٔ. (٘) المصدر السابق, جػٔ,(باب الباء, فصل القاؼ),:ٔٙٔ. (ٔ) سورة يس, الآية:٘ٙ.
عدد الصفحات ٢١١212 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ويتجلَّ ى الرُّعب في مشهدٍ لا يُعهدُ في الدنيا , إذ يدور الرجل بأمعائو وكأنو أُصِيبَ بِصرَعٍ , إذ بوََارُ إلى أين يذىب بدا رأى من أمعائو , والدَّورافُ حركةٌ متكررةٌ توحي باليأس الشَّديد, والشعور بالاختناؽ في إطار ابغركة الدَّائرية, وبفا يزيد في تصوير العذاب , ابعمالية الصوتية, إذ انتُقِيت أصواتٌ شديدةٌ للتعبير , "تندلق, أقتاب بطنو", وكأبمَّا يصوّْر الكسر بعد الفتح في "تندلق" خروج الأمعاء بعد بذمُّعها في ابعوؼ وىو خروجٌ إلى الأسفل كالكسرة"(ٕ). وىذه الصورة البشعة الػمُقزّْزة من العذاب شبهها عليو الصلبة والسلبـ بقولو "كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ " فاختار ابغمار دوف غيره من ابغيوانات التي تدور بالرَّحى برقيرًا وإذلالاً بؽذا الرجل , فابغمار عند العرب : "مثلٌ في الذَّـّْ الشَّنيع والشَّتيمة, ومن استحيائهم لذكر ابظو أنهم يُكنُّوف عنو كما يُكنُّوف عن الشيء الػمُستقذر"(ٖ), وصوت ابغمار أنكر الأصوات وأقبحها, قاؿ تعالى: {إِف أَنكَرَ الأَْصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ }(ٗ) وقد علم عليو الصلبة والسلبـ كل ذلك فعمد إلى ذكر ابغمار في صورتو التشبيهية , ثم يكمل رسم تلك الصورة البشعة الفظيعة بقولو: "فػَيَجْتَمِعُ أَىْلُ الن ارِ عَلَيْوِ " على الرغم بفا ىم فيو من العذاب , ويبدو أفَّ عذابو كاف أليمً ا شديدً ا مثيرً ا للبنتباه بفا جعل أىل النار بهتمعوف عليو وينادونو بابظو: "أَيْ فُلاَفُ ! مَا شَأْنُكَ ؟" أي ما الذي حصل منك حتَّ أصبحت في ىذا العذاب؟ وسؤابؽم ىذا فيو استنكار واستغراب , ويذكّْرونو بداضيو في الدنيا "أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالػمَعْرُوؼِ وَتػَنػْهَانَا عَنِ ا لػمُنْكَرِ " فيذكر بؽم السبب الذي من أجلو أصبح في ىذا العذاب الشديد بقولو : " كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالػمَعْرُوؼِ وَلاَ آتِيوِ وَأَنػْهَاكُمْ عَنِ الػمُنْكَرِ وَآتِيوِ " جوابٌ يبينّْ السبب الذي من أجلو صار ىذا الرجل في ىذه الصورة البشعة وىذا ابؼنظر , فالأمر بابؼعروؼ والنهي عن ابؼنكر يقتضي من صاحبو أف يأبسَِر بدا يأمُرُ غيرَه بوِ , وأف ينتهي عما ينهى الناس عنو, وإلا تعرض للوعيد الشديد. ونلبحظ أفَّ ابؼقابلة (ٔ) في قولو: "كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالػمَعْرُوؼِ وَلاَ آتِيوِ وَأَنػْهَاكُمْ عَنِ الػمُنْكَرِ وَآتِيوِ " قد جعلت الصو رة مكتملة الأجزاء واضحة ابؼعن , فجملة "كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالػمَعْرُوؼِ وَلاَ آتِيوِ " لو ذُكرت منفردة لاعتقدنا أفَّ أمره بابؼعروؼ وعدـ العمل بو ىي التي أوجب ت العقاب (ٕ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٕٙٙ-ٖٙٙ. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٛٓٔ. (ٗ) سورة لقماف, الآية:ٜٔ. (ٔ) سبق تعريفها,:ٙٗٔ.
عدد الصفحات ٢١٢213 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي وقع عليو, ولكنَّ بصلة "وَأَنػْهَاكُمْ عَنِ الػمُنْكَرِ وَآتِيوِ " قد أوضحت الصورة التي من أجلها استحق ىذا الرجل العقاب الشديد في الآخرة , كما أنهَّا أوضحت وأوصلت ابؼعن الذي قصده عليو الصلبة والسلبـ وىو عقاب الػمُرائي الذي يظهر للناس خلبؼ ما يبطن من ابؼعاصي والوعيد الشديد الذي ينتظر ىذا النوع من الناس . ولكن "ما ىي الػمُناسبة بين ابعربية و العقاب, وإبمَّا يكوف ابعزاء من جنس العمل, ألم يكن الرجل يُبطِن ابعرائم , ويسر ابؼنكرات , وىو ظاىر الصلبح والتقى؟ فاليوـ يُفتضح ويكتشف الداخل حتَّ يعجب لافتضاحو من لا بوق لو أف يعجب, ويتساءؿ عن ذنبو من لا وجو لو أف يتساءؿ , إذ ىم شركاؤُه في الدار وقرناؤه في النار"(ٕ). ونلبحظ في ىذه الصورة البيانيَّة أنهَّا "حوت على أفعاؿٍ مضارعة لم تقترف بالتَّسويف مع أنها أمورٌ أُخرويَّةٌ مستقبلة , وذلك لاستحضارىا في ابغاؿ , كأنهَّا تُدرؾ وبرُس , كما يُدرؾ وبوُس دورافُ ابغمار بالرحى "(ٖ). بالإضافة إلى ابعماؿ في حرؼ العطف (الفاء) في قولو "فيُلقى, فتػَنْدَلِق, فيدُور, فيُجتمع, فيقُولُوف, فيقُوؿ" حيث جعل الصورة تتسلسل بشكلٍ بصيلٍ بؿُببٍ إلى النفس رغم كثرة تكرارىا في ابغديث , ثم ىذا التتابع السريع للؤفعاؿ يتناسب مع صورة ابغركة للبندلاؽ ودور اف الأقتاب , وىذا يدؿ على قدرتو عليو الصلبة والسلبـ البيانيَّة في اختيار الألفاظ وابغروؼ بدقَّةٍ فائقةٍ يشعر ابؼتلقي بِمابؽا وعذوبتها. ويعمد عليو الصلبة والسلبـ إلى (ابغمار) في التشبيو لإبراز أبنية الذكر والبعد عن بؽو ابغديث, ولكنَّو في ىذه ابؼرة يقرف ابغما ر بصفةٍ بشعة مقززة حيث يصف ذلك بِيفة ابغمار إمعانً ا في التنفير والتحذير, فعن أب ىريرة (ٔ) قاؿ : قاؿ رسوؿ الله :{مَا (ٕ) الحديث النبوي من الوجهة البلاغية,مرجع سابق ,:ٗٙٔ. (ٖ) المرجع السابق,:ٗٙٔ. (ٔ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ.
عدد الصفحات ٢١٣214 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ قػَوْـٍ يػَقُومُوفَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُوفَ اللَ فِيوِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَافَ لَهُمْ حَسْرَةً }(ٕ). فمن ابغيوانات ابؼكروىة ما بوُ دَّ د من خلببؽا خلقٌ قبيحٌ , كما وصف الرسوؿ في ىذا ابغديث من يُ لهيهم بؽْ وُ ابغديث عن ذِ كْ رِ الله بقولو: "مَا مِنْ قػَوْـٍ يػَقُومُوفَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُوفَ اللَ فِيوِ ", فالنَّ في بػ(ما من) أدَّ ى إلى ثبوت ابعزاء بؼن حدث منو ىذا الصنيع وىو أنهَّم يقوموف عن مثل جيفة بضار, فالتشبيو بالنفي والاستثناء فيو تأكيد وإزالة الشك لكل من يعتقد خلبؼ ذلك, وقولو: "يػَقُومُوفَ مِنْ مَجْلِسٍ ", فالفعل ابؼضارع (يقوموف) أفاد أنهَّم كانوا جلوسً ا قبل القياـ يتحدَّثوف بدا يُلهي عن ذكر الله عزَّ وجلَّ , وقولو: "مِنْ مَجْلِسٍ " ابعار وآّرور ىنا يدؿ على أنهَّ م كانوا بؾتمعين لغرض ابغديث , ثمَّ قولو عليو الصلبة والسلبـ: "لاَ يَذْكُرُوفَ اللَ فِيوِ ", فالنَّفي ىنا دليلٌ بومل التأكيد على أفَّ حديثهم كاف حديثً ا لا بومل فائدةً بل فيو انتهاؾٌ بغُرُ مات الله. وقولو عليو الصلبة والسلبـ : "إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ", فأداة ابغصر (إلاَّ ), بضلت أيضً ا معن التأكيد والإثبات, وقولو: "عَنْ مِثْلَ جِيفَةِ حِمَارٍ ", فابعِيفَةُ : "جُثَّةُ الػمَيّْتِ إذا أَنػْتَنتْ وتػَعَفَّنَتْ ", وتعبيرُه: " عَنْ مِثْلِ ", "يُفسح آّاؿ للبحتمالات والتَّوقعات, فهي ليست الرائحة بسامً ا, ولكن أشياء متحركة شبيهة ّٔذه الرائحة التي ما تكلم عنها إلا بواسطة اللَّحم الػمُقَزّْز, ثمَّ تقترب ىذه الرائحة من حافَّة الذّْىنيَّة حينما تُقرَفُ بابغسرة الواسعة العميقة التي لم تتحدد بالتَّنكِير, ىذه ابغسرة عُبرّْ عنها بالػمُضِيّْ "كَافَ بؽَُمْ حَسْرَةً " بفَِّا يشير إلى سرعة وقوع ابغسرة وسرعة زواؿ الدُّنيا"(ٖ), فقولو: "كَافَ لَهُمْ حَسْرَةً " أي كاف عليهم حسرة يوـ القيامة وندامةً مُلبزِمةً بؽم, بسبب ما فرَّطُوا في بؾلسهم ذلك من ذكر الله. "لقد جاء ابعسد الفنِّْ الذي بومل ىذه الصورة الشَّمّْية الػمُروّْعة بوسم وجود رائحتها الذَّميمة, وذلك بصيغة التأكيد "مَا مِنْ ...إِلاَّ " حيث النفي وابغصر , وىكذا أحاط التشبيو بابغدث من كل جانب وأبرزه إلى العين والأنف , وبفَِّا يزيد في بصاؿ تصوير قُبح ابغمار أنَّوُ (ٕ) سنن أبي داود, سليماف بن الأشعث,جػ٘, طٔ,(بيروت-لبناف: دار الحديث,ٖٜٖٔىػ),:ٓٛٔ-ٔٛٔ, كتاب الآداب, باب في كفارة المجلس , حديث رقم: ٘٘ٛٗ. (حديث صحيح, صححو الألباني وأخرجو أحمد في المسند:حديث رقم:ٕٜ٘ٓ, ورقم:ٖٔٗٓٔ, ورقم:ٓٛٙٓٔ). (ٖ) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٕٗ٘.
عدد الصفحات ٢١٤215 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حيوافٌ مُستػَهْجَنٌ في الأصل , وبغمُوُ مُستهجُنٌ , فإذا صار جيفً ا ازداد قُبحً ا وشناعةً وتنفيرً ا, فالصورة الأولى الػمُنفّْرة ىي ارتباط التشبيو بابغمار, والصورة الثانية احتواء الصورة على جزئيَّةٍ منو مُنفّْرة , وىذه الصورة كالنقش مع ما يُتصوَّر من قػَتَ امةِ اللَّوف وما بوُيط ّٔذه ابعِيفةِ من أَدْرافٍ "(ٔ). وقد جاء التشبيو في ابغديث عن طريق القصر (ٕ) بالنفي والاستثناء للتأكيد وابؼبالغة في أفَّ من بهتمعوف في بؾلس لا يذكروف الله فيو كاف بؽم ذلك آّلس وبالاً وخسرانً ا في الدنيا والآخرة , فأسلوب القصر ىنا فيو برذير عن مثل ىذه الأمور التي بردث في كثير من آّالس التي يُػجتمع فيها. وابغِمارُ من ابغيوانات الػمُستهجَنَة الػمُحتقرة , فمن طباعو ابؼذمومة أنَّو "يػَنػْزُو على غيرِ جنسِوِ "(ٖ) وىذا ما يُقرّْب لنا صورة التشبيو بو, إذ إفَّ ىؤلاء الناس يعتدوف على أعراض غيرىم وينتَهِكُونها كما يفعل ابغمار بالاعتداء على أُنثَى غيرِهِ , ومن صفاتو أفَّ صوتَو "أنكرُ الأصواتِ "(ٗ), فحديث ىؤلاء القوـ وارتفاع أصواتهم في غَيْبَة غيرىم ىي أنكر الأصوات, فهم بفعلهم ىذا قد "قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِ يفَةِ حِمَارٍ ", إذ إنهَّم "كانوا بؿُيطين مُعايشين لكثافة ىذه الرائحة في منظرٍ مُقزّْزٍ بوسم من خلبلو بشاعة الكلبـ اللبَّىي وشناعتِوِ, والصورة تومئ إلى أفَّ ابعماؿ قَابِعٌ مُتَجَلٍّ في الذّْكر ابػيرّْ , وأفَّ القُبح في الكلبـ السَّاقط البَذِيءِ , بل يُومِئُ إلى أفَّ ذِكرَ الله ىو ابغياة ما داـ قد قُ رف الكلبـ الساقط اللبَّىي بدوت ابغمار , فالذَّكر بصَاؿٌ وحياةٌ "(٘). لقد ركّز الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ في الأحاديث السابقة التي شبو فيها بابغمار على صفات القبح والبشاعة في ىذا ابغيواف بناءً على علم العرب بدا بوملو ىذا ابغيواف من صفات منفّْرة ومكانة متدنّْية مهينة عندىم, فوظَّف ذلك أبصل توظيف. (ٔ) المرجع السابق ,:ٕٗ٘. (ٕ) سبق تعريفو,:٘ٚٔ (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٔٛٓ. (ٗ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٔٛٓ. (٘) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٕٗ٘.
عدد الصفحات ٢١٥216 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولم يكن اعتماد الرسوؿ على ابغيوانات الأليفة وحدىا , بل إنَّو وظَّف ابغيوانات ابؼفترسة مع ما يناسب ابؼعن الذي يريده عليو الصلبة والسلبـ , فمن أبرز ىذه ابغيوانات ابؼفترسة (الأسد), حيث إنَّ و من أشد ابغيوانات ابؼفترسة فتكً ا بالفريسة , وىذه ابػاصية في (الأسد) استخدمها عليو الصلبة والسلبـ في التحذير من ابعذاـ, فعن أب ىريرة (ٔ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله :{لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيػَرَةَ وَلاَ ىَامَةَ وَلاَ صَفَرَ وَفِر مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ }(ٕ). يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ : "لاَ عَدْوَى", و(العَدْوَى): " اسمٌ منْ أَعْدَى يػُعْدِي , فػَهُو مُعْدٍ , وأصلُوُ من عَدَا يػَعْدُو إِذَا جَاوَزَ ابغَدَّ ", وتعادى القوـُ أي أصاب ىذا مثلُ داءِ ىذَا, فقد كاف العرب في ابعاىليَّة يظنُّوف أفَّ ابؼرَضَ بنفسو يػَتػَعَدَّى "(ٖ), فقد كانوا يعتقدوف أفَّ ابؼريض إذا دخل على الأصِحَّاء أمرَضَهُم, فنفى رسوؿ الله ذلك, وأخبرىم أفَّ الأمر كلَّو بيد الله عزَّ وجلَّ , ثمَّ أردؼ عليو الصلبة والسلبـ بقولو: "وَلاَ طِيػَرَةَ ", فػ"الواو" أفادت ابعمع في ابغكم على الكلمة الأولى والتي تليها, و"الطّْيرة" ىي "التَّشَاؤُـ"(ٗ). "وأصل التَّطيرُّ أنهَّم كانُوا في ابعاىليَّة يعتمدوف على الطَّير , فإذا خرج أحدىم لأمرٍ فإف رأَى الطَّير طار بيَْنَةً تيػمَّن بو, وإف رآه طارَ يَسْرَةً تشاءَـَ بو ورجع"(٘). وقد نفى رسوؿ الله ذلك لأنَّو يدخلهم في الشرؾ لاعتقادىم بأنَّو بهلب بؽم ا ويدفع عنهم الشر, فكأنهَّم أشركوا مع الله من لا حوؿ لو ولا قوة, بل ىو من بـلوقات الله عزَّ وجلَّ . ثم ينفي عليو الصلبة والسلبـ أمرً ا آخر كاف موجودً ا في ابعاىليَّة وىو (ابؽَ امَة), وأصلها (ٔ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ. (ٕ) صحيح البخاري, مصدر سابق, جػٚ,:ٚٔ, كتاب الطب, باب الجذاـ. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘ٔ,(باب الواو, فصل العين),:ٜٖ. (ٗ) المصدر السابق, جػٗ,(باب الراء, فصل الطاء),:ٕٔ٘. (٘) فتح الباري, مصدر سابق,جػٓٔ,:ٕٕٔ.
عدد الصفحات ٢١٦217 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "أفَّ العرب كانت في ابعاىلية تقوؿ إذا قُتِل الرَّجل ولم يُؤخَذ بثأره خرجت من رأسِوِ ىامَةٌ وىي دُودةٌ فتدور حوؿ قبره فتقوؿ: اسقوني اسقوني, فإف أُدرؾ بثأره ذىبت وإلا بقيت"(ٔ) فأبطل رسوؿ الله ىذا الاعتقاد ونفى صحتو, والأمر الآخر الذي نفاه عليو الصلبة والسلبـ ىو (الصَّفَر), وىو "داءٌ يكوف في البطن يُصِيبُ ابؼاشية والناس , وىو أعْدى من ابعَرَب عند العرب , فعلى ىذا يكوف ابؼراد بنفي (الصَّفَر) ما كانوا يعتقدونو فيو من العدوى "(ٕ), فردَّ ذلك عليو الصلبة والسلبـ بأفَّ ابؼوت لا يكوف إلا إذا جاء الأجل. "وقيل في (الصَّفر) قوؿٌ آخر , وىو أفَّ ابؼراد بو شهر صفر , وذلك أفَّ العرب كانت بررّْـ (صفر) وتستحِلُّ (المحرـ ), فجاء الإسلبـ يردُّ ما كانوا يفعلونو من ذلك, فلذلك قاؿ : "وَلاَ صَفَرَ "(ٖ). ونلبحظ في حديث رسوؿ الله تكرار النفي مع كل فعلٍ, وىذا التكرار أفاد حصوؿ الفعل منهم واستقراره في أذىانهم , بل إنهَّا برولت إلى اعتقادات شركية, فأراد الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ أف يلفت انتباىهم ّٔذا النفي بؼا بعده, ثمَّ بعد ذلك يكوف ىذا النفي تأكيدً ا بؽم على حرمة من اعتقد مثل ىذه الأ فعاؿ, فلجأ عليو الصلبة والسلبـ إلى تكرار النفي لبياف شدَّة ابغرمة, كما أفَّ استخدامو للجملة الابظية ابؼنفيَّة"لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيػَرَةَ وَلاَ ىَامَةَ وَلاَ صَفَرَ " دليلٌ آخر على رغبتو عليو الصلبة والسلبـ في انتزاع ىذه ابؼعتقدات من عقوبؽم وإبطابؽا, وتثبيت العقيدة الصحيحة في أذىانهم التي لا تتغير بتغير الزماف وابؼكاف . كما أنَّو عليو الصلبة والسلبـ حذؼ ابػبر ىنا والتقدير"موجود " لأفَّ الأمر الذي يدور حولو ىذا ابغديث ىو أمر العدوى, فكاف التنبيو والتركيز والاىتماـ والتوضيح بابؼسند إليو (ٗ) "لاعدوى", فحذؼ ابػبر والتقدير "موجودة " وركز على ابؼبتدأ "لاعدوى" لأبنيتو. ثم بعد ىذا النفي من رسوؿ الله حوؿ أمورٍ جرت في ابعاىليَّة أردؼ بقولو: "وَفِر مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ". فرسوؿ الله يأمرنا بالفرار من آّذوـ , و(الػجُذاـ) "علَّةٌ رَ دِيئةٌ (ٔ) انظر: الباب الأوؿ,الفصل الأوؿ من ىذا البحث,:ٜٗ. (ٕ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٓٔ,:ٔٚٔ. (ٖ) المصدر السابق, جػٓٔ,:ٔٚٔ. (ٗ) سبق تعريفو,:ٜٓٔ.
عدد الصفحات ٢١٧218 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بردث من انتشار الػمُرَّة السَّوداء في البدف كلّْو فتفسد الأعضاء, بظُّْي بذلك لتَجَ ذُّ ـ الأَصابع وتػُقَطُّ عها"(ٔ). ففي بداية ابغديث الشريف ينفي عليو الصلبة والسلبـ العدوى , وفي نهايتو يأمر بالفرار من آّذوـ, وىذا الأمر يُفهم منو أنَّو قد بردث العدوى, بالإضافة إلى أفَّ ىذه ابعملة فعلية بدعن أنهَّا تُفيد بذدُّدَ العدوى واستمرارىا في أيّْ زمافٍ ومكافٍ متَّ وُجِد ابؼرض , حيث إفَّ ىذه ابعملة أوحت لنا أفَّ الأمر (فِرَّ ) ليس بـصوصً ا بزمن الصحابة وحدىم , بل يُفهم منو أنَّو بومل معن الأمر ابؼستمر ابؼتجدد بتجدد الأزمنة ابؼتتالية , والأمر الأبصل أفَّ الرسوؿ استخدـ فعل الأمر(فرَّ ) بدلاً من (اىرب ) لأفَّ فعل الأمر (فرَّ ) يعنِ "الرَّوَغَاف وابؽُرُوب "(ٕ) بسرعة , وىذا يتناسب مع الصُّورة التشبي هيَّة التي أوردىا الرسوؿ في ابغديث وىي قولو : "فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ", لأفَّ من يُفاجأ بحيوافٍ مفترسٍ فإفَّ أوَّؿ ما يقوـ بو ىو بؿُاولة الرَّوَغاف من ابغيواف حتَّ يتجو الشخص مباشرة إلى الطريق الذي يؤدي إلى النَّجاة , ومن بشة يبدأ في التَّحرؾ بأقصى سرعة لل فرار من ىذا ابغيواف , فكيف إذا كاف ىذا ابغيواف ىو أقوى ابغيوانات ابؼفترسة وىو الأسد كما في ابغديث الشريف؟ بالإضافة إلى ما سبق بقد أفَّ رسوؿ الله لديو دقةٌ في اختيار الألفاظ التي يوجّْهها بؼستمعيو, والتي يستطيع من خلببؽا أف يُوصل الفكرة التي يُريد أف يوصلها إلى مستمعيو, من تلك الألفاظ كلمة (فرارؾ ) في ابغديث الشريف , فابؼفعوؿ ابؼطلق أعطى الصورة التشبيهية عُمقً ا وحَرَكة سريعَة, ىذه السرعة أضافت للمعن بصالاً أكثر بكثيرٍ من أف لو استخدـ عليو الصلبة والسلبـ كلمةً أخرى مثل (كمَا تفِرُّ ), لأفَّ حذؼ كاؼ التشبي و مع الفعل ابؼضارع أعطى التشبيو قوَّةً أكثر وسرعةً وحركةً , وىذا ما قصده عليو الصلبة والسلبـ من اختياره لكلمة (فرارؾ ) لأنهَّا تتناسب مع قوَّة الأسد وبطشو في ابغديث, ولننظر إلى بصاؿ الوصل في قولو: "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيػَرَةَ ..", وقولو: "وَفِر مِنَ الػمَجْذُ وـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ", فابعملة الأولى برمل النفي وىي قولو: "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيػَرَةَ ", وابعملة الثانية برمل معن الأمر, "وَفِر مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ", وابعملتاف برملبف ىدفً ا ومعنً واحدً ا وىو الاىتماـ بصحة الفرد والبعد عن (ٔ) المصدر السابق, جػٔ,:ٛ٘ٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘,(باب الراء, فصل الكاؼ),:ٓ٘.
عدد الصفحات ٢١٨219 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل ما يوقعها في ابؼرض, مع الاعتماد والتوكل على الله عزَّ وجلَّ , فما شاء كاف وما لم يشأ لم يكن. والأمر الآخر اللبَّفت للبنتباه ىو بؼاذا اختار لفظة(الأسد) للتَّشبيو بدرض الػجُذاـ؟ "لقد لُوحظ أفَّ أكثر أنواع الػجُذاـ شُيوعً ا تتغيرَّ فيو ملبمح ابؼريض فيسقط شعر ابغواجب, ويغلُظ جلد الوَجو , فترتفع الػجَبهة , وكاف أوؿ وصفٍ لوجو مريضِ الػجُذاـ سنة ٚٗٛٔـ, وصَفَوُ طبِيبَاف بنا دانياؿ وبويك. وقالا في وصفهما بالنَّص : "إفَّ وجو مريض الػجُذاـ يشبو وجو الأسد", leanine face أي وجو الأسد , ولم يُوصف وجو الػمريض بالػجُ ذاـ بذلك الوصف العلمي قبل سنة ٚٗٛٔـ, إلا أفَّ ابغديث النبوي الشريف وصَفَوُ بذلك حين قاؿ :"وَفِر مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ", ونعجب من ابغديث النبويّْ في اختيار لفظ "الأسد", وبؼاذا لم يقل : "وَفِرَّ مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَف عَى", أو "فِرَارَؾَ مِنَ الوَحشِ " مثلبً ؟ ولكنَّ ابغديث النبوي اختار لفظ (الأسد) ليجمع الصورة وابؼعن والقصد في كلمةٍ واحدةٍ وىذا إعجازٌ علمِيّّ مبينٌ "(ٔ). ولكن بقي في ابغديث أمرٌ أكثر أبنية, وىو كيف بقمع بين النفي في أوؿ ابغديث والإثبات في آخره؟ إفَّ في ابعمع بين النفي والإثبات عدة مسالك , "أحدىا: نفيُ العدوى بصلةً وبضل الأمر بالفرار من آّذوـ على رعاية خاطر آّذوـ , لأنَّو إذا رأى الصحيح البدف السليم من الآفة تَعظُمُ مصيبتو وتزداد حسرتُو. ثانيها: بضل ابػطاب بالنفي والإثبات على حالتين بـتلفتين, فحيث جاء "لاَ عَدْوَى" كافَ الػمُخاطب بذلك من قَوِيَ يقينُو وصحَّ توكُّلوُ بحيث يستطيع أف يدفع عن نفسو اعتقاد العدوى, كما يستطيع أف يدفع التَّطيرُّ الذي يػَقَعُ في نػَفْسِ كلّْ أَحَدٍ , لكنَّ القويَّ ا ليقين لا يتأثػَّرُ بو , وحيث جاء "فِر من الػمَجْذُوـ" كاف ابؼخاطب بذلك من ضَعُفَ يقينُو , ولم يتمكن من بساـ التوكُّل فلب يكوف لو قوةٌ على دفع اعتقاد العدوى , فأُريدَ بذلك سد باب اعتقاد العدوى بأف لا يباشر ما يكوف سببً ا لإثباتها. (ٔ) موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي,أحمد شوقي إبراىيم,جػٔ,طٔ,(نهضة مصر للطباعة والنشر), :٘ٚ.
عدد الصفحات ٢١٩221 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثالثها: إثبات العدوى في الػجُذاـ وبكوه بـصوصٌ من عموـ نفي العدوى, فيكوف معن قولو: "لاَ عَدْوَى" أي إلا من الػجذاـ, فكأنَّو قاؿ : لا يُعدِي شيءٌ شيئً ا إلا ما تبين لو أفَّ فيو العدوى. رابعها : إفَّ الأمر بالفرار من الػمجذوـ ليس من باب العدوى في شيء , بل ىو لأمرٍ طبيعي وىو انتقاؿ الدَّاء من جسدٍ بعسدٍ بواسطة الػمُلبمسة والػمُخالطة وشمّْ الرَّائحة, ولذلك يقع في كثيرٍ من الأمراض في العادة انتقاؿُ الدَّاء من الػمَريض إلى الصحيح بكثرة ابؼخالطة . خامسها: إفَّ ابؼراد بنفي العدوى أفَّ شيئً ا لا يُعدي بطبعِوِ نفيً ا لِػمَا كانت ابعاىلية تعتقده أفَّ الأمراض تُعدي بطبعها من غير إضافةٍ إلى الله, فأبطل النبيُّ اعتقادىم ذلك وأكَلَ مع الػمجذوـ ليبين بؽم أفَّ الله ىو الذي يػُمرض ويشفي, ونهاىم عن الدُّنوّْ منو ليبين بؽم أفَّ ىذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنهَّا تُفضي إلى مسبباتها, ففي نهيو إثبات الأسباب, وفي فعلو إشارةٌ إلى أنهَّا لا تستقبل, بل الله ىو الذي إف شاء سلبػَهَا قُواىا فلب تؤثّْر شيئً ا, وإف شاء أبقاىا فأثَّرت, وبوتمل أيضً ا أف يكوف أكلُو مع آّذوـ, أنَّو كاف بو أمرٌ يسيرٌ لا يُعدي مثلو في العادة, إذ ليس الػجُذامى كلهم سواء, ولا برصل العدوى من بصيعهم بل لا بوصل منو في العادة عدوى أصلبً , كالذي أصابو شيءٌ من ذلك ووقف فلم يعد بقية جسمو فلب يعدي"(ٔ). ولكي نوفّْق بين ابغديث وبين ما سَبَق "لا بُدَّ لنا من ذكر بعض ابغقائق العِلميَّة للعدوى وخطوط ا بؼناعة في جسم الإنساف, بطريقةٍ مبسَّطةٍ بعيدة عن أيّْ تفصيلٍ علميٍّ , فكلُّ إنسافٍ يعيش في بيئةٍ مزدبضةٍ بابؼيكروبات, لذلك جعل الله تعالى خطوطَ دفاعٍ في ابعسم تصدُّ تلك ابؼيكروبات عنو . و خطُّ الدفاع الأوؿ : ىو ابعلد الذي يفرز مواد تقتل ابؼيكروبات , وبومي ابعسم منها, و خطُّ الدفاع الثاني إذا كاف ّٔواءِ الشَّهيق ميكروبات , فإفَّ بالرئتين خطوط دفاعٍ تقابل تلك ابؼيكروبات وتقضي عليها, منها الػمُخاط والسُّعاؿ, وخطُّ الدفاع الثالث: إذا وصل ميكروب إلى الدـ تلتهمو ابػلبيا البيضاء في الدـ, وإذا وصل ميكروبٌ إلى القنوات اللي مفاويَّة, تلتهمو خلبيا خاصة بالعُقَد الليمفاوية, وإذا وصل إلى ابؼعدة قتل في الوسط ابغامضي فيها. و خطُّ الدفاع الرابع: ىو في جهاز ابؼناعة في ابعسم, وىو جهازٌ يعمل في منتهى الدّْقة والإبداع, ويقتل ابؼيكروبات التي تهاجم ابعسم, والتي تكوف قد تغلبت على كل خطوط ا لدفاع السابقة , (ٔ) فتح الباري, مصدر سابق,جػٓٔ,:ٓٙٔ-ٔٙٔ.
عدد الصفحات ٢٢٠221 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويفرز جهاز ابؼناعة مواد مضادة لتلك ابؼيكروبات فتقتلها. والعجيب أفَّ جهاز ابؼناعة يتعرؼ على أي ميكروب يدخل ابعسم فيقاومو ويفرز مواد مضادَّة تقتلو في ابغاؿ وفي ابؼستقبل, وتظل تلك ابؼواد ابؼضادة بالدـ زمنً ا قد يطوؿ, حتَّ إذا عاودت ابؼيكروبات ىجو مها على ابعسم وجدت نفسها بؿُاصرةً بتلك الأجساـ ابؼضادة فتقتلها , وىناؾ عوامل معينة تُغير من جهاز ابؼناعة فتزيده قوة وتضعفو حينً ا آخر, والأمر نفسو بالنسبة بعراثيم الأمراض , فهناؾ عوامل تساعدىا على أف تكوف قوية, وعوامل أخرى تزيدىا ضعفً ا وبطولاً حتَّ لا تستطيع أف تسبب مرضً ا. وىكذا فنحن أماـ حقيقةٍ علميَّةٍ وىي أفَّ العدوى بِراثيم الأمراض قد تصيب ابعسم بابؼرض حينً ا, وىي نفسها قد لا تقوى على إصابة ابعسم بابؼرض حينً ا آخر, وبدعن آخر العدوى بابعراثيم قد تسبب مرضً ا للئنساف السليم, وقد لا تسبب مرضً ا لو حينً ا آخر, وبذلك تصير العدوى وكأنهَّا لا عدوى, وليس السبب في كل ذلك بيد الإنساف , و لا دخل للجراثيم فيو أيضً ا, لأفَّ كلبِّ من ابعراثيم وخطوط الدفاع تعملبف بقدر الله تعالى وأمره, إف شاء الله تعالى جعل العدوى سببً ا للمرض, وإف شاء جعل العدوى لا عدوى, كما قاؿ تعالى: {إِن مَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَفْ يػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ }(ٔ). ومن ىنا بيكننا أف ندرؾ الإعجاز العلمي في ابغديث النبوي الشريف , في قولو :"لاَ عَدْوَى" وفي نفس ابغديث قولو: "وَفِر مِنَ الػمَجْذُوـِ فِرَارَؾَ مِنَ الأَسَدِ ", ونفهم أيضً ا ابؼغزى العلمي في بذنبو مصافحة آّذوـ , وفي مناسبةٍ أخرى أكَلَ مع آّذوـ في قصْعَةٍ واحدةٍ , فالعدوى قد تكوف عدوى حينً ا, وقد لا تكوف عدوى حينً ا آخر, والأمر معلَّقٌ بقدر الله تعالى وأمره , وإبمَّا أمرنا الله تعالى بالأخذ بالأسباب في بعض الأحاديث, كما قاؿ :{لاَ يُورِدَفْ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِح }(ٕ). من ىذا ابؼنطلق الصحيح من الفهم العلمي , بيكننا أف ندرؾ الإعجاز العلمي في حديث رسوؿ الله "(ٖ). (ٔ) سورة يس, الآية:ٕٛ. (ٕ) صحيح البخاري, مصدر سابق,جػٚ,:ٖٔ, كتاب الطب, باب لا ىامة. (ٖ) موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٗٚ-٘ٚ.
عدد الصفحات ٢٢١222 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقد كانت البيئة العربية مليئة بابغيوانات ابؼفترسة التي عرفها العرب وربدا عانوا منها أسفارىم , وتعرفوا على أدؽ خصابؽا من خلبؿ ىذه الأسفار, ومن ىذه ابغيوانات ما كاف يُغير على حيواناتهم ومواشيهم فيفتك ّٔا كالذئب , الذي كاف كثيرً ا ما يقض مضاجعهم ويسلب عليهم أنفس مواشيهم وأغنامهم , فكانت ىذه الصورة معهودة لديهم بفا جعلو عليو الصلبة والسلبـ يوظفها في ابغث على صلبة ابعماعة في ابغضر والسفر, فعن أب الدَّردَاءِ (ٔ) قاؿ: بظعت رسوؿ الله يقوؿ: {مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قػَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تػُقَاـُ فِيهِمُ الص لاَةُ إِلا قَدِ اسْتَحْوذَ عَلَيهِمُ الش يْطَافُ , فػَعَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ فَإِن مَا يَأْكُلُ الذ ئْ بُ القَاصِيَةَ }(ٕ). فقد أراد الرسوؿ أف يُبينّْ لأصحابو أبنيَّة الصلبة في بصاعةٍ فقاؿ عليو الصلبة والسلبـ: "مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ ", "فتقْيِيدُهُ بالثلبثة نظرً ا إلى أقَلّْ أىل القرية غالبً ا, ولأنَّوُ أقلُّ ابعمع, وإف كاف يُتِصوَّر باثنين"(ٖ), للمُبالغة منو في أبنية صلبة ابعماعة حتَّ وإف كانوا ثلبثةً أو أقل, ثم قولو :"فِي قػَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ ", فالتَّ نكير في (القرية والبادية ) أراد بو عليو الصلبة والسلبـ التَّكثير والتعميم بدعن كل القُرى وكل البَوادِي في أيّْ مكافٍ كافَ , و(الواو) في (القري ة والبادية) أفادت ابعمع في ابغكم, والنَّفي بعد الواو أفاد تأكيد ابغكم . ثم قولو :"لاَ تػُقَاـُ فِيهِمُ الص لاَةُ ", فمجيء النَّفي بػ (لا) قبل الفعل ابؼضارع (تػُقَاـ) جعل ابغكم واقعً ا يتجدَّدُ في ابؼستقبل متَّ وُجِد الفعل . وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "إِلا قَدِ اسْتَحْوذَ عَلَيهِمُ الش يْطَافُ ", فػ(إلاَّ ) أفادت توكيد ابغكم , فهو خطابٌ موجَّوٌ إلى الصحابة , وىم يعتقدوف أفَّ صلبة ابعماعة لا بذب على الأفراد القليلي العدد, فكاف من ابؼناسب -وتلك حابؽم- أف ياتِ بالقصر(ٗ) بػ"ما" و"إلا" أي النفي والاستثناء ليزيل ىذا الاعتقاد في أنفسهم , (ٔ) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري, أبو الدرداء, صحابي جليل, شهد أحداً وكاف عابداً , مات في أواخر خلافة عثماف ( .الإصابة, جػٕٔ,:ٕٛٓ). (ٕ) سنن أبي داود, مصدر سابق,جػٔ,:ٖٔٚ, كتاب الصلاة, باب في التشديد في ترؾ الجماعة, حديث رقم:ٕٚٗ٘. (وىو حديث صحيح, رواه النسائي,جػٕ,:ٙٓٔ, حديث رقم:ٚٗٛٔ. ؛ وابن حباف في صحيحو, جػ٘,:ٚ٘ٗ, حديث رقم:ٕٔٓٔ. ؛ وأحمد في مسنده, رقم: ٓٔٚٔ). (ٖ) عوف المعبود شرح سنن أبي داود, أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي, مع شرح الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية, طٕ,(دار الكتب العلمية,٘ٔٗٔىػ),,جػٔ, ,:ٙٚٔ. (ٗ) سبق تعريفو,:٘ٚٔ.
عدد الصفحات ٢٢٢223 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونلبحظ أفَّ (قد) أفادت حصوؿ الفعل وبرقُّقَو, أي حصوؿ استحواذ الشَّيطاف على الإنساف, "واستحوذ عليهم الشَّيطافُ أي غَلَبَ واستولى عليهم وحواىُم إليو "(ٔ). وقولو :"فػَعَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ " فػ(الفاء) أفادت ترتيب الأحداث السابقة عليها , أي بعد أف علمت ما سبق فالتزِـْ بابعماعة, وابؼقصود بابعماعة: صلبة ابعماعة بدليل ذِكْرِ الصلبة قبلها, وابؼراد ىو لُزُوـُ ابعماعة, فإفَّ الشيطاف بعيدٌ عن ابعماعة ويستوليِ على من فَارَقَها , ولعلَّ الرسوؿ في ذِكْرِ (ابعماعة) دوف الصلبة, لعلو كاف يرمي إلى مقصدٍ آخرَ بالإضافة إلى ما سبق وىو التَّحذير من الفُرقَةِ بين ابعماعة وابػُروجِ عنهُم , لأفَّ خُروجَ الفرد على ابعماعة بهعلو مدعَاةً إلى تَكَالُبِ الأعداء وتسلُّطهم عليو لأنَّو أصبح في موطن ضَعْفٍ . وقولو :"فَإِن مَا يَأْكُلُ الذ ئْبُ القَاصِيَةَ " ىذا التشبيو أكَّده عليو الصلبة والسلبـ بػ(إبمَّا) حيث دلَّت على علم الصحابة بكل ما سبق وتػمكُػنو من نفوسهم(ٕ), فأكد بؽم صحَّة قولو ّٔذا التشبيو, وقولو: "يَأْكُلُ الذ ئْبُ القَاصِيَةَ ", فػ"الذئب" جاء مُعرَّفً ا حتَّ يفيد بزصيص الذئب بأكل الشاة , وىذا يؤدي إلى استحضار مدلوؿ الافتراس في الذئب , فيكوف ذلك أوقع في التحذير من الانفراد عن ابعماعة , وقولو: "القَاصِيَةَ ", أيْ : "الشَّاة البَعِيدة عن الأغناـ لبُعدِىَا عن رَاعِيهَا(ٖ)",فػ"قَاصِية": من: "القَصِيُّ , والقَاصِي: البعيد, وكلُّ شيءٍ تنحَّى عن شيءٍ فقد قَصَا"(ٗ) أي:بػَعُدَ , ونفهم من ىذا أفَّ القاصية ىي التي ابتعدت بنفسها ولم يبعدىا أحدٌ , أي أفَّ الابتعاد كاف من فعلها ىي , يدؿُّ على ذلك بؾيء اللفظة على وزف فاعل : (قاصية), أي أنهَّا ىي من قامت بفعل الابتعاد عن بقية ابعماعة, أي أفَّ الشيطاف يتَسَلَّطُ على تارؾ صلبة ابعماعة فيَشْغَلوُ عن التدبُّر والتفكُر كما يتسلَّطُ على ابػارج عن ابعماعة فيُغرِي بو الأَعداء ليتربصُّوا بو. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٖ,(باب الذاؿ, فصل الحاء),:ٚٛٗ. (ٕ) دلائل الإعجاز,مصدر سابق,:ٕٗ٘. (ٖ) عوف المعبود, مصدر سابق,:ٙٚٔ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػ٘ٔ,(باب الباء, فصل القاؼ),:ٖٛٔ.
عدد الصفحات ٢٢٣224 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولنتأمل بؾيء الصورة عن طريق التشبيو الضمنِ (٘), حيث بُنيت العبارة عليو وطُوي التشبيو بداخلو , وىذا أبل وآكد في التحذير , فليس الغرض من ابغديث تشبيو ابؼنفرد عن ابعماعة ّٔذه الشاة, إبمَّا الغرض أكبر من ذلك وأقوى, إذ أفَّ التشبيو ّٔذه الطريقة أراد من خلبلو أف يبين خطورة انفراد ابؼسلم عن غيره من ابؼسلمين سواءً في الصلبة أو في غيرىا من أمور الدين والدنيا. إفَّ ىذه الصورة "تهديدٌ شديدٌ لأولئك الذين يتهاونُوفَ في إقامة صلبة ابعماعة , وإنَّو لتهديدٌ بـُيفٌ , صورتاف رائعتاف : صورة الذين استحوذ عليهم الشيطاف بسبب تركِهِم صلبة ابعماعة, وصورةُ الشَّاة القَاصِيةِ التي انفردت عن ابعماعة فمكّنَت بذلك الذّْئب من نفسها فأَكَلَهَا, والرَّبطُ بين صلبة ابعماعة والتزاـ ابعماعة يُشير إلى أفَّ ابغرص على صلبة ابعماعة بفَِّا بوفظ وحدة الأمَّة ويضمن سلبمتها من كيد الأعداء, وأمَّا الصورة الثانية فػمُتأثّْرة بالبيئة العربية التي فيها ابؼرعى والغنم والذئب "(ٔ), حيث عُرؼ عن الذّْ ئب حُبُّو الشديدُ للغنم دوف غيرىا من ابغيوانات, وأكثر ما يتعرَّض للغنم في الصُّبح, وإبمَّا يتوقع فترة الكلب ونومو لعلمو بأنَّو يظلُّ طوؿ ليلِوِ حارسً ا مُتيقّْظً ا, والذّْئب موصوؼ بالانفراد والوحدة فإذا أراد العدو فإبمَّا ىو الوثب والقفز, فإذا تفرقت الغنم عَدَى على أبعدِىا عن الغنم(ٕ), من ىنا نُلبحظ دِقَّة النبيّْ في اختيار ابؼشبو بو, بفَّا أعطى التشبيو حركةً حيَّةً مليئةً بالسُّرعةِ والػمُباغتةِ في آفٍ واحدٍ . لقد أوضح الرسوؿ في تشبيهو بابغيوانات ابؼفترسة أىم خصائص ىذه ابغيوانات من افتراس وشجاعة ومكر وخديعة , ثم تناوؿ ىذه الصفات وخصائصها بدا يتناسب مع ابؼعن ابؼطروح في التشبيو ليكوف أكثر بذسيدً ا لو وأكثر إيضاحً ا وترسيخً ا. بفا سبق يتضح لنا أفَّ البيئة العربية زاخرة بابغيوانات ابؼختلفة, منها ما ىو أليف ومنها ما ىو مفترس, منها الثمين الذي لا يُقدَّر عند العرب بثمن كالإبل وابػيل, ومنها ما ىو دوف تلك (٘) التشبيو الضمني: ىو التشبيو الذي يُفهم ضمنً ا لا صراحة ويُؤتى بو عادة للبرىاف على صحة حكم, والتدليل على دعوى بأن ها ممكنة صحيحة. (انظر:البياف في ضوء أساليب القرآف الكريم,مرجع سابق ,:ٖٓٔ). (ٔ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٖٖٓ-ٖٗٓ. (ٕ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٔٔٔ.
عدد الصفحات ٢٢٤