177 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بوصل عليها, أو أنَّو بذؿ ما لديو من ماؿٍ في شرائها , وىذا أدعى لسروره وفرحو ّٔا , فقد حصل عليها وكأنهَّا ىدية لو من خالق السماء, وابعار وآّرور فيو يؤكد على أفَّ ىذه ابػلفات قد أتت إلى أىلو وبيتو بدحض إرادتها , دوف أف يبذؿ أي بؾهودٍ في ابغصوؿ عليها. وقولو: "ثَلاَثَ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ " العدد ىنا لم يقصد بو عليو الصلبة والسلبـ الرمز العددي بحد ذاتو إبما قصد منو التكثير, وخاصة إذا علمنا أفَّ "ابػَلِفَةُ : النَّاقةُ ابغامل"(ٔ), وىذا يعنِ أفَّ ىذه ابػلفات سوؼ يتضاعف عددىا بالإضافة إلى أنهَّا خلفات بظاف عظاـ ابعسم وىذا يدؿ على أنهَّنَّ غير ىزيلبت, وذكره لصفة السمنة في ابػلفات دليل على أنهَّا كثيرة اللحم واللبن. وقد عمد الرسوؿ إلى التشبيو بأنثى الإبل دوف غيرىا من ابغيوانات لعلمو عليو الصلبة والسلبـ بأبنية ىذا ابغيواف في حياة العرب , لذا كاف التشبيو ّٔا أوقع في النفس بحيث تشتاؽ إلى معرفة الك يفية التي بسكنها من ذلك, وىنا يبادر الصحابة في شوؽ وتلهف "نػَعَمْ ", أي كلنا يريد ذلك . وبعد أف علم عليو الصلبة والسلبـ من جوأّم بسكن الصورة في أنفسهم وأذىانهم بادر بقولو: "فػَثَلاَثُ آَيَاتٍ يػَقْرَأُ بِهِن أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِوِ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَ ثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ ", فػ"الفاء" في لفظة "فثلاث" استئنافية مثَّلت العمل الأفضل وابػيار الأمثل الذي ىو أفضل من اقتناء ثلبث خلفات, وىنا نلبحظ بروز جانب ابؼفاضلة بين ابؼشبو الذي لم يكن مقدار فضلو معلومً ا على ابؼشبو بو الذي لو مكانتو العالية الرفيعة عند الصحابة فقولو: "فػَثَلاَثُ آَيَاتٍ " لم يقصد منها عليو الصلبة والسلبـ الرمز العددي , بل أراد ّٔا التقليل وذلك أنَّ و ذكر بعد العدد (آية) ولم يقل (سورة ) أو (جزء من القرآف ) لأفَّ أقل ما يقرأ من القرآف ىو آية واحدة, فأراد أف يبين أفَّ ىذا العدد القليل من الآيات خير للمؤمن من ثلبث خلفات عظاـ بظاف بؼا فيهن من الأجر والثواب الذي يعود على ابؼؤمن بابػير في الدنيا قبل الآخرة , فكيف إذا زاد ابؼؤمن عدد الآيات التي يقرأ ّٔا في الصلبة , فمعن ىذا أفَّ الأجر سيكوف أكبر وأعظم, لأفَّ كل حرؼ يقرأ بو بعشر حسنات وىكذا كلما زادت الآيات زاد الأجر , وقولو عليو الصلبة والسلبـ :"يػَقْرَأُ بِهِن أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِوِ " دليل على أفَّ الفضل بقراءة القرآف في الصلبة أفضل من قراءة القرآف في غير الصلبة , وإف كاف في قراءة القرآف أجرٌ وفضلٌ عظيم إلا (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٜ,(باب الفاء, فصل الخاء),:ٜٗ.
عدد الصفحات ١٧٧178 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أفَّ ابؼؤمن في قراءة القرآف في الصلبة بهمع بين فضل قراءة القرآف والصلبة في آفٍ واحدٍ فيكوف الأجر أعظم, وقولو: "خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ ", فقولو: "خيرٌ لو " أي فيو فضلٌ وثوابٌ وأجرٌ عظيمٌ , وقولو: "مِنْ ثَلاَثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ " نلبحظ أنَّو عليو الصلبة والسلبـ قد كرر ابؼشبو بو في نهاية حديثو مع أنَّو لو قاؿ "خير لو" واكتفى بذلك لكاف كافيً ا مفهومً ا, لكنَّ ىذا التكرار للمشبو بو كاف الغرض منو الترغيب والتذكير والتنبيو؛ فالترغيب في الاستزادة من الأعماؿ التي ترفع الدرجات , والتذكير بحجم الأجر والفضل في قراءة القرآف في الصلبة, والتنبيو على عدـ الاشتغاؿ بالدنيا عن الآخرة , فالعمل للآخرة ىو ما يبقى والعمل للدنيا زائل . ولعل اختياره للناقة دوف ابعمل لأفَّ الناقة تنتج وتنجب, ما يدؿ على أفَّ قراءة ىذه الآيات تنجب ابغسنات, فكلما قر أىا الإنساف تضاعف أجره , وبؼا بسثلو الناقة عند العرب من مكانة عالية مهمة في حياتو, وقد وضعها مشبهً ا بو ليبين للصحابة ما ىو خير من تلك ابػلفات, وحثهم من خلبؿ ىذه الصورة ورغب هم في الاىتماـ بابؼشبو الذي بيثل عقيدة وشريعة الأمة الإسلبمية وىو كتاب الله العزيز ا لذي لا يأتيو الباطل من بين يديو ولا من خلفو . من ابغديثين السابقين يتضح لنا أفَّ الرسوؿ في قولو: "خَيػْرٌ لَوُ مِنْ نَاقػَتػَيْنِ ", وقولو في ابغديث الآخر: "خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ ", قد استخدـ في الصورة التشبيهية لفظة "خير" للمفاضلة, وىي طريقة موجودة في التشبيو على قلتها وعدـ شهرتها , لكنَّها مشهورة في أحاديثو عليو الصلبة و السلبـ في التشبيو وغيره, و ىي في الصورة التشبيهية بذعل ابؼعن قريبً ا واضحً ا راسخً ا في الذىن , فاستخدمها ابؼصطفى عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهاتو, كقولو عليو الصلبة والسلبـ: "لأََ فْ يَ جْ لِ سَ أَ حَ دُ كُ مْ عَ لَ ى جَ مْ رَ ةٍ فػَ تَ حْ رِ ؽَ ثِ يَ ابَ وُ حَ ت ى تَ خْ لُ صَ إِ لَ ى جَ سَ دِ هِ خَ يػْ رٌ لَ وُ مِ نَ أَ فْ يَ جْ لِ سَ عَ لَ ى قػَ بْ رٍ (ٔ)",رواه أبو ىريرة (ٕ), وقولو: " لأََ فْ (ٔ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٕ,:ٚٙٙ. كتاب الجنائز, باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليو. رقم الحديث:ٜٔٚ. (ٕ) سبقت ترجمتو ,:ٕٙٔ.
عدد الصفحات ١٧٨179 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَ مَ تَ لِ ئَ جَ وْ ؼُ الر جُلِ قػَ يْ حً ا يُرِيوِ خَ يػْ رٌ مِ نْ أَ فْ يَ مْ تَ لِ ئَ شِ عْ رً ا(ٔ)",رواه أبو ىريرة (ٕ), وغير ىذه الأحاديث كثير لا يتسع آّاؿ لذكرىا . بالإضافة إلى استخدامو لصيغة التفضيل(أفعل) في تشبيهاتو مثل: "أشد, أبعد, أحلى, أكثر", وذلك للمبالغة في التشبيو, فالتشبيو لا يعمد إليو إلا لنوع من ابؼبالغة , وإذا كاف الأمر كذلك فلب بد فيو من تقدير لفظة "أفعل" إذا قصد ّٔا بلبغة التشبيو(ٖ). من الصور التشبيهية السابقة للئبل في أحاديثو نلبحظ أنَّو عليو الصلبة والسلبـ استخدـ الإبل في مواضع عديدة جاءت في ابغث على عمل تعبدي كحثو على تلبوة القرآف وتعهده في قولو: {تػَعَاىَدُوا القُرْآفَ فػَوَ الذِي نػَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تػَفَص يً ا مِ نَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا}(ٗ), أو كقولو في ابغث على التوبة: {لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ ثُػم سَارَ حَت ى كَافَ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرضِ فَأَدْرَكَتْوُ القَائِلَةُ فػَنػَزَؿَ فػَقَاؿَ تَػحتَ شَػجَرَةٍ فػَغَلَبَتْوُ عَيػْنُوُ وَانْسَل بَعِيرُهُ فَاستػَيػْقَظَ فَسَعَى شَرَفً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَى شَرَفً ا ثَانِيً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَىَ شَرَفً ا ثَالِثً ا, فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, فَأَقػْبَلَ حَت ى أَتَى مَكَانَوُ الذِي قَاؿَ فِيوِ , فػَبػَيػْنَمَا ىُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَت ى وَضَعَ خُطَامَوُ فِي يَدِهِ , فػَلَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتػَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ ىَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِوِ }(٘). أو قولو عليو الصلبة والسلبـ في ابغث على التبكير لصلبة ابعمعة: {مَنِ اغْتَسَلَ يَوـَ الػجُمُعَةِ غُسْلَ الػجَنَابَةِ ثُػم رَاحَ فَكَأَن مَا قػَر بَ بَدَنَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث انِيَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَقَرَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث الِ ثَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ كَبْشً ا أَقػْرَفَ , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الر ابِعَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ دَجَاجَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَيْضَةً , فَإِذَا خَرَجَ الإِمَاـُ حَضَرَتِ الػمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُوفَ الذ كْرَ }(ٙ), وقولو في ابغث على تعلم القرآف الكرنً وقراءتو : {أَيُحُبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى (ٔ) المصدر السابق, جػٗ,:ٜٙٚٔ. كتاب الشعر, باب الشعر. رقم الحديث:ٕٕٛ٘. (ٕ) سبقت ترجمتو ,:ٕٙٔ. (ٖ) المثل السائر, مرجع سابق , جػٔ,:ٖٓٛ. (ٗ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٜٕٔ. (٘) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٖٔ٘. (ٙ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٔٙٗ.
عدد الصفحات ١٧٩181 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَىْلِوِ أَفْ يَجِدَ فِيوِ ثَلاَثَ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ , قػُلْنَا: نػَعَمْ , قَاؿَ فػَثَلاَثُ آَيَاتٍ يػَقْرَأُ بِهِن أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِوِ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِ مَافٍ }(ٔ). أو قد يكوف التشبيو لإيضاح أمر خفيٍّ أراد إيضاحو والتنبيو عليو كقولو : {إِن مَا مَثػَلُكُمْ وَمَثػَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػُرْعُيَ إِبِلاً أَوْ غَنَمً ا فػَرَعَاىَا, ثُػم تَحَي نَ سَقْيػَ هَا فَأَوْرَدَىَا حَوْضً ا فَشَرَعَتْ فِيوِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتػَرَكَتْ كَدَرَهُ , فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ }(ٕ), أو أنَّو عليو الصلبة والسلبـ أراد من التشبيو بالإبل أف بوث أصحابو على صفة أخلبقية بضيدة, كقولو :{إِن مَا الن اسُ كَإِبِلِ الػمِائَةِ لاَ تَكَادُ تَػ جِدُ فِيهَا رَاحِلَةً }(ٖ). وقد يريد عليو الصلبة والسلبـ أف يثبت من خلبؿ صورة الإبل قضية مهمة كقضية الفطرة في قولو عليو الصلبة والسلبـ : {مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى ىَذِهِ الفِطْرَةِ , فَأَبػَوَاهُ يػُهَو دَانِوِ وَيػُنَص رَانِوِ , كَػمَا تػُنْتِجُوفَ الإِبِلَ فػَهَلْ تَػجِدُوفَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَت ى تَكُونُوا أَنْػتُم تَػجْدَعُونػَهَا ؟ قَالُوا يَا رَسُوؿَ الل أَفػَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرً ا, قَاؿَ : اللُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ }(ٗ), وقولو في إثبات قضية النسب: {وَلَعَل ىَذَا عِرْؽٌ نػَزَعَوُ }(٘). فنلبحظ من خلبؿ الصور التشبيهية السابقة بالإبل أفَّ الرسوؿ في اختياره للئبل كاف يعتمد على ما ألفو العرب من مشاىدات في بيئتهم عن ىذا ابغيواف , بالإضافة إلى تعلقهم الكبير بو ومكانتو العظيمة عندىم , فعمد إلى استخدامو في إبراز ابؼعاني ابػيرة الفضيلة , والقضايا الدينية ابعليلة, فتناسبت ىذه ابؼعاني القيمة مع مكانة الإبل العظيمة عندىم. وقد عمد عليو الصلبة والسلبـ إلى أف تكوف تشبيهاتو مستقاة من بيئة الصحابة وبفا ألفوه ورأوه برت أعينهم من حيوانات وخاصة "الإبل" وذلك ليكوف أوقع في نفوسهم وأبل , وىي تشبيهات وإف كانت من واقع بيئتهم , فإنهَّا اعتمدت على مظاىر الطبيعة ابغية والصامتة, بدا فيها من حيواف ونبات وبصاد , وىي عناصر كونية يشترؾ في إدراكها والإحساس ّٔا كافة (ٔ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٔٙٙ. (ٕ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٔٗٗ. (ٖ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٖٖٔ. (ٗ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٖٔ٘. (٘) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٕٔٙ.
عدد الصفحات ١٨٠181 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الناس, ومن ىنا ندرؾ السبب ابػفي لبقاء تشبيهاتو عليو الصلبة والسلبـ , وخلودىا واتصافها بالقوة والوضوح وابعماؿ , لا نسأـ منها, وكأفَّ بؽا في كل ساعة بذديدً ا. ولم تكن الإبل ىي ابغيواف الوحيد الذي بىتص بابؼكانة العظيمة عند العرب , بل إفَّ ابػيل قد نافست الإبل في ذلك, فقد "أحب العرب ابػيل حبِّ ا عظيمً ا حتَّ أنَّو كاف يذود عنو في حومة الوغى ويضحي بنفسو من أجلو, كيف لا وقد أصبح الفارس وابغصاف شخصً ا واحدً ا! ومن شدة حب العرب لفرسو وتعلقو بو أنَّو لا يبيعو بثمن, لأنَّو لا بيكنو أف يشتري شيئً ا أفضل منو"(ٔ). وقد كاف مدركًا بؽذه ابؼنزلة للخيل عند العرب , فجاء تشبيهو بو في مواضع ومعاني بؽا أبنيتها, كنهيو عن رفع الأيدي في الصلبة , فعن جابر بن بظُرة (ٕ) قاؿ: خرج علينا رسوؿ الله فقاؿ: {مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنػ هَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُػمْسٍ , اسْكُنُوا فِي الص لاَةِ }(ٖ). (ٔ) الخيل في قصائد الجاىليين والإسلاميين, مرجع سابق ,:ٕٕ-ٖٕ. (ٕ) جابر بن سمرة بن جنادة, السُّوائي, صحابي ابن صحابي, نزؿ الكوفة ومات بها سنة سبعين. (الإصابة, جػٕ,:٘ٔ٘). (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٕٖ, كتاب الصلاة, باب الأمر بالسكوف في الصلاة, حديث رقم:ٖٓٗ.
عدد الصفحات ١٨١182 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقد رأى رسوؿ الله أصحابو يعملوف عملبً لا يليق في الصلبة التي تقتضي ابػشوع والذلَّة لله عزَّ وجلَّ , فلمَّا رأى ذلك منهم كرِىَو وأنكره عليهم بعبارتو الاستفهامية "مَالِي", فهذا الاستفهاـ(ٗ) الإنكاريُّ الذي وقع منو عليو الصلبة والسلبـ في بداية ابغديث كاف تنفيرً ا بػطأٍ لا يُلبءِـ مكانة الصلبة وىيئات الػمُصلّْين, فكاف ىذا الاستنكار الذي بومل في مدلُولِو غايةً تعليميَّةً تتضمَّن التوجيو والإرشاد. وقولو " :أراكم" فيها دليل على تكرار ىذا الفعل منهم حتَّ أصبح مشاىدً ا معلومً ا لديو لشدة تكرارىم ومبالغتهم فيو , وقولو: "رافعي" على وزف فاعل فيو إثبات آخر بغصوؿ ىذا الفعل منهم, وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "رافعي أيديكم" بصيغة ابعمع, فيو إشارة إلى أفَّ ىذه ابغركة أصبحت تسري بين صفوفهم في الصلبة , ولنا أف نتخيل بصوعً ا غفيرة من ابؼصلين وىي ترفع أيديها وتهزىا باضطراب ما يدؿ على الفوضى التي تنافي ابػشوع . فبعد أف تيقَّن عليو الصلبة والسلبـ أنَّو لفت انتباىهم, شبَّو بؽم رفعَ هُم أيديهم على بكوٍ معينٍَّ في الصلبة بقولو : "كَأَنػ هَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُػمْسٍ ", فجاء عليو الصلبة والسلبـ بػ(كأفَّ ) لتدؿ على قوَّة الػمُشأّة (ٔ), ثم شبَّ ههم بػ "أَذْنَابِ خَيْلٍ شُمْسٍ ", "والشَّمِسُ والشَّمُوسُ من الدَّواب: الذي إذا بلََسَ لم يستَقِر , وشمََسَت الدَّابةُ والفرسُ : شَرَدَتْ وبصََحَتْ ومَنػَعَتْ ظَهْرَىَا , وشُػمس ىي بصع شمَُوس, وىو النػَّفُورُ من الدَّواب الذي لا يستقرُّ لِشَغَبِوِ وحدَّتِو"(ٕ), فهم أىل خيلٍ -يدركوف بسامً ا- قُبح ىذه الصورة, فجمع عليو الصلبة والسلبـ بين بصاؿ ابػيل ومكانتها عند العرب , وبين أبنيَّة الصلبة ومكانتها عندىم, ثم بصع بين قُبح الذَّنب و بين سوءِ تصرُّفهم في الصلبة . فمكانة الصلبة عند ابؼسلم تستدعي مشبهً ا بو لَوُ مكانتُو عند العرب , فابػيل والإبل من تلك ابغيوانات التي بؽا مكانتها عند العرب , إلا أفَّ اختيار الرسوؿ للخيل دوف الإبل مع أنهَّا أعظم مكانةً عند العربّْ من ابػيل , فذلك لتميُّزىا بالذَّنَب الطَّويلِ الػمَ كسُوّْ بالشَّعَرِ الطَّويل, بحيث يُطابق التشبيو طوؿ أيادي الػمُصلّْين, بالإضافة إلى أفَّ ذَنَبَ ابػيل عند حركتو أكثر وضوحً ا وبذسيدً ا للمعن من ذَنَبِ الإبل , وىذا ما أراده عليو الصلبة والسلبـ , ثم (ٗ) سبق تعريفو,:ٕٔٚ. (ٔ) عروس الأفراح, مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٙ,(باب السين, فصل الشين),:ٖٔٔ.
عدد الصفحات ١٨٢183 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنَّو لِقُبح فعلهم في الصلبة اختار جزءً ا قبيحً ا من ذلك ابؼشبو بو وىو الذَّنَب, وذلك تنفيرً ا واستكراىً ا لعملهم. وىناؾ أمرٌ آخر داخل التَّشبيو وىو أفَّ ابػيل عندما تُنخَس تضطربُ وتتحرؾُ بأقدامها وأرجلها وأذنأّا ويدخلها ابػوؼ , فتنشغل بذلك ولا بسكّْن أحدً ا من ركؤّا , وبتحريك ابؼصلي يديو في الصلبة انشغاؿٌ عن الذكر وابػشوع والسكينة في الصلبة . ثم ختم ىذه الصورة التشبيهية التي ضمَّنَها عليو الصلبة والسلبـ استفهامًا(ٖ) إنكاريِّ ا ختمها بأمرٍ مُوجزٍ بلي ٍ في قولو : " اسْكػُنُوا فِي الص لاَةِ ", وىذه ابعملة الفعلية برمل معن الاستمرار في السكينة و ابػشوع من أوَّؿ الصلبة وحتَّ نهايتها, بل إفَّ حرؼ السين في كلمة (اسكُنُوا) ليدؿَّ على الضعف والرّْقة وابؽمس (ٗ) وابػشوع والطمأنينة التي بهب أف تكوف في الػمُصلّْي, كما أفَّ الفصل (٘) بين ابعملتين يوحي بغضب الرسوؿ واستيائو من ىذا الفعل وسرعتو في أمرىم بأف يتركوا ىذا الفعل . ىذه الصورة التشبيهيَّة بدا حوت من ألفاظٍ دقيقةٍ مُوجزةٍ منو لتبينّْ لنا قدرتو البيانيَّة العالية في إثارة الانتباه وابؼعابعة ابؽادفة والتَّوجيو السَّديد, لقد استخدـ ابػيل في ىذاالتشبيو للنهي عن فعل مكروه في الصلبة, ونلبحظ أنَّو عليو الصلبة والسلبـ قد استخدـ في ىذا النهي أذناب ابػيل لأنها أقبح ما في ابػيل, ولكنَّو عليو الصلبة والسلبـ عندما يستخدـ رأس ابػيل وغرتو وىو أبصل جزء وأحسنو في ابػيل وذلك كقولو في حديث ابغوض: "تَرِدُوفَ عَ لَي غُر ا مُحَج لِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ "(ٔ), فشبو أثر الوضوء في جباىهم بالبياض في جبهة الفرس, فنتيجة للعلبقة ابؼتينة بين ابػيل والعرب انتزع عليو الصلبة والسلبـ ىذه الصورة وجسدىا للنهي أو الترغيب حسبما يقتضيو ابؼقاـ. (ٖ) سبق تعريفو,:ٕٖٔ. (ٗ) سر الفصاحة, مرجع سابق ,:ٕٓ. (٘) سبق تعريفو,:ٔٙٗ. (ٔ) تقدـ تخريجو, الباب الثاني, الفصل الأوؿ,:ٜٖٔ.
عدد الصفحات ١٨٣184 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن ابغيوانات ابؼهمة في البيئة الصحراوية (الكلب), فهو الصديق الوفيُّ وابغارس الأمين, ومع ىذه الصفات ابعميلة في (الكلب) فإفَّ لو صفات وخصائص مكروىة عرفها العرب , ومن ىنا ركز على ىذه الصفات وابػصائص في تشبيهاتو لإبراز ابؼعاني التي يريدىا , فعن أنس بن مالك (ٕ) عن النبي قاؿ: {اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلاَ يػَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْوِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ }(ٖ). يُصدر الرسوؿ الكرنً أمرًا لكل مؤمنٍ بالاعتداؿ في السجود , ويعنِ ىذا الاعتداؿ : "التَّوسط بين الافتراش والقبض في السجود"(ٗ), بدعن أنَّو "ينبغي للسَّاجد أف يضع كفيو على الأرض, ويرفع مرفقيو عن الأرض وعن جنبيو رفعً ا بليغً ا بحيث يظهر باطن إبطيو إذا لم يكن مستورً ا, وىذا أدبٌ متَّفقٌ على استحبابو , فلو تركو كاف مُسيئً ا, والنَّهي للتَّنزيو وصلبتُو صحيحة, قاؿ العلماء: وابغكمة في ىذا أنَّو أشبو بالتواضع و أبل في تػمكين ابعبهة والأنف من الأرض وأبعد من ىيئات الكسالى التي تُشعر بالتَّهاوف في الصلبة وقلة الاعتناء ّٔا والإقباؿ عليها"(٘). ولأبنية الصلبة بدأ عليو الصلبة والسلبـ توجهو من أوؿ ابغديث بفعل الأمر (ٔ) "اعتدلوا" ما يدؿ على أفَّ ىذا الفعل قد تكرر من الصحابة ولكراىية النبي بؽذا الفعل بدأ مباشرة بالأمر "اعتدلوا". وقد شبو الرسوؿ باسط ذراعيو في الصلبة ّٔذا ابغيواف بؼا فيو من البشاعة والقذارة تنفيرً ا من ىذا الفعل في السجود , فالانبساط من الصفات ابؼعروفة في الكلب , قاؿ تعالى : {وَكَلْبػُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْوِ بِالْوَصِيدِ }(ٕ), فقاؿ عليو الصلبة والسلبـ : " وَلاَ يػَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْوِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ ", فلفظة "انبساط" تتناسب في صيغتها وتركيبها مع صورة بسدد الكلب (ٕ) أنس بن مالك الأنصاري, خادـ الرسوؿ ,خدمو عشر سنين, مات سنة اثنتين -وقيل ثلاث- وتسعين, وقد جاوز المائة. (الإصابة, جػٔ,:ٕٗٙ). (ٖ) صحيح البخاري, مصدر سابق, جػٔ,:ٕٓٓ, كتاب الأذاف, باب لايفترش ذراعيو في السجود. (ٗ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٔٙٚ. (٘) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق, جػٕ,:ٜٕٓ. (ٔ) سبق تعريفو,:ٖٔٓ. (ٕ) سورة الكهف, الآية:ٛٔ.
عدد الصفحات ١٨٤185 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وانبساطو وشرود ذىنو وتهيئو للنوـ ما يعنِ أفَّ ابؼصلي الذي يقوـ ّٔذا الفعل كأنَّ و يتهيَّ أ للنوـ وما يسبقو من بطوؿ وكسل . ونلبحظ الوصل(ٖ) بين ابعملتين: "اعْتَدِلُوا فيِ السُّجُودِ " و "وَلاَ يػَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْوِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ ", وذلك أفَّ ابؼعنِ ّٔذا الأمر والنهي ىم الصحابة ,وىم بحاجة إلى توضيح ما خفي عليهم من أمور الصلبة ابؼستحبة وابؼكروىة, كما أفَّ ىذا التوجيو بىتص بأمر الصلبة التي ىي عمود الدين, فكاف لا بد من التأني في وصف ىذا الفعل بؽم ّٔذه الصورة , فالنَّهي (ٗ) عن ىذه الكيفية ابؼكروىة في السجود بوساطة ىذه الصورة ابؼعروفة فيو برديدٌ دقيقٌ يفوؽ أيَّ وصفٍ , فالكلب من ابغيوانات التي تُعرؼ أوضاعها وحالاتها , والصورة مستقاةٌ من حياة ابؼخاطبين بفا بهعل تأثُّرىم ّٔا وإدراكهم بؽا في الذَّروة من الدقة"(٘). كما نلبحظ أفَّ التشبيو جاء عن طريق التكرار "لا يبسط, انبساط" تأكيدً ا على كراىية ىذا الفعل ومبالغة في ذمو والتحذير منو, لأفَّ الأمر بىتص بالصلبة التي يناجي فيها العبد ملك ابؼلوؾ. وفي حديث آخر ورد عنو أفَّ ابن عباس(ٔ) قاؿ: بظعت رسوؿ الله يقوؿ: {إِن مَا مَثَلُ الذِي يػَتَصَد ؽُ بِصَدَقَةٍ ثُػم يػَعُودُ فِي صَدَقَتِوِ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ ثُػم يَأْكُلُ قػَ يْئَوُ }(ٕ). فرسوؿ يبدأ حديثو بأداة القصر (إن ما) التي "بذيء بػبر لا بههلو ابؼخاطب "(ٖ), فالصحابة يعلموف فضل الصدقة فأراد عليو الصلبة والسلبـ أف بوذرىم من الرجوع فيها فبدأ (ٖ) سبق تعريفو,:ٗٔٓ. (ٗ) النهي: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء. (انظر:المعاني في ضوء أساليب القرآف الكريم,:ٕ٘ٔ.) (٘) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٖٙٔ-ٖٚٔ. (ٔ) عبد الل بن عباس بن عبد المطلب, ولد قبل الهجرة بثلاث سنين, دعا لو الرسوؿ بالفهم في القرآف, كاف يسمى بالبحر والحَبْر لسعة علمو, مات سنة ثماف وستين بالطائف. (الإصابة, جػٙ,:ٕٕٛ). (ٕ) صحيح مسلم, جػٖ,:ٕٔٗٔ, كتاب الهبات, باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وىب الوالد لولده وإف سفل, حديث رقم:ٕٕٙٔ. (ٖ) دلائل الإعجاز, مصدر سابق,:ٕٗ٘.
عدد الصفحات ١٨٥186 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالأداة (إبمَّا) ليشوؽ سامعيو, فابؼتلقي بعد أف يسمع كلمة (إبمَّا) يعلم أفَّ ىناؾ قصرً ا(ٗ) سيأتِ, إلا أفَّ رسوؿ الله يُتبِعها بكلمة(مثل) ابؼوضوعة للتَّشبيو بابؽيئات(٘), ليزداد شوؽ السامع بؼعرفة ما يُريدُه من ىذا القصر, ونلبحظ تكراره عليو الصلبة والسلبـ للفظة "يتصدؽ, صدقة, بصدقتو", وذلك مبالغة في أبنية الصدقة ومكانتها التي توجب للمؤمن الأجر العظيم, وخوفً ا من أف يبطلها عمل آخر يكوف موجبً ا لبطلبنها كالرياء أو العودة في الصدقة , ويصور حرؼ العطف "ثم" في قولو : " ثُػم يػَعُودُ فِي صَدَقَتِوِ " نوازع التردد في نفس ابؼتصدؽ , وأفَّ صدقتو لم تكن عن طيب نفس وصفاء نية, إذ ظل زمنً ا وىو مضطرب لق يامو بتلك الصدقة, تتردد في نفسو الرغبة العارمة في استرجاع تلك الصدقة بفن أعطاه إياىا . ثم يعمد عليو الصلب ة والسلبـ إلى عقد تشبيو مؤثّْ ر بين الإنساف الػمُتصدّْؽ بػماؿٍ أو بضاعةٍ أو غيرىا على إنسافٍ آخر , ثم يعود بعد ذلك عن الصَّدقة, أو يأخذ الػمُتصدَّؽ بو أو يدَّعِيوِ , وبين الكلب الذي من عادتو أف يقيء ما قد أكلو, ثم يعود إلى تلك الأكلة الػمُتقَيَّئَة فيأكلُها, فالكلب من ابغيوانات الػمُجترَّ ة التي تأكل الطعاـ ثم بعد فترة تقوـ بسحبو من ابؼعدة إلى ابؼري ء وتبدأ ّٔضمو مرة أخرى , و الكلب علبوةً على ذلك قد يقوـ بقيء الطعاـ ثم أكلو مرةً أخرى, وبيثل حرؼ العطف "ثم" في قولو: "ثُػم يَأْكُلُ قػَيْئَوُ " طوؿ مدة تقيئو ما يزيد نفورنا من الصورة , فكثرة القيء ت زيد من رائحتو , ومكثو فترة بعد التقيؤ إلى أف يعود فيأكلو تزيد من نتانتو وتعفنو ما يزيد الصورة بشاعة وقذارة , وقد جاءت لفظة : " يقيء" بابؼضارع لسرعة استحضارىا واستمرارىا فتظل ماثلة في الأذىاف . ىذه الصورة الػمُقزّْ زةُ التي ربظها عليو الصلبة والسلبـ بضلت صورتين مُقزّْزتَينِ في آفٍ واحدٍ , "الأولى مشهد تقيُّؤ الكلب والثانية أكل القيء"(ٔ), "ومن الػمُرتكز في الطباع ألا ينظر الإنساف إلى طعاـ الكلب ومسلكو في تناوؿ طعامو ونوعية طعامو , إذ يعيش على ابعِيف وابؼأكولات النَّتِنة وبقايا الأشلبء, ثم إفَّ القيء منفّْرٌ , وإف صدر من إنساف, فكيف إذا صدر (ٗ) القصر: تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص. (انظر: حاشية الدسوقي,جػٕ,:ٛٙ). (٘) أدوات التشبيو, مرجع سابق ,:ٖٙ. (ٔ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٚٔٚ.
عدد الصفحات ١٨٦187 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من حيواف يُكرَه لنجاستو, وصار فمو أو رأسو مَػحُوطً ا ّٔذا القيء كما صوَّر الظرؼ "في قيئو" بفَّا يزيد الأمر شناعةً "(ٕ). لقد أبدع عليو الصلبة والسلبـ في اختيار ابؼشبو بو , حيث إفَّ كلبِّ من العائد في صدقتو والكلب قد فػَقَدَ ابغياء, فهذا عاد في صدقتو وذاؾ في قيئو, كما أفَّ في كلٍّ من الصدقة والقيء رابطً ا يربطهما وىو أفَّ الصدقة تطهيرٌ للماؿ كما أفَّ القيء تطهيرٌ للمعدة من الطعاـ الضَّار أو الػمُستغن عنو, فكيف يرضى عاقلٌ أف يعود إلى صدقتو بعد ىذا التشبيو؟ والأمر الآخر أفَّ ابؼشبو بو (الكلب) مثلٌ في لُؤـ الأصل وخُبث الطبع, وسُوء القدر وابػسَّة ومهانة النفس, فكأفَّ العائد في صدقتو قد اتصف ّٔذه الصفات التي يتصف ّٔا ابؼشبو بو. لقد بقحت الصورة التشبيهية في برذيرنا وتنفيرنا من ىذا الفعل . لقد حذر عليو الصلبة والسلبـ من أمور مكروىة فلم بهد أفضل من (الكلب) كي بيثل ىذه الصورة البغيضة في الصلبة , وذلك لتأصُّل ىذه الصفات وابػصائص في (الكلب), ولعل من أبشع ىذه الصفات وابػصائص في (الكلب) ىو عودتو في قيئو , فحذر عليو الصلبة والسلبـ من العودة في الصدقة, وضرب لذلك صورة ىي من أبشع ا لصور في الكلب. ونلبحظ أفَّ (الكلب) من ابغيوانات التي اجتمعت فيها صفات بضيدة , وصفات سيئة قبيحة(ٔ), لكنو عليو الصلبة والسلبـ عمد إلى استخداـ الصفات القبيحة فيو, الغالبة عليو وابؼلبزمة لو , وابؼعروفة عنو , وذلك أفَّ ىناؾ من ابغيوانات ما بصع أكثر الصفات القبيحة , فيلعب ذلك دوره وأبنيتو عند العرب , وىذا ما بهعلو يستخدـ ابغيواف ابؼناسب في ابؼقاـ ابؼناسب. ويعتبر ابعدي من أقلّْ ابغيوانات أبنية عند العرب, إذ لا يقتنيها إلا الفقراء والضعفاء , وىي من أىوف ابغيوانات عندىم مقارنة بالإبل وابػيل , وقد أوردىا عليو الصلبة والسلبـ في تشبيو ىواف الدنيا على الله عزَّ وجلَّ مستندً ا على ىذه ابؼكانة الوضيعة لو, (ٕ) المرجع السابق ,:ٚٔٚ-ٛٔٚ. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٖٔٓ-ٗٓٔ.
عدد الصفحات ١٨٧188 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعن جابر بن عبد الله (ٔ) قاؿ: إفَّ رسوؿ الله مرَّ بِالسُّوؽِ داخِلبً من بعضِ العَالِية والنَّاسُ كَنػَفَتُوُ , فَمَرَّ بَِِدْيٍ أَسَكَّ مَيّْتٍ فػَتػَنَاوَلَوُ فَأَخَذَ بِأُذُنِوِ ثمَُّ قاؿ : {أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَف ىَذَا لَوُ بِدِرْىَمٍ؟ فػَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَن وُ لَ نَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِوِ . قَاؿَ : أَتُحِبُّوفَ أَن وُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَاللِ لَوْ كَافَ حَي ا كَافَ عَيْبً ا فِيوِ , لأَن وُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَىُوَ مَي تٌ ! فػَقَاؿَ : فَواللِ لَلدُّنػْيَا أَىْوَفُ عَلَى اللِ مِنْ ىَذَا عَلَيْكُمْ }(ٕ). لقد عمد رسوؿ الله إصورة ىذا ابعدي الذي رآه مع الصحابة لإقناعهم بفكرةٍ وردت في ذىنو ,فأخذ عليو الصلبة والسلبـ بأُذُفِ ىذا ابعديِ الأَسَك , والأَسَكُّ : من "السَّكَك وىو صِغَرُ الأُذُفِ وَلُزُوقػُهَا بِالرَّأْسِ وَقلَّةِ إِشْرَافِهَا "(ٖ), وإمساؾ النبيّْ بأُذُف ىذا ابعدي يدؿُّ على أنَّو أراد أف ينبو الصحابة بؽذا العيب في ابعدي ابؼيّْت , ثم قولو " :أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَف ىَذَا لَوُ بِدِرْىَمٍ؟ ", فاستفهامو عليو الصلبة والسلبـ كاف الغرض منو تقرير الفكرة التي يريد أف يطرحها على أصحابو بعد ذلك, ونلبحظ قولو عليو الصلبة والسلبـ (بوُِب) بدلاً من (يرغب ), حيث إفَّ "رَغِبَ يػَرْغَبُ رَغْبَةً : إِذَا حَرِصَ عَلَى الشَّيْءِ وَطَمَعَ فِيوِ "(ٗ), فرسوؿ الله يعلم أنهم لن بورصوا على أخذ ىذا ابعدي ابؼيت , إذً ا بؼاذا اختار لفظة (بوب)؟ لأفَّ "الػحُبَّ نَقِي ضُ البػُغْضِ , والػحُبُّ :الوِدَادُ وَالػمَحَبَّة"(٘), والرَّغبة في الشَّيءِ معً ا, والػحُبَّ لا يكوف عادةً إلا في الشَّيء الذي يُرغب فيو وبوُرص على امتلبكو , فالشعور بابغب وبدعن ابغب لا بيكن أف يكوف مع ىذا ابعدي الأَسَكّْ ابؼيت الذي انتفخ بسبب تَعفُّنِوِ ففاح ت رائحتو النَّتنَة الػمُنفّْرة, حيث يبعث في نفوسهم القشعريرة والاشمئزاز والنُّفور من ىذا ابغيواف , وىو ما أراده عليو الصلبة والسلبـ . ثم في قولو " :أَف ىَذَا لَوُ " إشارةٌ إلى شدَّة امتهاف واحتقار ذلك ابعدي وقبحو , وابعار وآّرور (لو) يدؿ على كامل ابؼلكيَّة بؼن يأخذه, وقولو: "بِدِرْىَمٍ " لم يقصد عليو الصلبة والسلبـ الدرىم الذي ىو ابؼاؿ بحد ذاتو , إبمَّا غرضو من ذ كر الدرىم التقليل من أبنية ىذا ابعدي وقيمتو حتَّ إنَّو بدرىم. (ٔ) جابر بن عبد الل بن عمرو بن حراـ الأنصاري, غزا تسع عشرة غزوة, مات بالمدينة سنة سبعين وىو ابن أربع وتسعين سنة. (الإصابة, جػٕ,:ٕٓٔ). (ٕ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٗ,:ٕٕٕٚ, كتاب الزىد والرقائق, حديث رقم:ٜٕٚ٘. (ٖ) لساف العرب, جػٓٔ,(باب الكاؼ, فصل الشين),:ٜٖٗ. (ٗ) المصدر السابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الراء),:ٕٕٗ. (٘) المصدر السابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الحاء),:ٜٕٛ.
عدد الصفحات ١٨٨189 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فما كاف من الصحابة إلاَّ أف ردُّوا على رسوؿ ا بقوبؽم: "مَا نُحِبُّ أَن وُ لَنَا بِشَيْءٍ " فنفوا رضواف الله عليهم رغبتهم فيو حتَّ ولو كاف بأقلّْ شيءٍ , فلفظة "بشيء" قد جاءت في أحسن موضع وأبصلو, حيث أوضحت وكشفت مكانة ىذا ابعدي في أنفسهم وما يشعروف بو بذاىو من ابؼهانة والوضاعة والدناءة والتحقير, ثم تساءلوا -وتساؤبؽم ىنا بومل معن التعجب من حقارة ىذا ابعدي - قائلين: "وَمَا نَصْنَعُ بِوِ ؟" أي بداذا ننتفع بو وىو على ىذه ابغالة؟ فما كاف من رسوؿ الله إلا أف ردَّ عليهم قائلبً: "أَتُحِبُّوفَ أَن وُ لَكُمْ؟ " فيكرّْر عليو الصلبة والسلبـ استفهامو بؽم , والغرض من ىذا التكرار ىو تغلغُل كراىية ىذا ابعدي في أنفسهم, ونُلبحظ في ابعملة الأولى أفَّ رسوؿ الله قاؿ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَف ىَذَا لَوُ بِدِرْىَمٍ " بلفظ ابؼفرد , وفي ابعملة الثانية قاؿ : " أَتُحِبُّوفَ أَن وُ لَكُمْ " بلفظ ابعمع , والغرض من ذلك الإمعاف في الاستهانة والتقبيح بؽذا ابعدي حتَّ إنَّو لم يعد جزءً ا كاملبً , بل أصبح بالإمكاف بذزئتو على الكل , كما أفَّ الرسوؿ في ابعملة الأولى جعل لو قيمةً فقاؿ: "بِدِرْىَمٍ ", أما في الثانية فلم بهعل لو قيمةً بل جعلو بدوف بشن, حتَّ يثبت بؽم عدـ فائدة ىذا ابعدي, والأمر الآخر ىو بسكن الكراىية بؽذا ابعدي داخل أنفسهم , فما كاف من الصحابة إلا أفَّ أكدوا لرسوؿ الله عدـ رغبتهم فيو بأي حاؿ , إلى أف أقسموا بالله أنَّو لو كاف حيِّ ا لكاف عارً ا عليهم أف بيتلكوا مثلو فكيف وىو ميّْتٌ , وذلك بقوبؽم: "وَاللِ لَوْ كَافَ حَي ا كَافَ عَيْبً ا فِيوِ لأَن وُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَىُوَ مَي تٌ !" فردَّ رسوؿ الله على قوبؽم ذلك بقولو: " فَواللِ لَلدُّنػْيَا أَىْوَفُ عَلَى اللِ مِنْ ىَذَا عَلَيْكُمْ ", ّٔذه العبارة أوجز عليو الصلبة والسلبـ مُرادَه من تلك الصورة العينية السابقة التي عرضها على أصحابو بدا حوتو من حوارٍ أدَّى إلى التأثير والإفهاـ في آفٍ واحدٍ . لقد أقسم عليو الصلبة والسلبـ فقاؿ: "فػَوَاللِ " وذلك لإزالة الشكّْ من أنفس الصحابة , وليلفت انتباىهم بؼا سيقولو بعد ذلك القسم, ثم قاؿ: "لَلدُّنػْيَا أَىْوَفُ " فػ(لاـ الابتداء) في لفظة (للدنيا) ىي للتأكيد على حقارة الدنيا وىوانها على الله عزَّ وجلَّ , ثم قولو : " أَىْوَفُ " جاء لتحقير ابؼشبو , وقد جاء على وزف (أفعل) التفضيل مبالغةً في ابؽواف, ونلبحظ دوراف لفظة "بوب, بكب, أبربوف" في ابغديث بين الرسوؿ وأصحابو, في موقف يصور الكراىية الشديدة والنفور من ىذا ابعدي, وذلك ليتولد بداخلهم الكره الشديد بؽذا ابعدي , وىو ما
عدد الصفحات ١٨٩191 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قصده عليو الصلبة والسلبـ ليبين بؽم من خلبؿ ذلك الشعور شدة ىواف الدنيا على الله عز وجل . لقد استعاف عليو الصلبة والسلبـ ّٔذا ابؼشهد ابغيّْ وجعل ابؼ شبو بو صورةً حيَّةً برت أبصارىم فهو جديٌ وليس من ابغيوانات التي يتفاخر ّٔا العرب مثل الإبل أو ابػيل, ولعل ىذا بفا زاد ىواف ىذا ابغيواف , بالإضافة إلى أنَّو صغير الأُذُف وىذا عيب فيو, ثم أنَّو ميّْتٌ قد تعفَّن , فلو أنَّو كاف قريب عهدٍ بابؼوت لكاف بالإمكاف الإفادة من جلده ولكنو قد تعفَّن حتَّ لا بيكن الإفادة منو إطلبقً ا, وىذا التعفُّن أدَّى إلى ظهور الرائحة النَّتنَة , فقد بصع كل أوجو ابؼهانة والاستحقار والقُبح فلب فائدة فيو حيِّ ا لأنَّ و ذكرٌ وليس أنثى تلد وتتكاثر ويُستفاد من حليبها ولا فائدة فيو ميّْتً ا. لقد ابزذ عليو الصلبة والسلبـ من ىذا ابؼنهج "وسيلةً تربويةً غايتها التوضيح وتقرير الأفكار والتواصل, وقد تقدـ ابؼشبو بو على ابؼشبو ليستحوذ على الأذىاف والأبصار, فيشغل العقل وابغس, إذ يترسخ ابؼعن الػمُبتغى منو في نهاية ابغديث"(ٔ). وذلك لم يكن ليتحقق بنفس الدرجة من القوَّة لو لم يتقدـ ابؼشبو بو وما تضمَّنَو من حوار واشتمل عليو من مناقشة العقوؿ وابؼشاعر في قضية واقعية واضحة مأخوذة من واقع ابغياة, وما أدى إليو بصيع ذلك من إقرارٍ بصاعيٍّ لا خلبؼ عليو ولا على جانب من جوانبو متمثّْلبً في قوبؽم: "وَاللِ لَوْ كَافَ حَي ا كَافَ عَيْبً ا فِيوِ لأَن وُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَىُوَ مَي تٌ !" بفَّا أدى إلى التسليم التاـ بابغقيقة الواردة بعده : "فَواللِ لَلدُّنػْيَا أَىْوَفُ عَلَى اللِ مِنْ ىَذَا عَلَيْكُمْ ", فهنا اجتمع للبياف النبوي من خصائص القوة ما ىيَّأ ابؼشاعر وأقنع العقوؿ وأفسح آّاؿ لإثبات ابؼعن بدليلو وحجَّتو وتأثيره"(ٕ). وابؼلبحظ في ىذا ابغديث اعتماده على صورةٍ حيَّةٍ ماثلة أماـ أعين الصحابة ,إذ لم يعتمد فيها عليو الصلبة والسلبـ على إثارة خياؿ الصحابة , فليس بالضرورة أف يعتمد التشبيو على ابػياؿ , كما ذكر بعض علماء البلبغة أفَّ التشبيو يكمن في "أنَّك إذا مثلت الشيء بالشيء فإبمَّا تقصد بو إثبات ابػياؿ في النَّفس بصورة ابؼشبو بو وذلك أوكد في طرفي (ٔ) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٖٓٗ. (ٕ) من الخصائص البلاغية واللغوية في أسلوب الحديث, مرجع سابق ,:ٕ٘ٗ.
عدد الصفحات ١٩٠191 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الترغيب فيو أو التنفير منو؛ ألا ترى أنَّك إذا شبهت صورة بصورة ىي أحسن منها كاف ذلك مثبتًا في النفس خيالاً ح سنًا يدعو إلى الترغيب فيها. وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كاف ذلك مثبتًا في النفس خيالاً قبيحًا يدعو إلى التنفير عنها "(ٔ). فبلبغة التشبيو تنشأ من "أنَّو من وسائل التعبير التصويرية التي تستمد قوتها من ابػياؿ , فكما أفَّ الرسم والتصوير يعتمد على الأصباغ والأحجار التي تؤلَّف وتصقل لترمز إلى طبيعة بصيلة أو فتنة ساحرة أو عبقرية نادرة , بقد التشبيو يشاركهما في الإفصاح عن الفكرة والتعبير عن العاطفة بدا فيو من عنصر ابػياؿ الذي يقابل تلك الأصباغ والأحجار "(ٕ), وىناؾ من العلماء من يرى أبنية ابػياؿ في الصورة التشبيهية , وأنهَّا لا بيكن أف تكتمل أو أف تُؤثر دو ف أف تعتمد على ابػياؿ, حيث إفَّ أبنية ابػياؿ وتأثيره يكمن في أنَّو "ينزؿ ابؼعاني العقلية في القوالب ابغسية"(ٖ). لقد جعل ىذا التشبيو تربية عملية حيَّة وخالفّٔذه الصورة ما ذكره علماء البلبغة من أفَّ الصورة التشبيهية تعتمد في تكوينها على ابػياؿ, لقد أوتِ عليو الصلبة والسلبـ قدرة بيانية بلبغية أدَّت إلى ىذا الإتقاف في استخداـ الصورة التشبيهية ابغية بدا فيها من إقناع للعقوؿ وإثبات للحقائق بابغجة والدليل دوف الاعتماد على إثارة ابػياؿ . وبرتل الشاة ابؼكانة نفسها التي للجدي, وىي من ابغيوانات التي لا تستطيع أف تدافع عن نفسها, بل لا بد من أف يقوـ الإنساف على بضايتها, وىي متَّ وجدت قطيعاً انضمت إليو(ٗ), وقد مثَّل عليو الصلبة والسلبـ ىذه الصفة في الشاة للمنافق, فعن ابن عمر رضي الله عنهما (ٔ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله :{مَثَلُ الػمُنَافِقِ كَػمَثَلِ الش اةِ العَائِرَةِ بػَيْنَ الغَنَمَيْنِ تُعِيرُ إِلَى ىَذَا مَر ةً وَإِلَى ىَذَا مَر ةً }(ٕ). (ٔ) المثل السائر, مرجع سابق ,جػٔ,:ٖٛٚ. (ٕ) البياف في ضوء أساليب القرآف الكريم,عبد الفتاح لاشين,طٔ,(القاىرة:دار الفكر العربي, ٕٗٗٔىػ),:ٙٓٔ. (ٖ) الكشكوؿ, بهاء الدين محمد بن حسين العاملي, تحقيق: محمد عبد الكريم النمري, جػٕ,طٔ,(بيروت- لبناف: دارالكتب العلمية, ٛٔٗٔىػ),:ٕٚٔ. (ٗ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث, من ىذا البحث,:ٔٗٓ. (ٔ) تقدمت ترجمتو , :ٜٕ. (ٕ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٗ,:ٕٙٗٔ, كتاب صفات المنافقين وأحكامهم, حديث رقم:ٕٗٛٚ.
عدد الصفحات ١٩١192 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بيثّْل الرسوؿ في ىذا ابغديث بالشاة ليبينّْ حالة التمزُّؽ النفسي وابغيرة وا لاضطراب التي عليها ابؼنافق, فرسوؿ الله يبدأ حديثو بضرب مثلٍ من واقع حياة الصحابة ليوضّْح بؽم ابؼعاني ويقرَّّْٔا إلى أفهامهم ويرسّْخها في أذىانهم , بقولو: "مثل" ليؤكد على "ابؼشأّة في ابؽيئة والصورة "(ٖ), وىو مثلٌ ضربو عليو الصلبة والسلبـ للمنافق فصوَّره بػ(الش اة العَائِرَة), فػ"العَائِرَة: الػمُتردّْدةُ بين قطيعَينْ لا تَدْرِي أَيُّهما تػَتْبَعُ "(ٗ), وىذه صورةٌ معبرّْةٌ عن حاؿ ابؼنافق الذي يُظهِر الإبياف ويُبطِن الكفر فيكوف حالُوُ كما قاؿ اللهُ عزَّ وجلَّ : {مُذَبْذَبِينَ بػَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى ىَػؤُلاء وَلاَ إِلَى ىَػؤُلاء}(٘). وقد يُطلَق العرب لفظة (العَائِرَة) على الإبل التي بزَرُج إلى إِبلٍ أخرى ليضرّٔا الفحل , ثم أُطلِق فيما بعد على الغَنَم(ٙ). ولعل الرسوؿ لم يشبّْو بالإبِلِ العَ ائِرَة, لأفَّ في تشبيهو ّٔا نوعً ا من الكرامة والتَّعظيم للمُنافق, فالإبِلُ من أنفع ابغيوانات للعربّْ وأبشنِها, لكنَّ الرسوؿ أراد برقير ابؼنافق وإذلالو, لذا عمد إلى (الشَّاة العَائِرَة) لينتزع بلفظة (عَائِرَة) طباع الشَّاة ابغيوانيَّة, فالبهيمة منقادةٌ إلى إشباع حاجتها الفطريَّة من طعاـٍ وشرابٍ وغريزةٍ , فهذه الغرائز في الشَّاة تنطبق مع ما يفعلو ابؼنافق من ابعري وراء مصابغو ومنافعو ابػاصة حيث كانت , وبؾيء اللفظة على وزف "فاعل" دليل على حدوث الفعل فيها. كما نلبحظ الاختيار الدقيق للفظة (تُعِيرُ ) حيث "تبينَّ أفَّ ابؼنافق فػَقَدَ نفسو وا ستهزأَ ّٔا وذَابَ في الآخرين , وكأفَّ ذاتو بؾرد وعاءٍ يُعار , وإخراجُ ابؼنافق وفق البهيميَّة يبين أنَّو يُفعل بو بصمتٍ منو من قبل عددٍ كبيرٍ إيغالاً في إبراز تَدَنّْيوِ , وىذه البهيميَّة تَػحَاُر بين بؾموعتين من الأغناـ, كما أفَّ ابؼنافق يَػحَارُ في سلوكو في ذَبذَبةٍ بؿُرقةٍ لنفسو , إذ لا يُنكِر في قرارة نفسو أفَّ الأفضليَّة في جانب ابؼؤمنين, ومع ىذا يعمل في مصلحة الكفار, فلم يُؤخَذ من ىذا ابغيواف نػَهَمُوُ أو غباؤُه, بل أُخذَت شهوتو البهيميَّة الدَّنِيئَة"(ٔ). (ٖ) أدوات التشبيو,مرجع سابق,:ٖٙ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٗ,(باب الراء, فصل العين),:ٕٕٙ. (٘) سورة النساء, الآية:ٖٗٔ. (ٙ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٗ,(باب الراء, فصل العين),:ٖٕٙ. (ٔ) الصورة الفنية في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٕٕٖ.
عدد الصفحات ١٩٢