161 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرابعة ثم ابػامسة , فإذا خرج الإماـ طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك , ومعلوـ أفَّ النبي كاف بىرج إلى ابعمعة متصلب بالزواؿ وىو بعد انفصاؿ السادسة , فدؿ على أنَّو لا شيء من ابؽدي والفضيلة بؼن جاء بعد الزواؿ"(ٔ). ثم يكمل عليو الصلبة والسلبـ حديثو بعد أف ذكر عددً ا من التشبيهات التي يؤكد فيها أبنية التبكير في الذىاب إلى صلبة ابعمعة بقولو : " فَإِذَا خَرَجَ الإِمَاـُ حَضَرَتِ الػمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُوفَ الذ كْرَ ". فلننظر إلى قولو , فػ"إذا" توحي لنا بابؼفاجأة , وبدا بودث بعد ذلك(ٕ), وكأفَّ ابؼتأخر عن صلبة ابعمعة إف لم يتدارؾ الوقت ويبكر في الذىاب فإنَّو سيفاجأ بتأخر الوقت حتَّ أنَّو لن يشعر إلا والإماـ بىطب, وىنا تتوقف ابؼلبئكة التي كانت تكتب الأجر , ويدؿ على ذلك قولو " :حضرت الملائكة", وكأنهَّا كانت مشغولة في السابق بكتابة الأجر والثواب للمبكرين إلى صلبة ابعمعة , "فهؤلاء ابؼلبئكة غير ابغفظة وظيفتهم كتابة حاضري ابعمعة"(ٔ), فالرسوؿ الكرنً عليو الصلبة والسلبـ يدرؾ الآثار الفعالة بؼا بويط بو من مشاىدات, وىو على دراية وافية بقيمة ىذه ابغيوانات وأحجامها عند مستمعيو , والتي تستمر على مر العصور, فهي تشتهر بابؼنافع, ولذلك ربط ىذا ابؼعن الدينِ ابعليل ّٔا , معطيً ا القيمة النفعية وابغجمية بؽا وما تبثو من راحة نفسية لديهم (ٕ). إفَّ ىذه الصور التشبيهية التي ضرّٔا للتأكيد على أمر معنوي لتعطي للعقل مساحة للتفكير, وللنفس فرصة للتأمُّل, استخدـ فيها عليو الصلبة والسلبـ أسلوبً ا شرطيِّ ا عرض فيو كل تشبيو عرضً ا موجزً ا(ٖ) بينَّ فيو الفرؽ بين الأوؿ والأخير, فأين ىذا الذي أىدى بيضة من الذي أىدى بدنة في عظيم العمل أولاً وجليل ابؼثوبة ثانيً ا, فإذا ما كاف ىذا عظيمً ا في دنيا النَّ اس فإفَّ الفرؽ بين ابؼشبهين في كلٍّ جدُّ عظيمٌ , على الرغم من أفَّ الذي يبذؿ بين التبكير والتأخير قليل ولكنَّ الثواب عظيم. (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٖ,:ٖٙٔ. (ٕ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,جػٕ,:ٖٗ. (ٔ) المصدر السابق, جػٖ, جزءٙ,:ٖٚٔ. (ٕ) الصورة الفنية في الحديث النبوي,مرجع سابق ,:ٖٙٔ (ٖ) الصورة البلاغية وأثرىا في المتلقي, نجاح الظهار,(تحت الطبع): ٘ٓٔ.
عدد الصفحات ١٦١162 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فابغديث الشريف اعتمد على حسن التقسيم (ٗ), وىذا التقسيم لم يترؾ قسمً ا واحدً ا بفا يقتضيو ابؼعن, بحيث لو ذُكر كل قسم منها منفردً ا لقاـ بنفسو ولم يشارؾ غيره (٘). وبذلك تضمن ىذا النمط التشبيهي جانبي التركيز القائم على الإبهاز ابػاص , مع التفصيل القائم على الإيضاح ابؼتشابو في شكلو ابؼختلف في طبيعتو ودرجتو بفا ترؾ أبعادً ا شعورية ودلالات عقلية بؽا أثرىا وقيمتها (ٙ). وبهسد عليو الصلبة والسلبـ فرحة الله عزَّ وجلَّ بتو بة عبده في صورة رائعة بزتلط فيها ابؼشاعر الصادقة من العبد إلى ربو عزَّ وجلَّ , فقد خطب النُّعماف بن بشير (ٚ) فقاؿ: قاؿ رسوؿ الله :{لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ ثُػم سَارَ حَت ى كَافَ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرضِ فَأَدْرَكَتْوُ القَائِلَةُ فػَنػَزَؿَ فػَقَاؿَ تَػحتَ شَػجَرَةٍ فػَغَلَبَتْوُ عَيػْنُوُ وَانْسَل بَعِيرُهُ فَاستػَيػْقَظَ فَسَعَى شَرَفً ا فػَ لَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَى شَرَفً ا ثَانِيً ا فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, ثُػم سَعَىَ شَرَفً ا ثَالِثً ا فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا, فَأَقػْبَلَ حَت ى أَتَى مَكَانَوُ الذِي قَاؿَ فِيوِ , فػَبػَيػْنَمَا ىُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَت ى وَضَعَ خُطَامَوُ فِي يَدِهِ , فػَلَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتػَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ ىَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِوِ }(ٔ). فمن مظاىر ربضة الله بعباده أنَّو فتح أماـ العُصاة باب التوبة على مصراعيو حتَّ لا يقنطوا من ربضة الله فإنَّو لا يقنط من ربضة الله إلا القوـ الكافروف, وقد أنزؿ الله على رسولو سورةً من طِواؿ السور برمل اسم (التَّوبة) للئعلبف بأفَّ الطريق إلى الله مفتوحٌ دومً ا, وما على العبد إلا أف يرجع إليو تائبً ا طائعً ا فتُقبل توبتُو, ويُػجزى على طاعتو, بل فرحة الله بعبده التائب مثل فرحتو بعبده الطَّائع , وابغديث يُصوّْر مدى فرحة ابؼولى عزَّ وجلَّ بعودة عبده إليو(ٕ). (ٗ) حسن التقسيم:ذكر متعدد, ثم إضافة ما لكلٍ إليو على التعيين.(انظر:حاشية الدسوقي,جػٗ,:ٓ٘). (٘) أثر التشبيو في تصوير المعنى, مرجع سابق , ٛٔٔ-ٜٔٔ (ٙ) من الخصائص البلاغية واللغوية في أسلوب الحديث النبوي الشريف, مرجع سابق ,:ٔٛٔ. (ٚ) سبقت ترجمتو ,:ٕٚ. (ٔ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٗ,:ٖٕٓٔ-ٕٗٓٔ, كتاب التوبة, باب في الحض على التوبة والفرح بها, حديث رقم:ٕ٘ٗٚ. (ٕ) أضواء على البلاغة النبوية, مرجع سابق,:ٚٓٔ-ٛٓٔ.
عدد الصفحات ١٦٢163 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقاؿ عليو الصلبة والسلبـ :" لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ " فقرف لاـ الابتداء بابعملة الابظية زيادةً في التأكيد(ٖ), بالإضافة إلى استخدامو لصيغة التفضيل(أشد) التي توحي بزيادةٍ شديدةٍ في التأكيد, كلُّ ىذه ابؼؤكّْدات كاف الغرض منها لفت الانتباه وتصوير عظم الفرحة بتوبة العبد , وشد أبظاع ابغاضرين إلى أمرٍ ىو في غاية الأبنيَّة وىو حث العبد على التوبة والرجوع إلى الله عزَّ وجلَّ , يقوؿ ":لَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ " والفرح ابؼقصود في قولو عليو السلبـ ىو" رضا الله بتوبة عبده , فعبرَّ عن الرّْضا بالفرح تأكيدً ا بؼعن الرّْضا في نفس السامع ومبالغةً في تقريره"(ٗ). وبعد أف شدَّ عليو السلبـ انتباىهم بدأ بضرب صورة تشبيهية رائعة صور فيها أمرً ا معنويِّ ا وىو فرح الله بتوبة عبده , بأمرٍ بؿسوسٍ مُشاىدٍ مألوؼٍ من واقع حياتهم وبيئتهم , حيث صوَّر بؽم ىذا التشبيو بقولو: "مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ " فيها كناية (٘) عن كل ما بيلك, ففي "زاده ومزاده " جناس(ٔ) صور كل مقومات ابغياة الضرورية من طعاـ وشراب بوتاجو ىذا الرجل لكي يستطيع العيش ومقاومة ابؽلبؾ والفناء في ىذه الصحراء القاحلة , فلفظة "زاده ومزاده", جناس ليس فيو تكلف, بل إفَّ ابؼعن استدعاه, فلب يكوف ابؼعن تامِّ ا بدونو, وذلك أنَّنا إذا ذكرنا لفظة "زاده ", وىي الطعاـ لتبادر إلى أذىاننا على الفور لفظة "مزاده " وىي الشراب , وبنا لفظتاف متلبزمتاف إذا ذكرت إحدابنا لا يتم ابؼعن بدوف الأخرى , فتكتمل بذلك الصورة كما أرادىا عليو الصلبة والسلبـ . فهذا الرجل قد أعدَّ كلَّ شيءٍ لرحلتو. "زاده": أي "طعاـ السفر"(ٕ), و"مزاده": وىي "القِربَةُ العظيمةُ الػمَملُوءَة بابؼاء"(ٖ), فكلُّ ما بوتاجو من طعاـٍ أو شرابٍ قد اعتدَّ بو لرحلتو ووضعو على بعيره . (ٖ) المثل السائر, مرجع سابق ,جػٕ,:ٖٚ. (ٗ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٜ,:ٓٙ-ٔٙ. (٘) الكناية:لفظٌ أُريد بو لازـ معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ.(انظر: الإيضاح في علوـ البلاغة, مرجع سابق , :ٖٕٚ ). (ٔ) الجناس: تشابو اللفظين في النطق مع اختلافهما في المعنى. (انظر:البديع في ضوء أساليب القرآف الكريم, عبد الفتاح لاشين,(القاىرة:دار الفكر العربي,ٕٕٗٔىػ),:)ٜ٘ٔ.) (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٖ,(باب الداؿ, فصل الزاي),:ٜٛٔ. (ٖ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق جػٜ,: ٕٙ.
عدد الصفحات ١٦٣164 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتعبيره بقولو: " عَلَى بَعِيرٍ " يفيد "بسكُّنو منو وثِقَتو الػمُتزايدة في طوَاعِيتِو وانقيادِهِ لأمرِهِ ",(ٗ) فهو مُطمئِنّّ لو سائرٌ بو في (فَلبةٍ من الأرض) وىذا يُػخيل لنا أنَّو مكافٌ واسعٌ من الأرض بىشى الإنساف على نفسو من الضياع فيها , فهي "أرضٌ لا شيءَ ّٔا مُقْفِرَةٌ "(٘) مُتناىية البعد بالإضافة إلى أنهَّا "خاليةٌ من البشر"(ٙ). فبينما ىو سائرٌ في ىذه الأرض الػمُوحشة القاحِلةِ الػمَليئَةِ بابغيوانات ابؼفترسة وابغشرات السَّامة في حرارة الشمس ومػخاطرِ الصحراء يسيرُ وحيدً ا دوف رفيقٍ من البشر غير ىذا البعير الذي يُؤنسو في سفره, إذ شعر بالتَّعب "فَأَدْرَكَتْوُ القَائِلَةُ فػَنػَ زَؿَ فػَقَاؿَ تَػحتَ شَجَرَةٍ " والقَائِلة: "وقت الظهيرة "(ٚ), "فػَقَاؿ": أي ناـ برت الشجرة , فقولو عليو السلبـ : " فَأَدْرَكَتْوُ القَائِلَةُ فػَنػَزَؿَ فػَقَاؿَ تَػحتَ شَػجَرَةٍ " يوحي لنا بذلك ابعوّْ شديد ابغرارة, بفَِّا اضطر الرجل إلى أف بهلس برت ظلّْ الشَّجرةِ بزفيفً ا من حرارة الصحراء التي أحاطت بو من كلّْ جانب ما جعلو يسرع ابػطى ليحتمي بظل شجرة , وقولو: "فػَقَاؿَ " صورت "الفاء" ىنا مبل التعب الذي حل بذلك الأعراب ما جعلو يستسلم للنوـ , ففي ىذه الأثناء ما الذي حدث؟ يصوّْر رسوؿُ الله حاؿَ الرجل فيقوؿ : "فػَغَلَبَتْوُ عَيػْنُوُ " فػ(الفاء) ىنا تُوحي بسرعة تسلُّل النَّوـ إلى عيْنِ الرجل, وبقدر الإنػْهَاؾ والإِعياءِ الذي وصل إليو, بالإضافة إلى إحساسو بقلَّة حرارة الشمس في ظلّْ الشجرة بفَِّا سارع بدخولو في نوـٍ عميقٍ , ويدؿُّ على ذلك قولو " :غَلَبَتْوُ" أي لم يستطع مُقاومة النَّوـ في ذلك الظّْل, ولكن ما الذي حدث لو في أثناء تلك الإِغْفَاءة؟ لقد حصل ما لا يُػحمد عقباه, فقد "انْسَل بَعِيرُهُ ", و"انْسَل ": أي "خَرجَ بِتأفٍّ وتدرُّجٍ في خِفْيَةٍ يَعدُو "(ٔ). وفي قولو عليو السلبـ: "فػَغَلَبَتْوُ عَيػْنُوُ ", بؾاز مرسل , الغرض منو ابؼبالغة في شدة غلبة النوـ على الرجل , حتَّ أنَّو عُبرّْ بالعين كلها ولم يُكتف بفعلها وىو النوـ , فأطلق السبب وىو العين وأريد ابؼسبب وىو النوـ , وفي ذلك مبالغة في شدة سيطرة النوـ على الرجل وبسكنو منو , وقولو: " وانْسَل بَعِيرُهُ " دليلٌ على أفَّ الوقت الذي ناـ ف يو الرجل ىو نفسُوُ الوقت الذي بدأ فيو البعير في (ٗ) أضواء على البلاغة النبوية,مرجع سابق ,:ٗٔٔ. (٘) لساف العرب, مصدر سابق, (باب اللاـ, فصل الفاء),:ٖٔ٘. (ٙ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق جػٜ,:ٔٙ. (ٚ) مختار الصحاح, مصدر سابق, باب القاؼ, مادة (ؽ ي ؿ),:ٜ٘٘. (ٔ) لساف العرب,مصدر سابق, جػٔٔ, (باب اللاـ, فصل السين),:ٖٖٛ-ٜٖٖ.
عدد الصفحات ١٦٤165 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التَّسلّل بخِِفيةٍ والانسحاب ّٔدوءٍ , يدؿُّ على ذلك استخدامو عليو السلبـ بغرؼ العطف (الواو) الذي يدؿ على "ابعَمعِ بين شيئَينِ في وقتٍ معً ا"(ٕ). وبعد فترةٍ وجيزةٍ من نوـ الرجل ما الذي حدث؟ يكمل لنا عليو ال سلبـ بقولو : "فَاستػَيػْقَظَ " فػ(الفاء) تُوحي لنا َِّٔوؿ ابؼفاجأة التي رآىا الرجل عندما استيقظ والفَاجِعة التي مُنَِِّ ّٔا, وىي أنَّو أصبح وحيدً ا فريدً ا يُصارع بداخلو اليأس في فقدانو كلَّ مقوّْمات ابغياة من الرَّاحلة والطعاـ والشراب والأمل في أف يعثر على بعير ه وينجو من ابؼوت الػمُحدؽ, صراعٌ عاشَوُ ذلك الرجل في بغظاتٍ قاتلةٍ خانِقَةٍ , فما عساه أف يفعل؟ لقد "سَعَى شَرَفً ا فػَلَمْ يػَرَ شَيْئً ا" ومعن شرفً ا: "أعلى الشَّيء"(ٖ) أي أنَّو صعد على كلّْ مُرتفعٍ في تلك الصحراء علَّوُ بهد بعيرهُ , "ثُػم سَعَى شَرَفً ا ثَانِيً ا" أي أنَّو ذىب إلى ابذاهٍ آخر ومرتفعٍ آخر غير الأوؿ , "ثُػم سَعَىَ شَرَفً ا ثَالِثً ا" أي صَعَدَ مرتفعً ا ثالثً ا في ابذاهٍ غير الابذاىين الأوَّلين في بؿاولةٍ يائسةٍ بائسةٍ في ابغصوؿ على بعيرِهِ , ونلبحظ ىنا تكرار "ثم" حيث صورت لنا تلك ابغركة الدائمة والبحث ابؼستمر والوقت وابعهد الذي بذلو ذلك الأعراب . ونُلبحظ في تكراره لقولو: "فَسَعَى شَرَفً ا" توضيحً ا بؼدى اليأس الذي وصل لو الرجل وتأكيدً ا للحالة النَّفسيَّة العصيبة التي يػمُرُّ ّٔا , فما كاف منو إلا أف "أَقػْبَلَ حَت ى أَتَى مَكَانَوُ الذِي قَاؿَ فِيوِ " ىذه ابعملة تصوّْر مدى شعور الرجل بالإحباط والتَّخبُّط واليأس حتَّ إنَّنا نراهُ وىو يعود مُنكسِرَ النفس حَسِيرَ القلب , بهرُّ خُطَاهُ بتَثَاقُلٍ وحسْرَةٍ , يشعر بابؼوت يقترب منو لضَياعِ بعيرِهِ وعليو كلُّ مقوّْمات ابغياة التي تُنقِذُه من ىذا ابؼوقف العسير, فيعودُ بائسً ا يائسً ا إلى تلك الشجرة التي نَاـَ برتها بعد أف أَعيَاهُ التَّعب والإِجهَادُ , وكل ىذه الأحداث ابؼتتابعة صورىا لنا حرؼ العطف "الفاء", فنشعر بتسارع الأحداث وتتابعها , وفي نهاية ىذه الأحداث ابؼتتابعة, وفي ىذه اللحظة يَصِلُ الصحابة رضواف الله عليهم إلى مرحلةٍ نفسيَّةٍ شُعُوريَّةٍ , خائفةٍ قلقةٍ على مصير ذلك الرجل . فكلُّ مشاعر الصحابة وأحاسيسهم مع رسوؿ الله فيستغل عليو السلبـ ذلك بقولو: "فػَبػَيػْنَمَا ىُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَت ى وَضَعَ خُطَامَوُ فِي يَدِهِ " فذكر الضمير "ىو" وتقدبيو يدؿ على أبنيتو في التشبيو, فهو الشخصية التي وقعت بؽا ىذه (ٕ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,:ٜٚ. (ٖ) لساف العرب, جػٜ,(باب الفاء, فصل الشين),:ٓٚٔ
عدد الصفحات ١٦٥166 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأحداث, ولفظة "قاعد" توحي لنا بأنَّو مكث مدة طويلة على ىذه ابؽيئة, ونلبحظ أفَّ الأداة (إذ) أوحت لنا بوقوع فعل سارٍّ بعدىا , وىو ما حدث بالفعل بعد الأحداث السابقة, وأصل ذلك أفَّ "إذا" تدؿ "على الاستقباؿ"(ٔ), وفي تكرار الضمير في لفظة "جاءه, بعيره, خطامو, يده", تدؿ على ملكية ىذا الرجل الكاملة بؽذا البعير , وأنَّو الشيء الوحيد الذي بيتلكو ىذا الرجل , وىو بالنسبة لو معبر النجاة في ىذه الصحراء القاحلة, و قولو عليو الصلبة والسلبـ: "فػَبػَيػْنَمَا" يوحي بِبَارقة الأمل وتسارعو, ووصفو للرجل بالقعود تصويرٌ بؼدى يأس الرَّجل البَحثِ عن بعيره , ودليلٌ على أفَّ البعير جاء إليو بػمَحضِ إرادتِوِ حتَّ أنَّو "وَضَعَ خُطَامَوُ " أي "مُقدّْمة فَمِوِ وأنفِوِ "(ٕ) في يده, وىذا دليلٌ على أفَّ الرجل كاف سابنً ا ساىيً ا زائ النظرات فاقد الأمل, فجاءت ىذه ابعملة وابتدأت بػ"حتَّ" لإثبات أفَّ ما يراه م ن بؾيء البعير ىو حقيقة وليس وبنً ا, وأكَّد على ذلك بقولو: "وضع خطامو في يده" كدليل وبرىاف بؿسوس على بؾيء البعير. ىنا والصحابة في تلك ابغالة النفسيَّة التي عاشوىا مع الرسوؿ من بداية التشبيو ح نهايتو, وىم في قمة انفعابؽم وشدة شعورىم يكرر الرسوؿ ما بدأ بو حديثو بقولو: "فػَلَل وُ أَشَدُّ فػَرَحً ا بِتػَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ ىَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِوِ ", ىذا التكرار بؽذه ابعملة في آخر ابغديث تنبيوٌ للصَّحابة وتذكيرٌ بؽم بربضة الله بؽم , وقُربِوِ منهم, وفَرحو بتوبة أحدىم إذا تاب, ونُلبحظ في قولو عليو السلبـ: "وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِوِ " أنَّو مازاؿ بومل الطعاـ وابؼاء, وذلك أنَّو لو وجد البعير فقط وأفَّ ما كاف بوملو من طعاـٍ وماءٍ قد فُقِد حين ضياعو , لم تكتمل فرحةُ الرجل , فذكر ابعار وآّرور (على حالو) يؤكّْد سلبمة البعير وبضُُولتو, و ذلك أدَّى لأف تكوف ىناؾ فرحة ٌغامرةٌ لصاحب البعير . إفَّ ىذه الصورة التشبيهية التي ضرّٔا عليو الصلبة والسلبـ لتوحي للصحابة برضا الله بتوبة عبده وفرحو ّٔا , وىذا البعير في عودتو إلى صاحبو, إبمََّا يدعو كل إنسافٍ إلى العودة إلى الله عزَّ وجلَّ, حتَّ وإف تاه في ابؼعاصي والذُّنوب كضياع ىذا البعير ثمَّ عودتو , وىذه العودة تُشير إلى عودة ابؼذنب العاصي, وىي بتوفيق الله لو وىدايتو إياه. ومن ىنا فإنَّنا نُلبحظ أفَّ (ٔ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,جػٕ,:ٖٗ. (ٕ) لساف العرب,مصدر سابق,جػٕٔ, (باب الميم, فصل الخاء),:ٙٛٔ.
عدد الصفحات ١٦٦167 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسوؿ الله قد اعتمد على الصورة التشبيهية في إيصاؿ ابؼعاني التي يُريدىا عن طريق انتزاعو لصورةٍ تشبيهيَّةٍ حيَّةٍ بؿسوسةٍ من واقع الصحابة وبيئتهم اعتمد فيها على براعتو في الدَّمج بين مشاعر ابػوؼ والرجاء واليأس والفرح في صورةٍ تشبيهيةٍ واحدةٍ , فابػوؼ حين فػَقَدَ الرجل بعيره وأصبح بلب زادٍ ولا رحلةٍ في صحراءَ مُوحِشَةٍ , والرَّجاء عندما بدأ يبحثُ عنو وكلُّو أملٌ في أف بهده , واليأسُ عندما عاد خَاليِ اليدين كسِيرَ القلب , والفرح عندما عادَ إليو بعيرُه في زادهِ ومزادِهِ . "لقد بل ىذا التَّشبيو منزلةً كبيرةً من التَّأثير في نػُفُوس العرب أبناء الصحراء , وأصحابِ الإِبِلِ , فمكَّن ىذا ابؼعن الػمُجرَّد عندىم, لأنَّو حدَّثهم عن أمرٍ غيْبيٍّ بأسلوبٍ ىم أكثر الناس إدراكً ا لو لأنهَّم يَعِيشُوف في ىذه الأوساط, وربدَّا تعرَّض بعضُهُم بؼثل ىذه الأَزَمات أو بظعوا بنبأِ من تعرَّض بؽا"(ٔ) وىذا الأسلوب التصويري النفسي الذي جعل الصحابة يتعايشوف مع شعور الرجل لا يقتصر عليهم , بل ىو حالة تنسحب على كل من يقرأ ابغديث النبوي في أي زمن من الأزماف . ويضرب عليو الصلبة والسلبـ ابؼثل بقصص الأولين في صور تشبيهية جذابة ليجسد من خلببؽا معاني سامية أرادىا عليو الصلبة والسلبـ , فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها (ٔ) أَنػَّهَا قَالَتْ : {جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فػَتػَعَاىَدْفَ وَتػَعَاقَدْفَ أَفْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِن شَيْئً ا. قَالَتِ الأُولَى : زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَث عَ لَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ , لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى وَلاَ سَمِينٌ فػَيػُنْتػَقَلَ . قَالَتِ الث انِيَةُ : زَوْجِي لاَ أَبُثُّ خَبػَرَهُ إِن ي أَخَاؼُ أَفْ لاَ أَذَرَهُ , إِفْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُػجَرَهُ وَبُػجَرَهُ . قَالَتِ الث الِثَةُ : زَوْجِي الْعَشَن قُ إِفْ أَنْطِقْ أُطَل قْ وَإِفْ أَسْكُتْ أُعَل قْ . قَالَتِ الر ابِعَةُ : زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ لاَ حَر وَلاَ قػَر وَلاَ مَخَافَةَ وَلاَ سَآمَةَ . قَالَتِ الْخَامِسَةُ : زَوْجِي إِفْ دَخَلَ فػَهْدٌ وَإِفْ خَرَجَ أَسَدٌ وَلاَ يَسْأَؿُ عَم ا عَهِدَ . قَالَتِ الس ادِسَةُ : زَوْجِي إِفْ أَكَلَ لَف , وَإِفْ شَرِبَ اشْتَف , وَإِفِ اضْطَجَعَ الْتَف , وَلاَ يُولِجُ الْكَف لِيػَعْلَمَ الْبَث . قَالَتِ الس ابِعَةُ : زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ , كُلُّ دَاءٍ (ٔ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٜٔ. (ٔ) عائشة بنت أبي بكر الصديق, أـ المؤمنين, أفقو النساء مطلقً ا وأفضل أزواج النبي بعد خديجة, ماتت سنة سبع وخمسين . (الإصابة, جػٗٔ,:ٕٚ).
عدد الصفحات ١٦٧168 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لَوُ دَاءٌ شَج كِ أَوْ فػَل كِ أَوْ جَمَعَ كُلا لَكِ . قَالَتِ الث امِنَةُ : زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ , والر يحُ رِيحُ زَرْنَبٍ . قَالَتِ الت اسِعَةُ : زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ , طَوِيلُ الن جَادِ , عَظِيمُ الر مَادِ , قَرِيبُ الْبػَيْتِ مِنَ الن ادِ . قَالَتِ الْعَاشِرَةُ : زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ ؟ مَالِكٌ خَيػْرٌ مِنْ ذَلِكِ , لَوُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِؾِ قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ , إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْىَرِ أَيػْقَن أَنػ هُن ىَوَالِكُ . قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِي أُذُنَي , وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَي , وَبَج حَنِي فػَبَجِحَتْ إِلَى نػَفْسِي , وَجَدَنِي فِي أَىْلِ غُنػَيْمَةٍ بِشَق فَجَعَلَنِي فِي أَىْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَق , فَعِنْدَهُ أَقُوؿُ فَلاَ أُقػَب حُ , وَأَرْ قُدُ فَأَتَصَب حُ , وَأَشْرَبُ فَأَتػَقَن حُ . أُـُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُـُّ أَبِي زَرْعٍ ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ , وَبػَيْتػُهَا فَسَاحٌ . ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ؟ مَضْجِعُوُ كَمَسَل شَطْبَةٍ , وَيُشْبِعُوُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ . بِنْتُ أَ بِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ؟ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُم هَا, وَمِلْءُ كِسَائِهَا, وَغَيْظُ جَارَتِهَا. جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ ؟ لاَ تػَبُثُّ حَدِيثػَنَا تػَبْثِيثً ا, وَلاَ تػُنػَق ثُ مِيرَتػَنَا تػَنْقِيثً ا, وَلاَ تَمْلأُ بػَيْتػَنَا تػَعْشِيشً ا . قَالَتْ : خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ فػَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَافِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يػَلْعَبَافِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِىَا بِرُم انػَتػَيْنِ فَطَل قَنِي وَنَكَحَهَا , فػَنَكَحْتُ بػَعْدَهُ رَجُلاً سَرِي ا رَكِبَ شَرِي ا, وَأَخَذَ خَط ي ا , وَأَرَاحَ عَلَى نػَعَماً ثَرِي ا, وَأَعْطَ انِي مِنْ كُل رَائِحَةٍ زَوْجً ا, وَقَاؿَ : كُلِي أُـ زَرْعٍ وَمِيرِي أَىْلَكِ . قَالَتْ : فػَلَوْ جَمَعْتُ كُل شَيءٍ أَعْطَانِي مَا بػَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ . قَالَتْ عَائِشَةُ : قَاؿَ لِي رَسُوؿُ الل وِ : " كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُـ زَرْعٍ }(ٔ)". يروي الرسوؿ لعائشة رضي الله عنها قصةً من القصص السابقة, وىذه القصة يبدو أنهَّا كانت في إحدى "قُرى اليمن , أو مكةَ أو ابعاىليَّة "(ٕ) وىي قصة إحدى عشر ة امرأة جلسن واجتَمَعن "فػَتػَعَاىَدْفَ وَتػَعَاقَدْفَ " أي "ألزمن أنفس هنَّ عهدً ا وعقدف على الصّْدؽ من ضمائرىنَّ ". "أَفْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِن شَيْئاً ", فػ(أف) مع أداة النفي (لا) دليلٌ على الصدؽ في ابغديث عن أخبار وصفات الأزواج, فػ"قَالَتِ الأُولَى زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَث عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى وَلاَ سَمِينٌ فػَيػُنْتػَقَلَ ", فشبَّهت زوجها بلحم ابعمل الغثّْ , (ٔ) صحيح البخاري, مصدر سابق, جػٙ,:ٙٗٔ, كتاب النكاح, باب حسن المعاشرة مع الأىل. (ٕ) فتح الباري, مصدر سابق,جػٜ,:ٕٛٓ.
عدد الصفحات ١٦٨169 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"الغثُّ : الرديء من كل شيءٍ , وبغمٌ غثّّ رديءٌ , وبغم بصل غثّّ مهزوؿٌ "(ٖ),"يُستغثُّ من ىُزالو فيُترؾ ويُستكره"(ٗ). ونلبحظ دقة التعبير في اختيار لفظة (ابعمل), "إذ ليس ىناؾ في اللُّحوـ أشدُّ غثاثةً من بغم ابعمل لأنَّو بهمع خبث الطعم وخبث الريح "(٘), وتذىب الباحثة إلى الاعتقاد أنَّو قُصِد بخبث الطعم وخبث الريح في حاؿ كوف ابعمل ىزيلبً , لأنَّو في حاؿ كونو بظينً ا فلب بىبث طعمو ولا ربوو , يدؿ على ذلك تشبيهها بلحم ابعمل ابؽزيل , وقولو: "عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ ", تصف بُعده عنها وتكبره عليها وكأنَّو على رأس جبلٍ , ولفظة (رأس جبل ) تُوحي بأنَّو في أعلى قمة في ابعبل مُبالغةً في الصُّعوبة والػمشقة للوصوؿ إليو. وقولو: "لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى وَلاَ سَمِينٌ فػَيػُنْتػَقَلَ ", فكأنهَّا بقوبؽا "لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى" تقصد وصف ابعبل, أي أنَّو ليس فيو بعض السهولة لكي يصعد إليو لأفَّ بعض ابعباؿ وإف كانت جبالاً لا تكوف على درجة من الارتفاع , بل بيكن الصعود إليها وبلوغ قمتها وإف قصدت بقوبؽا:"لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى" ابؼبالغة والتأكيد على ارتفاع ىذا ابعبل . وقد بومل قوبؽا معن آخر, وىو أف تقصد من ىذا الوصف ابعمل نفسو فهي تصفُوُ بأنَّو صعب الػمِراس حتَّ وإف صُعد إلى ىذا ابعبل لإنزالو إلا أنَّو مع ابؼكابدة وابؼشقَّة في الوصوؿ إليو مع ىذا آّهود يكوف صعب ابؼراس والقيادة , فلب ينقاد لصاحبو بسهولة , وقد تكوف أرادت ّٔذا الوصف صعوبة أخلبؽ زوجها فهو مُتكبػَّرٌ مُتعاؿٍ شديد القسوة وإف حاولت التَّقرب والتَّلطُّف والتَّودُّد إليو . وقوبؽا: "وَلاَ سَمِينٌ فػَيػُ نْتػَقَلَ " أي أنَّو بالإضافة إلى ما سبق فهو ىزيلٌ لا ينقلو الناس إلى بُيوتهم ليأكلوه لرَدَاءتو, ولا يأخذه أحدٌ للئفادة منو في أعمالو بؽُزالو وضعفو, وقد تكوف أرادت ّٔذا وصف ىيكل زوجها وجسمو , فهو ىزيلٌ ضعيفٌ حتَّ إنَّو لا يستطيع القياـ بشئونها وشئوف بيتو ومتطلباتو, فليس بالسَّمين الصحيح الذي يُصبر على شدتو في مقابل القياـ بشئوف بيتو وحياتو , وقولو: "لاَ سَهْلٌ فػَيػُرْتػَقَى وَلاَ سَمِينٌ فػَيػُنْتػَقَلَ " كاف مبالغةً منها في صعوبة الوصوؿ إليو, وفي غثاثتو وخساستو وقلَّة خيره, فصوَّر التشبيو مُعاناة ىذه ابؼرأة مع زوجها. (ٖ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٕ,(باب الثاء, فصل الغين),:ٔٚٔ. (ٗ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٜ,:ٜٕ٘. (٘) المصدر السابق.
عدد الصفحات ١٦٩171 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولو " :قَالَتِ الْخَامِسَةُ : زَوْجِي إِفْ دَخَلَ فػَهْدٌ وَإِفْ خَرَجَ أَسَدٌ وَلاَ يَسْأَؿُ عَم ا عَهِدَ ", فقوبؽا:"زَوْجِي إِفْ دَخَلَ فػَهْدٌ " شبَّهت زوجها بالفهد, "ووصفتوُ بالغفلة عند دُخوؿ البيت على وجو ابؼدح لوُ , وبوتمل معن آخر وىو "إف دخل البيت وثب عليَّ وَثْبَ الفهد , فعلى ىذا بوتمل أف يكوف على ابؼدح والذَّـ, فابؼدح حيث تُشير إلى كثرة بصَِاعِوِ بؽا إذا دخل فينطوي برت ذلك بسدُّحها بأنهَّا بؿبوبةٌ لديو بحيث لا يصبر عنها إذا رآىا, والذَّـ من جهة أنَّو غليظ الطَّبع ليست عنده مُداعبة ولا مُلبعبة قبل الػمُواقعة, بل يثِبُ وثوبً ا كالوحش , أو من جهة أنَّو كاف سيّْ ئ ابػلق يبطش ّٔا ويضرّٔا"(ٔ). وبسيل الباحثة إلى أنهَّا أرادت ابؼدح لا الذَّـ, وإلا لقالت: إف دخل أسدٌ وإف خرج فهدٌ , لأفَّ من صفات الفهد ابغياء وقلَّةِ الشرّْ وكثرة النَّوـ, فهو كالفهد في لِينِوِ وغفلتِوِ "(ٕ), والفهد من ابغيوانات التي تعيش في بصاعاتٍ مُتعاونةً فيما بينها , "فالفهدة إذا أثقلَت بابغمل حنَّ عليها كل ذَكرٍ يراىا من الفُهود, فيُواسيها من صيده, ومن خُلُقو أنَّو يأنس بؼن بوُسن إليو "(ٖ), "كما يتصف بقدرتو الفائقة على الكسب "(ٗ), والفهد "بوبُّ الأصوات ابغسنة يُصغِي إليها إصغاءً شديدً ا"(٘), فقد أرادت ىذه الزَّوجة أف تصف زوجها بأنَّو كثير الكسب, لا يدخل على أىلو إلا ومعو الكسب, وأنَّو شديد الإصغاء بؽا عند حديثها وحاجتها إليو, كما أرادت أف تصفو بابغناف والأُنس والػمُواساة لأىلو في كلّْ شيءٍ , وبأنَّو كثير النَّوـ, يغضُّ الطرؼ ولا بوُاسب عمَّا تلِف من أموالو, يدلُّنا على ذلك دقة التعبير في اختيار لفظة (الفهد) دوف غيره من ابغيوانات, مع أنَّو يوجد في ابغيوانات من بومل ىذه الصفات, ولكنَّها لا تكوف إلا في حيوافٍ أليفٍ , فلماذا وقع الاختيار على الفهد دوف غيره؟ لقد أراد الرسوؿ باختيار(الفهد) أف نفهم أفَّ ذلك الزوج مُهابٌ عند زوجتو , بيلك أمر نفسو, لا بركمو زوجتو بل ىو الذي بوكم في بيتو بدا شاء , وىيبتُها لو نابذةٌ عن حسن (ٔ) المصدر السابق, جػٜ,:ٕٕٙ. (ٕ) المصدر السابق, جػٜ,:ٕٔٙ. (ٖ) حياة الحيواف, مرجع سابق ,جػٕ,:ٖٙٓ. (ٗ) موسوعة الحيواف, مرجع سابق,جػٔ,:ٖٙٔ. (٘) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٔٔ.
عدد الصفحات ١٧٠171 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معاملتو بؽا وكرـ أخلبقو معها , فهنا اجتمعت القوَّة واللّْين معً ا في شخصيَّة ذلك الزوج, وىي من صفات الفهد. وقولو: "وَإِفْ خَرَجَ أَسَدٌ ", فشبَّهتو بالأسد في قوَّتو وبطشو وإِقدامِوِ وبسالتِوِ في مُواجهة أعدائو, وإذا خرج إلى قومو كاف مُتفضّْلبً عليهم مُكرمً ا ومُواسيً ا ومُشاركً ا بؽم في أمورىم , وفي قولو: "إِفْ دَخَلَ فػَهْدٌ وَإِفْ خَرَجَ أَسَدٌ " مُقابلة(ٔ), " وقد أدَّت ىذه ابؼقابلة إلى اكتماؿ ابؼعن الذي قصده ؛ إذ إفَّ قولو: "إِفْ دَخَلَ فػَهْدٌ ", أراد أفَّ ذلك الزوج قويّّ ذو مهابة عند زوجتو , وىو في نفس الوقت رحيم لينٌّْ ىينٌّْ , ولو اكتفى بذلك لأدى ذلك إلى الاعتقاد في أنَّو بومل ىذه الصفة وحدىا داخل بيتو وخارجو , لكنَّ ابؼقابلة في قولو: "وَإِفْ خَرَجَ أَسَدٌ " أوضحت أفَّ ذلك الزوج شجاع مقداـ ذا رأي ومشورة عند قومو , فيكوف بذلك قد بضل كل الصفات ابغميدة, صفات الزوج الرحيم اللين مع أىلو , القوي الشجاع في قومو . وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "وَلاَ يَسْأَؿُ عَم ا عَهِدَ ", ىذه ابعملة "برتمل ابؼدح وبرتمل الذَّـ, فابؼدح بدعن أنَّو شديدُ الكرـ كثيرُ التَّغاضي لا يتفقَّد ما ذىب من مالو, وإذا جاء بشيءٍ إلى بيتو لا يسأؿ عنو بعد ذلك, أو لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من ابؼعايب, بل يُسامح ويغض الطرؼ , وبوتمل الذَّـ بدعن أنَّو غيرُ مُباؿٍ بحابؽا حتَّ لو عرؼ أنهَّا مريضةٌ أو مُعوِزةٌ وغاب ثم جاء لا يسأؿ عن شيءٍ من ذلك, ولا يتفقَّد حاؿ أىلو ولا بيتو, بل إف عُرضت عليو بشيءٍ من ذلك وثب عليها بالبطش والضَّرب"(ٕ). وبسيل الباحثة إلى أفَّ ابعملة أرادت ّٔا ابؼدح لا الذَّـ, حيث قصدت الزوجة أفَّ من صفات زوجها الػمُسابؿَة وغض الطرؼ عن أخطائها , وذلك من كرنً خصالو . وقولو " :قَالَتِ الث امِنَةُ : زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ والر يحُ رِيحُ زَرْنَبٍ ", فقولو: "زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ ", فقولو: "الْمَسُّ مَسُّ " من "مسَّ , يُقاؿ: مسَسْتُ الشيءَ أَمُسُّوُ مسِّ ا إذا بؼستو بيدؾ"(ٔ), "والأرنب دُويبةٌ ليّْنة الػمسّْ ناعمة الوبَرِ جدِّ ا"(ٕ), لذا تكثرُ تربيتُها وصيدُىا (ٔ) سبق تعريفها,:ٔٙٗ. (ٕ) فتح الباري, مصدر سابق,جػٜ,:ٕٕٙ. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٙ,(باب السين, فصل الميم),:ٜٕٔ. (ٕ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٜ,:ٕٗٙ.
عدد الصفحات ١٧١172 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للئفادة من بغمها وفِرائِها ووبرىا(ٖ), فوصفت زوجها كأفَّ جسدهُ لِفَرط نعومتو وَبرُ أرنبٍ , وقد بالغت في ىذا الوصف فحذفت أداة التشبيو حتَّ كأفَّ ابؼشبو وابؼشبو بو شيءٌ واحدٌ . وربدا أرادت ىنا ذمَّو لا مدحو لأفَّ الرجل يُوصف بابػشونة وىي من صفات الرجاؿ, أما النعومة فللنساء , فقصدت ّٔذا الوصف أنَّو رجل ضعيف , لا بىرج من بيتو , ولا يتعرض للمشاؽ والصعاب حتَّ بىشن جسده, بل ىو لفرط مكوثو في بيتو أصبح ناعم ابعسد . وقولو: "والر يحُ رِيحُ زَرْنَبٍ ", فػ"الزَّرنبُ : نباتٌ طيّْبُ الرَّائحة "(ٗ), فوصفت رائحة جسمو بأنهَّا رائحةٌ طيّْبةٌ , ويػحتمل أف تكوف كناية أرادت ّٔا أنَّو كثير النَّظافة كثير التَّطيب بالروائح ابغسنة, وبوتمل أف تكوف أرادت بذلك بصيل حديثو معها أو سيرتو ابغسنة عند الناس وكث رة ثنائهم عليو, فبالغت في ذلك الوصف حتَّ جعلت ابؼشبو وابؼشبو بو شيئً ا واحدً ا حين حذفت أداة التشبيو في وصفها لزوجها وثنائها عليو . وقولو " :قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ فػَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَافِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يػَلْعَبَافِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِىَا بِرُم انػَتػَيْنِ فَطَل قَنِي وَنَكَحَهَا ", فقولو: "خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ ", فػ"الأَوْطَابُ " من:"وَطَبَ : الوطْب: سقاء اللَّبن "(٘), "أي وِعاؤُه "(ٙ), و"تُمْخَضُ ": " الػمَخْضُ : ىو أخذ الزَّبد عن اللبن "(ٚ), فػ"أرادت أنَّو بَكَّر بخروجو من منزبؽا غدوةً وقت قياـ ابػدـ والعبيد لأشغابؽم , وانطوى في خبرىا كثرة خير داره وغزر لبنو , وأفَّ عندىم ما يكفيهم ويفضل حتَّ بيخضوه ويستخرجوا زبده , وبوتمل أف يكوف أنهَّا أرادت أف الوقت الذي خرج فيو كاف في زمن ابػصب وطيب الربيع "(ٔ), وقد يكوف خروجو لسفرٍ أو غيره. (ٖ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٔ٘ٓ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الزاء),:ٛٗٗ. (٘) المصدر السابق, جػٔ,(باب الباء, فصل الواو),:ٜٚٚ. (ٙ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٜ,:ٖٕٚ. (ٚ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٚ,(باب الضاد, فصل الميم),:ٜٕٕ. (ٔ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٜ,:ٖٕٚ.
عدد الصفحات ١٧٢173 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولو: " فػَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَافِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يػَلْعَبَافِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِىَا بِرُم انػَتػَيْنِ فَطَل قَنِي وَنَكَحَهَا", بزبر أفَّ زوجها في أثناء خروجو رأى امرأة معها ولداف بؽا, ونلبحظ تقدنً ابعار وآّرور (بؽا) حتَّ لا يكوف ىناؾ شك في أنهَّما أخواىا أو قريباىا بل ولداىا, وقولو: "كَالْفَهْدَيْنِ ", شُ بّْ و الولداف بالفهدين, فكأنَّو يصفهما بالشجاعة وابؼؤانسة على الرغم من صغر سنّْهما, ونلبحظ دقة التعبير في اختيار لفظة (الفهد), فهو من أكرـ ابغيوانات ابؼ فترسة وأجلّْها نفعً ا وأحلبىا في العين منظرً ا وأغلبىا بشنً ا وأعزىا جانبً ا, كما أنَّو من ابغيوانات ابؼفترسة التي تستأنس بالنَّاس (ٕ), فجمع في وصف الولدين بين الشجاعة والقوة وبين الأُلفة وابؼؤانسة. وقولو: " يػَلْعَبَافِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِىَا بِرُم انػَتػَيْنِ ", كناية عن "أفَّ ابؼرأة كانت ذاتَ كفلٍ عظيمٍ فإذا استلقت على ظهرىا ارتفع كِفلها ّٔا عن الأرض حتَّ ت صير برتها فجوة بهري فيها الرُّماف, وقد يكوف ابؼقصود بالرُّمانتين نهديها فشبَّو نهداىا بالرُّمانتين في قوبؽا "يػَلْعَبَافِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِىَ ا بِرُم انػَتػَيْنِ " أي أفَّ ذلك مكاف الولدين منها, وأنهَّما كانا في حضنها أو جنبيها, وفي تشبيو النَّهدين بالرمانتين إشارة إلى صغر سنها "(ٖ), وىنا يكوف الكلبـ على الاستعارة (ٗ) وليس ىناؾ كنايةٌ (٘). وقولو: "فَطَل قَنِي وَنَكَحَهَا", في ىذه ابعملة تُذكر الزوجة النهاية التي وصلت بؽا حياتها الزوجية مع أب زرع , لقد حوى ابغديث السابق لأـ زرع على صور بيانية امتلؤت بالسجع وابعناس بأنواعو, وبالرغم من ذلك فلم نشعر بطوؿ الكلمات أو ثقلها , بل على العكس فإنَّو أضفى خفة ومرحً ا على ابؼعن ما جعلو مؤنسً ا للنفس. وفي ابغديث السابق نلبحظ كثرة ابعناس والسجع في مثل قولو " "بصلٍ , جبلٍ ", "فهدٍ , أسدٍ ", "أرنبٍ , زرنبٍ ", بفا كاف لو تأثير في جذب السامع حيث أحدثت في النفس ميلبً إلى الإصغاء والتلذُّذ بنغمتو العذبة, وجعلت العبارة سهلة مستساغة على الرغم من ثقل الكلمات وصعوبتها إلا أنهَّا أوجدت في النفس قبولاً وتأثيرً ا. (ٕ) انظر: الباب الأوؿ, الفصل الثالث من ىذا البحث,:ٕٔٔ. (ٖ) فتح الباري, مصدر سابق, جػٜ,:ٖٕٚ-ٕٗٚ. (ٗ) الاستعارة: ما كانت علاقتو تشبيو معناه بما وضع لو .(انظر: الإيضاح في علوـ البلاغة, مرجع سابق ,:ٕٓٗ). (٘) سبق تعريفها,:ٖٙٔ.
عدد الصفحات ١٧٣174 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولكي يوضح لنا عليو الصلبة والسلبـ أبنية تعل م وقراءة ولو آية من القرآف الكرنً وفضل ذلك, لا بهد خيرً ا من الإبل للتشبيو ّٔا في ىذا ابؼقاـ بؼكانتها عند العرب , فعن عقبة بن عامر (ٔ) قاؿ: خرج رسوؿ الله وبكن في الصفة فقاؿ: {أَيُّكُمْ يُحِب أَفْ يػَغْدُو كُل يػَوْـٍ إِلَى بَطْحَافَ أَوْ إلِىَ العَقِيقِ فػَيَأْتِي مِنْوُ بِنَاقػَتػَيْنِ كُومَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ , فػَقُلْنَا يَا رَسُوؿَ اللِ نُحِبُّ ذَلِكَ , أَفَلاَ يػَغْدُو أَحَدُكمْ إِلَى الػمَسْجِدِ فػَيػَعْلَمَ أَوْ يػَقْرَأَ آيػَتػَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللِ عَز وَجَل خَيػْرٌ لَوُ مِنْ نَاقػَتػَيْنِ , وَثَلاَثٌ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٍ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِىِن مِنَ الإِبِلِ }(ٕ). فقولو عليو الصلبة والسلبـ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ " استفهاـ(ٖ) الغرض منو لفت انتباه الصحابة لإشراكهم في ابغوار حوؿ القضية التي سيطرحها بعد ىذا الاستفهاـ , ثم الترغيب في ىذه القضية ابؼهمة والتي تتعلق بقراءة القرآف . وقولو :"أَفْ يػَغْدُو كُل يػَوْـٍ ", فػ"الغُدوَة, بالضَّم: البُكرةُ ما بين صلبة الغَدَاة وطلوع الشمس "(ٗ), وىذا الوقت ىو وقت طلب الرّْزؽ والسَّعي في اكتسابو. وقولو:"كُل يػَوْـٍ ", فلفظة "كل" أفادت التأكيد بالإضافة إلى أنهَّا أعطت معن الزيادة والشموؿ, أي أفَّ ما بربونو سيكوف في بصيع الأياـ وليس في يوـ واحد, وىذا يعنِ زيادة ابػير واستمراره , وبؽذا جاءت ابعملة ابظية "أف يغدو كل يوـٍ " حتَّ يفهم منها الصحابة أفَّ ىذه الزيادة لن تنقطع فهي ثابتة. وقولو: "إِلَى بَطْحَافَ أَوْ إلِىَ العَقِيقِ ", فػ"بطحاف"(٘)و"العقيق"(ٙ): "موضعاف بقرب ابؼدينة "(ٔ), أي بىرج من بيتو إلى أحد ىذين ابؼوض عين: بطحاف أو العقيق. وقولو: "فػَيَأْتِي مِنْوُ بِنَاقػَتػَيْنِ كُومَاوَيْنِ ", فحرؼ الفاء ىنا أوحى بابعائزة وابؼكسب من ابػروج إلى ىذين ابؼوضعين وىو الرجوع بناقتين كوماوين ,فػ"كُومَاوَين": "الكَوَـُ :العظيم في كلّْ شيءٍ , (ٔ) عقبة بن عامر الجهني, صحابي مشهور, اختلف في كنيتو على سبعة أقواؿ أشهرىا أبو حم اد, ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين, وكاف فقيهاً فاضلاً , مات في قرب الستين. (الإصابة, جػٚ,:ٕ٘ٓ). (ٕ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٔ,:ٕ٘٘-ٖ٘٘, كتاب صلاة المسافرين وقصرىا, باب فضل قراءة القرآف في الصلاة وسورة البقرة, حديث رقم:ٖٓٛ. (ٖ) سبق تعريفو,:ٕٙٔ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق,جػ٘ٔ,(باب الواو, فصل الغين),:ٙٔٔ. (٘) بطحاف, بفتح أولو وسكوف ثانيو: ىو وادٍ بالمدينة. (انظر:معجم البلداف,جػٔ,باب الباء والطاء,:ٙٗٗ). (ٙ) العقيق, بفتح أولو وكسر آخره : الأودية ومنها العقيق بناحية المدينة وفيو عيوف ونخل. (انظر:معجم البلداف, جػٗ, باب العين والقاؼ, :ٖٛٔ). (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق جػٖ, :ٜٛ.
عدد الصفحات ١٧٤175 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد غَلَبَ على السَّناـ , سَنَاـٌ أَكْوَـ: عظيمٌ "(ٕ), إذ ليستا أي ناقتين, بل بنا عظيمتا السناـ وىذا يدؿ على أنهما ليستا ّٔزيلتين ؛ لأفَّ عِظَمَ السناـ يدؿ على بظَِن الناقة وعِظَمها. وقولو: "فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ " ىذا استدراؾٌ منو عليو الصلبة والسلبـ حتَّ لا يفهم الصحابة أفَّ ابغصوؿ على ىاتين الناقتين كاف بطريقٍ غير مشروع . وبعد أف اكتملت الصورة في الأذىاف بدا برملو من الرغبة في ابغصوؿ على ىاتين الناقتين أجاب الصحابة بالإبهاب مباشرة ومن غير أيّْ ترددٍ بقوبؽم : "نُحِبُّ ذَلِكَ " وقوبؽم ىذا يدؿ على الرغبة الشديدة في برقق ىذه الصورة لكلٍّ منهم. وىنا يشعر عليو الصلبة والسلبـ بصدؽ جوأّم ورغبتهم العارمة في برقق ىذه الصورة على أرض الواقع فيدبؽم إلى ما ىو خير بؽم من ذلك بقولو: "أَفَلاَ يػَغْدُو أَحَدُكمْ إِلَى الػمَسْجِدِ فػَيػَعْلَمَ أَوْ يػَقْرَأَ آيػَتػَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللِ عَز وَجَل خَيػْرٌ لَوُ مِنْ نَاقػَتػَيْنِ , وَثَلاَثٌ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٍ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِىِن مِنَ الإِبِلِ ", فالاستفهاـ في قولو: "أفلا" أراد بو عليو الصلبة والسلب ـ التحضيض وابغث على تعلم القرآف وقراءتو , وبقولو: " يػَ غْدُو أَحَدُكمْ إِلَى الػمَسْجِدِ " أراد عليو الصلبة والسلبـ ابغث على البكور في الذىاب إلى ابؼسجد حتَّ يتعلم ابؼؤمن, ويقرأ في كتاب الله ما يعود عليو بالنفع قبل أداء الصلبة. وقولو: "فػَيػَعْلَمَ أَوْ يػَقْرَأَ آيػَتػَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللِ عَز وَجَل " فيعلم أي يتعلم قراءتها على الوجو الصحيح وما فيها من أحكاـ شرعية . وقولو "آيتين" لم يكن يقصد العدد لذاتو إبما أراد التقليل , بدعن أفَّ ابؼؤمن لو قرأ آيتين وفهمهما حق الفهم لكاف قد حصل على أجر عظيم وفائدة أعظم فكيف إذا قرأ وتعلم وفهم كتاب الله عزَّ وجلَّ , وقولو : "خَ يػْرٌ لَوُ مِنْ نَاقػَتػَيْنِ " أي أفَّ الآيتين عند قراءتهما وتعلمهما خير من الناقتين وقولو: "وَثَلاَثٌ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٍ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ أَرْبَعٍ " أي أفَّ الآيات كلما زادت كانت خيرً ا من مثلها من الإبل وىذا يدؿ على عظيم الأجر والثواب, وقولو: "وَمِنْ أَعْدَادِىِن مِنَ الإِبِلِ " أي حتَّ لو وجد على عدد الآيات في كتاب الله من الإبل وذلك عدد ضخم كبير فإفَّ ىذه الآيات خيرٌ من ىذا الكمّْ ابؽائل من الإبل. لقد عرؼ ابؼصطفى كيف يقنع الصحابة ويرغبهم في ىذا العمل عن طريق الصورة التشبيهية, فأثارت ى ذه الصورة بدا فيها من مفاضلة ابػيرية في نفوس الصحابة بفا جعلهم (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق,جػٕٔ,(باب الميم, فصل الكاؼ),:ٜٕ٘.
عدد الصفحات ١٧٥176 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتسابقوف في ىذا ابؼيداف العظيم الذي تتضاعف فيو ابغسنات أضعافً ا مضاعفة, وكاف ذلك داعيً ا بؽم للئقباؿ على القرآف وقراءتو وتدبره . وقد علم الرسوؿ ما بسثلو الإبل للعرب فعمد إلى التشبيو ّٔا بؼكانتها عنده فهي"من أشرؼ ابغيوانات وسادتها وكبارىا ورؤسائها , ففيها خصاؿ الشرؼ وابؼنافع ومنافعها في ابغرب والسلم وفي الزينة والبهاء وفي العدة والعتاد ما ليس في غيرىا من ابغيوانات "(ٔ), لذا عمد عليو الصلبة والسلبـ إلى بذسيد أمرٍ معنويٍّ ّٔذه الصورة المحببة إلى أنفسهم والتي كانت الناقة أغلى ما فيها وأبنها حيث استغل عليو الصلبة والسلبـ ىذه الأبنية في ترغيبهم في أمرٍ دينٍِّ مهمٍّ . ثم يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ في حديث آخر: عن أب ىريرة (ٕ) قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : {أَيُحُبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَىْلِوِ أَفْ يَجِدَ فِيوِ ثَلاَثَ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ , قػُ لْنَا: نػَعَمْ , قَاؿَ : فػَثَلاَثُ آيَاتٍ يػَقْرَأُ بِهِن أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِوِ خَيػْرٌ لَوُ مِنْ ثَلاَثِ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ }(ٖ). يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: "أَيُحُبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَىْلِوِ أَفْ يَجِدَ فِيوِ ثَلاَثَ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ ", ىكذا بدأ عليو الصلبة و السلبـ رسْمَ صورتو التشبيهية بالاستفهاـ في قولو "أَيُحُبُّ أَحَدُكُمْ " و كاف الغرض من ىذا الاستفه اـ التشويق والترغيب في القضية التي سيطرحها على أصحابو , وقد أراد عليو الصلبة والسلبـ ّٔذا الاستفهاـ مشاركة أصحابو في رسم ىذه الصورة حتَّ تكتمل كما أراد بؽا فتتغلغل في أذىانهم , وتتػمكَّن في نفوسهم, وقولو: "إِذَا رَجَعَ إِلَى أَىْلِوِ " ىذه ابعملة تكشف لنا عن جانبٍ خفيٍّ من جوانب ىذه الصورة فكأفَّ ىذا الشخص كاف غائبً ا عن أىلو وبيتو إما لسفرٍ أو لطلب رزؽٍ أو غيره , لأفَّ لفظة (رَجَعَ ) تدؿُّ على أنَّو عاد إلى بيتو و أىلو بعد ما خرج لأمرٍ ما. وقولو: "أَفْ يَجِدَ فِيوِ ثَلاَثَ خَلْفَاتٍ عِظَاـٍ سِمَافٍ " في جواب الشرط ىذا تكمن ابؼفاجأة العظيمة وقت عودة ىذا الشخص, إذ بهد في بيتو وعند أىلو ما يسره ويثلج صدره حين يرى ثلبث خلفات عظاـٍ بظافٍ , ونلبحظ في قولو "أفْ يَجِدَ فِيوِ " أنَّو حصل ىذه ابػلفات دوف تعب, فلم يكبد نفسو عناء البحث عنها حتَّ (ٔ) الحيواف, مصدر سابق,جػٚ,:ٜٔٔ-ٕٓٔ. (ٕ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ. (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٔ,:ٕ٘٘, كتاب صلاة المسافرين وقصرىا, باب فضل قراءة القرآف في الصلاة وسورة البقرة, حديث رقم:ٕٓٛ.
عدد الصفحات ١٧٦