145 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العلم أفَّ ىناؾ جهات أخرى يتأثر ّٔا الإنساف ويتلقى عنها غير الوالدين, إلا أفَّ تأثير الوالدين في مرحلة الطفولة ابؼبكرة يظل لو أثره حتَّ في مراحل عمر الإنساف الأخرى . فبعد أف كاف الإنساف أو ابؼولود على الفطر ة السليمة يلعب الوالداف دورً ا مهمِّ ا في تغيير ىذه الفطرة الصحيحة , فإف كانا يهوديػين فإفَّ ىذه الديانة ستمتد لتصل إلى ابنهما فيصبح على ملة والديو , وإف كانا نصرانيػين فإفَّ ابنهما سيصبح نصرانيِّ ا, ونلبحظ أفَّ الرسوؿ استخدـ حرؼ العطف (الواو) للجمع بين الديانتين , وذلك أفَّ الأبوين قد يكوف أحدبنا نصرانيِّ ا والآخر يهوديِّ ا أو العكس, ومن ىنا فإفَّ الابن سوؼ يكوف إمَّا نصرانيِّ ا وإمَّا يهوديِّ ا, وذلك أنَّو قد يعتنق إحدى الديانتين ثم مع تقدـ عمره قد يتركها ويعتنق الأخرى فيكوف قد بصع بين الاثنتين معً ا. ومن ىنا نلبحظ بلبغة النبي في اختيار حرؼ العطف (الواو), إذ قد بهمع بين الديانتين معا في أوقات بـتلفة من عمره , وقد يكوف من الذين كتب الله بؽم السعادة في الآخرة فيخرج من ىاتين الديانتين إلى الفطرة السليمة الصحيحة ويدخل في مل ة الإسلبـ. وحتَّ يتغلغل ىذا ابؼعن في قلوب الصحابة بل في قلب كل قارئ جاء ابؼصطفى ّٔذا التشبيو من واقع بيئتهم, فقاؿ " :كما تنتجوف الإبل فهل تجدوف فيها جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها" فػ(الكاؼ) في حديثو للتشبيو(ٔ), وقولو تنتجوف الإبل, أي كما تلد الإبل, فالعرب كانت تطلق على ولادة الناقة (نِتَاج), "والنّْتَاج: اسم بهمع وضْعَ بصيع البهائم, وىو في الناقة والفرس, ومن ذلك قوبؽم: أنتجت الناقة إذا وضعت, ويُقاؿ: نُتج القوـ إذا وضعت إبلهم"(ٕ), وىي تدؿ على العناية والاجتهاد والكد في رعاية الإبل ما بهعلهم على علم تاـ بصحتها وسلبمتها من كل عيب . فالرسوؿ باختياره بؽذه اللفظة قصد أف يصور بؽم الإبل عندما تولد وىي صحيحة سليمة الأعضاء والأجزاء في كامل خلقتها , فإذا ما ارتسمت ىذه الصورة في أذىانهم بادرىم بقولو: " فهل تجدوف فيها جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟" فهذا استفهاـ منو أراد بو صياغة الصورة كوسيلة للئقناع , كما أنَّو أراد بو أف يقررىم فيو على ىذا الفعل الذي (ٔ) عروس الأفراح, مرجع سابق , جػٕ,:ٜٛٔ. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب الجيم, فصل النوف),:ٖٖٚ.
عدد الصفحات ١٤٥146 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يفعلونو ببهائمهم وىو تغييرىم بػلقتها , وفي تقدنً الضمير "أنتم" إنكار منو عليو الصلبة والسلبـ وتعجب واستغراب وتوبيخ بؽم على صنيعهم , فكاف الغرض من الاس تفهاـ إقرار ابؼخاطب بالفعل, مع كوف السائل يعلم بذلك (ٔ), فالرسوؿ باستفهامو"فهل تجدوف فيها جدعاء" ينكر على الصحابة صنيعهم ّٔذه الإبل وتغييرىم بػلقتها, وذلك زيادة في إقناعهم بالفكرة وابؼعن الذي يريده , فالرسوؿ كثيرًا ما يستخدـ الاستفهاـ في حواره مع أصحاب و, وذلك أبل في الإقناع بالفكرة , حيث تصل الفكرة أو ابؼعن الذي يريده عليو الصلبة والسلبـ إلى ابؼخاطب, فتتبلور ىذه ابؼعاني لدى ابؼخاطب في شكل حوار داخليٍّ عقليٍّ ذاتٍِّ ليأتِ الاقتناع بالفكرة وابؼعن اقتناعً ا تامِّ ا, وذلك أوقع وأبل . "فابعدع : القطع البائن في الأنف والأذف والشفة واليد وبكوىا, فالناقة ابعدعاء: التي قُطع سُدُسِ أذُنها أو ربعها أو ما زاد على ذلك إلى النصف "(ٕ), بدعن أنَّو قد غُيرّْ من خلقتها السَّوية, وتقدبيو للجار وآّرور في قولو "فيها جدعاء " للتنبيو على أنهَّا ولد ت سليمة غير بؾدوعة, واستخدامو للفظة (ابعدع ) فيها غلظة , وكأنَّو يستثير عاطفتهم ويستغرب من صنيعهم التشويهي وما يلحقو من ضرر. وقولو " :حتى تكونوا أنػتم" فػ"حتَّ" تفيد انتهاء الغاية, فهي توحي إلى أنَّو بعد أف تولد ىذه الإبل سليمة وبعد أف تبل غاية فتو تها يقوموف بِدعها, فهناؾ فترة زمنية تبدأ من ولادتها إلى أف بهدعونها , وىي الفترة التي تكوف فيها سليمة كما خلقها الله , ففيها إشارة إلى أفَّ ابؼولود يولد على الفطرة , فيظل فترة زمنية قصيرة على ىذه الفطرة وىي مرحلة الطفولة ابؼبكرة أي في مرحلة ابؼهد إلى أف يبدأ والداه في تغيير ىذه الفطرة بالتدريج , وىذا ما أوحت بو "حتَّ". وذكره للفعل ابؼضارع ىنا دليل على أنهَّا تولد صحيحة ابػلقة سليمة من التشويو, ثم ىم بعد ذلك في ابؼستقبل يقوموف بتغييرىا وجدعها وتشويهها , فكأنَّو تأكيد على أنهَّا تولد سليمة, ثم أردؼ بالضمير أيضً ا للئشارة على أنهَّم من يفعل ذلك ويغيروف في خلقة تلك البهائم التي تولد وىي سليمة صحيحة, وبؾيء الفعل بابؼضارع (بذدعونها) دليل على أفَّ ىذا التغيير إما (ٔ) عروس الأفراح, مرجع سابق ,جػٔ,:ٛٗ٘. (ٕ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب العين, فصل الجيم),:ٔٗ.
عدد الصفحات ١٤٦147 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بابعدع أو الوسم أو التشويو ىو عادة غالبة عند كثير بفن بيتلك ابغيوانات , وفيو دليل على ولادتها سليمة , وإبمَّ ا بودث التغيير فيما بعد, وىذه العادة كانت في ابؼاضي وابغاضر وسوؼ تستمر حتَّ في ابؼستقبل, يدؿ على ذلك بؾيء الفعل بابؼضارع , ونلبحظ أنَّو استخدـ الاستفهاـ في حواره مع الصحابة , وذلك أوقع وآكد في إقناع عقوبؽم بالفكرة التي يريدىا عليو الصلبة والسلبـ. ىذا التشبيو أراد أف يدلل بو عليو الصلبة والسلبـ على أفَّ كل مولود يولد على الفطرة, ولكن أبويو يغيراف تلك الفطرة التي أودعها الله فيو , {فِطْرَةَ الل وِ ال تِي فَطَرَ الن اسَ عَلَيػْهَا لاَ تػَبْدِيلَ لِخَلْقِ الل وِ }(ٔ) كذلك يفعلوف بإبلهم فيقوموف بتغيير خلقتها فيجدعونها, فهذا تشبيو يوافق ما يفعلونو بأبنائهم مستنبطين ذلك بفا يرونو في بؿيطهم. وبعد أف ارتسمت الصورة في أذىانهم مؤكدة صدؽ رسوؿ الله تبادر إلى أذىانهم أطفاؿ الكفار وما مصيرىم , فسارعوا بسؤاؿ رسوؿ الله بقوبؽم: " أرأيت من يموت صغيرً ا؟" فاستفهاـ الصحابة عن من كاف صغيرً ا لم يبل سنَّ التكليف ما مصيره؟ فسؤابؽم فيو تلهف مليء بالعاطفة وابغنو على مصير من كاف صغيرً ا, فردَّ عليهم بقولو: "الل أعلم بما كانوا عاملين", أي أفَّ الله عز وجل أعلم بدا سيكوف منهم لو مكثوا في ابغياة حتَّ سن البلوغ وما بعده, ومن ذلك "أفَّ الغلبـ الذي قتلو ابػضر طبع كافرً ا ولو عاش لأرىق أبويو طغيانً ا وكفرً ا, وقد أبصع من يعتد بو من علماء ابؼسلمين على أفَّ من مات من أطفاؿ ابؼسلمين فهو من أىل ابعنة, لأنو ليس مكلَّفً ا, وأما أطفاؿ ابؼشركين فهم من أىل ابعنة , ويستدؿ لو بأشياء منها حديث إبراىيم ابػليل عليو السلبـ حين رآه النبي في ابعنة وحولو أولاد الناس , قالوا: "يا رسوؿ الل وأولاد المشركين؟ قاؿ وأولاد المشركين "(ٕ), وفي ذلك دليل على أفَّ كل مولود يولد على الفطرة حتَّ أبناء ابؼشركين , فمن مات منهم وىو صغير كاف على الفطرة كما أخبر ,وبذلك يكوف من أىل ابعنة. (ٔ) سورة الروـ, الآية:ٖٓ. (ٕ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٛ,:ٕٚٓ-ٕٛٓ.
عدد الصفحات ١٤٧148 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وننتقل إلى صورة من صور الآخرة يصفها لنا عليو الصلبة والسلبـ , تلك ىي صورة حوضو فيصفو وصفًا رائعً ا يشمل كل جوانبو , ثم بىبر عليو الصلبة والسلبـ بأنَّو يطرد أناسً ا عن حوضو فيعمد إلى "الإبل" لوصف ىذه الصورة , فعن أَبِ ىُريرَةَ (ٖ) أفَّ رسوؿ الله قاؿ: {إِف حَوْضِي أَبػْعَدُ مِنْ أَيػْلَةَ (ٔ) مِنْ عَدَفٍ ,(ٕ) لَهُوَ أَشَدُّ بػَيَاضً ا مِنَ الثػ لْجِ , وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِالل بَنِ , وَلآَنِيَتُوُ أَكْثػَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوـِ , وَإِن ي لأََصُدُّ الن اسَ عَنْوُ كَمَا يَصُدُّ الر جُلُ إِبِلَ الن اسِ عَنْ حَوْضِوِ , قَالُوا يَا رَسُوؿَ اللِ أَتػَعْرِفػُنَا يػَوْمَئِذٍ ؟ قَاؿَ : نػَعَمْ , لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَِحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُوفَ عَلَي غُر ا مُحَج لِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ }(ٖ). فقد أراد الرسوؿ في ىذا ابغديث أف يػُحذّْر أمتو من أف يػُخالفوا منهجو وطريقتو السليمة الصحيحة, وحتَّ يُرغّْب أصحابو وأمَّتو في الاستقامة على ىديو ذكر بؽم في ىذا ابغديث صِفَة حوضو فقاؿ " :إِف حَوْضِي أَبػْعَدُ مِنْ أَيػْلَةَ مِنْ عَدَفٍ " فبدأ عليو الصلبة والسلبـ حديثو بالتأكيد بػ(إفَّ ) للمبالغة في بُعدِ ىذا ابغوض, بالإضافة إلى استخدامو صيغة التفضيل (أبعد) وذلك للتأكيد على البُعد, وذكره للبُعد ب(أيلة وعدف) يدؿ على كِبرَِ مساحة ابغوض, وىو الغرض من ذكر ابؼسافة بين أيػْلَةَ وعدف. ثمَّ وصف صِفَة ابؼاء في حوضو بقولو: "لَهُوَ أَشَدُّ بػَيَاضً ا مِنَ الثػ لْجِ " فرسوؿ الله يؤكّْد شدَّة بياضِ ابؼاءِ باستخدامو لصيغة التفضيل (أشد) أيضاً للمُبالغة في بياضو, فهو أشد بياضً ا من الثلج, والثلج عندما يتساقط وتشتَدُّ برودتُو يكوف في غاية البياض, أَضِف إلى ذلك أفَّ الشَّمس عندما تسطع على ىذا الثلج تضيف إليو بؼعانً ا وبريقً ا, فيصبح ىناؾ بياضٌ بفزوجٌ بلمعاف وىو أشدُّ أنواع البياض بصالاً . وربدَّا كاف غرض الرسوؿ من ىذا التَّشبيو أف يتخيَّل السامع بصاؿ ىذا ابؼاء في بياضو وبؼعانو, لذا كانت دقػَّتُو في اختيار بياض الثلج دوف غيره. (ٖ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ. (ٔ) أيلة, بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزـ مما يلي الشاـ. (انظر: معجم البلداف, ياقوت الحموي,جػٔ, باب الهمزة والياء,(بيروت: دار الفكر),:ٕٜٕ). (ٕ) عدف: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. (انظر:معجم البلداف, جػ٘, باب العين والداؿ, :ٜٛ). (ٖ) صحيح مسلم, مصدر سابق,جػٔ, :ٕٚٔ,كتاب الطهارة, باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء, حديث رقم:ٕٚٗ.
عدد الصفحات ١٤٨149 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما أضاؼ عليو الصلبة والسلبـ صفةً أخرى إلى ىذا ابؼاء, وىو قولو: "وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِالل بَنِ " فيُكرّْر عليو الصلبة والسلبـ بصيغة التفضيل بقولو: "أَحْلَى" وذلك للمُبالغة في شدَّة حلبوتو, فرسوؿ الله يَصِفُ ماءَهُ بأنَّو أحلى من العسل بالل , وقد اختار عليو السلبـ العسل بفزوجً ا باللبن, يدؿ على ذلك استخدمو حرؼ ابعر (الباء) الذي يدؿُّ على الالتصاؽ , وىذا يعنِ التصاؽ العسل باللبن , والتصاقهما يؤدي إلى امتزاجهما ببعضهما , وبؽذا التشبيو وَجَاىَتُوُ حيث إفَّ الرسوؿ لو شبَّو بالعسل وحده لكاف في ذلك حلبوة زائدة, وابؼعروؼ أفَّ في العسل حلبوة شديدة لا يستطيع الإنساف أف يأكل منو إلا كمية قليلة لشدة حلبوتو , كما أفَّ اللبن بوتوي في العادة على نوع معين من ابغموضة قد تكوف قليلة في بداية إنتاجو, ولكنها تزداد مع زيادة ابؼدة في إنتاجو فيصبح شديد ابغموضة , ولكي يكسر عليو الصلبة والسلبـ شدة حلبوة العسل وشدة بضوضة اللبن اختار تشبيو ابؼاء بحلبوة العسل باللبن فلب تطغى حلبوة العسل مع وجود اللبن , بل يصبح مُستساغً ا, ولا تطغى بضوضة اللبن مع وجود العسل فيصبح مستساغً ا أيضً ا, وىذا من بلبغتو في اختيار ابؼشبو بو لوصف حلبوة ابؼاء. ونلبحظ أنَّو عطف بػ "الواو"(ٔ) في ابعمل السابقة وذلك لاختلبؼ أوصاؼ ىذا ابغوض وتعددىا, ولأفَّ ىذه الأوصاؼ بصيعها بغوضو عليو الصلبة والسلبـ, فالعطف بػ"الواو" أوحى لنا بِماؿ ىذه الصفات وكثرتها وتعددىا . ثم ينتقل إلى وصف آنية ىذا ابغوض بقولو: "وَ لآَنِيَتُوُ أَكْثػَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوـِ ", فيؤكّْد عليو الصلبة والسلبـ على كثرة عدد ىذه النُّجوـ باستخدامو لصيغة التفضيل (أكثر) للمبالغة أيضاً في كثرتها, وابؼعروؼ أفَّ عدد النجوـ كثيرٌ جدِّ ا لا يعلم عددىا إلا الله عزَّ وجلَّ , منها ما اكتُشِف في العصر ا بغديث ومنها ما لم يُكتَشَف, لذا عَمَد إلى استخداـ عدد النجوـ في تشبيهو, كما أفَّ ىناؾ ميزة أخرى بؽذه النُّجوـ وىي أنهَّا لامعةٌ برَّاقةٌ , وىذا ما أراد عليو الصلبة والسلبـ أف يصف بو ىذه الآنية, فهي كثيرةٌ لامعةٌ كالنُّجوـ بساماً . بعد ىذه الأوصاؼ ابعميلة ابػلبَّبة التي وصف ّٔا عليو الصلبة والسلبـ حوضو , يُردِؼ قائلبً : "وَإِن ي لأََصُدُّ الن اسَ عَنْوُ كَمَا يَصُدُّ الر جُلُ إِبِلَ الن اسِ عَنْ حَوْضِوِ " فيخبر عليو الصلبة والسلبـ أنَّو يَصُدُّ النَّاس وبينعهم أف يَرِدُوا حوضَوُ ويشربوا منو, ويدؿ على ذلك قولو: "وإن ي" (ٔ) الوصل: ىو عطف الجمل بعضها ببعض والفصل تركو .(انظر:التلخيص في علوـ البلاغة,مرجع سابق , :٘ٚٔ).
عدد الصفحات ١٤٩151 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهذا فيو تأكيدٌ على فعلو وىو صدُّ الناس , وأيضً ا (اللبـ) في كلمة "لأَصُدُّ " فيو تأكيدٌ أيضً ا ومبالغةٌ في الصَّدّْ , ولفظة "صدَّ " ىي "أعرض" مع الردّْ والإبعاد فهي توحي باستيا ئو عليو الصلبة والسلبـ من صنيعهم بعده لذا كاف يصدىم عن حوضو (ٕ). ثمَّ يؤكّْد بتأكيدٍ آخر أكثر ترسيخً ا في ذىن أصحابو وىو تشبيهو بؽذا الصدّْ بقولو: " كَمَا يَصُدُّ الر جُلُ إِبِلَ الن اسِ عَنْ حَوْضِوِ " فهذا التشبيو مُنتػَزَعٌ من البيئة الصحراوية حيث كاف الرجل "يَذُودُ الإِبِلَ ذَوْدً ا"(ٔ) عن حوض إبلو, والصحابة يعرفو ف ذلك بسامً ا, لكن ما الذي أدى بالرسوؿ إلى استخداـ كل ىذه ابؼؤكّْدات وىذه التشبيهات في حديثو السابق؟ لقد وصف عليو الصلبة والسلبـ حوضَوُ بابؼساحة الواسعة الشَّاسعة, وبلونو الأبيض النَّاصع , وبدذاقو ابغلو ابؼعتدؿ, وبعدد آنيتو الكثيرة اللبمعة, ىذا ابغوض ّٔذه الأوصاؼ الدَّقيقة ابعميلة في ذلك اليوـ الصَّعب الشَّديد ابغرارة والناس عطشى يبحثوف عن ابؼاء , فإذا بِرسوؿ الله واقفٌ على ذلك ابغوض , يترؾ أناسً ا يشربوف ويصدُّ آخرين عنو , لقد كرر عليو الصلبة والسلبـ استخداـ "إفَّ " و"اللبـ" وصيغة التفضيل "أفعل" في التشبيهات التي عقدىا بؽذا ابغوض في قولو "إف حوضي , لهو أشد, ولآنيتو أكثر, وإن ي لأصدُّ ..", مع أفَّ ابؼخاطبين ىم الصحابة وىم مصدقوف بؼا بىبرىم بو عليو الصلبة والسلبـ غير منكرين , إلا أفَّ أوصاؼ ىذا ابغوض الذي أخبر عنو عجيبة مثيرة قد تبعث على التعجب والإنكار, بفا جعل الرسوؿ عليو الصلبة والسلبـ يستخدـ ىذه الأدوات والألفاظ لتأكيد صورتو التشبيهية . لكن ما الذي دعا رسوؿ الله إلى أف يفعل مثل ىذا الفعل؟ يقوؿ العلماء: إفَّ الذين يصدُّىم النَّبيُّ ىم"الػمُنافقوف والػمُرتدُّ وف الذين لم بيوتوا على ما ظهر من إسلبمهم, وقاؿ آخروف: إنهَّم الذين ارتدُّوا بعد وفاتو ولم يبقوا على إسلبمهم, وقيل: إنهَّم أصحاب ابؼعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد, وأصحاب البدع الذين لم بىرجوا ببدعهم عن الإسلبـ "(ٕ), وأيِّ ا كانوا فالذي بهمعهم ىو أنهَّ م خالفوا ما جاء بو من ابؽدى وابغق, لذا كانوا بفَّن قصد عليو الصلبة والسلبـ أنَّو يصدُّىم عن حوضو, ومن ىنا ندرؾ أبنية ىذه التشبيهات والتوكيدات التي ذكرىا عليو الصلبة والسلبـ , فهي أولاً ترغيبٌ بؽم في أف يكونوا بفَّن ثبت على ابغق واتبع منهجو فيفوزوا بالشُّرب من حوضو الكر , (ٕ) مختار الصحاح, مصدر سابق, (باب الصاد, مادة (ص د د),:ٖٚ٘. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب الداؿ, فصل الذاؿ),:ٛٙٔ. (ٕ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٛ,:ٕٚٓ-ٕٛٓ.
عدد الصفحات ١٥٠151 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وىي ثانيً ا برذيرٌ بؽم في أف بىالفوا ما جاء بو من ابغق , فيتبرَّأ منهم ويصدُّىم عن حوضو الشريف . لقد ُّٔر الصحابة بؽذا الوصف منو ,ورَغِب كل واحد منهم وبكن معهم في أف يشرب من ىذا ابغوض , وفي ابؼقاـ نفسو شعر الصحابة بابػوؼ الشديد من أف يكونوا بفن يصدُّىم رسوؿ الله عن حوضو, وخاصةً بعد أف شبَّو بؽم ىذا الصدَّ بصدّْ أحدىم إِبلَ غيرِهِ عن حوض إِبلو, فهم يعلموف ذلك جيدً ا, وترتسم بؽم ىذه الصورة بكل ما فيها من قسوةٍ وقوةٍ وشدَّةٍ في إبعاد أحدىم إبِل غيره عن حوض إبلو, وخاصة عندما تكوف ىذه الإبل عطشى فتزيد ضراوتها وىيجانها ما يصور ابعهد الذي يبذلو عليو الص لبة والسلبـ في صد الناس عن حوضو. فالعرب يعرؼ إبلَو وبييػّْزُىا عن غيرىا, ويقوـ بطرد الأُخرى وإبعادىا, وفي ذلك بذسيدٌ وإبرازٌ للذُّؿّْ وابػِزي وابؼهانة والعذاب وابؽلبؾ الذي يُصيبُ من يبدؿ ما كاف عليو ,فهذا ابؼاء لا يشرب منو إلا ابؼؤمنوف ابؼخلصوف النَّقية قلؤّم من الشركيات والبدع , فهي نقيةٌ كنقاء ىذا ابؼاء وصفائو وخلوصو من الشَّوائب. وفي ىذه اللحظة وصُورُ ىذا ابغوض تػتراءى بؽم, يتبادر إلى أذىانهم سؤاؿٌ في غاية ا لأبنية ألا وىو قوبؽم: "أَتػَعْرِفػُنَا يػَوْمَئِذٍ "؟ لقد دىش الصحابة كيف يعرفهم الرسوؿ من ب آلاؼ الناس بل آلاؼ الأمم؟ فأجأّم عليو الصلبة والسلبـ بقولو: "نػَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَِحَدٍ مِنَ الأُمَمِ " أجأّم عليو الصلبة والسلبـ بأنَّو يعرفهم حق ابؼعرفة , فهم بفيَّزوف عن غيرىم بسيما وىي "العلبمة"(ٔ) التي يعرؼ ّٔا أمتو. ولكن ما ىذه العلبمة؟ يقوؿ عليو الصلبة والسلبـ لأصحابو ولأمتو عامَّةً : "تَرِدُوفَ عَلَي غُر ا مُحَج لِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ " ىذه ىي ابؼيزة التي بسيَّزت ّٔا أمة بؿمَّد , "فالوضوءُ من خصائص ىذه الأمة"(ٕ), وقد شبههم عليو الصلبة والسلبـ بتشبيو في غاية ابعماؿ حيث شبو (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب الميم, فصل السين),:ٕٖٔ. (ٕ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق, جػٕ,:ٖ٘ٔ.
عدد الصفحات ١٥١152 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مواضع الوضوء في جباىهم بػ "البياض في جبهة الفرس "(ٖ) و"مواضع الوضوء في أيديهم وأقدامهم بالبياض الذي يكوف في يديو ورجليو "(ٗ). وقد عمد عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهو لاختيار الفرس لعلمو بدكانة ىذا ابغيواف عند العرب , فهو حيواف لا يُقدَّر عند العربّْ بثمنٍ لأبنيتو في حياتو, فهو صاحبو الذي لا بىذلو في حربو على أعدائو , وىو عزُّه وفخره الذي يكتسبو في السباؽ, وىو فوؽ ىذا كلو مالو الذي لا يفرط فيو بأي حاؿ من الأحو اؿ, من ىذا ابؼنطلق استعار عليو الصلبة والسلبـ في تشبيهو أثر الوضوء في الوجو واليدين والرجلين في الإنساف من البياض الذي يكوف في وجو الفرس ويديو ورجليو , ىذا التشبيو منو "بهعلنا إزاء صورة لونية يتركز البصر فيها على ابعزء الأبيض في الأيدي والأرجل , والعدد كبير جدِّ ا إذ تصورناه يوـ القيامة "(ٔ). فهذا التشبيو فيو بيافٌ بؼكانة الأمة الإسلبمية وفضلها , وأفَّ بؽا علبمة بفيزة يوـ القيامة تظهرىا بدظهر خاص وىو أثرٌ لعمل من أعمابؽا وىو الوضوء , أي أفَّ ابؼسلمين يأتوف {يَسْعَى نُورُىُمْ بػَيْنَ أَيػْدِيهِمْ وَبِأَيػْ مَانِهِم} (ٕ)"(ٖ). فيجسّْم ىذا التشبيو الأثر الدينِ للوضوء, فهو طهارة ظاىرة تنقي ابعسم من الأوساخ وىو طهارة باطنة تطهر الروح من الذنوب , وإحساس ابؼسلم ببرودة الوضوء يدفعو إلى المحافظة عليو, فهو في ابؼقابل يطفئ حرارة نار جهنَّم , وىو بصاؿ للنفس وإحساس بالنقاء والطاعة لله ولرسولو . لقد اعتمد عليو الصلبة والسلبـ في حديثو ىذا على عدة تشبيهات تضمنت ألفاظًا دلت على الزيادة في بعض الأوصاؼ باستخداـ صيغة (التفضيل), في إطار أسلوب اشتمل على الكثير من العناصر ابغسّْية التصويريَّة لتوضيح ابؼعاني وتقريػبها وربطها ببعضها البعض ربطً ا قويَّ الدلالة بؼا يتضمنو من عناصر ابؼساحة وابؼسافة في قولو " :أَبػْعَدُ مِنْ أَيػْلَةَ مِنْ عَدَفٍ ", (ٖ) مختار الصحاح, مصدر سابق, (باب الغين, مادة (غ رر),:ٔٚٗ. (ٗ) لساف العرب, مصدر سابق, (باب اللاـ, فصل الحاء),:ٗٗٔ. (ٔ) في ظلاؿ الحديث النبوي, نور الدين عتر, طٔ,(ٕٔٗٔىػ),:ٖٙٔ. (ٕ) سورة الحديد, الآية:ٕٔ. (ٖ) في ظلاؿ الحديث النبوي,مرجع سابق ,:ٗٙٔ.
عدد الصفحات ١٥٢153 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعنصر اللوف في قولو " :أَشَدُّ بػَيَاضًا مِنَ الثػ لْجِ ", ثم استخدـ توظيفو بغاسة الذَّوؽ في قولو: "أَحْلَى مِنَ العَسَلِ " ثم توظيفو لعناصر الطبيعة الصامتة في مثل قولو " :لآنِيَتُوُ أَكْثػَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوـِ " بالإضافة إلى تصويره للهيئات التَّشبيهيَّة لبياف أبنية ابؼوقف ابؼصوَّر, لقولو " :كَمَا يَصُدُّ الر جُلُ إِبِلَ الن اسِ عَنْ حَوْضِوِ " وقولو: "غُر ا مُحَج لِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ " حيث مزج اللوف الأبيض بالنُّور الذي يعبرّْ عن موضع السجود . "فصورتو التشبيهية اعتمدت على ابغسّْ ابؼباشر الذي يدركو ابؼشاىد ويتابعو وتتجسَّم بو الأشياء بذسُّمً ا واضحً ا بىلب النَّفس "(ٗ). وعندما بىتلف الصحابة ويدبُّ بينهم ابػلبؼ فإنَّو يصف ما حدث بينهم ويصف كراىيتو بؽذا ابػلبؼ , فيصفو وصفً ا بصيلبً معتمدً ا على صورة تشبيهية للئبل منتزعة من بيئتهم ليقرب بؽم ابؼعن الذي يريد وبوذرىم من العودة إلى مثل ذلك , فعن عوؼ بن مالك (ٔ) قاؿ: قػَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بضِْيػَرَ رَجُلبً مِنَ العَدُوّْ فَأَرَادَ سَلْبَوُ فَمَنػَعَوُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ وَكَافَ وَالِيً ا عَلَيْهِمْ , فَأَتَى رَسُوؿُ اللهِ عَوؼَ بنَ مَالِكٍ فَأَخْبػَرَهُ فػَقَاؿَ بػَِالِدٍ : {مَا مَنػَعَكَ أَفْ تػُعْطِيَوُ سَلْبَوُ ؟ قَاؿَ : اسْتَكْثػَرْتُوُ يَا رَسُوؿَ اللِ , قَاؿَ : أَدْفػَعُوُ إِلَيْكَ فَمَر خَالِدٌ بِعوْؼٍ فَجَر بِرِدَائِوِ ثُم قَاؿَ : ىَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُوؿِ اللِ , فَسَمِعَوُ رَسُوؿُ اللِ فَاسْتػُغْضِبَ فػَقَاؿَ : لاَ تػُعْطِوِ يَا خَ الِدُ لاَ تػُعْطِوِ يَا خَالِدُ , ىَلْ أَنػْتُمْ تَارِكُوفَ لِي أُمَرَائِي {إِن مَا مَثػَلُكُمْ وَمَثػَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػُرْعُيَ إِبِلاً أَوْ غَنَمً ا فػَرَعَاىَا, ثُػم تَحَي نَ سَقْيػَ هَا فَأَوْرَدَىَا حَوْضً ا فَشَرَعَتْ فِيوِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتػَ رَكَتْ كَدَرَهُ , فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ }(ٕ). حدثت ىذه "القضية في غزوة مُؤْتَة"(ٖ) بين أصحاب رسوؿ الله ,حيث علم رسوؿ ا ما كاف من أمر تهديد عوؼٍ بػالد والتجرُّؤ عليو , "فاستُغضِب" فعدَؿَ عن حكمو , وتوحي لنا لفظة "فاستُغضِب" أفَّ رسوؿ الله ليس بسريع الغضب إلا لأمرٍ يستحقُّ ذلك الغضب, (ٗ) التصوير الفني في الحديث النبوي, مرجع سابق ,:ٔٛ٘. (ٔ) عوؼ بن مالك الأشجعي, صحابي مشهور, سكن دمشق, ومات سنة ثلاث وسبعين.(الإصابة,جػٚ: ٙ٘٘). (ٕ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٖ,:ٖٖٚٔ, كتاب الجهاد والسير, باب استحقاؽ القاتل سلب القتيل, حديث رقم:ٖ٘ٚٔ. (ٖ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٙ,:ٗٙ.
عدد الصفحات ١٥٣154 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قاؿ عليو الصلبة والسلبـ: "ىَلْ أَنْػتُمْ تَارِكُوفَ لِي أُمَرَائِي", وىذا الاستفهاـ منو عليو الصلبة والسلبـ يصور شدة غضبو واستيائو من ىذا الفعل, ثم بينَّ أفَّ ىؤلاء الأُمراء الذين كُلّْفوا الولاية ىم من خيار الناس, وأحسنهم أمانةً ودينً ا, لم يسعوا إلى الإمارة ولم يطلبوىا لأنهَّم على علمٍ بِعِظَمِ أمرىا وشدَّة تكليفها , وحتَّ يُقرّْب بؽم عليو الصلبة والسلبـ ىذا الأمر قاؿ " :إِن مَا مَثػَلُكُمْ وَمَثػَلُ هُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتػُرْعِيَ إِبِ لاً أَوْ غَنَمً ا فػَرَعَاىَا ثُػم تَحَي نَ سَقْيػَ هَا فَأَوْرَدَىَا حَوْضً ا فَشَرَعَتْ فِيوِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتػَرَكَتْ كَدَرَهُ فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ ". ولننظر إلى قولو: "إِن مَا مَثػَلُكُمْ وَمَ ثػَلُهُمْ ", فػ(إبمَّا) ىنا تدؿ على علم الصحابة بأمرٍ مُسبَقٍ وىو ما حدث بين الصحابة ,"فهي بذيء بػبرٍ لا بههلو ابؼخاطب"(ٗ), بالإضافة إلى أنهَّا برمل معن التأكيد بؼا سيقولو عليو الصلبة والسلبـ, وقولو: "مَثػَلُكُمْ وَمَثػَلُهُمْ ", فاستخدامو لػ"مثل" في حديثو كاف "للدلالة على ابؼشأّة في ابؽيئة والصورة "(ٔ), و"توكيدً ا وتثبيتً ا لأمره "(ٕ) في أنفسهم , ثم قولو ":كَمَثَلِ رَجُلٍ ", فالكاؼ للتشبيو وتنكيره عليو الصلبة والسلبـ لػ(رجل ) تدؿ على العموـ, بدعن: أي رجل يكوف واليً ا على ابؼسلمين, وقولو: "اسْتػُرْعِيَ إِبِلاً أَوْ غَنَمً ا فػَرَعَاىَا", فلنتأمل كلمة (استرُعي) وما برملو من العطف والربضة من الوُلاة على رعاياىم ومن ولوا أمرىم, كما أفَّ الفعل ابؼبنِ للمجهوؿ يدؿُّ على أفَّ الأمير كُلّْف بالإمارة ولم يُؤمّْر نفسو , ثم قولو: "إِبِلاً أَوْ غَنَمً ا فػَرَعَاىَا", فالإبل من ابغيوانات التي تتصف بالصعوبة في رعيها , و إف لم بوسن الراعي معاملتها والاىتماـ ّٔا فربدا غضبت وحقدت على ىذا الراعي نتيجة لسوء معاملتو بؽا , بالإضافة إلى مكانة الإبل عند العرب , كما أفَّ الغنم تتصف بسهولة قيادتها ورعيها سواء أحسن الراعي بؽا أـ لم بوسن , وفي الرَّ عية من يكوف شديدً ا على الأمير لا بىضع لأمرٍ حتَّ بوُاج , ومنهم من ىو صاحب مكانةٍ مرموقة في قومو كالإبل بسامً ا, ومن الرعية من ىو سهلٌ واسع النفس مطيعٌ لأميره في العسر واليسر , بالإضافة إلى أنَّو صاحب مكانةٍ متواضعةٍ في رعيتو , وىذا كالغنم في ال رعي وفي مكانتها عند العرب , إذ إنهَّا أقلُّ مكانةً وأبنيةً من الإبل, وىنا نُلبحظ الدقة في اختيار ابؼشبو بو (الإبل أو الغنم) إذ إفَّ كلبً منهما بيثل طائفةً من الرَّعية, وقد (ٗ) دلائل الإعجاز, مصدر سابق,:ٕٗ٘. (ٔ) أدوات التشبيو, دلالاتها واستعمالاتها في القرآف, محمود موسى حمداف, طٔ,(القاىرة: مطبعة الأمانة, ٖٔٗٔىػ),:ٖٙ. (ٕ) معجم البلاغة العربية,مرجع سابق ,:ٖٙٙ.
عدد الصفحات ١٥٤155 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نُكّْرت اللفظتاف "إِبِلاً أَوْ غَنَمً ا" لتدؿَّ على التَّنوّْع في الرعية وعلى الكثرة , وىذا التنوُّع بوتاج من الأمير أو الراعي أف يكوف ذا حكمةٍ وحنكةٍ وقدرة على فهم النفسيَّات وطبائع البشر على اختلبؼ مشارّٔا وكيفية التواصل والتعامل معها . وقولو: "فػَرَعَاىَا" أي أنَّو قاـ بِميع حقوؽ الرعيَّة عليو ولم يفرّْط في شيءٍ منها , وقولو عليو الصلبة والسلبـ: "ثُػم تَحَي نَ سَقْيػَ هَا فَأَوْرَدَىَا حَوْضً ا فَشَرَعَتْ فِيوِ ", نُلبحظ ما في لفظة (برينَّ ) من حسن قياـ الوُلاة على شئوف الرعية, وما برملو من معن الانتظار وابغلم وحسن اختيار الأمور, وأفَّ الورد والسقي جاء بعد التحينُّ والترقُّب , يدؿ على ذلك حرؼ العطف "ثم" حيث كاف ىناؾ متسعً ا من الوقت مكَّن الراعي من البحث والتقصّْي ابؼتأنيّْ ليجد ابغوض ابؼناسب لِسقي إبلو أو غنمو بعد أف أحسن رعيها. وقولو: "فَأَوْرَدَىَا حَوْضً ا", أي حثَّها على أفضل الأمور وأحسنها, وقولو " :فَشَرَعَتْ فِيوِ ": "شرعت الدَّواب في ابؼاء: تَشْرَعُ شَرْعً ا: أي دخلت, والشَّريعَةُ والشّْراعُ والػمِشْرَعَة: ابؼواضع التي ينحدر ابؼاء منها, ؤّا بظُّْي ما شرع اللهُ لعبادِهِ شريعةً "(ٔ), ومن ىذا ابؼعن نفهم بؼاذا اختار عليو الصلبة والسلبـ لفظة (شرعت ) بدلاً من لفظة (شربت ), لأفَّ لفظة (شرعت ) تدؿُّ على أفَّ الرَّعية قد أخذت بدا جاء بو ىذا الوالي وبسكنت منو , يدؿُّ على ذلك حرؼ ابعر (فيو), بالإضافة إلى أفَّ ما جاءىم بو ىذا الوالي من الأمور إبمَّا ىي أمورٌ لا بزرج عن ما شرعو الله لعباده. ثم قولو " :فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتػَرَكَتْ كَدَرَهُ ", ىنا في قولو: "فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ " نُلبحظ أنَّو عليو الصلبة والسلبـ لم يقل (شرعت ) بل قاؿ (شربت ) لأفَّ الرعية في (شرعت ) قد تهيَّأت ودخلت في طاعة الأمير ثم بعد ذلك أخذت بالعمل في تنفيذ ما أمر بو ىذا الأمير من الأوامر ابغسنة الػمُؤدّْية إلى طاعة الله عزَّ وجلَّ , وقولو: "صَفْوَهُ ": "صَفْوَةُ كُلّْ شَيْءٍ خَالِصُوُ "(ٕ) أي أحسن وأيسر ما في تلك الأمور التي أمر ّٔا ىذا الأمير. وقولو: "وَتػَرَكَتْ كَدَرَهُ ","كَدَرُهُ بفتح الدَّاؿ: كَدَرَةُ ابغَوْضِ وَطِينُوُ "(ٖ), أي أنهَّا تركت ما يصعب عليها منو. (ٔ) لساف العرب, مصدر سابق, جػٛ, (باب العين, فصل الشين),:٘ٚٔ. (ٕ) المصدر السابق, جػٗٔ, (باب الواو, فصل الصاد),:ٕٙٗ. (ٖ) المصدر السابق, جػ٘,(باب الراء, فصل الكاؼ),:ٖٗٔ.
عدد الصفحات ١٥٥156 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولو: "فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ ", فابؼقابلة(ٗ) ىنا أدت إلى وفاء ابؼعن وبساـ الغرض, إذ إنَّو عليو الصلبة والسلبـ لو ذكر صفوة الأمور للرعية دوف أف يذكر كدره للولاة لكاف ذلك بؾالاً للبعتقاد بأفَّ صفو الأمور وكدرىا يكوف على الرعية دوف الولاة, ولكنَّ ذكر ابؼقابلة ىنا "فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ " أوضحت ابؼعن ابؼراد , لأفَّ الغرض من ابؼقابلة ىو بياف حصوؿ الرعية على حقوقهم , دوف كدٍّ أو تعب أو عناء , على عكس ما يلبقي الولاة من الشدائد والمحن والابتلبء في سبيل برقيق متطلبات الرعية أيِّ ا كانت, فقولو: "فَصَفْوُهُ لَ كُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ " "أي أفَّ الرعية يأخذوف صفو الأمور فتصلهم أُعطياتهُم وحقوقُهم بغير نكدٍ , وتػُبْتَلى الوُلاة بدقاساة الأمور وحفظِ الرَّعية والشَّفقة عليهم والذَّب عنهم وإنصاؼ بعضهم من بعض , ثم متَّ وقع عتبٌ في بعض ذلك توجو ذلك على الأُمرَاءِ دُوفَ النَّاس "(ٔ), ونشعر ّٔذه ابؼعاناة في لفظة (كدره ), فحروؼ ىذه اللفظة تدؿ على "الشّْدَّة والقلق والقوَّة"(ٕ), فالأمير يُعاني من الشدة مع الرعية في أوامر الله , ثم القلق وابػوؼ من التقصير مع ىذه الرعية , ثم إنَّو قد يضطر إلى استخداـ القوة مع الرعية إذا خرجت عما أمر بو الله عزَّ وجلَّ , فيعيش في صراعٍ ومعاناةٍ قد لا تظهر للرعية . لقد استخرج البياف النَّبويُّ من حالة ىذا الراعي وصفً ا رائعً ا للوالي الذي يلي أمر ابؼسلمين وأنَّو يقوـ دائمً ا على مصلحتهم وحاجاتهم وأنَّو يَكِدُّ من أجل سعادتهم واستقرارىم. ثم يوضح عليو الصلبة والسلبـ فضل التبكير إلى صلبة ابعمعة بالتدرج في أبنية ابغيواف ومنفعتو للئنساف فتكوف الإبل ىي في مقدمة تلك ابغيوانات فيعمد إلى التشبيو ّٔا أولاً , فعن أب ىريرة (ٖ) أفَّ رسوؿ الله قاؿ: {مَنِ اغْتَسَلَ يَوـَ الػجُمُعَةِ غُسْلَ الػجَنَابَةِ ثُػم رَاحَ فَكَأَن مَا قػَر بَ بَدَنَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث انِيَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَقَرَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث الِثَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ كَبْشً ا أَقػْرَفَ , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الر ابِعَةِ (ٗ) المقابلة: أف تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما .(انظر: الإيضاح في علوـ البلاغة , الخطيب القزويني, حققو وعلق عليو: عبد الحميد ىنداوي,طٕ(القاىرة: مؤسسة المختار,ٕٚٗٔىػ),:ٜٕٗ). (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي,مصدر سابق, جػٙ,:٘ٙ. (ٕ) سر الفصاحة, عبد الل بن محمد بن سعد بن سناف, شرح وتصحيح: عبد المتعاؿ الصعيدي,(مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده بميداف الأزىر),:ٕٓ. (ٖ) تقدمت ترجمتو ,:ٕٔٙ.
عدد الصفحات ١٥٦157 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَكَأَن مَا قػَر بَ دَجَا جَةً , وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَيْضَةً , فَإِذَا خَرَجَ الإِمَاـُ حَضَرَتِ الػمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُوفَ الذ كْرَ }(ٗ). لقد جعل الله عزَّ وجلَّ ىذه الأمة خير الأمم وأكرمها ّٔذا اليوـ العظيم الذي جعلو ميزة بؽا دوف غير ىا, وكاف من ىديو تعظيم ىذا اليوـ, وتشريعو وبزصيصو بعبادات بىتص ّٔا عن غيره من الأياـ, وبؼكانة ىذا اليوـ فقد حث عليو السلبـ أمتو على الاغتساؿ فيو والتطهر والتبكير إلى ابؼسجد للتنفل والعبادة , وجعل عليو الصلبة والسلبـ لكل ساعة من ساعات التبكير فضلبً معينً ا فقاؿ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوـَ الػجُمُعَةِ " فبدأ خطابو بِملة شرطية دلت على أفَّ ىناؾ أمرً ا مهمِّ ا سيكوف لو عظيم ابعزاء , فقاؿ عليو الصلبة والسلبـ: "من اغتسل يوـ الجمعة", فلفظة "اغتسل" تدؿ على فعل الغسل بالرغبة والقناعة ابؼطلقة , ونلبحظ تكرار الفعل "اغتسل, غسل" للفت الانتباه لأبنية الاغتساؿ يوـ ابعمعة , ثم جعل اليوـ معرفً ا بالإضافة ليحدد أي يوـ من الأياـ ىو؟ حيث وضح عليو السلبـ أنَّو يوـ ابعمعة, ثم بين نوعية الاغتساؿ وىو غسل"كغسل ابعنابة في الصفات"(ٔ) "وىو تشبيو مصدري بدعن اغتسل غُسلبً كغسل ابعنابة في الصفات"(ٕ), فحذفو لأداة التشبيو فيو حثّّ وبربيبٌ بؼثل ىذا الغسل, وبياف أبنية الاغتساؿ ّٔذه الصفات, ووجوب ذلك على كل مسلم ليقابل ملك ابؼلوؾ وىو في أتم طهارة وأفضلها . ثم حدد عليو الصلبة والسلبـ الزمن الذي يُذىب فيو للصلبة فقاؿ ":ثم راح", فاختيار الرسوؿ بغرؼ العطف (ثم) يوحي لنا بأبنية الاغتساؿ أولاً ثم الذىاب للصلبة, لأفَّ (ثم) تفيد "الترتيب والتراخي"(ٖ) وإلا لكاف عليو السلبـ اختار أيَّ حرؼ عطف آخر كػ(الفاء) الذي "يفيد الترتيب والتعقيب "(ٗ), بدعن أف يغتسل أولاً ثم يذىب مباشرة وقد حاف وقت صلبة ابعمعة, وذلك يقتضي بأف لا يكوف ىناؾ وقت بين الاغتساؿ والصلبة, وىذا يعنِ أنَّو لا (ٗ) صحيح مسلم, مصدر سابق, جػٕ,:ٕٛ٘,كتاب الجمعة, باب الطيب والسواؾ يوـ الجمعة, حديث رقم:ٓ٘ٛ. (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي,مصدر سابق, جػٖ, :ٖ٘ٔ. (ٕ) أثر التشبيو في تصوير المعنى,مرجع سابق ,:ٛٔٔ. (ٖ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,:ٜٚ. (ٗ) المصدر السابق,:ٜٚ.
عدد الصفحات ١٥٧158 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يبكػّْر في ابغضور إلى ابؼسجد وىذا معن التعقيب, أي أف يكوف ىناؾ "أمر ثم يتبعو ويعقبو أمر آخر مباشرة "(٘), وىذا ما لا يقصده عليو الصلبة والسلبـ, لذا كاف اختياره بغرؼ العطف (ثم) ىو الاختيار الأبل بعملتو وبؼقصده عليو السلبـ, إذ إفَّ حرؼ العطف (ثم) يفيد الترتيب والتراخي, يقاؿ: (رجلٌ رَخِيُّ الباؿ أي واسع ابغاؿ )(ٙ) فالتراخي يعنِ عدـ الإسراع , ومن ىنا نفهم أفَّ (ثم) تعنِ عدـ الإسراع في ابعمع بين الاغتساؿ والصلبة , وذلك لا يكوف إلاَّ بالتبكير في الاغتساؿ والذىاب إلى ابؼسجد قبل وقت الصلبة في طمأنينة وخشوع , وحتَّ يكوف ىناؾ متسع من الوقت للعبادة وقراءة القرآف والاستغفار , فػ"ثم" دلت على أنَّو قاـ بالاغتساؿ ّٔدوء وبسهُّل ما يولد الطمأنينة في نفسو فيذىب منشرح النفس مرتاح الباؿ, وىذا ما يستفاد من معن التراخي في "ثػم ", كذلك تدؿ على عناية ىذا الإنساف وحرصو على الاستعداد ليوـ ابعمعة , أما بقية الأصناؼ فجاء ذكر "الواو" معها دوف "ثم", فػ"ثم" ناسبت التبكير, و"الواو" ناسبت التعجيل والإسراع وىي حاؿ ابؼتأخر . وبعد ذلك يعمد عليو الصلبة والسلبـ إلى توضيح أبنية التبكير في الذىاب إلى الصلبة بقولو (راح) والرواح ىو "الذىاب أوؿ النهار وىو اسم للوقت من زواؿ الشمس إلى الليل", فذكر الزمن ىن ا "إبما كاف للحث في التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وبرصيل الصف الأوؿ وانتظارىا والاشتغاؿ بالتنفل والذكر وبكوه "(ٔ). ثم يوضح بعد ذلك ابعزاء بؼن بكَّر في الذىاب لصلبة ابعمعة فيقوؿ عليو الصلبة والسلبـ: " فكأن ما قػر ب بدنة ". فاختيار الرسوؿ لأداة التشبيو (كأفَّ ) دوف غيرىا من أدوات التشبيو يدؿ دلالة واضحة على تأكيد التشبيو(ٕ) وتثبيتو في نفوس الصحابة رضواف الله عليهم, ولأنهَّا تقوي التشبيو فتجعل ابؼشبو كأنَّو عين ابؼشبو بو(ٖ), فيقوؿ " :فكأنما قر ب" وابؼقصود بػ(قرب ) "أي: تصدَّؽ"(ٗ), وبعد ذلك يذكر عليو الصلبة والسلبـ ابؼشبو بو في التبكير (٘) مختار الصحاح, مصدر سابق, باب العين, مادة(ع ؽ ب),:ٗٗٗ. (ٙ) المصدر السابق, باب الراء, مادة(رخ ا ),:ٜٖٕ. (ٔ) صحيح مسلم بشرح النووي, مصدر سابق,جػٖ,:ٖ٘ٔ. (ٕ) عروس الأفراح,مرجع سابق ,جػٕ.:ٜٛٔ. (ٖ) حاشية الدسوقي, مصدر سابق,جػٕ,:ٜٛٔ. (ٗ) المصدر السابق, جػٖ, جزء ٙ,:ٖٙٔ.
عدد الصفحات ١٥٨159 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الساعة الأولى وىي (البَدَنَة), و(البدنة) ىي "ناقةٌ أو بقرةٌ تُنحر بدكة. بظُّْيت بذلك لأنهم كانوا يُسَمّْنونهَا"(٘) "وخصَّها بصاعة من الفقهاء بالإبل"(ٙ) وبسيل الباحثة إلى ىذا الرأي وذلك لأنَّو لو كاف مُراد الرسوؿ الإبل والبقر معًا بؼا ذكر عليو السلبـ البقر في التشبيو الثاني وكاف اكتفى بذكر (البدنة) في التشبيو الأوؿ. فرسوؿ الله يشبو ابؼبكّْر في الساعة الأولى لصلبة ابعمعة بدن تصدَّؽ بالإبل , فالتصدُّؽ بالإبل أفضل من التصدُّؽ بالبقر بدليل أفَّ الرسوؿ قدَّـ الإبل في التشبيو على البقر, ولأفَّ الإبل من ابغيوانات التي يُنتفَع بكل ما فيها "فهم يأكلوف بغومها ويشربوف ألبانها ويتخذوف من أوبارىا ملببسهم وخيامهم وبعض أثاث بيوتهم , وكانت إلى جانب ذلك وسيلة للبنتقاؿ, كما كانت أىمَّ العدد الضرورية للقتاؿ, فكانوا يعتمدوف عليها في السّْلم وابغرب, ومن ثمَّ أصبح بؽا في نظرىم قيمة عظمى , وبظَّ وىا (ابؼاؿ), فكانت ثروة الشخص تُقدَّر بدا بيلكو من ىذه ابغيوانات"(ٔ). من ىذه ابؼكانة والأبنية للئبل جعلها أوؿ ابغيوانات التي شبَّو ّٔا في الفضل في التبك إلى صلبة ابعمعة, فهي إبل ضخمة ابعسم قد بظُّْنت لغرض التصدُّؽ والتقرُّب ّٔا إلى الله عز وجل , فهي من أفضل القُربات عند الله عزَّ وجلَّ , بؽذا ذكرىا في أوؿ حديثو, قاؿ تعالى: {وَالْبُدْفَ جَعَلْنَاىَا لَكُم م ن شَعَائِرِ الل وِ لَكُمْ فِيهَا خَيػْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الل وِ عَلَيػْهَا صَوَاؼ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبػُهَا فَكُلُوا مِنػْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتػَر كَذَلِكَ سَخ رْنَاىَا لَكُمْ لَعَل كُمْ تَشْكُرُوفَ }(ٕ). ثم تدرج عليو الصلبة وال سلبـ في التشبيو فذكر تشبيهً ا آخر بؼن جاء في الساعة الثانية بقولو: "وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث انِيَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَقَرَةً " فرسوؿ الله يكرر التأكيد ابؼشبو الثاني بأداة التشبيو (كأفَّ ) "لأنَّو أبل وأقوى في الشبو"(ٖ), ولكن ابؼشبو بو في الساعة الثانية حيواف أقلُّ نفعً ا من الإبل ألا وىو البقر, فالبقر حيواف يُنتفع بلحمو وحليبو وجلده فقط, (٘) مختار الصحاح, باب الباء, مادة (ب د ف),:ٗٗ. (ٙ) صحيح مسلم بشرح النووي,مصدر سابق, جػٖ, :ٖٙٔ. (ٔ) الطبيعتاف الحية والصامتة في الشعر الجاىلي,بهيج مجيد القنطار,(بيروت-لبناف:دار الأفق الجديدة),:٘ٔٔ. (ٕ) سورة الحج, الآية:ٖٙ. (ٖ) عروس الأفراح, مرجع سابق ,جػٕ,:ٜٛٔ.
عدد الصفحات ١٥٩161 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وىو من ابغيوانات التي تُربى من أجل إنتاجها لا غير, بالإضافة إلى أفَّ حجمها أقل بكثير من الإبل, لذا عمد إلى ذكر البقر في التشبيو بؼن ذىب إلى صلبة ابعمعة في الساعة الثانية, فابؼنفعة ىنا أقل, و من ثمَّ فالأجر أقل من أجر الذي يذىب في الساعة الأولى. ثم يتابع حديثو بذكر فضل من ذىب في الساعة الثالثة بتشبيهو بدن تصدَّؽ بكبش فيقوؿ: "وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الث الِ ثَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ كَبْشً ا أَقػْرَفَ " فابؼشبو بو في ىذه ابؼرة أقل من ابؼشبو بو في الساعة الأولى والساعة الثانية, فالكبش أقل حجمً ا وأقل نفعً ا من البقر حيث يُستفاد من بغمو وجلده وقرنيو, بدليل وصفو بأنَّو(أقرف ) أي ذو قرنين , فيمكن أف يُستفاد من قرنيو , إلا أفَّ صغر حجمو مقارنة مع البقر يوضح صغر الثواب و قلتو بؼن تأخر حتَّ الساعة الثالثة عن صلبة ابعمعة. ويعود عليو الصلبة والسلبـ إلى التشبيو ليوضح تناقص الأجر والثواب في التأخير عن صلبة ابعمعة بقولو : " وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الر ابِعَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ دَجَاجَةً ", وابؼعروؼ عن الدجاج أنَّو أقل حجمً ا ومنفعةً من الكبش, حيث لا يُستفاد منها سوى بغمها وبيضها , وبغمها يُعدُّ أقل بكثير من بغم الكبش , فإنتاجها الغذائي قليل جدِّ ا مقارنة بالكبش , كذلك ثواب وجزاء من جاء في الساعة الرابعة يكوف أقل بكثير بفن جاء في الساعة الثالثة . ثم نصل مع رسوؿ الله إلى أقل الدرجات وىو من جاء في الساعة ابػامسة حيث قاؿ عليو الصلبة والسلبـ: "وَمَنْ رَاحَ فِي الس اعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَن مَا قػَر بَ بػَيْضَةً " والبيضة أقل حجمً ا ومنفعة من الدجاجة, بالإضافة إلى أفَّ ابغيوانات الأربع ة السابقة والتي شبو ّٔا عليو الصلبة والسلبـ تعدُّ كائنات حية يُستفاد منها ويُؤجر ابؼرء في القياـ عليها ورعايتها, أما البيضة فهي كائن جامد ليس للمرء أجر فيو بل ابؼنفعة فقط , وىذا يوضح مدى قلة الأجر والثواب بؼن جاء في وقت متأخر لصلبة ابعمعة , فناسب ذكر ابغيواف وحجمو وقدر منفعتو , وىو أمر حسي, ناسب درجات الثواب والأجر وابعزاء في التبكير لصلبة ابعمعة , "وابؼراد بالساعات ىنا إبمَّا كاف للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق, وبرصيل الصف الأوؿ وانتظارىا والاشتغاؿ بالتنفل والذكر وبكوه , وىذا كلو لا بوصل بالذىاب بعد الزواؿ , ولا فضيلة بؼن أتى بعد الزواؿ لأفَّ النداء يكوف حينئذ وبورـ التخلف بعد النداء , وقد أخبر النبي أفَّ ابؼلبئكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وىو كالػمُهدي بدنة, ومن جاء في الساعة الثانية ثم الثالثة ثم
عدد الصفحات ١٦٠