113 والمستحيل في العادة : هو كل أمر يخالف القانون المتبع باستمرار في نظام الكون, وكثيرا ما يكون هذا الأمر المستحيل في العادة أمرا ممكنا في العقل, لكن النظام المستمر في الكون –لذي لم نلاحظ تخلفه ا –جعل هذه الأمور من المستحيلات في مألوف الناس وما اعتادوا مشاهدته باستمرار دون تخلف, كإحياء الموتى, وتحويل العصا حية تسعى. والواجب في العادة : هو ضد المستحيل في العادة, وهو كل موجود لم نلاحظ في من وج النبات من الأرض, إلى غير ذلك العادة تخلفه, كآثار قانون الجاذبية, ونظام خر أنظمة لم نشاهد تخلفها. وهذا الواجب وجوده في العادة هو من الأمور الممكنة عقلا (412). ومادام الواجب العادي ممكنا عقلا فهذا يعني أن العقل يجيز تخلفه, لذلك قلت قال القرافي: العقل لا يحيل انخراق العادة (413). : العادة عبارة عن غلبة حصول الأمر بين الناس, والمعتاد الدسوقيالشيخ محمد قال ها, فغلبة إحراق النار لما مسته هو الأمر الغالب الحصول بين الناس, وخرقُها مخالفة حكم يقال له عادة, وعدم إحراقها لش يء مسته خرقٌ لتلك العادة, وعدم الطيران في الهواء غالب في الناس, فحصول المش ي ين الأصابع أمرٌ وعدم المش ي على الماء وعدم نبع الماء من ب لتلك العادة, وإنما سمي على الماء والطيران في الهواء ونبع الماء من بين الأصابع خرقٌ ا تشبيها له بخرق الش يء المتصل كالثوبالأمر المعتاد خرقً مخالفةُ (414). مع صحة ( العادة ذكروا في تعريف الحكم العادي قيد ولتجويز العقل انخراق قال السنوس ي: فيه تنبيه على جهالة م ن ف ه م أن الربط في العاديات كما سلف, التخلف ) بطريق اللزوم الذي لا يصح معه التخلف, فأنكر بسبب هذه الجهالة البعث , وإحياء الميت في القبر, والخلود في النار مع استمرار الحياة, لأن ذلك كلَّه عندهم على خلاف العادة ستمرة في الشاهد, والربط المقترن فيها لا يصح فيه التخلف عندهمالم (415). قال الغزالي: الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسبَّبا ليس ضروريا شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا, ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر عندنا, بل كل (412) العقيدة الإسلامية وأسسها (ص 79 - 71) (413) نفائس الأصول 5/2972 (414 )الدسوقي (ص 281) (415) شرح المقدمات (ص 11)
عدد الصفحات ١١٤114 أحدهما وجودُ الآخر, ولا من س من ضرورة وجود ولا نفيه متضمن لنفي الآخر, فلي والاحتراق ولقاء ,والشبع والأكل ,الآخر, مثل الري والشرب أحدهما عدمُ ضرورة عدم وإسهال البطن ,والشفاء وشرب الدواء ,والموت وجز الرقبة ,والنور وطلوع الشمس ,النار ت في الطب والنجوم واستعمال المسهل, وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنا والصناعات والحرف, وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا وخلق ,لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفرق, بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل ة مع جز الرقبة, وهلم جرا إلى جميع المقترناتاوإدامة الحي ,الموت دون جز الرقبة (411). ولهذا قال الدهلوي-في شرح حديث: " لا عدوى " (417) -: نفيُ العدوى لا بمعنى نفي أصل ها, لكن العرب يظنونها سببا مستقلا, وينسون التوكل رأسا, والحق أنَّ سببية هذه الأسباب إنما ت ت م إذا لم ي نعقدْ قضاءُ الله على خلافه, لأنه إذا انعقد أتمَّه الله ر أن من غي ينخرم النظام , والتعبير عن هذه النكتة بلسان الشرع أنها أسباب عادية لا عقلية(418). الواجب العقليبين و الذي يقبل التخلف م الفرق بين الواجب العادي ز ومن هنا ل , وكذا الفرق بين المستحيل العادي والمستحيل العقلي.يقبلهلا الذي وقد نبه على ذلك الإمام ابن دقيق العيد في كتابه «الاقتراح » وأشار إلى أن الرجل قد يتميز في علم الفقه لكنه يغفل عن الفرق بين تلك الأحكام , فقد ذكر أن باب الجرح تدخل فيه الآفة من وجوه, قال: وثالثها: الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأصحاب العلوم الظاهرة, فقد وقع بينهم تنافرٌ أوجب كلام بعض هم في بعض , وهذا غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافر بقواعد الشريعة, ولا أحصر ذلك في العلم بالفروع المذهبية, فإن كثيرا من أحوال المحقين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علمُ الفروع, بل لا بد مع ذلك من معرفة القواعد الأصولية, والتمييز بين الواجب, والجائز, وا لمستحيل العقلي, والمستحيل العادي, فقد يكون المتميز في الفقه جاهلا بذلك, حتى ي ع د المستحيل عادة مستحيلا عقلا(411). (411) تهافت الفلاسفة (ص237) (417) متفق عليه (418) حجة الله البالغة2/399 (411) الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص 51 - 19)
عدد الصفحات ١١٥115 : المستحيل ثلاثة أنواع: في شرح المسايرة ابن أبي شريفقال الكمال 1 –مستحيل لذاته, وهو المحال عقلا, كجمع النقيضين والضدين 2 –لا عقلا, كالطيران من الإنسان. ومستحيل عادة 3 –مستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه أو إخبار الله تعالى بعدم وقوعه (429). قال العز بن عبد ولهذا تقع للعلماء الإشارة إلى هذه الفروق في ثنايا كلامهم. مث و بعادة موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا, وإنما ه: في قواعده السلام مطردة أجراها الله في أرواح بني آدم (421) ,وقالالشيخ أحمد الصاوي في البلغة : حصول الموت لكل أحد واجبٌ عادي(422). ومثَّ ل الصاوي أيضا للواجب العادي بطلوع الشمس من المشرق (423). ليس في هأن ظهر لنا أحطنا بقسمة الحكم العقلي, والفرق بين العقلي والعادي,فإذا قال ابن تيمية العادة, بانخراقالتصديق سوى ات الأولياءكرامات الأنبياء و معجز يمان بالإ وكرامة الولي: و عندما ذكر معجزة النبي جماع هما الأمر الخارق للعادة (424). تقدم أن خرق العادة من جائزات العقول, إذ لا يلزم من فرض انخراق العادة و محالٌ عقلي. عجزة ليست من نوع المستحيل عقلا, فإنَّ مخالفة السير قال الشيخ محمد عبده: الم الطبيعي المعروف في الإيجاد مما لم يقُم دليلٌ على استحالته (425). فإن قيل: فهل تجوزون الكرامات؟ قلنا: اختلف الناس فيه, والحق قال الغزالي: قد و ند حاجته, وذلك ذلك جائز, فإنه يرجع إلى خرق الله تعالى العادة بدعاء إنسان أو عأن مما لا يستحيل في نفسه, لأنه ممكن, ولا يؤدي إلى محال آخر (421). (429) المسامرة (ص 282) (421) قواعد الأحكام 2/235 - 231 (422) بلغة السالك لأقرب المسالك 2/578 (423) السابق 2/111 - 117 (424) مجموع الفتاوى 11/312 (425) رسالة التوحيد (ص 85 - 81) (421) الاقتصاد في الاعتقاد (ص 251)
عدد الصفحات ١١٦116 شبهة اطراد القوانين الطبيعية وجوابها بن الصديق الغماري: التشبث بالسنن الكونية, والحكمُ بها على ا عبد اللهقال الشيخ ها: قصورٌ في العقل, ون قْصٌ في الإدراك, وضلالٌ في حكم الشرعخالق (427). قال ابن دقيق العيد: لأن لله تعالى أفعالا على حسب الأسباب العادية, وأفعا ب, فيقطع ما شاء سبب ومسبَّ على كل قدرته تعالى حاكمةٌ عن تلك الأسباب, فإنَّ خارجةً من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض (428). والعوالم, لأنه ما نظام الخلائق على نواميس لله تعالى حفاظٌ وقال ابن عاشور خلقها عبثا, فهو لا يغيرها إلا بمقدار ما تتعلق به إرادتُه من تأييد الرسل بالمعجزات ونحو ذلك(421). الشيخ محمد عبده: فإن قيل: إن ذلك لا بد أن يكون تابعا لناموس آخر طبيعي. قال الكائنات, فليس من المحال عليه أن يضع وجدُ قلنا: إن واضع الناموس هو مُ بخوارق العادات, غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها ولكنا نرى أثرها على يد خاصةً نواميس من اختصه الله بفضل من عنده, على أننا بعد الاعتقاد بأن صانع الكون قادرٌ مختار ا لأي سبب إذا وتابعً على أي هيئة ث الحادث حد يسهُل علينا العلم بأنه لا يمتنع عليه أن يُ في علمه أنه يحدثه كذلك سبق (439). قال الشيخ مصطفى صبري: نقول لمنكري المعجزات الخارقة لنظام العالم, وهم يدعون أنهم يؤمنون بالله: أليس واضع هذا النظام المسمى بسنة الكون هو الله؟ فكيف ر تقيدون الله بالنظام الذي هو واضعه بقدرته وإرادته واختياره؟ فهل يكون القادر المختا عاجزا عن تغيير ما وضعه متى شاء ذلك؟ أما أنه لم يغيره فيما رأيناه, وهو سنته, التي لن تجد عنه تحويلا, فذلك بالنسبة إلينا, ومعناه أنا لا نقدر على تبديل سنة الكون, فلا تكون النار إلا حارة محرقة لكل ما من شأنه الاحتراق, بموجب نظام العالم, ومصلحتنا في نظامه أنا نعتمد عليه مطلقا في أمورنا وحاجاتنا, وتحصل لنا منه قواعد استمرار النار وواضع نظامها, مضبوطة, ولكن نظام النار هذا مثلا الذي نحن مقيدون به لا خالقُ (427) إقامة البرهان على نزول عيس ى في آخر الزمان (ص 135) (428) إحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام (ص 188 - 181) (421) التحرير والتنوير 18/344 (439) رسالة التوحيد (ص 85 - 81)
عدد الصفحات ١١٧117 ليس بمانع أن يجعلها الله بردا وسلاما على نبيه وخليله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه تأييدا لرسالته من عنده (431). وقال محمد قطب: لقد قضت مشيئته –الطليقة –سبحانه –أن يجري الكون على سنة ثابتة, هي التي سمتها الجاهلية الحديثة " قوانين الطبيعة " نفورا من أن تسميها باسمها الحقيقي .. " سنة الله " . ولكنه حين يريد –سبحانه –أن يخالف هذه السنة –الثابتة بأمره –فمن ذا الذي يملك أن يقول له: لا ! إن قوانين الطبيعة لا تسمح بالتغيير ؟! ومن ثم تقع المعجزة, مخالفة للسنة الظاهرة الثابتة, وتكون جزءًا من سنة الله كذلك, التي هي الحتمية الوحيدة في هذا الكون .. الإيمان بالمعجزة لن يمنع و –كما فهم الجاهليون –الثابتة, من قيام العلم بقوانينه فلا تعارض على الإطلاق بين ظل العقيدة, وتقدمه فـي كل ميدان,ولا من قيام العلم في هذا وذاك. لقد قام العالم الإسلامي كله –وهو تراث ضخم يشهد للمسلمين بالبروز والتمكن – النهضة العلمية الحديثة في أوروبا, وخاصة المنهج الذي تولدت عنه كل مُ لْ ذلك الع تجرييبي الذي تقوم عليه كل العلوم الحديثة.. قام هذا العلم في ظلال العقيدة, في ظلال ال الإيمان بالمعجزة, بلا تعارض في قلوب المسلمين وتفكيرهم بين الإيمان بحدوث المعجزة والإيمان بثبوت سنة الله في الكون –التي يترتب عليها إمكان قيام البحث العلمي وتتبع دات هنتائج المشا –والحق لا يتعارض بعضه مع بعض إلا لأن هذه حقيقة وهذه حقيقة, في العقول الضيقة التي تعجز عن الشمول. إن "المشكلة" الكبرى في الذهن الأوروبي الضيق, هي أنه لو حدثت المعجزة حقا في أي ب عليه ه مترابط بقانون ثابت.. إذا حدث كذا ترته, لأنه كلَّ وقت لاضطرب نظام الكون كل حتما نتيجة معينة ! من الذي رتبها ؟ أليس هو خالقها ؟ فكيف يعجز الخالق –حين يريد –أن يرتب عليها نتيجة غيرها في لحظة معينة, لغاية عليا يريد تحقيقها.. ثم تسير في سنتها "المعتادة" بعد انقضاء هذه الغاية المرادة ؟ (432). (431) موقف العقل والعلم والعالم 1/41 (432) جاهلية القرن العشرين (ص 75 - 71)
عدد الصفحات ١١٨118 العادة خرق يقض ي باستحالةلا ه نفس م لْ العِ التالي: ه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال قال محمد باقر الصدر: ونواج كيف يمكن أن يتعطل القانون, وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر د هذه الطبيعي, وحدَّ للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعية ؟ وهل هذه إلا مناقضةٌ ؟ رية على أسس تجريبية واستقرائيةالضرو العلاقة كرة الضرورة في ه قد أجاب على هذا السؤال بالتنازل عن فنفس لم والجواب أن الع القانون الطبيعي. ذلك: أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة وتوضيحُ ل بهذا الاطراد على ستد ى يُ ظاهرة أخر د وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ر المنتظمة, فحين يطَّ قانون طبيعي, وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها, غير أن من صميم ضرورية بين الظاهرتين نابعةً العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقةً يمكن للتجربة تلك وذاتها, لأن الضرورة حالة غيبية, لا ها, وصميم هذه الظاهرة وذات ها, ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن والعلمي إثباتُ البحث الاستقرائي ووسائل القانون الطبيعي –كما يعرفه العلم –لا يتحدث عن علاقة ضرورية بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين, فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون ذلك فصما لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين. طبيعي لم يكن والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني, قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية, مفهومةً حداهما بالأخرى, إ فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطرد اقترانُ تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى , والضرورةُ ضرورة فالعلاقة بينهما علاقةُ الظاهرتين عن الأخرى, ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية. قتران أو التتابع دون أن لااستثنائية لهذا الاطراد في ا ة حالةً وبهذا تصبح المعجز تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة. وأما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية ولكنا نرى أنه يدل ,الحديثة في أن الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين د تفسير مشترك لاطراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار, وهذا على وجو
عدد الصفحات ١١٩119 التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية, كذلك يمكن بظواهر معينة الكون إلى ربط ظواهر م دعت منظ صياغته على أساس افتراض حكمة ث المعجزةعو أحيانا إلى الاستثناء فتحدُ ها تدأخرى باستمرار, وهذه الحكمة نفسُ (433). القوانين الطبيعية: الحق أنها قوانين هذه شأن ويقول الشيخ مصطفى صبري في موضوعة غير ناشئة من طبيعة الأشياء حتى لا يمكن تغييرها, ومعنى كونها قوانين أنها والوجوب, فلا يكون الضرورة مبلغ بالغ ا عاديا غير اطرادً الصدق مطردةُ قضايا كليةٌ ها ه محالا عقليا, لأن تلك القضايا مبنية على التجربة, والتجربة مهما اطردت نتائجُ خلافُ فلا تكفي في استناد القضية الضرورية إليها, ,ه بالاستناد إليهاالحديث وهواتُ وتبجح العلمُ رورة شرطا في القانون ... فإن كانت الضلأنها إنما تدل على العادة لا على الضرورة المنطقية " ... قال ش يء يصح أن يقال "قوانين طبيعيةفليس هناك ,الصدق عاديا اطرادُ ولم يكف ت في وقت من ثب أميل سسه: " إن العلم مع كونه ترقى كثيرا في مطالعة الطبيعة لم يُ الأوقات أن القوانين الطبيعية قوانين ضرورية هندسية " يعني أنها ليست مستحيلة تغيرال(434). نقله صاحبا كتاب ( قصة فيما "كانتإيمانويل " الألماني الفيلسوف وقد صرح بهذا التجربة تدلنا على " : " كانت"الشيخ مصطفى صبري, فقد قال أوردهالفلسفة الحديثة ) و لا يكون ما هو واقع, ولكنها لا تدلنا على أن هذا الواقع لا بد بالضرورة أن يكون هكذا, و وهي لذلك لا تمدنا بالحقائق العامة أخرى,على صورة (435), مع أن هذا الضرب من المعرفة هو ما تنزع إليه عقولنا بصفة خاصة, فالتجر بة توقظ العقل أكثر مما تقنعه, و مادام العقل في مكنته أن يصل إلى الحقائق العامة, مع أنها ليست من التجربة, فهو إذن مصدر العلم إلى جانب التجربة. و مثال من غير طريق التجربة, ه يدل على وصول العقل إلى المعرفة مثال أنصع لعلو ا, فلقد يجوز لك أن م اتحيل على التجربة أن نتقضها يومً يسالرياضة, لأنها يقينية, و مشرقة من الغرب في رب المشهودة منذ تاريخ الدنياعلى خلاف التجا نتصور الشمس (433) بحث حول المهدي لمحمد باقر الصدر (ص 35 - 38) (434) موقف العقل والعلم والعالم 4/39 - 31 (435) يريد بها المبادئ الأولى, التي يجيء بحثها في هذا الكتاب, ويذكر هناك أنها فطرية في الإنسان على المذهب المختار, غير مستفادة من التجارب. (مصطفى صبري)
عدد الصفحات ١٢٠121 قادرة على إحراق عصاك الخشبية, لظروف, فلا تعود أن النار قد تتبدل عليها االغد, و لكن لا تستطيع بحال من الأحوال أن تتصور العالم سيحدث فيه ما يجعل اثنين في و لا تحتاج الأبد, ومن الأزل, و اثنين لا تساوي أربعة, فهذه الحقيقة الرياضية ثابتة إلى لا تمدنا إلا التجربة ث, و قة مطلقة ضرورية لازمة الحدو لكسبها إلى تجربة, لأنها حقي نظام أحداث مفككة لا يطرد تتابعها, فقد تجيء في الغد على غير البإحساسات متفرقة, و .الذي جاءت به اليوم, أو أمس " " في هذه الأسطر المنقولة بصدد ما قاله "كانت م عْ يقول الشيخ مصطفى صبري: فن ها استنادُ الأبدية إلى أن السبب في قوة الرياضة اليقينية نبه العقل, و المقارنة بين التجربة و إلى العقل(431). ( التجربة تدلنا على ما هو واقع, ولكنها لا تدلنا على أن هذا : "كانت"قول قلت الواقع لا بد بالضرورة أن يكون هكذا, ولا يكون على صورة أخرى, وهي لذلك لا تمدنا تمدنا إلا بإحساسات متفرقة, وأحداث مفككة ) فيه بالحقائق العامة ) ( والتجربة لا حقق كليتها ة إنما هو قضايا جزئية ولا تتالتجربتفيده كون ماشارة لما قرره المناطقة من الإ إلا بضميمة قياس عقلي, فالحس المحض ينتج الجزئية ولا ينتج الكلية. يفيد إلا أن هذا قالوا: المشاهدات كلها جزئيات, فإن الحس الباطني مثلا لا فقد استفيد من الإحساس بجزئيات الجوع مؤلم, وأما الحكم على كل جوع أنه مؤلم فعقلي على علته, وكذا الحس الظاهر كاللمس لا يفيد إلا أن هذه النار حارة, وأما ذلك والوقوف الحكم على كل نار بأنها حارة فحكم عقلي مركب من الحس والعقل, لا حس ي مجرد (437). الغزالي: مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض, وأما الحكم بأن كل قال حجر هاو , فهي قضية عامة لا قضية في عين, وليس للحس إلا قضية في عين, وكذلك إذا درك إلا , فالحس لم يُ فحكم بأن جنس هذا المائع مسكرٌ ,رك رأى مائعا وقد شربه فس ولكن بواسطة الحس أو بتكرر ,ي الكل إذًا هو للعقلشربا وسكرا واحدا معينا, فالحكم ف الإحساس مرة بعد أخرى, إذ المرة الواحدة لا يحصل العلم بها, فمن تألم له موضع ه لم يحصل له العلم بأنه المزيل إذ يحتمل أن زواله بالاتفاق, عليه مائعا فزال ألمُ بَّ فص يخطر له أن إزالته بالاتفاق, فإذا فربما ,بل هو كما لو قرأ عليه سورة الإخلاص فزال (431) قصة الفلسفة الحديثة (ص273) , وموقف العقل والعلم والعالم لمصطفى صبري 1/253 (437) عليش (ص147)
عدد الصفحات ١٢١121 بأنه المؤثر, كما حصل وعلمٌ تكرر مرات كثيرة في أحوال مختلفة انغرس في النفس يقينٌ بأن الاصطلاء بالنار مزيل للبرد والخبز مزيل لألم الجوع. وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس ر بذلك القياس, لأنه لم يلتفت إليه ولم يشغله بلفظ, وكأن شعُ خفي ارتسم فيه ولم ي رد في الأكثر, ولو كان بالاتفاق ا اطَّ العقل يقول: لو لم يكن هذا السبب يقتضيه لم لاختلف (438). قال ابن تيمية: القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية, فنحن لم ندرك بالحس إ ك أن كل نار محرقةإحراق هذه النار وهذه النار, لم ندر (431). وقال أيضا: عامة الناس قد جربوا أن شرب الماء يحصل معه الري, وأن قطع العنق يحصل معه الموت, وأن الضرب الشديد يوجب الألم, والعلمُ بهذه القضية الكلية تجربي, فإن الحس إنما يدرك ريا معينا وموت شخص معين وألم شخص معين, أما كونُ كل م ن فُع ل به ذلك يحصُ ل له مثل ذلك, فهذه القضية الكلية لا تُ علم بالحس, بل بما يتركب من الحس والعقل (449). ق العادةاخر انالكلام جواز حاصل فلا شبهة في إمكان المعجزات, والذين ادعوا أنها محالات قال الشيخ مصطفى صبري: عقلية محال لم يميزوا ما هو غير واقع بالنظر إلى تجربتنا عما هو , في حين أن بينهما فرقا عظيما, لأن مما ليس بواقع المحال أخص (441), فهو يزيد على غير الواقع بعدم إمكان الوقوع, وفي حين أن التجربة الدالة على مجرد الوقوع أو اللاوقوع لا تصعد إلى مرتبة الحكم بضرورة الواقع وباستحالة غير الواقع, إذ الحكم بالضرورة أو الاستحا لة أو الإمكان من اختصاص العقل , وليس من شأن التجربة, فالإمكان أوسع نطاقا من الوقوع بكثير, والوقوع ضيق, وضرورة الوقوع أضيق, كما أن الاستحالة التي هي بمعنى عدم الإمكان أضيق من عدم الوقوع, فههنا خمس مراتب: الإمكان, والوقوع, وضرورة الوقوع, (438 )المستصفى (ص 37) (431) الرد على المنطقيين (ص 155) (449) السابق (ص 134) (441) فكل محال ليس واقعا, وليس كل ما ليس واقعا محالا, فعدم الوقوع لا يستلزم الاستحالة, لأنه أعم, والأعم لا يستلزم الأخص, كما هو معلوم من قاعدة التلازم بين الأعم والأخص. (زهران )
عدد الصفحات ١٢٢122 كم التجربة في الوقوع واللاوقوع فقط, حتى أن حالوقوع, فت وعدم الوقوع, واستحالة حكمها في اللاوقوع لا يكون كليا بتمام معنى الكلمة, أما الثلاثة الباقية فالحاكم فيها العقل. وقد يكون الممكن أمرا عظيما تقصر التجربة عن الوصول إليه, فيظنه قصيرُ ار تحرق نجدا فيظنه ضروريا, مثلا يرى ال الأمثال العقل مستحيلا, أو يكون الواقع كثير دائما ما من شأنه الاحتراق, فيحكم بأن إحراقها ضروري لا يمكن انفكاكه عنها. فإذن يكون منشأ إنكار المعجزات واستبعاد وقوعها إن لم تكن عقيدة المنكر قال: يس بج عْل المستبع د في نظام العالم أنه من طبيعة الأشياء لا يقبل الانفكاك عنها ول نظام العالم وكان مختارا في جاعل اختياري من الله, حماقةً محضة, إذ لا بد إذا كان الله جعله, أن يقدر على تغييره متى شاء ذلك. فالله تعالى في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب ن الأشياء ما جرت سنته فيها, ويكون هذا السلب خرقا منه للعادة لا خرقا للعقل حتى يكو محالا(442). قال الجويني: الاستمرار على حكم الاعتياد يعمي الذاهل عن سبل الرشاد (443). جملة من مسائل الإيمان بالغيب كعذاب القبر فيوقال ابن السبكي في خاتمة كلامه والصراط والميزان والمعراج ونحوها: وفي الغائب أمور لا يمنعها العقل, ولكن تُستبع د باطراد (444) العادة شاهدا بخلافها, وهذه الأمور كل ها ليس في العقل ما يمنعها, ولكنها لم تُعه د في الشاهد, فصار العقل الخسيف يحسبها مستحيلةً, وإنما هي ممكنة (445). بما ينبو عنه العقلُ د ر يستحيل على الوحي الإلهي والشرع الحق أن ي :قال الغزالي أن يرد بما يقصر الته. نعم ليس بمحال بمعنى أن يكون برهان العقل يدل على استح , وولا يستقل بالإحاطة بكنهه العقل عن إدراكه ليس كل ما لا يدركه العقل محالا في نفسه, بل لو لم نشاهد قط النار وإخراجها, فأخبرنا مخبر وقال: اصك خشبة بخشبة لا يبقى منهم واستخرج منهما شيئا أحمر بمقدار عدسة, فتأكل كل هذه البلدة وأهلها, حتى ش يء من غير أن ينتقل ذلك إلى جوفها, ومن غير أن يزيد في حجمها بل تأكل نفسها, فلا هذا الش يء ينبو عنه العقل, ولا يقبله, وهذه صورة النار, :نا نقول تبقى هي ولا البلد, لكُ (442) موقف العقل والعلم والعالم 4/31 - 33 (443) العقيدة النظامية (ص121) (444) الباء في (باطراد) سببية (زهران) (445 )السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور (ص 52 - 53)
عدد الصفحات ١٢٣123 ق ذلك, وكذلك قد يشتمل الشرع على مثل هذه العجائب التي ليست والحس قد صد , وإنما هي مستبعدة, وبمستحيلة فرق بين البعد والمحال , فإن البعيد هو ما ليس بمألوف, والمحال ما لا يتصور كونه اهـ (441). : وإذا علمت أن المعجزة إنما هي من خوارق لطبيعية على وقوعها, ذلك لأن استمرار الظواهر ا حيل إمكان العادة, أدركت أن العقل لا يُ نسقها المألوف الذي نراه ليس شيئا ضروريا يفرضه العقل فرضا, وإنما هو مما نسجته العادة وتكون بفعل الأسباب الجعلية, وما يلحق هذه الخوارق من التعجب منها أو تها عن المشاهدة والمألوفالاستنكار لها إنما هو بسبب غراب (447). المسيح عيس ى بن مريم عليه السلام: ومما من أنكر نزول شأن قال الكوثري فيو يؤسف له أن يوجد بين صفوف حراس الدين من تتغلب عليه شهوة الظهور بالتجرؤ على العقيدة المتوارثة جريا وراء الاستبعاد العقلي المجرد فيما لا يحيله العقل , مع توارد هاالكتاب والسنة وإجماع علماء أهل السنة والجماعة على تحتم الأخذ ب (448), ولا يكون ذلك إلا تزندقا مكشوفا في سبيل التجدد, وفي مثله يقول الشاعر العربي: تزندق معلنا ليقول قوم ... من الأدباء زنديق ظريف فقد بقي التزندق فيه وصما ... وما قيل الظريف ولا الخفيف الله وليس ش يء أثقل من ذلك على نفوس الأباة الكرام, ومحاولة المرء لوزن قدرة جل جلاله بمعياره الخاسر العيار, وعقله القاصر عن اكتناه جزء من الكون فضلا عن اكتناه صفة من صفات مكون الأكوان, تدل على أنه مصاب في عقله قبل أن يصاب في دينه, والركض وراء ذلك الاستبعاد المجرد يدل على فقد الإيمان بالغيب, و الاقتصار على المحسوس شأن البهيم فنعوذ بالله من الخذلان , (441). (441) دلائل التوحيد للقاسمي (ص 127 - 128) (447) كبرى اليقينيات الكونية (ص 214) (448) وقد ذكر القاض ي أبو الحسين في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال: « من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل مو صولة, بلا قطع في سندها, ولا جرح في ناقليها, وتجرأ على ردها, فقد تهجم على رد الإسلام, لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت ». الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر لحمود التويجري (ص 11 - 29) (441) مقدمة الكوثري لكتاب «إقامة البرهان على نزول عي س ى في آخر الزمان » لعبدابن الصديق الغماري (ص 4) , وهي موجودة في مقالات الكوثري (ص 257 - 219)
عدد الصفحات ١٢٤124 وز د عليه قول ابن ( والاقتصارُ على المحسوس شأنُ البهيم ) :وانظر قول الكوثري خلدون في المقدمة: ( لو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات ) (459). لتعلم أن كثيرا ممن يتدثرون حقيقةُ المحسوس العلم اليوم وينكرون غير بدعوى .إنسانفي مسلاخ الواحد منهم: حمارٌ السلطان ملكشاه جلال الدولة بن وقد حاول بعض السفهاء من أسلافهم إغواء ألب آرسلان السلجوقي (451) بتشكيكه في وجود الصانع فكتب له أبو الوفاء ابن عقيل رسالةً يدله فيها على سبيل الرشاد وال سداد, وقد أوردها الحافظ ابن رجب في ترجمة ا بن عقيل من «ذيل طبقات الحنابلة » فقالوكتب ابن عقيل إلى السلطان جلال الدولة "ملكشاه", وقد كانت الباطنية أفسدوا عقيدت ه, ود ع وه إلى إنكار الصانع: أي ها الملك, اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس, فإذا أرباب العقول الصحيحة, وذلك أن لنا موجودات ما نالها ن بدوه جح دوه, وهذا لا يحسُ ف ق ها لقيام العقل على إثباتها, فإن قال لك ولا يمكننا جحدُ ,ولم يجحدْها العقلُ ,الحس ن ههنا د خل الإلحادُ على جُه ال العوام, الذين فم إلا ما ترى, تْ ثب من هؤلاء: لا تُ أحدٌ الطويلة العميقة, التي تنمى ولا لنا هذه الأجساد يستثقلون الأمر والنهي, وهم يرون أن مة, كالطب, والهندسة, فع ل موا أن ذلك ر عنها الأعمال المحك تفسد, وتقبل الأغذية وتصدُ هذه الأجساد المستحيلة, وهو الروح والعقل, فإذا سألناهم: هل عن أمر وراء صادرٌ , لكننا أدركناهُما من طريق أدركتم هذين الأمرين بش يء من إحساسكم ؟ قالوا: لا حيث فقدتموه يرات, قلنا: فما لكم جحدتم الإلهالاستدلال بما ص در عنهما من التأث حسًا, مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم, وإدارة الأفلاك, وإنبات الزرع, وتقليب لكن شهدت بهما ركهما الحس, ده لا يالأزمنة, وكما أن لهذا الجسد عقلاً وروحًا بهما قوامُ أد لةُ العقل من حيث الآثار, كذلك الله سبحانه -وله المثل الأعلى -ثبت بالعقل, لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه, وإتقان أفعاله. إلى السلطان مع بعض خواصه. قال: فحكى لي أنه أعادهُ عليه وأرسل هذا الفصل ما يقولون لهفاستحسنه, وه شَّ إليه, ولعن أولئك, وكشف إليه (452). (459) المقدمة (ص582) (451) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي 11/54 - 58 (452) ذيل طبقات الحنابلة 1/339 - 331
عدد الصفحات ١٢٥125 أولئك الباطنية ف ل لخ العقاد عباس وقد نقل الشيخ مصطفى صبري مقارعة 41 - أن قد أحس الإنسان قبلو هو يفكر حسيا, أو يفكر ه ردح من الدهر في بداية شأنه, و يفكر, فلا جرم ينقض ي علي لموس, فكل ما هو منظور لمسيا, فلا يعرف معنى الوجود إلا مرادفا لمعنى المحسوس, أو الم دق عن السمعأو لى النظرفيه, وكل ما خفي ع أو مسموع, فهو واقع لا شكَّ أو ملموس دوم سواء.اللمس, فهو والمعو الإنقاذ من هذه وقد كان للحاسة الدينية فضلُ الجهالة الحيوانية , لأنها جعلت م الإنسان أن علَّ فت مستقر فناء في الأخلاد والأوهام, وجود, ولم تتركه الخفاء مستقرَّ م عال ش يء لا يراه, ولا يلمسه بيديه يؤمن بوجود (453), وكان هذا "فتحا علميا", على نحو من الأنحاء, ولم ينحصر أمره في عالم التدين والاعتقاد, لأنه وسَّ ع آفاق الوجود, وفتح (453) قلت: وهذا هو الإيمان بالغيب الذي أثنى تعالى على أصحابه أول كتابه فقال: ( الَّذ ين يُؤْم نُون ب الْغ يْب ) قال القاسمي في « محاسن التأويل » 1/244 :المعنى: يؤمنون بما لا يتناوله ح س هم, كذاته تعالى وملائكته, والجنة, والنار, والعرش والكرس ي, واللوح ونحوها اهـ . ك بالحواس مما أخبر الرسول صلى در المراد بالغيب: ما لا يُ الله عليه وسلم صريحا بأنه واقع أو سيقع مثل وجود الله, وصفاته, ووجود الملائكة, والشياطين, وأشراط الساعة, ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وهذه كلها من عوالم الغيب اهـ والذي يميل إليه القلب أنه -يعني الغيب -ما أخبر به وكتبه ورسله واليوم الآخر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام وهو الله تعالى وملائكته ذلك وكونُ ,لا سيما وقد انضم إليه الوصفان بعده ,لأن الإيمان المطلوب شرعا هو ذاك ,والقدر خيره وشره مستلزما لإطلاق الغيب عليه سبحانه ضمنا -والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغيبة -إذ ,ر مما لا يضُ على أنه لا نسلم أن الغيب لا يستعمل إلا ,فهذا ليس من قبيل التسمية ,صهليس فيه إطلاقه عليه سبحانه بخصو ,الله تعالى غيب وليس بغائب :وبعض أهل العلم فرق بين الغيب والغائب فيقولون ,فيما يجوز عليه الحضور ويعنون بالغائب ما لا يراك ولا تراه وبالغيب ما لا تراه أنت اهـ . لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقص ى أصبح صديق فإنه قلت: رض ي الله عن أبي بكر ال يتحدث الناس بذلك, فارتد ناس -فيمن كان آمنوا به وصدقوه وسمعوا بذلك -إلى أبي بكر رض ي الله عنه, فقالوا: , قال: لئن كان قال هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس, قال: أ و قال ذلك؟ قالوا: نعم ذلك لقد صدق, قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم, إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة, فلذلك سمي أبو بكر الصديق. رواه الحاكم, وصححه 1 /115 .
عدد الصفحات ١٢٦126 البصيرة للبحث عنه في عالم غير عالم المحسوسات والملموسات ولو ظل الإنسان ينكر بل خسر معها العلوم والمعارف ها,ر بذلك الديانات وحد كل ش يء لا يحسه لما خسِ وقيم الآداب والأخلاق . اديون في الزمن الأخير, ويجيء الم وإصلاح للعقول, مٍ تقد فيحسبون أنهم جماعة رجعون القهقرى إلى ما عدا المادة ي وتقويم لمبادئ التفكير, والواقع أنهم في إنكارهم كل مد عصور في القِ الأعرق (454), ليقولوا للناس مرة أخرى: إن الموجود هو المحسوس, وإن المعدوم في الأنظار والأسما ع معدومٌ كذلك في ظاهر الوجود وخافيه, وكل ما بينهم وبين همج البداءة من الفرق في هذا الخطأ , أن حسهم الحديث يلبس النظارة, ويضع المسماع على أذنيه ! العلم الأمين, حين يلتزمون حدود النفي, ويحسبون على هذا أنهم يلتزمون حدود ي مسألة الوجود, بل مسألة الآباد التي لا ويصرون عليه في مسألة المسائل الكبرى, وه ينقطع الكشف عن حقائقها في مئات السنين, ولا ألوف السنين, ولا ملايين السنين؛ ونحن لا نستطيع أن نقول "لا" إلى آخر الزمان في مسألة من مسائل الحجارة, أو المعادن, أو الأعشاب, أو مسائل البيطرة, و علاج الأجسام. أو ينكرون, ن يثبتون بشري على أبواب محكمة يخاصم فيها مليس النوع الو هو جالس في مكانه أن يثبتوا له ما ينفيه, ولايهتدي إليه بالعين والمجهار.ويتحداهم و ولكنه على الأقل أمام "معمل للتجارب", يبدأ فيه البحث, ويعيده, ثم يبدأه, ويعيد م يكد يبدأ البحث في مسألة الآباد في كل عصر على ضوء جديد, وهو أمام الكون خاصة ل إلا منذ مئات معدودة من السنين, فياله من علم بديع, هذا العلم الذي يقطع بالنفي إلى آخر الزمان..... دون أن يتردد, أو ينتظر مفاجآت الزمان. (454) من لطيف ما رأيته للشيخ محمد بن صالح العثيمين قوله في شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( اللَّهُمَّ أ مْض لأصْح ابي ه جْر ت هُمْ ولا ت رُدَّهُمْ ع ل ى أعق ابهمْ ) قال: قوله: ( ولا تردهم على أعقابهم ) أي: لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون على أعقابهم, لأن الكفر تأخ رٌ, والإيمان تقدم, وهذا على عكس ما يقوله الملحدون اليوم؛ حيث يصفون الإسلام بالرجعية, ويقولون: إن التقدمية: أن ينسلخ الإنسان من الإسلام, وأن يكون علمانيا؛ يعني أنه لا يُف ر ق بين الإيمان والكفر -والعياذ بالله -عة, فالإيمان هو التقدم في ولا بين الفسوق والطا الحقيقة. المتقدمون هم المؤمنون, والتقدم يكون بالإيمان, والردة تكون نكوصا على العقبين؛ كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام -1 /47
عدد الصفحات ١٢٧127 ه يقوم على أساس الإيجاب والترقب, ولا يقوم على أساس النفي والواقع أن العلم كل وما من حقيقة علمية إلا وهي تطوي في سجلها تاريخا من تواريخ الاحتمال والإصرار, والرجاء والأمل في الثبوت, وإن تكررت دواعي الشك بل دواعي القنوط. لات, غث الإنسان عن العقاقير, وبحث عن المعادن, وبحث عن الثمرات, والح فب وهذه هي من إصرار إلى إصرار,إيجابا وثبوتا, ولا تنتقل من نفي إلى نفي, و ترتقببروح فلماذا تكون روح العلم إصرارا من شؤون البيوت والأسواق, روح العلم أمام الصغائر محضا, وإنكارا متلاحقا على غير إحساس, وبغير ترقب, أو انتظار في كبرى المسائل على الإطلاق ؟ الأجسام عن وأجدر الأزمنة أن يتبدل فيه هذا الموقف, هو الزمن الذي تكشف فيه عنصرها الأول, فإذا هو إشعاع, أو حركة في فضاء, فاقترب الوجود المادي نفسُه من عالم المعقولات, والمقدورات, وتقرر لنا أن الحواس لا تستوعب معنى الوجود في الصميم, لأن تجرما زوال العدم هو الصفة الوحيدة اللازمة للوجود, ولا يستلزم زوال العدم تجسما ولا التي تتمثل بها الأجسام للحواس, بل يكفي حركة مقدورة, أو كثافة من هذه الكثافاتولا ظاهر من أسرار المعنى كأنه من طبيعة المعقولات, فما أضيق النطاق الذي بقي للحس يتسع مع الزمان, ولا نحبسه في مجالا وللبداهة وما أحرانا أن نفسح للوعي الكوني الوجود. ق, حتى يسقط من الحسبان.نطاق يضيق, ثم يضي من السنين, ولم الألوفوالإنسان قد رأى نور الشمس والكواكب بعينيه منذ مئات يقبس نور الكهرباء من ينبوع الضياء الكوني إلا في هذا القرن الأخير, فتدرج من قدح ا في هذ ,الحجر, إلى حك الحطب, إلى فتيلة الدهن, إلى غاز الاستصباح, إلى نور الكهرباء الأمد الطويل من الدهور وراء الدهور. فوعيه الباطن لم يقصر عن وعي عينيه في هذا الشوط البعيد, لأنه تنقل من عبادة الحص ى والحشرات إلى عبادة الإله الواحد في بضعة آلاف من الدورات الشمسية, وجاز من فكره على لنا أن نقول إن ضميره كان أسرع من عينيه إلى اقتباس الضياء, وكان أقدر م مقاده لكل سل كظلام الليالي والكهوف, يُ ظلامالم يكن إنه وأي ظلام؟ ,مغالبة الظلام تجوس فيه مردة الجهل, وشياطين العادات, د؛ ولكنه كان ظلاماقادح زند, أو نافح عو فإن دل ذلك على ش يء, فإنما يدل على حاجة الضمير إلى ذلك وأبالسة المطامع والشهوات. ».
عدد الصفحات ١٢٨128 هذه القيمة جدا, لا تحتاج إلى أي كلمة الأستاذ العقادقال الشيخ مصطفى صبري تعليق منا سوى أن نقول: إنه حارب فيها أصحاب العلم الحديث المادي القاصرين على دون أن يترددوا, كما قال ,الباتَّ تعويلهم على المحسوسات, والنافين لما وراءها النفي الأستاذ, أو ينتظروا مفاجآت الزمان, ودون أن يفسحوا للوعي الكوني والبداهة, إلا نطاقا حاربهم فهزمهم هزيمة منكرة يق ثم يضيق, حتى يسقط من الحسبان,يض (455). ما لا يدرك كل أن إنكار :رأيت كلاما مجودا لمحمد باقر الصدر قضيته وقدقلت التجريبي نفسه, فبئست المنهجهدم نفسه و يالعلم البحثأساس نقضيستلزم بالحواس الهدم.النقض و دعوى تعود على مذهب صاحبها ب : ولنقف قليلا عند أولئك الذين يقدسون التجربة والحس ن ولم يبره العلمي, ويعلنون بكل صلف, أننا لا نؤمن بأي فكرة, ما لم تثبت بالتجربة, عليها عن طريق الحس. وما دامت المسألة الإلهية مسألة غيبية, وراء حدود الحس والتجربة, فيجب أن نطرحها جانبا, وننصرف إلى ما يمكن الظفر به في الميدان التجربي, ؟ وماذا تعنون برفض لتجربةمن حقائق ومعارف.. نقف عندهم لنسألهم, ماذا تريدون با ؟ن عليها من الحسكل عقيدة لا برها فإن كان فحوى هذا الكلام, أنهم لا يؤمنون بوجود ش يء, ما لم يحسوا بوجوده بأحد حواسهم, فقد رة ما لم يدركوا واقعها الموضوعيإحساسا مباشرا, ويرفضون كل فك ه, وأبطلوا جميع الحقائق الكبرى, المبرهن عليها بالتجربة نسفوا بذلك الكيان العلمي كلَّ اه الإحساس المباشر بتلك فإن إثبات حقيقة علمية بالتجربة ليس معن سونها,التي يقد فـ ( نيوتن ) في الميدان التجريبي, الحقيقة –مثلا -حين وضع قانون الجاذبية العامة, على ضوء التجربة, لم يكن قد أحس بتلك القوة الجاذبية, بش يء من حواسه الخمس, وإنما ى محسوسة, لم يجد لها تفسيرا إلا بافتراض وجود استكشفها عن طريق ظاهرة أخر القوة الجاذبة, فقد رأى السيارات لا تسير في خط مستقيم, بل تدور دورانا, وهذه الظاهرة لا يمكن أن تتم –في نظر نيوتن –لم تكن هناك قوة جاذبية, لأن مبدأ لو رض عليه أسلوب يف في اتجاه مستقيم, ما لم الذاتي يقض ي بسير الجسم المتحرك القصور فانتهى من ذلك إلى قانون الجاذبية, الذي يقرر أن السيارات آخر من قوة خارجية, تخضع لقوة مركزية, هي الجاذبية. (455) موقف العقل والعلم والعالم 1/253 - 251
عدد الصفحات ١٢٩