97 مُقر وإلى جاحد, ولذلك قال تعالى و ل ئ نْ س أ لْت هُمْ م نْ خ ل ق هُمْ ل ي قُولُنَّ اللَّ هُ ) , معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم, ( ف طْر ت اللَّه الَّت ي ف ط ر النَّاس ع ل يْه ا ) أي: كل آدمي فُط ر على الإيمان بالله عز وجل, بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه, أعني أنها كالمُض مَّنة فيها لقرب استعدادها للإدراك, ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى قسمين: إلى من أعرض فن س ي, وهم الكفار, وإلى من أجال خاطر ه فتذكر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها, ولذلك قال عز وجل: (ل ع لَّهُمْ ي ت ذ كَّرُون ) ( و ل ي ت ذ كَّر أُولُو الأْ لْب اب ) ( و اذْكُرُ وا ن عْم ة اللَّه ع ل يْكُمْ و م يث اق هُ الَّذ ي و اث ق كُمْ ب ه ) ( و ل ق دْ ي سَّرْن ا الْقُرْآن ل لذ كْر ف ه لْ م نْ مُدَّك ر ) , وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد, فكأن التذكر ضربان: أحدهما أن يذكر صورةً كانت حاضرة الوجود في قلبه لكن غابت بعد الوجود الآخر, والآخر أن يذكر صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة (371). قال ابن تيمية: ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلومٌ لها, وتقويته بُعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها, لا بتغيير الفطرة وإمداده ونفي المغير للفطرة, فالرسل المك مَّلة بالش رعة المنز لةوتحويلها, والكمال يحصل بالفطرة (389). وقال الشيخ محمد عبده في تفسير سورة عبس في قوله تعالى ( ك لاَّ إ نَّه ا ت ذْك ر ةٌ ) ما مثاله: ثم أراد أن يبين أن الهداية التي يسوقها الله إلى البشر على ألسن الرسل ليست ما يحتال لتقريره في النفوس وإيجاده في القلوب, وإنما هي تذكرة تنبه الغافل إلى ما غرز الله في فطرته من الخير, وأودعه غريزته من وجدان معرفة الخالق في الخلقة, فمن صد عنها فإنما هو معاند مقاوم لما يدعوه إليه سره, وتنزع به إليه فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناس ي وتنبه الغافل . بيانا ويوضح له أن معرفة الله وتوحيده ليسا من العقائد ثم قال: ثم أراد أن يزيد التي يلزم أن تنشأ في القلوب, بل هما مركوزتان في الجبلة ولا تحتاجان إلا إلى التذكير, فإذا ذكرت النفس ذكرت, ولا يمنعها عن الاعتراف والإقرار إلا منازعة الهوى, فإذا خالفت أن تشاءه. فقال: ( سلطانه لم يكن بينها وبين الإقرار إلا نْس انُ م ا أ كْف ر هُ قُت ل الإْ ) اهـ (381). (371) إحياء علوم الدين1/81 - 87 (389 )مجموع الفتاوى 11/348 (381) دلائل التوحيد للقاسمي (ص 21)
عدد الصفحات ٩٨98 قال ابن عاشور: وصف الإسلام بأنه الفطرة أنبأنا بأن الفطرة تهتدي إلى أصوله و وتطمئن إلى شرائعه, والعاقل يعلم أن من قضايا الفطرة ما هو بديهي أو واضحٌ للمتأمل, ما تضاءل في النفوس لم ا غ ش ي ها من سلطان الأهواء ومنها ما هو خفي عن المدركات, ومنها النفسية والعادات الذميمة والأخطاء النظرية, على أن العقلاء متفاوتون في إدراك الواضح على قدر القرائح والعلوم, فكانت الفطرة محتاجةً إلى تنبيه معصوم عن الخطأ في تعريف قَّى من الوحي الإلهي لي عص م الفطرة من الميل عن قضايا ومواقع دلالتها, وهو التنبيهُ المتل الجادة القويمة(382). قال الطيبي: ذ كرُ هذه الآية عقب هذا الحديث (383) يُق و ي ما أوَّله حماد بن سلمة من أوجه , أحدها: أن التعريف في قوله ( على الفطرة ) إشارة إلى معهود وهو قوله تعالى: (ف طْر ت اللَّه ) , ومعنى المأمور في قوله: ( ف أ ق مْ و جْه ك ) أي: اثبت على العهد القديم. ثانيها: ورود الرواية بلفظ: الملة بدل الفطرة, والدينُ في قوله: ( ل لد ين ح ن يفًا ) هو عين الملة, قال تعالى: ( د ينًا ق ي مًا م لَّة إ بْر اه يم ح ن يفًا ) , ويؤيده حديثُ عياض المتقدم. ث الثها: التشبيه بالمحسوس المعاي ن ليفيد أن ظهور ه يقع في البيان مبلغ هذا المحسوس, قال: والمراد تمكن الناس من الهدى في أصل الج ب لَّة والتهيؤ لقبول الدين, فلو تُر ك المرءُ عليها لاستمر على لزومها ولم يُفارقها إلى غيرها, لأنَّ حُسْن هذا الدين ثابتٌ في النفوس, وإنما يُعد ل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد انتهى. قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي في «المفهم » , فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهَّلةً لقبول الحق كما خلق أعين هم وأسماع هم قابلةً للمرئيات والمسموعات, فما دامت باقيةً على ذلك القبول وعلى ت لك الأهلية أدركت الحقَّ, ودينُ الإسلام هو الدين الحق, وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث حيث قال: كما تُنت ج البهيمة, يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخ لقة, فلو تُرك كذلك كان بريئا من العيب, لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلا فخرج عن الأصل, وهو تشبيهٌ واقع و وجهُه واضحٌ, والله أعلم (384). وقال ابن السبكي في الحديثأي لو ترك على الفطرة التي ولد عليها لاستدل بها على خالقه, ( إلا أن أبويه يهودانه ) أي: يصيران سببا في تهوده أو تنصره أو تمجسه, بما (382) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 21) (383) يعني حديث: ما من مولود ... الخ (384) فتح الباري 3/241
عدد الصفحات ٩٩99 حديث, وعليه يلقيانه إليه من الكفر, ويربيانه عليه, وهذا أصح الأقوال في تأويل هذا ال أكثر العلماء, وحاصله أن الفطرة: الطبعُ السليم المتهيء لقبول الدين, وهو من باب إطلاق القابل على المقبول (385). وقال ابن تيميةأما قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه, فالصواب أنها فطرة الله التي ف طر الناس عليها, وهي فطرة الإسلام, وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ( أ ل سْتُ ب ر ب كُمْ ق الُوا ب ل ى ) , وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فإن حقيقة الإسلام أن يستسلم لله؛ لا لغيره وهو معنى: لا إله إلا الله, وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ بيَّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن, وأن العيب حادث طارئ, قال: ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس, وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس, والاعتقادات ا لباطلة العارضة من تهود وتنصر وتمجس: مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس, وكذلك أيضا كل ذي حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في الطبيعة فسادٌ يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرا (381). وقال الحافظ: ويؤيد المذهب الصحيح أن قوله: فأبواه يهودانه الخ, ليس فيه لوجود شرطٌ, بل ذكر ما يمنع موجبها, كحصول اليهودية مثلا متوقفٌ على أشياء خارجة الفطرة عن الفطرة بخلاف الإسلام (387). قال ابن تيمية: ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل, فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا, ولكن سلامة لقلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلما, ا وهذه القوة العلمية العملية التي تقتض ي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي فطرة الله التي فطر الناس عليها (388). (385 )السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور (ص 51) (381 )مجموع الفتاوى 4/245 - 247 (387) فتح الباري 3/259 (388 )مجموع الفتاوى 4/247
عدد الصفحات ١٠٠111 طن أمه يعلم وقال بن القيم: ليس المراد بقوله: يولد على الفطرة, أنه خرج من ب الدين , لأن الله يقول: ( و اللَّهُ أ خْر ج كُمْ م نْ بُطُون أُمَّه ات كُمْ لا ت عْل مُون ش يْئًا ) , ولكن المراد أن فطرته مقتضيةٌ لمعرفة دين الإسلام ومحبته, فنفسُ الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة, وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك, لأنه لا يت غير بتهويد الأبوين مثلا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول, وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية, فلو خُل ي وعدم المعار ض لم ي عد ل عن ذلك إلى غيره, كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدن ه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف, وم ن ث مَّ شُب هت الف طرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا والله أعلم. نقله الحافظ في «الفتح» (381). هذا ولابن عاشور بسطُ كلام في معنى الفطرة رأيته في كلامه على آيتين من كتاب تعالى, فقد قال في تفسير قوله تعالى: ( ف أ ق مْ و جْه ك ل لد ين ح ن يفًا ف طْر ت اللَّه ) الآية: وفطرت الله بدل من حنيفا بدل اشتمال, فهو في معنى الحال من الدين أيضا, وهو حال ثانية, فإن الحال كالخبر تتعدد بدون عطف على التحقيق عند النحاة. وهذا أحسن لأنه أصرح في إفادة أن هذا الدين مختص بوصفين هما: التبرؤ من الإشراك, وموافقته الفطرة, فيفيد أنه دين سمح سهل لا عنت فيه. ونظيره قوله تعالى: ( و ل مْ ي جْع لْ ل هُ ع و جًا * ق ي مًا ) أي: الدين الذي هو فطرة الله, لأن التوحيد هو الفطرة, والإشراك تبديل للفطرة. والفطرة أصله اسم هيئة من الفطر وهو الخلق مثل الخلقة كما بينه قوله ( الَّت ي ه ا ) أي: جبل الناس وخلقهم عليها, أي: متمكنين منها. فحرف الاستعلاء ف ط ر النَّاس ع ل يْ مستعار لتمكن ملابسة الصفة بالموصوف تمكنا يشبه تمكن المعتلي على ش يء, وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ( أُول ئ ك ع ل ى هُدًى م نْ ر ب ه مْ ) , وحقيقة المعنى: التي فطر الناس بها. اس على الدين الحنيف أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين, ومعنى فطر الن وجعل تعاليم ه مناسبة لخ لقتهم غير مجافية لها (319), غير نائين عنه ولا منكرين له, مثل إثبات الوحدانية لله, لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل والنظر الصحيح حتى لو تُر ك (381) فتح الباري 3/241 (319 )قال الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة 2/157 : الشرع نازلٌ على دستور الطبائع البشرية اهـ . وقال فيه أيضا 2/119 : طريقة الأنبياء عليهم السلام التي ارتضاها الله للناس هي إصلاح الطبيعة ودفع اعوجاجها سلخها عن مقتضياتها اهـ .
عدد الصفحات ١٠١111 عتقادا ضالا لاهتدى إلى التوحيد بفطرتهالإنسان وتفكير ه ولم يُلقَّن ا (311). قال ابن عطية والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أي: الفطرة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها مصنوعات الله, ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه. اهـ . عن معنى كون الإسلام هو الفطرة فأبينه: بأن الفطرة وإن لم أر من أتقن الإفصاح هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق, والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسدا وعقلا, فمش ي الإنسان برجليه فطرة جسدية, ومحاولته أن يتناول ات من أسبابها والنتائج من الأشياء برجليه خلافُ الفطرة الجسدية, واستنتاج المسبب مقدماتها فطرة عقلية, ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلافُ الفطرة العقلية, وهو المسمى في علم الاستدلال بفساد الوضع, وجزْمُنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق وسات في ثابتة في الوجود ونفس الأمر فطرةٌ عقلية, وإنكار السوفسطائية ثبوت المحس نفس الأمر خلافُ الفطرة العقلية. فقال: ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل لكنه لم يسمع رأيا ولم يعتقد أخذ منها الحالات, مذهبا ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة, ولكنه شاهد المحسوسات و ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة, وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلا, وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة, وإنما الكذب في الأمور التي ليست محسوسةً بالذات بل هي مبادئ للمحسوسات. يكون هذا فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها: إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل, وإما شهادة الأكثر وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم. يقع التصديق بها في الفطرة, فما كان من وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما (311) قال الزمخشري في «الكشاف » : والفطرة: الخلقة, ألا ترى إلى قوله لا ت بْد يل ل خ لْق اللَّه ) والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام, غير نائين عنه ولا منكرين له, لكونه مجاوبا للعقل, مساوقا للنظر الصحيح, حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر, ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن, ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري, وقوله عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه اهـ . الكشاف 3/471
عدد الصفحات ١٠٢112 الذائعات ليس بأولي عقلي ولا وهمي فإنها غير فطرية, ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما اس أو الاستقراء الكثير, أو الإنسان, أو ش يء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئن كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق اهـ . فوصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتض ى جارية على وفق الفطرة العقلية, وأما تشريعاته وتفاريعه فهي: إما أمور فطرية أيضا, أي ما يدركه العقل ويشهد به, وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته. وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح من مقاصد الشريعة » لفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون خفية, كما يقتضيه كلام واعلم أن شواهد ا الشيخ ابن سينا, فإذا خ ف يت المعاني الفطرية أو التبست بغيرها فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء الذين تمرسوا بحقائق الأشياء والتفريق بين متشابهاتها, لتصاريف الشريعة, وتوسموا مراميها وسبروا أحوال البشر, وتعرضت أفهامهم زمانا وغاياتها, وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء. إن المجتمع الإنساني قد مني عصورا طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها عليه أهل التضليل, فاختلطت عنده بالعلوم الحق, فتقاول الناس عليها وارتاضوا على قبولها, بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته, فتلك يخاف منها أن تتلقى بالتسليم على فالتصقت مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من تحريف عن الحق, فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ كانوا للسابلة خير دليل. سبيل, واستوضحوا خطيرها وسليمها ف وكون الإسلام هو الفطرة, وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه, أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية, وهذا العصور وصالح ما أفاده قوله ( ذ ل ك الد ينُ الْق ي مُ ) , فالإسلام عام خالد مناسب لجميع بجميع الأمم, ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون
عدد الصفحات ١٠٣113 صالحا للناس كافة وللعصور عامة, وقد اقتض ى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحا يسرا لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة. عنى الإضافة في قوله ( ف طْر ت اللَّه ) وفي قوله ( الَّت ي ف ط ر النَّاس ع ل يْه ا ) بيان لم وتصريح بأن الله خلق الناس سالمةً عقولُهم مما ينافي الفطرة من الأديان الباطلة والعادات الذميمة, وأن ما ي دخُل عليهم من الضلالات ما هو إلا من جراء التلقي والتعود, وقد قال طرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو النبيء صلى الله عليه وسلم: يولد الولد على الف ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء, أي: كما تولد البهيمة من إبل أو بقر أو غنم كاملة جمعاء أي بذيلها, أي: تولد كاملة وي عم د بعض دركون بالحس, أي حاسة الناس إلى قطع ذيلها وجدعه وهي الجدعاء, و ( تحسون ) ت البصر. فجعل اليهودية والنصرانية مخالفة الفطرة, أي في تفاريعهما (312). نْس ان ف ي أ حْس ن ت قْو يم فأفادت الآية أن وقال في تفسير قوله تعالى ( ل ق دْ خ ل قْن ا الإْ لنظامه وحضارته, الله كوَّن الإنسان تكوينا ذاتيا متناسبا ما خلق له نوعه من الإعداد وليس تقويم صورة الإنسان الظاهرة هو المعتبر عند الله تعالى ولا جديرا بأن يقسم عليه, إذ لا أثر له في إصلاح النفس, وإصلاح الغير, والإصلاح في الأرض, ولأنه لو كان هو المراد إنما هو متمم لذهبت المناسبة التي في القسم بالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين, و لتقويم النفس قال النبيء صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم, فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع. فالمرض ي عند الله هو تقويم إدراك الإنسان ونظره العقلي الصحيح, لأن ذلك هو نه أعمال الجسد, إذ الجسم آلة خادمة للعقل, فلذلك كان هو المقصود الذي تصدر ع نْس ان ف ي أ حْس ن ت قْو يم من قوله تعالى: ( ) وأما خلق جسد الإنسان في ل ق دْ خ ل قْن ا الإْ ثُمَّ أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة, ويظهر هذا كمال الظهور في قوله: ( ) فإنه لو حمل الرد أسفل سافلين على مصير الإنسان في أرذل العمر س اف ل ين ر د دْن اهُ أ سْف ل إلى نقائص قوته كما فسر به كثير من المفسرين لكان نبوه عن غرض السورة أشد, وليس السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم, ويدل لذلك قوله بعده: ذلك مما يقع فيه تردد ) لأن الإيمان أثر التقويم لعقل الإنسان الذي يلهمه السير في أعماله على واإ لاَّ الَّذ ين آم نُ ( (312) التحرير والتنوير 21/81 - 13
عدد الصفحات ١٠٤114 الطريق الأقوم, ومعاملة بني نوعه السالمين من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في تكوين الإنسان إذا سل م من عوارض عائقة من إما من عاهة تلحقه لمرض أحد الأبوين, أو لفساد بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين هيكله من سقطة أو صدمة في حمله, وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه فيحرف شيئا من فطرته كحماقة السوداويين والسكريين أو خبال رات وتناول المخدرات المختبلين, ومما يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسك مما يورثه على طول انثلام تعقله أو خور عزيمته. والذي نأخذه من هذه الآية أن الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها, وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكا مستقيما ي الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر, مما يتأدى من المحسوسات الصادقة, أ بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة, وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين, بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة سلطا ما فاستطاع دفاعها عنه والطبائع المنحرفة والتفكير الضار, أو لو تسلطت عليه ت بدلائل الحق والصواب, لجرى في جميع شؤونه على الاستقامة, ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته, فترمي به في طوعا أو الضلالات, أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم كرها, ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينس ى الصواب والرشد. ويفسر هذا المعنى قول النبيء صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه, الحديث, ذلك أن ه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه, فهما اللذان أبويه هما أول من يتولى تأديب يلقيان في نفسه الأفكار الأولى, فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطا, ثم هو بعد ذلك عرضة لعديد من المؤثرات فيه, إن خيرا فخير وإن شرا فشر, واقتصر النبيء ى أسباب الزج في ضلالتهما, وأشد إلحاحا على صلى الله عليه وسلم على الأبوين لأنهما أقو ولدهما. ولم يعرج المفسرون قديما وحديثا على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم, فقصروا التقويم على حسن الصورة(313). (313) التحرير والتنوير 39/424 - 421
عدد الصفحات ١٠٥115 تأليه الطبيعةالقول ب تهافتالفائدة الثالثة في : إن قال محمد قطب تأليه الطبيعة – سواء في مجال العلم أو ا لفن أو أي مجال آخر – لهو المهرب الو جداني الذي لجأت إليه أوروبا لتهرب من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه في كل مجالات الحياة: الروحية والفكرية والمالية و السياسية والعلمية .. الخ, وتخترع إلها آخر له معظم صفات الله الخالق البارئ المصور, ولكن ليست له كنيس ة وليست له التزامات ! وإلا فما " الطبيعة" في مجال البحث العلمي على الخصوص؟ ومن أين لها صفة الخلق ؟ والخلق بهذه الدقة المعجزة التي يتحدثون عنها سواء في الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء أو الطب أو علم وظائف الأعضاء أو علم الحياة ؟! ثم إذا كانت – كما يقول دارون – تخلق دون قصد معين ولا تدبير, فكيف خلقت الإنسان الذي يتصف بالقصد والتدبير ؟ أي : بعبارة أخرى: كيف يخلق الخالق من هو أعلى منه وأكمل وأدق ؟! ضخمة في عصر العلم ! ومع ذلك فهي العملة السارية في !"ألا إنها أسطورة "علمية " ي كتاب علمي تجد "الطبيعةأ في أكل كتب العلم الغربي بلا استثناء ! اقر Nature مشارا إليها على أنها الخالق الفعال لما يريد, الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ! لتهرب من إله الكنيسة وتجد ما تتعبده الوجداني الذي لجأت إليه أوروبا إنها المهرب أما أن يتحدث ,في ذات الوقت, إذ الإنسان مفطور على العبادة سواء في ضلاله أو هداه فمهزلة لا يفسرها ش يء إلا ,وبصيغة الجد لا الهزل !"يسمون أنفسهم "علماء عنها الذين حقيقة واحدة, هي أن الإنسان حين ينتكس في جاهليته –بعيدا عن الهدى الرباني – مهما كان بعيدا عن المنطق وبعيدا عن ,يمكن أن يصدر عنه أي ش يء على الإطلاق المعقول. الجريمة الكبرى في هذا الشأن تقع على عاتق الكنيسة بادئ ذي بدء, التي ولكن أقامت ذلك الحاجز من العداء بين الدين والعلم, الذي ظل يتفاقم حتى وصل –على يد الشياطين –إلى استخدام العلم ذريعة إلى القضاء على الدين (314). بد الوهاب عفي ترجمة المسيري -رحمه الله -موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية : نموذج م) إنجازا فرديا فريدا في تاريخ الثقافة العربية (314) مذاهب فكرية معاصرة (ص 52 - 53)
عدد الصفحات ١٠٦116 زها في المعاصرة. ففي هذا العمل, كما في موسوعة العلمانية الشاملة التي يعمل على إنجا أربعة مجلدات, يطرح المسيري رؤيته لتاريخ الإنسان عبر مفاهيم مركزية كالحلولية والطبيعة ونهاية التاريخ والعلمانية. ومدار هذه الرؤية هو أن الحلولية ظاهرة عامة في الثقافات الإنسانية, كما في الحركات الصوفية, لكنها نهضة. وتعني السمة الرئيسية للحضارة الغربية منذ عصر ال الحلولية إحلال الألوهية في الطبيعة, أو جعل الطبيعة إلاها كما في الإشارة الغربية إلى نزع :ا. مما يؤدي إلى ما يصفه المسيري بالعلمانية الشاملة, أيم الطبيعة بوصفها أ القداسة الإلاهية وجعل الطبيعة مركز الكون . ويؤدي هذا إلى فصل القيم الدينية قية والإنسانية لا عن الدولة فحسب, كما في المفهوم السائد للعلمانية, وإنما عن والأخلا حياة الإنسان في جانبها الخاص والعام, وذلك بجعلها نسبية ومتغيرة, إلى أن يصل الأمر والجسد المنفصل عن القيمة, وإلى فصل الحياة الإنسانية ,إلى العلم المنفصل عن القيمة من الواحدية المادية. ويرى المسيري أن السعي لتسخير الطبيعة وما نتج ككل عن القيم لتهي عنه من دمار لها, وما يشاهد من استغلال للإنسان عبر الاستعمار وغيره, وكذلك الحروب العالمية, وتآكل الخصوصيات الثقافية للمجتمعات الإنسانية, هي مظاهر لتلك العلمانية .اهـ من الموسوعة ربي المهيمن على العالم حالياالشاملة في النموذج الحضاري الغ " تهرب به أوروبا من إله إن ذلك كان مهرباً "وجدانياً :قلنا من قبلقال محمد قطب: .تستعبدهم باسمه, وتفرض عليهم ألوانا من السلطان الغشوم الكنيسة الذي اقل " كيف يتأتى " لع ولكن .. ما هذه " الطبيعة " ؟ –د إحياء وقد كان هذا عه " على هدى الهيلينية المعادة "العقل–كيف يتأتى لعاقل أن يقول –مثلاً –ما قاله دارون عن الطبيعة: " إنها تخلق كل ش يء . ولا حد لقدرتها " ؟!! كيف يتأتى لعاقل أن يجعل من هذه الطبيعة كائناً –مفكراً أو غير مفكر (315) – يسيطر على الكون ويحدد مقاديره ؟ : ما هذه الطبيعة التي يتعبدونها على وجه هؤلاء العقلاء ألا يسألوا أنفسهمبدا ل كيف التحديد ؟! مخلوقة هي أم خالقة ؟ عاقلة أم غير عاقلة ؟ وكيف أنشأت نفسها وأنشأت قوانينها التي تحكم الكون ؟ وأي سلطة لهذه القوانين يسير الكون بمقتضاها ؟ ومن أين تي تفرضها على الكون ؟لها هذه " الحتمية " ال (315) يقول دارون–غم قولته السابقة ر –إن الطبيعة تخبط خبط عشواء في تطورها !
عدد الصفحات ١٠٧117 ثم ما الفرق –في حقية الواقع –بين هذا المعبود الجديد الذي تنسب له القوة , وبين الله الذي نبذوه وانسلخوا من عبادته لخلق والهيمنة المطلقة على الكون والسيطرة وا لأنه " غير معقول " و " غير مفهوم " ؟! لا يسألوا أنفسهم رونها .. فكيف تأتى لهم أوحين أبوا أن يخضعوا لقوة " غيبية " لا ي هرها " مشهودة في السموات : غيب هي أم شهود ؟!! فإن كانت " مظاعن هذه الطبيعة " هي " في كنهها وحقيقتها ؟ " هي " التي تجعل .. , فما " هي " والأرض, والمادة والشعاع ؟!مكنوناً لا تدركه الحواس " غيباً ؟ أليست " هي ماء والأرض أرضاً , والمادة مادةالسماء س وهل كان " الله " غير ذلك ؟ السموات والأرض والمادة , ولكن مظاهـر قدرته هـي غيباً لا تدركـه الحواس ؟!!والإشعاع , تلك التي وقع فيها " المتنورون " من الأوروبيين !كانت حماقة جاهلية كبيرةلقد (311). لت أوروبا دورة أخرى فانتق : ودار الزمنأيضاوقال – فيما يقال – من سيادة العقل إلى سيادة الطبيعة, حين كشف العلم مزيدا من أسرار الكون واقتنع "المفكرون" أن الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه هو "الطبيعة" لأنها هي التي تنقش في العقل ما يتولد فيه من أفكار. فليس مصدر المعرفة إذا هو الوحي الرباني – وقد نبذو ه وراءهم ظهريا سواء منه ما كان حقيقيا بلا تحريف, وما اخترعته الكنيسة من عندها, وقالت إنه من وحي الله – ولا هو العقل, الذي لا ينش ئ – ولا ينبغي له أن ينش ئ – شيئا من عنده – إنما هو الطبيعة: هو عال م الحس.. هو الحقيقية الموضوعية. صه الجيد الذي نقلناه من قبل عن الفلسفة يقول الدكتور محمد البهي في تلخي تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة ىالوضعية وتقديرها للطبيعة: " ومعن – في نظرها – هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان, وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة, هي التي تكون عقل الإنسان, والإنسان – لهذا -عليه من خارج ىلا يمل عليه من ذاته الخاصة, إذ ما يأتي من ىعليه مما وراءها, كما لا يمل ىالطبيعة, أي لا يمل ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليست (هي) حقيقة أيضا ! (311) جاهلية القرن العشرين (ص 11 - 17)
عدد الصفحات ١٠٨118 " وبناء على ذلك يكون " الدين – وهو وحي (أي ما بعد الطبيعة) – خداعا ! وهو وحي ذلك الموجود الذي لا يحده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية. " وكذلك " المثالية العقلية " وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي, إذ هي نثورة التي يعيش م فيها الطبيعة المهتصورات الإنسان من ( عند ) نفسه, من غير أن يستل فيها وتدور حوله. سان في منطق هذه الفلسفة " إن عقل الإن– أي ما فيه من معرفة – وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية, إنه مخلوق, ولكن خالقه الوجود الحس ي " (317). ولقد يفهم من هذا لأول وهلة أن العقلانية التي تتبعنا أطوارها في عصر النهضة وما ها طور جديد لا يمت لها بصلة .. ولكن هذا غير الواقع, لقد محلَّ وحلَّ بعدها قد انتهت تغير الإله المعبود عندهم بالفعل فلم يعد هو العقل, وإنما صار هو الطبيعة التي قال عنها , ولكن الإله الجديد لم " الطبيعة تخلق كل ش يء ولا حد لقدرتها على الخلق " ارون:د رجه من الساحة ليحل محله, إنما قيده فقط بقيوده وأخضعه يقتل الإله الأول, ولم يخ لشروطه, وإن كان قد شد على يديه في حرارة مؤيدا ومؤازرا في نقطة واحدة معينة هي نفي الإله الحقيقي -ى سبحانه وتعال -وإخراجه نهائيا من الساحة ( نستغفر الله ) وإن فالإله الأول ,اختلفت زوايا الرصد واختلف " المنطق " المستخدم – العقل – ينبذه بحجة أنه " غير معقول" !! والإله الثاني – الطبيعة – ينبذه لأنه لا يدرك بالحس ولا يخضع للتجربة في المعمل !! تعالى الله عما يقولون علوا ك بيرا (318). موافقته على جحد الصانع لكون العقول قال ابن الجوزي: لما رأى إبليس قلة الطبيعة لُ عْ حسَّن لأقوام أن هذه المخلوقات ف , بد للمصنوع من صانعبأنه لا شاهدةً (311). : وإذا نظرنا في أنَّ هؤلاء أنفسهم هم في آن واحد يشددون النَّكير على وقال الكواكبي أخرى مؤث رات أدبية الد ين من جهة, قائلين: إنَّ ضرره أكبر من نفعه, ويهيجون من جهة لا بدَّ منه في بناء الأمم, وذلك مثل حب الوطن وخيانته, وحب يرون أنه وهمية محضا (317) من كتاب " الفكر الإسلامي الحديث 218-211) (318) مذاهب فكرية معاصرة (ص 524 - 525) (311) تلبيس إبليس (ص 41)
عدد الصفحات ١٠٩119 ,والس معة الحسنة وعكسها, والذ كر التاريخي بالخير أو الشَّر ,الإنسانية والإساءة إليها بالنسبة إلى تأثير طاعة الله والخوف منه, يء في ذاته, ولا ش يء أيضاونحو ذلك مما هو لا ش الله) وبين (مادة) أو ريب فيها, بل ولا خلاف إلا في الأسماء بين (لا لأنَّ (الله) حقيقةٌ ولولا أنَّ الماديين والطبيعيين يأبون الاسترسال في البحث في صفات ما يسمونه (طبيعة), مادة أو طبيعة, لالتقوا -ولا شك -مع الإسلام في نقطة واحدة, فارتفع الخلاف العلمي وأسلم الكل لله (499). الشيخ بكر أبو زيد نقله ,فيما نسب للطبيعة وهي منه براء القيم كلام نفيسٌ لابن و الطبيعة( فقال تحت لفظ : ) لابن القيم -رحمه الله تعالى –وكأني بك أيها المسكين تقول: هذا في هذا الإطلاق وحكمه, هذا نصه: تحرير بالغ وفي الطبيعة عجائب وأسرار, فلو أراد الله أن يهديك لسألت ه من فعل الطبيعة, كل وقدرة على ك بنفسك وقلت: أخبرني عن هذا الطبيعة: أهي ذات قيمة بنفسها لها علمٌ نفس هذه الأفعال العجيبة, أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوعة تابعة له لها العلم التام والقدرة والإرادة محمولة فيه ؟ فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها تسمينه طبيعة ؟ ويا لله من ذكر م والحكمة؛ فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصور فل في جملة ه على ألسن رسله ودخلت الطبائع ومن يرغب فيها فهلا سميته بما سمى به نفس إن قالت لك: بل و ه تعالى,العقلاء والسعداء ؟ فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفتُ لا إرادة ولا قدرة منها, و ها بغير علم ه فعلُ الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل, وهذا كل , وقد شوهد من آثارها ما شوهد, فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل ولا شعور أصلا سليم, كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والح كم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن رفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور ؟ وهل التصديق مع في سلك المجانين والمبرسمين ؟ ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادعيت بمثل هذا إلا دخولٌ ها ومبدعها فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها, ولا مبدعة لذاتها, فمن رب عها وجعلها تفعل ذلك ؟ فهي إذاً من أدل الدلائل على بارئها وفاطرها, طب وخالقها ؟ ومن ك لصفاته العالم وجحدُ ك ربَّ وكمال قدرته وعلمه وحكمته, فلم يُجْد عليك تعطيلُ والفطرة, ولو حاكمناك إلى الطبيعة لرأيناك أنك خارج عن وأفعاله إلا مخالفتك العقل (499) طبائع الاستبداد (ص 138 - 131) الطبيعة : مفتاح دار السعادة ص/ 282 –217 – 218 .
عدد الصفحات ١١٠111 وكفى بذلك ولا الطبيعة ولا الإنسانية أصلا, لا الفطرةموجبها, فلا أنت مع موجب العقل و جهلاً وضلالاً. فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم, ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤوده؛ قيل لك: قد أقررت –ويحك! –فدع ,م الذي لا إله غيره ولا رب سواهبالخلاق العظي تسميته: طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجباً بذاته, وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والأرضين, ورب المشارق والمغارب, الذي أحسن كل ش يء خلقه ه إلى غيره وخلقه إلى وصفاته وذاته وأضفت صنيع هوأتقن ما صنع. فمالك جحدت أسماء سواه ؟ مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه, ولابد, والحمد لله رب العالمين. على أنك لو تأملت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة؛ بمعنى ها كما دل العقول عليه معناها؛ لأن طبيعة فعيلةلدلَّك على الخالق البارئ لفظُ مفعولة, أي مطبوعة ولا يحتمل غير هذا البتة, لأنها على بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة, فهي التي طبع عليها , فقد دل لفظ الطبيعة من غير طابع لها محالٌ أن طبيعةً الحيوان, وطبعت فيه, ومعلومٌ تعالى, كما دل معناها عليه, والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله على البارئ مسخر مربوب, وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه, ثم إنه يتصرف فيها كيف يشاء وكما شاء, فيسلبها تأثيرها إذا أراد, ويقلب تأثيرها إلى ضده إذا شاء ليرى عباده أنه وحده إ نَّم ا أ مْرُهُ إ ذ ا أ ر اد ش يْئاً أ نْ ي قُول ل هُ ( وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء: المصور, ئ الخالق البار وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة ) كُنْ ف ي كُونُ سائر مخلوقاته, فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينس ى من طبعها يل الصنع والإبداع عليها ؟ ولم يزل الله سبحانه يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها وخلقها, ويح أ لا ل هُ الْخ لْقُ و الأْ مْرُ ( إلى ضد ما جعلت له حتى يرى عباده أنها خلقه وصنعه مسخرة بأمره: انتهى ) ت ب ار ك اللَّهُ ر ب الْع الم ين (491). 3 –الحكمالعاديران بينهما على تكرر الق أو نفيه عنه بواسطة هو إثبات أمر لأمر و : كإثبات أن النار محرقة وأن الطعام يشبعمع صحة التخلف, س الح (492). (491) معجم المناهي اللفظية (ص347 - 341) (492) الكليات (ص381) , وشرح الخريدة البهية (ص 31 .)وإسناد الحكم للعادة مجاز عقلي, وإلا فالعادة ليست حاكمة وإنما الحاكم أهلُ ها. الدسوقي (ص 51)
عدد الصفحات ١١١111 وينحصر في أربعة أقسام -ربط وجود بوجود, كربط وجود الشبع بوجود الأكل. -وربط عدم بعدم, كربط عدم الشبع بعدم الأكل. -د بعدم الستر.وربط وجود بعدم, كربط وجود البر -وربط عدم بوجود, كربط عدم الإحراق بوجود الماء (493). فإدراك الربط المذكور يسمى حكما عاديا (494). ات, يبالمجربات أو التجر المناطقة للعادة تسمى عندفيها والقضايا التي يكون الحكم خرى يحكم فيه العقل بواسطة التجربة, وهي تكرر المشاهدة مرة بعد أقالوا: وهي ما ونيامُ ق , كقولنا: شرب السَّ بحيث يجزم العقل بأنه ليس على سبيل الاتفاق (495 ) يُسه ل الصفراء, وهذا الحكم إنما يحصل بواسطة مشاهدات كثيرة (491). : قال ابن خلدون التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم أو الظن (497). (493) حاشية الباجوري على السنوسية (ص 35) (494 )الدسوقي (ص 51) (495) قال مجد الدينالفيروزآبادي: السَّق مونيا: نبات يستخرج من تجاويفه رطوبة د ب قة, وتجفف, وتدعى باسم نباتها أيضا, مضادتها للمعدة والأحشاء أكثرُ من جميع المسهلات, وتُصْل ح بالأشياء العطرة كالفلفل والزنجبيل والأنيسون, ست شعيرات منها إلى عشرين شعيرة يسهل الم رَّة الصفراء واللزوجات الردية من أقاص ي البدن, وجزء منه بجزء من تُرْبُذ في حليب على الريق لا يترك في البطن دودة, عجيب في ذلك, مجرب اهـ من «القاموس» . تنبيهقال ابن حجر الهيتمي في « الفتاوى الحديثية»: وسئلت عن حقيقة السقمونيا ما هي؟ فأجبت بقولي السقمونيا صمغ شجر يؤتى به من أنطاكية البلد المشهورة, وهذا هو الدواء المشهور بالمحمودة بين الناس, وهو من مسهلات الصفراء خاصة, والشربة منه مقدار قيراطين, ولا ينبغي لأحد أن يستعمله إلا بعد مشا ورة طبيب حاذق, وكذا سائر ما يرى في كتب الطب, ينبغي لمن يراه ألا يقدم على استعماله إلا بعد مشاورة الطبيب وإلا فتركه متعين, ومن ث م قال بعض حذاق الأطباء: كُ تبُ نا قاتلة للفقهاء. أي: فإنهم يرون مفردا أو مركبا في باب وأنه يستعمل لكذا فيأخذونه ويستعملونه لما وصف له في ذلك الباب مع غفلتهم عن كون استعماله مشروطا بشروط أُ خ ر لم يذكروها في ذلك الباب بل في غيره من الكليات أو باب آخر, والدواء إذا استعمل مع عدم استيفاء شروط استعماله يكون مضرا ضررا عظيما حتى ربما جر إلى القتل, ولا يغرن الإنسان أنه ربما هجم على استعمال ش ي ء ولم يضره لأن ذلك كمن رأى مسبعة فخاطر ومرَّ فيها مرة فلم يتعرض له ش يء من سباعها لأمر عرض لهم فاغتر ومر فيها مرة ثانية فرأوه فافترسوه لعدم عروض تلك العوارض التي عرضت لها أولا , والحاصل أن المغتر ليس بمحمود وإن سلم اهـ . الفتاوى الحديثية (ص 21) (491) التعريفات (ص 219), وصبان (ص47) , وهداية المريد لمحمد عليش (ص 7) (497) المقدمة (ص 714)
عدد الصفحات ١١٢112 وقد يعبر عنها قال الغزالي في التجريبات: لذلك دي, وهذا حقيقة الحكم العاقلت باطراد العادات (498) ,وقال الأخضري في شرح سلمه: ثالثها: التجريبات, وهو ما يحصل من العادات(491). قال الزركش ي: اعلم أن مادة العادة تقتض ي تكرر الش يء وعود ه تكررا كثيرا يخرج لقاض ي أبو بكر الأصولي وغيره وقالوا: عن كونه وقع بطريق الاتفاق, وإلى هذا أشار ا الإنسان إذا تعسر فأخذ السقمونيا فأسهلته ثم أخذه مرة أخرى وهكذا, وقع العلم عنده بأنه متى شربها أسهلته (419). حاصل التعريف أن المجربات مطلقا هي القضايا التي يحكم بها العقل وقال التهانوي لإحساسات كثيرة متكررة يةمن غير علاقة عقل ر به , لكن مع الاقتران بقياس خفي لا يشعُ صاحب الحكم مع حصول ذلك القياس من تكرر المشاهدة, وذلك القياس هو أنه لو كان الوقوع اتفاقيا لما كان دائميا أو أكثريا, لأن الأمور الاتفاقية لا تقع إلا نادرا, فلا بد أن يكون هناك سببٌ ف ماهية ذلك السببوإن لم ت عر م عُلم حصول السبب عُل , وإذا ب, مثل حكمنا بأن الضرب بالخشب مؤلم وبأن شرب السقمونيا مسهل حصول المسبَّ للصفراء. ثم الظاهر أن مصداق التجربة الكلية حصول اليقين كما في التواتر لا بلوغ قال: المشاهدة إلى حد معين من الكثرة (411). نراقب ما يحكم به العقل بشكل في الأحكام العادية لا قال عبد الرحمن حبنكة مستقل, وإنما ننظر إلى النظام القائم بحسب العادة الجارية. فالممكن في العادة : هو كل أمر يصح أن يوجد ويصح أن لا يوجد بحسب مجرى العادات, لأننا نشاهد وجوده مرة وعدم وجوده أخرى. فيمكن مثلا أن ينزل المطر في شهر ويمكن أن تهب الرياح العاتية في الصيف ويمكن أن لا تهب, إلى كانون ويمكن أن لا ينزل, غير ذلك من أمثلة لا تحص ى. (498) المستصفى (ص31) (491) شرح السلم (ص 111) (419) المنثور في القواعد 2/357 - 358 (411) كشاف اصطلاحات الفنون 1/381 - 382
عدد الصفحات ١١٣