المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجواهر المضية في ثلاثة مباحث علمية لطلاب العلوم العلية

زهران كاده

صفحة ٦ من ٢٩

81 فيكون الحكم على أحدهما بأنه أثر والثاني مؤثر ,وإلا لزم تساويهما في رتبة الوجود ,كذلك الآخر أحدهما ومعلولية ية ل العقل, على أن ع ترجيحا بلا مرجح, وهو مما لا يسوغه وهو محال بالبداهة, فتعين الثالث وهو أن يكون وجوده بعد وجود ,رجحان بلا مرجح فيكون مسبوقا بالعدم في مرتبة وجود السبب فيكون حادثا, إذ الحادث ما سبق ,سببه ,وجوده بالعدم فكل ممكن حادث(344). ي يعقله الجمهور إمكان أن يوجد الش يء, وإمكان أن : الإمكان الذقال ابن تيمية يعدم الش يء, وهذا الإمكان ملازم للحدوث (345). والسلب لا يحتاج إلى ,العدم سلبٌ الممكن يحتاج في عدمه إلى سبب وجودي لأنثم أما في ,فيكون عدم الممكن لعدم التأثير فيه أو لعدم ما كان سببا في بقائه ,إيجاد بداهة فالموجود إن ,تاج إلى سبب وجودي ضرورة لأن العدم لا يكون مصدرا للوجودوجوده فيح حدث فإنما يكون حدوثه بإيجاد, ه بديهيوذلك كل (341). الممكن موجود قطعا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن, وأخرى تنعدم بعد أن كانت, كأشخاص فإننا ,جبة أو ممكنة, لا سبيل إلى الأول النباتات والحيوانات, فهذه الكائنات إما مستحيلة أو وا وما ,من ذاته لأن الواجب له الوجودُ ,لأن المستحيل لا يطرأ عليه الوجود, ولا إلى الثاني فهي ,في أحكام الواجب سلففلا يطرأ عليه العدم ولا يسبقه كما ,بالذات لا يزول فالممكن موجود قطعا. ,ممكنة جبوجود الممكن يقتض ي بالضرورة وجود الوا جملة الممكنات الموجودة ممكنة بداهة, وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه الوجود, ها, وهو محال لها, فإما أن يكون عين فجملة الممكنات الموجودة محتاجة بتمامها إلى موجد وهو محال لاستلزامه أن يكون ,هاالش يء على نفسه, وإما أن يكون جزأ لاستلزامه تقدم ولما سبقه إن لم يكن الأول ولنفسه فقط إن فرض أول, وبطلانه الش يء سببا لنفسه ظاهر, فوجب أن يكون السبب وراء جملة الممكنات, والموجود الذي ليس بممكن هو فيبقى ,الواجب, إذ ليس وراء الممكن إلا المستحيل والواجب, والمستحيل لا يوجد (344) رسالة التوحيد (ص 28 - 21) (345) منهاج السنة 1/281 (341) رسالة التوحيد مع تعليق محمد رشيد رضا (ص 21)

عدد الصفحات ٨٢

82 .الوجود الواجب, فثبت أن للممكنات الموجودة موجدا واجب وأيضا الممكنات الموجودة سواء كانت متناهية أو غير متناهية قائمة بوجود, فذلك الوجود إما أن يكون مصدره ذات الإمكان وماهيات الممكنات, وهو باطل لما سبق في أحكام الممكن من أنه لا ش يء من الماهيات الممكنة بمقتض للوجود, فتعين أن يكون مصدره ضرورةواها, وهو الواجب بالس (347). قال ابن تيميةكل واحد من الحدوث والإمكان دليلٌ على الافتقار إلى الصانع, وإن كانا متلازمين, فإذا عل منا أنَّ هذا محد ثٌ, علمنا أنه مفتقر إلى من يحدثه, وإذا علمنا أن هذا ممكنٌ وجودُه وممكنٌ عدمُه, علمنا أنه لا يرجَّ ح وجوده على عدمه إلا بفاعل يجعله موجودا. وكونه مفتقرا إلى الفاعل هو من لوازم حقيقت ه لا يحتاج أن يُع لَّل بعلة جعلته مفتقرا, بل الفقرُ لازمٌ لذات ه, فكل ما سوى الله فقيرٌ إليه دائما, لا يستغني عنه طرفة حتاج إليه كل ش يء وهو مستغن عن عين, وهذا من معاني اسمه الصمد, فالصمد الذي ي نى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا, فكذلك فقر المخلوقات ش يء, وكما أن غ كل وحاجتُها إليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة إليه. فمن قال: علة الافتقار إلى الفاعل هي الحدوث أو الإمكان أو مجموعُهما: إن اراد أن من ذلك, وإن أراد أن هذه المعاني يُعل م بها الذات فقيرةً لم يصحَّ ش يء لت ع هذه المعاني ج فقرُ الذات فهو حق , فكل منهما مستلزمٌ لفقر الذات, وهي مفتقرة إليه حال حدوثها وحال بقائها, لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في هذه الحال (348). وإثبات الموجود قال ابن تيمية: هذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق الممكن المحدث الفقير المخلوق, هو من أظهر المعارف وأبين العلوم. ما نشاهده من كون بعض الموجودات ث الفقير, فأما ثبوت الموجود المفتقر المحد يوجد بعد عدمه, ويعدم بعد وجوده, من الحيوانات والنباتات والمعدن, وما بين السماء الرعد والبرق وغير ذلك, وما نشاهده من حركات الكواكب, والأرض من السحاب والمطر و وحدوث الليل بعد النهار, والنهار بعد الليل, فهذا كل ه فيه من حدوث موجود بعد عدمه, ما هو مشهود لبني أدم يرونه بأبصارهم. ,ومعدوم بعد وجوده (347) رسالة التوحيد (ص 39 - 31) (348) الرد على المنطقيين (ص 311)

عدد الصفحات ٨٣

83 لم بذلك ث, والعثات لا بد لها من محد ثم إذا شهدوا ذلك فنقول: معلوم أن المحد محد ثا, وكل محدث ممكن, والممكنات لا ث لا يكون ن, ولا بد من محد ي ضروري, كما قد بُ مصنوع, والمفتقرات لا بد لها من غني, مربوبٌ بد لها من واجب, وكل محدث وممكن فقيرٌ والمربوبات لا بد لها من رب, والمخلوقات لا بد لها من خالق. إما أن يكون واجبا بنفسه, وإما أن لا يكون واجبا وأيضا فإنه يقال: هذا الموجود بغيره لا بد له من واجب بنفسه بل ممكنا بنفسه واجبا بغيره, والممكن بنفسه الواجبُ م ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين.ز ه, فل بنفس ث لا بد له من ثا وإما أن يكون قديما, والمحد وأيضا فالموجود: إما أن يكون محد فلزم وجود القديم على التقديرين. قديم, وأيضا فإما إن يكون خالقا وإما أن لا يكون, وقد علم فيما ليس بخالق كالموجودات التي علم حدوثها أنها مخلوقة, والمخلوق لا بد له من خالق, فعلم ثبوت الخالق على التقديرين. الفقير إلى غيره لا بد وأيضا فالموجود إما غني عن كل ما سواه وإما مفتقر إلى غيره, و بنفسه, فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين. يله من غن وجبُ العلم بوجود الرب سبحانه وتعالى الغني منها يُ فهذه البراهين وأمثالها كل القديم الواجب بنفسه(341). بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه وإما غير واجب : معلومٌ أيضاقال و بعد أن لم يكن, وإما مخلوق مفتقر إلى خالق وإما قديم أزلي وإما حادث كائنٌ بنفسه, وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق, وإما فقير إلى ما سواه وإما غني عما سواه, وغيرُ بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه, والحادث لا يكون إلا بقديم, والمخلوق لا الواجب ير لا يكون إلا بغني عنه, فقد لزم على تقدير النقيضين وجودُ يكون إلا بخالق, والفق واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه, وما سواه بخلاف ذلك. موجود حادث كائن بعد أن لم يكن, والحادث لا موجود م بالحس والضرورة وجودُ ل وقد عُ غنيا عما سواه, فثبت ولا ,ولا خالقا لما سواه ,ولا قديما أزليا ,يكون واجبا بنفسه ,والآخر فقير هما غني موجودين أحدُ بالضرورة وجودُ وأحدهما خالق والآخر مخلوق ( 359). (341) درء تعارض العقل والنقل 3/215 - 217 (359) منهاج السنة 2/111

عدد الصفحات ٨٤

84 قال: سمعت النبي عن جبير بن مطعم رض ي الله عنهفي صحيحه وقد روى البخاري يْر ش يْء ( أ مْ خُل قُوا م نْ غ صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور, فلما بلغ هذه الآية: أ مْ هُمُ الْخ ال قُون * أ مْ خ ل قُوا السَّم او ات و الأْ رْض ب لْ لا يُوق نُون * أ مْ ع نْد هُمْ خ ز ائ نُ ر ب ك أ مْ قال: كاد قلبي أن يطير هُمُ المُْص يْط رُون ) . وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي. يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم, فهذا ,رٌ حاص تقسيمٌ هذا : فإنَّ قال ابن تيمية لهم خالقا م أنَّ ل امتناعا, فعُ هم, فهذا أشد في بداية العقول, أم هم خلقوا أنفس ممتنعٌ الإنكار ليبين أن هذه القضية الدليل بصيغة استفهام خلقهم, وهو سبحانه وتعالى, ذكر التي استدل بها في النفوس بديهية مستقرة فطريةٌ ها, فلا يمكن ا إنكارُ لا يمكن أحدً ث ولا يمكنه أن يقول هو أحد ,ث أحدثهحد بدون مُ حادث وجود الفطرة أن يدعي صحيح هنفس (351). علاج التشكيك الوارد على العلوم الضرورية عن أبي هريرة رض ي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ؟ قالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلم به, قال: وقد وجدتموهفسألوه: نعم, قال: ذاك صريح الإيمان. رواه مسلم. وعن ابن عباس رض ي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: مة أحب إليه من أن بالش يء, لأن يكون حُم يُع ر ضُ يا رسول الله, إن أحدنا يجد في نفسه, ه إلى الوسوسة. رواه كيد يتكلم به, فقال: الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, الحمد لله الذي ردَّ أحمد وأبو داود, وصححه الألباني. (351) الرد على المنطقيين (ص 211 - 217) وفي«الفتح » للحافظ نقلا عن الخطابي: وقيل: المعنى: أم خلقوا من غير خالق , وذلك لا يجوز , فلا بد لهم من خالق, وإذا أنكروا الخالق فهم الخالقون لأنفسهم, وذلك في الفساد والب طلان أشد , لأن ما لا وجود له كيف يخلُ ق, وإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنَّ لهم خالقا, ثم قال: ( أ مْ خ ل قُوا السَّم او ات و الأْ رْض ) أي: إن جاز لهم أن يدَّ عوا خلق أنفسهم فليدَّ عوا خلق السماوات والأرض , وذلك لا يمكنهم, فقامت الحجة, ثم قال: ( ب لْ لا يُوق نُون ) , فذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان وهو عدم اليقين الذي هو موهبة من الله ولا يحصل إلا بتوفيقه, فلهذا انزعج جبير حتى كاد قلبه يطير , ومال إلى الإسلام انتهى. فتح الباري 8/193 151 - 152 ) 117 - 118)

عدد الصفحات ٨٥

85 وعنأنس بن مالك رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالقُ كل ش يء فمن خلق الله. متفق عليه. وعن أبي هريرة رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي الشيطانُ أحد كم فيقول: من خلق كذا, من خلق كذا, حتى يقول: من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خل ق اللهُ الخلق , فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا, فليقل: آمنت بالله. وهي عند أبي داود وزاد: فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (352), ثم ليتفل عن يساره ثلاثا, وليستعذ من الشيطان(353). لنووي في شرح مسلم: قال ا قوله صلى الله عليه وسلم ( ذلك صريح الإ يمان ومحض الإ يمان ) معناه استعظامُ كم الكلام به هو صريح الإ يمان, فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإ يمان استكمالا محقَّ قا, وانتفت عنه الريبة والشكو ك. , فينكد عليه بالوسوسة غوائهس من إنما يوسوس لمن أي إوقيل: معناه أن الشيطان حقه على الوسوسة ينه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر فإوأما الكافر ف ,غوائهلعجزه عن إ أو ,يمان: سبب الوسوسة محض الإ يتلاعب به كيف أراد, فعلى هذا معنى الحديثبل القاض ي عياض وهذا القول اختيارُ يمان,ض الإ الوسوسة علامة مح (354). القبيح نحو ما تقدم في حديث أنس :أي) نجد في أنفسنا الش يء ( وقال الطيبي: قوله ذاك ( ن نعتقده, وقوله : للعلم بأنه لا يليق أأي) ن نتكلم به أيعظم ( وأبي هريرة, وقوله (352) قال الحافظ في«الفتح » : قال القرطبي في المفهم: اشتملت قل هو الله أحد على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال, وهما الأحد والصمد, فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال, فإن الواحد وا لأحد وإن رجعا إلى أصل واحد فقد افترقا استعمالا وعرفا, فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة, والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه, والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه, ولهذا يستعملونه في النفي ويستعملون الواحد في الإثبات يقال: ما رأيت أحدا, ورأيت و احدا, فالأحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيرُ ه, وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال, لأن معناه: الذي انتهى سؤددُ ه بحيث يُ صم د إليه في الحوائج كل ها, وهو لا يتم حقيقة إلا لله اهـ . فتح الباري 13/357 (353) وحسنها الألباني (354) شرح النووي على مسلم 2/154

عدد الصفحات ٨٦

86 كم النفرة عنها ووجودُ قبولكم علمكم بقبيح تلك الوساوس وامتناعُ :أي) صريح الإيمان ن الكافر يصر على ما في قلبه من المحال ولا ينفر عنه, فإيمانكمعلى خلوص إ دليلٌ (355). قال النووي وأما قوله ص لى الله عليه وسلم ( فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله ) وفي الرواية الأ خرى ( فليستعذ بالله ولينته ) فمعناه الإ عراض عن هذا الخاطر الباطل , والالتجاء إل ى الله تعالى في إذهابه(351) . ن العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الحكمة في ذلك أ قال الطيبي من ذلك فهو من ع ش يءٌ وق نْ فإ للاحتجاج والمناظرة, الشيطان أمرٌ ضروري لا يحتاج لمغالطة وسوسة الشيطان, وهي غير متناهية, فمهما عورض بحجة يجد مسلكا آخر من ا جاء إلى تم من فتنته, فلا تدبير في دفعه أقوى من الالل ن س فيضيع الوقت إوالاسترسال, ( الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى: و إ مَّا ي نْز غ نَّك م ن الشَّيْط ان ن زْغٌ ف اسْت ع ذْ ب اللَّه ) الآية(357) . لتسلسل, فلا بد من الانتهاء ن له مخترعٌ ع الش يء أن يكو لو جاز لمختر قال بن التين وج د قديم, والقديم من لا يتقدمه ش يء ولا يصح عدمه, وهو فاعل لا مفعول, وهو إلى مُ الله تبارك وتعالى(358). ب قار مخلوق أو بالكسب الذي يُ ف بالضرورة أن الخالق غيرُ ر ا عُ وقال الكرماني كون الذم يتعلق بالسؤال الذي يكون على سبيل الصدق, كان السؤال عن ذلك تعنتا, في التعنت, وإلا فالتوصل إلى معرفة ذلك وإزالة الشبهة عنه صريح الإيمان, إذ لا بد من الانقطاع إلى من يكون له خالق دفعا للتسلسل(351). : قال ابن تيمية من المعلوم بضرورة العقل أنه لابد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلي محدث للحوادث, قال: وقد ذكرنا في مواضع أن الإقرار بالصانع فطري ضروري مع كثرة دلائله وبراهينه. (355) فتح الباري 13/273 (351) شرح النووي على مسلم 2/155 (357) فتح الباري 13/273 (358) السابق 13/273 - 274 (351) فتح الباري 13/274

عدد الصفحات ٨٧

87 نقول هنا: لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع والشجر و والشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان وحدوث الليل والنهار وغير ذلك, ومعلوم بضرورة العقل أن المح د ث لابد له من محد ث, وأنه يمتنع تسلسل المحدثات بأن يكون للمحدث محدث, وللمحدث محدث إلى غير غاية, وهذا يسمى تسلسل المؤثرات والعلل الفاعلية, و هو ممتنع باتفاق العقلاء. لهذا أمر و سوسة الشيطان,هذا بديهي ضروري في العقول, وتلك الخواطر من و قال: ,ينتهى عنهطر له ذلك أن يستعيذ بالله منه و سلم العبد إذا خه و عليالنبى صلى الله :فيقول ,الله :فيقول ؟ من خلق كذا من خلق كذا :كم فيقول يأتي الشيطان أحد :فقال كم فليستعذ بالله ولينته.فإذا و جد ذلك أحدُ ؟ فمن خلق الله وتسلسلت ث الواحد لا يحدث إلا بمحدث, فإذا كثرت الحوادثمعلوم أن المحد و ذلك لا يزول و ث,ها محدثات, فكلها محتاجة إلى محد كل و كان احتياجها إلى المحدث أولى, إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره, بل هو قديم أزلي بنفسه سبحانه وتعالى (319). ثم قد جود ابن تيمية الكلام في الوسوسة الشيطانية التي أمر النبي صلى الله عليه ها والانتهاء عنها بما لا تراه عند غيره وسلم بالاستعاذة من -والله أعلم -. : العلوم الفطرية الضرورية حاصلةٌ دها ويمرضها, فترى الحق باطلا, فس ض للفطرة ما يُ مع صحة الفطرة وسلامتها, وقد يعر ج بما مرا, ويرى الواحد اثنين, فهذا يعال ض, فإنه يجد الحلو كما في البدن إذا فسد أو مر فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض. والنبي صلى الله عليه وسلم يزيل مرضه, والقرآنُ الفساد بالضرورة, فأمر ع ل م أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس, وأنه معلومُ عند وروده بالاستعاذة بالله منه والانتهاء عنه. ر ابن تيمية سبب عدول النبي صلى الله عليه وسلم عن الدليل والبرهان إلى ثم ذك الاستعاذة بالله تعالى, فقال: النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطريقة البرهان حيث يُؤم ر بها, ودل على مجاميع البراهين التي ي رجع إليها غاية نظر النظار, ودلَّ من البراهين على ما هو فوق استنباط النظار, والذي أمر به في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط, بل أمر بالإيمان وأمر بالاستعاذة وأمر بالانتهاء, ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به لا طريق غير ذلك. (319) مجموع الفتاوى 11/444 - 445

عدد الصفحات ٨٨

88 بيان ذلك من وجوه الوجه الأول: إلى ر فيه العلمُ لا بد أن ينتهي : البرهان الذي يُنال بالنظأن يقال مقدمات ضرورية فطرية, فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري, إذ المقدمات النظرية لو أُثبتت بمقدمات نظرية دائما لزم الدور القبلي, أو التسلسل في وجوه. فإن العلم بالضرورة واتفاق العقلاء من المؤثرات في محل له ابتداء, وكلاهما باطلٌ النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر, إذ لو كانت تلك على غيرها, فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان, تالمقدمات أيضا نظرية لتوقف والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن, والعلم الحاصل في قلبه حادث, فلو لم يحصل في ابتداء, فلا بد من علوم إلا بعد علم قبل ه, للزم أن لا يحصل في قلبه علمٌ قلبه علمٌ بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه, وغاية البرهان أن ينتهي إليها. ض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية ثم تلك العلوم الضرورية قد يعر ديهية.مثل الشبهات التي يوردونها على العلوم الحسية والب والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان, لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها, فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث. ولهذا كان من أنكر العلوم الحسية والضرورية لم يُناظ ر, بل إذا كان جاحدا معاندا عوقب حتى يعترف بالحق, وإن الطا إما لفساد ع ر ض لح سه أو عقله لعجزه عن فهم تلك العلوم, وإما لنحو ذلك, كان غ ج بما يوجب حصول شروط العلم له وانتفاء موانعه, فإن عجز عن ذلك لفساد فإنه يعال في طبيعته عُول ج بالأدوية الطبيعية أو بالدعاء والرقى والتوجه ونحو ذلك, وإلا ترك. لى أن كل شبهة ت عر ض لا يمكن إزالتها بالبرهان والنظر ولهذا اتفق العقلاء ع والاستدلال, وإنما يخاط ب بالبرهان والنظر والاستدلال من كانت عنده مقدماتٌ علمية, وكان ممن يمكنه أن ينظر فيها نظرا يفيده العلم بغيرها, فمن لم يكن عنده مقدمات بالنظر والاستدلال. علمية أو لم يكن قادرا على النظر لم تمكن مخاطبتة وإذا تبين هذا فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تُزال بالبرهان, بل به الوسواس حتى يعجز عن دفعه رودُها على قلبه, وقد يغل متى فكَّر العبد ونظر ازداد وُ الله حل الشبهة السوفسطائية, وهذا يزول بالاستعاذة بالله, فإنعن نفسه كما يعجز عن جيره من الشبهات المضلة والشهوات والمغوية, ولهذا أمر العبد أن عيذ العبد ويُ هو الذي يُ ( اهْد ن ا الص ر اط المُْسْت ق يم * ص ر اط الَّذ ين أ نْع مْت ع ل يْه مْ يستهدي ربَّه في كل صلاة فيقول:

عدد الصفحات ٨٩

89 في الحديث الإلهي الصحيح عن النبي صلى الله عليه , وغ يْر المْ غْضُوب ع ل يْه مْ و لا الضَّال ين وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني , وقال ( ف إ ذ ا ق ر أْت الْقُرْآن ف اسْت ع ذْ ب اللَّه م ن الشَّيْط ان الرَّج يم )أهدكم. وقال تعالى: , وفي غ نَّك م ن الشَّيْط ان ن زْغٌ ف اسْت ع ذْ ب اللَّه إ نَّهُ هُو السَّم يعُ الْع ل يمُ )( و إ مَّا ي نْز تعالى: الصحيحين عن سليمان بن صُر د قال: استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو فجعل أحدُهما يغضب ويحمر وجهه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم ها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فأمر الله تعالى العبد أن يستعيذ من قال الشيطان عند القراءة وعند الغضب ليصرف عنه شرَّه عند وجود سبب الخير وهو القراءة ليصرف عنه ما يمنع الخير وعند وجود سبب الشر ليمنع ذلك السبب الذي يحدثه عند لى الله عليه وسلم أنه قال: ما من قلب من قلوب العباد إلا ذلك. وقد ثبت عن النبي ص وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه, وإن شاء أن يزيغه أزاغه. وكانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم: لا ومقلب القلوب. وكان كثيرا ما يقول: والذي من القدر إذا استجمع غليانا. نفس محمد بيده. وفي الحديث: للقلب أشد تقلبا وشواهدُ هذا الأصل كثيرةٌ مع ما ي عر فه كل أحد من حال نفسه من كثرة تقلب قلبه من الخواطر التي هي من جنس الاعتقادات ومن جنس الإرادات, وفيها المحمود والمذموم, قصود الذي لا والله هو القادر على صرف ذلك عنه, فالاستعاذة بالله طريقٌ مُفضية إلى الم يحصل بالنظر والاستدلال. والوجه الثاني: أن يقال: النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاستعاذة وحد ها, بل أمر العبد أن ينتهي عن ذلك مع الاستعاذة, إعلاما منه بأن هذا السؤال هو نهاية ما بعده, فإن النفس الانتهاء عنه, ليس هو من البدايات التي يُزيلها الوسواس, فيجب تطلب سبب كل حادث وأول كل ش يء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى, وقد قال الله تعالى , وفي الدعاء المأثور الذي ذكره مالك في الموطأ: حسبي الله وكفى, )نَّ إ ل ى ر ب ك المُْنْت ه ىو أ ( اء الله منتهى. فإذا وصل العبد اء الله مرمى. وفي رواية: ليس ور ر سمع الله لمن دعا ليس و إلى غاية الغايات, ونهاية النهايات, وجب وقوفُه, فإذا طلب بعد ذلك شيئا آخر وجب أن ينتهي, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن ينتهي مع استجارته بالله من وسواس تهي, إذ كل طالب التسلسل, كما يُؤمر كل من حصَّل نهاية المطلوب وغاية المراد أن ين ومريد فلا بد له من مطلوب ومراد ينتهي إليه.

عدد الصفحات ٩٠

91 وإنما وجب انتهاؤه لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكل م ن س ل مت فطرتُه من بني آدم أنه سؤالٌ فاسد, وأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالقٌ, فإنه لو كان له ا لكل مخلوق, بل كان يكون من جملة المخلوقات, خالق لكان مخلوقا ولم يكن خالق والمخلوقات كل ها لا بد لها من خالق, وهذا معلومٌ بالضرورة والفطرة, وإن لم يخطر ببال الامتناع العبد قطع الدور والتسلسل, فإن وجود المخلوقات كل ها بدون خالق معلومُ بالضرورة. دون محد ث, كان هذا متضمنا لذاك, فإنَّ كل وإذا قلنا: يمتنع وجود المحد ثات كل ها ب مخلوق محد ث, فإذا كان كل محد ث لا بد له من محد ث, فكل مخلوق لا بد له من خالق أولى, وكذلك إذا قلنا: كل ممكن لا بد له من واجب. فلما كان بطلان هذا السؤال معلوما بالفطرة والضرورة أمر النبي صلى الله عليه نه كما يؤمر أن ينتهي عن كل ما يُعلم فسادُه من الأسئلة الفاسدة التي وسلم أن ينتهي ع يُعلم فسادُها, كما لو قيل: متى حدث الله؟ أو: متى يموت؟ ونحو ذلك (311). الوجه الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العبد أن يقول: آمنت بالله, وفي بالضد النافع, فإن قوله: آمنت بالله, رواية: ورسوله, فهذا من باب دفع الضد الضار يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد, ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله, ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله, ولهذا سمي الوسواس الخناس, فإنه جاثم على فؤاد ابن آدم, س, وقال فإن ذكر الله خنس, والخنوس الاختفاء بانخفاض, ولهذا سميت الكواكب الخن ب فانخنست نُ نا جُ أأبو هريرة: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة, و ويقال: انخنست من فلان, وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له, فالمختفي من منه. عدو يقاتله لا يقال: انخنس منه, وإنما ينخنس الإنسانُ ممن يهابه ويعظمه فيذل له (311) قال بن بطال: فإن قال المُو سوس: فما المانع أن يخلق الخالق نفس ه ؟ قيل ل ه: هذا ينقض بعضُه بعضًا, لأنك أثبتَّ خالقا, وأوجبت وجود ه, ثم قلت : يخلق نفس ه, فأوجبت عدم ه, والجمعُ بين كونه موجودا معدوما فاسدٌ لتناقضه, لأن الفاعل يتقدم وجودُه على وجود فعله, فيستحيل كونُ نفس ه فعلا له, قال: وهذا واضح في حل هذه الشبهة, وهو يُفض ي إل ى صريح الإيمان اهـ . فتح الباري 13/273 وقال الحافظ ويقال: إن نحو هذه المسألة وقعت في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند, وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثل ه ؟ فسأل أهل العلم, فبدر شاب فقال: هذا السؤال محالٌ, لأن المخلوق محد ث, والمحد ث لا يكون م ثل القديم, فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله أو لا يقدر, كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزا جاهلا اهـ . فتح الباري 13/274

عدد الصفحات ٩١

91 الشيطان في حال ذكر يذ ل ويخضع ويختفي, وإذا غفل ي اختفائه, فهكذاوينخفض منه ف العبد عن ذكر الله وسوس, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن يقول: آمنت بالله أو دفع به ما يضاده من الوسوسة كرُ الله يُ آمنت بالله ورسوله, فإن هذا القول إيمانٌ, وذ الفطرية, ويشبه هذا الوسواس الذي ي عر ض لكثير من القادحة في العلوم الضرورية الناس في العبادات حتى يشككه هل كبَّر أو لم يكبر؟ وهل قرأ الفاتحة أم لا؟ وهل نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة أو لم يغسله؟ فيشككه في علومه ونه تكلم بالتكبير أو الفاتحة الحسية الضرورية, وكونُه غسل عضوا أمرٌ يشهده ببصره, وك أمر يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه, وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الأكل ضروري يقيني أولي لا يتوقف على النظر والشرب والركوب والمش ي, وعلمُه بذلك كل ه علمٌ بنى عليها والاستدلال, ولا يتوقف على البرهان, بل هو مقدماتُ البرهان وأصولُه التي يُ وهذا الوسواس يزول بالاستعاذة البرهان أعني البرهان النظري المؤلف من المقدمات. تغسل وجهك؟ بلى, قد غسلت وجهي, وإذا خطر له مْ وانتهاء العبد, وأن يقول إذا قال: ل أنه لم ينو ولم يكبر, يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت, في ثبُت على الحق ويدفع ما يعارضه الوسواس, فيرى الشيطان قوت ه وثباته على الحق, فيندفع عنه, وإلا فمتى رآه قابلا من الوسواس والخطرات, أورد عليه من ذلك ما يعجز عن للشكوك والشبهات, مستجيبا إلى دفعه, وصار قلبُه موردا لما تُوحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول, وينتقل من ( اللَّهُ و ل ي الَّذ ين آم نُوا يُخْر جُهُمْ م ن الشيطان إلى الهلكة ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه ) الظ لُم ات إ ل ى الن ور و الَّذ ين ك ف رُوا أ وْل ي اؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْر جُون هُمْ م ن الن ور إ ل ى الظ لُم ات الشَّيْط ان ت ذ كَّرُوا ف إ ذ ا هُمْ مُبْص رُون * و إ خْو انُهُمْ إ نَّ الَّذ ين اتَّق وْا إ ذ ا م سَّهُمْ ط ائ فٌ م ن ( اهـ من درء التعارض ي مُد ون هُمْ ف ي الْغ ي ثُمَّ لا يُقْص رُون ) (312). قلت: فاحفظ رحمك الله هذه الأصول المحررة تعصمك من وساوس شياطين الإنس نْس و الْج ن يُوح ي ب عْضُهُمْ إ ل ى قال تعالى: ( و ك ذ ل ك ج ع لْن ا ل ,والجن كُل ن ب ي ع دُو ا ش ي اط ين الإْ ئ د ةُ ب عْض زُخْرُف الْق وْل غُرُورًا و ل وْ ش اء ر ب ك م ا ف ع لُوهُ ف ذ رْهُمْ و م ا ي فْت رُون * و ل ت صْغ ى إ ل يْه أ فْ رْض وْهُ و ل ي قْت ر فُوا م ا هُمْ مُقْت ر فُون )الَّذ ين لا يُؤْم نُون ب الآْخ ر ة و ل ي فمن كان قعيدا بكلام المتقدمين والأسلاف لن تضره –بإذن الله –شبهة ما دامت السماوات والأرض, فهذه السفسطة الشيطانية القديمة قد تلقفها حدثاء الملاحدة من (312) درء تعارض العقل والنقل 3/391 - 318

عدد الصفحات ٩٢

92 أيضا الرحمن حبنكة, و للشيخ عبد » (313), وإن أحكمت ما أوردته لك في هذا الكتاب استغنيت به عما سواه, والمعصوم من عصمه الله . ثلاث فوائد يتصل بعضها ببعض الأولى في أن التدين فطري جبلي طبيعي في الإنسان فائدةال من أشرفُ سان ليس كسائر أنواع الحيوان, بل له إدراكٌ الإن قال الدهلوي: اعلم أنَّ أفراده إدراكاتهم, ومن علومه التي يتوارد عليها أكثرُ -نوعه ه أحكام ت مادتُ من عص غير - عن سبب إيجاده وتربيته, والتنبيه بإثبات مدبر في العالم هو أوجده ورزقه التفتيشُ (314). ور بوجود الله تعالى والإذعان بخالق قادر وقال الشيخ جمال الدين القاسمي: الشع فوق المادة محيط من وراء الطبيعة أمر غرزي في الإنسان مفطور عليه لا تغيره ريب المرتابين, ولا تزلزله شكوك المشككين, لأنه عقد في المرء طبع عليه جنانه, وتأثره لسانه ا تندفع إليه في الحوادث من وبيانه, ومن أثره ما يرى من انطلاق الألسنة في الكوارث, وم اللجوء والتضرع في دفع ما يمسها عليه انطلاقا وتضرعا لا يرده راد , ولا يصده صاد , ولو قيد لسان المضطر أو إيف لنطق جنانه, وأفصحت أشائره وأركانه, ووجد حرارة تدفعه إلى شبهات, ولا تميل بارئه, وتضطره إلى الاستكانة لمنشئه. حالة لا تزعزع رواسيها عواصف ال رواسخها رياح التمويهات لا جرم أن هذا الشعور لا صنع فيه للبشر, ولا كسب فيه فهو لازم من لوازم الإنسانية, وصفة من صفاتها الذاتية. اشتبك بها بتقليد ولا نظر, وسرى في قواها سريان الدم في الجسم ( ف طْر ت اللَّه الَّت ي ف ط ر اشتباك اللحم بالعظم, النَّاس ع ل يْه ا لا ت بْد يل ل خ لْق اللَّه ذ ل ك الد ينُ الْق ي مُ و ل ك نَّ أ كْث ر النَّاس لا ي عْل مُون ) (315) . وقال ابن عاشور: كان الناس منذ النشأة قد جالت عقولهم بالبحث عن أسباب تكوينهم, لأن ةمرتكز في الفطر ه أمرٌ بحث العاقل عن علة وجودِ - فلا جرم أن كان فطريا الاستدلال على وجود الصانع أمرا , وفي الحديث " أن النفس تحدث صاحبها, من خلقك ؟ فإذا قلت: خلقني الله, قالت: فمن خلق الله ؟ فإذا بلغت ذلك :فتقول فليستعذ بالله من الشيطان " –يدل ذلك على أن البحث عن الخالق مرتكز في الفطرة, (313) انظر كواشف زيوف (ص 544 -12 - 199) (314) حجة الله البالغة1/51 (315) دلائل التوحيد (ص 23)

عدد الصفحات ٩٣

93 ي: بل قال الغزال دلالة الأثر على المؤثر أمر مرتكز في طبيعة الحيوان , فلذلك تسير الدابة إذا سمعت حركة السوط في الهواء. فالإنسان مسوق بفطرته إلى التفكير في وجود نفسه, ده وحقيقة موجده من أسباب ومؤثرات, ثم في موجد تلك وج ومنتقل إلى التفكير في مُ يحويه هذا العالم من الموجودات: أشخاصها وأنواعها الأسباب وأسبابها وأسباب كل ما مصنوع, لا محالة إلى اليقين بواجب الوجود غير وأجناسها السفلى والعالية, فهو منته ع في الفطرة وهو الذي مثله إلى اليقين بوجوب كونه واحدا, فذلك الاعتقاد المود ومنته نْ ب ن ي آد م م نْ ظُهُور ه مْ ذُر يَّت هُمْ و أ شْه د هُمْ ع ل ى أ نْفُس ه مْ و إ ذْ أ خ ذ ر ب ك م (القرآن بقوله تعالى: , فالله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم قد أودع في فطرته )أ ل سْتُ ب ر ب كُمْ ق الُوا ب ل ى الفكر المصيب, فإذا نشأ على الاعتقاد المصيب ارتاض عقله بقوانين الفكر المصيب, قوة ذلك سخر عقله لاتباع طرايق الخطأ في التفكير وقبول التعاليم الضالة وإذا نشأ على ضد ثم اختراع تعاليم أخرى إلى أن تتراكم عليه الضلالات والخرافات. وقد جاء أول هدى منبئا يات القرآن على أن البشر آمنوا بالله آبوجود الخالق فتطابق الوجدان والإرشاد. وقد دلت و اتْلُ ع ل يْه مْ ن ب أ ابْن يْ آد م ب الْح ق إ ذْ ق رَّب ا قُرْب انًا (شأة وببعض صفاته, قال تعالى: منذ الن ل م نْ أ ح د ه م ا و ل مْ يُت ق بَّلْ م ن الآْخ ر ق ال لأ قْتُل نَّك ق ال إ نَّم ا ي ت ق بَّلُ اللَّهُ م ن ا ل ئ نْ *لمُْتَّق ين ف تُقُب قْتُل ك إ ن ي أ خ افُ اللَّه ر بَّ الْع الم ين ب س ي * طْت إ ل يَّ ي د ك ل ت قْتُل ن ي م ا أ ن ا ب ب اس ط ي د ي إ ل يْك لأ إ ن , ) و ذ ل ك ج ز اءُ الظَّالم ين أُر يدُ أ نْ ت بُوء ب إ ثْم ي و إ ثْم ك ف ت كُون م نْ أ صْح اب النَّار ففساد عتقاد طارئ على الناسالا ( 311). يتصرف في الأكوان تصرفا غيبيا محمد عبده: إن الشعور بوجود إله الشيخ قال و ف في جميع ر فوق تصرف المخلوقات, بما يكون من إفضاء الأسباب إلى المسببات, قد عُ البشر, من أدنى القبائل الهمجية إلى أرقى شعوب المدنية, فهو شعور يستوي فيه الحفاة عراة في صحاري أفريقية وجزائر المحيط وفلاسفة اليونان في الماض ي وفلاسفة الإفرنج ال والهنود, كما هو الآن, وقد عرف في الفريقين عن قدماء الأمم كالمصريين والكلدانيين معروف في هذا العصر, ومثل هذا الاتفاق بين الشرقي والغربي والشمالي والجنوبي في واطؤ ولا تقليد ولا تلقين ولا تعليم, لا يعقل إلا أنه فطري في جميع الأزمان, من غير ت البشر. (311) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 41 - 47)

عدد الصفحات ٩٤

94 فإن قيل: إن في الناس من لا يؤمن بالله ولا بعالم الغيب, كالماديين من الفلاسفة منه هؤلاء, فإننا نقول: إن من رُ عْ ومقلديهم, ولو كان ذلك الشعور فطريا لكان عاما ولم ي نقض عة للأسباب المعروفة نادر جدا, والقاعدة لا تُ لا يؤمن بسلطة غيبية غير خاض بحث بحث عن سبب شذوذ النادر, كما ي بالنادر, بل تبقى صحتها الثابتة بالدليل, ويُ الماديون وغيرهم من علماء الكون عن أسباب الشذوذ الذي يعبرون عنه بفلتات الطبيعة, فالحقيقة أن س العامة في الكون.ولا يعدون هذه الفلتات دليلا على بطلان السنن والنوامي الإلحاد مرض من الأمراض الاجتماعية (317). : لا جرم أن مزاج الإنسان الكبير -يعني عموم النوع -بما أودع الله فيه من الشعور الفطري -وهو أثر الحكمة الإلهية العامة -الخونة, ولا يحتمل وجودهم في باطنه, فيدفعهم كما يمج هؤلاء تدفع الفضلات من المعدة, أو الذنانة(318) من المنخر, أو النخامة من الصدر لهذا تراهم, وإن حلوا بعض منازل الأرض من زمان بعيد, وأيدهم بعض النفوس الخبيثة من ذوي الشوكة لأغراض سافلة, إلا أنهم لم يثبتوا, ولم يتم لهم أم ر, بل كان عارض السوء منهم كسحاب الصيف, كلما ظهر تقشع, والنظام الحقيقي لنوع الإنسان -وهو الدين -لم يزل .اهـ كلام الأفغاني مستقرا راسخا, في جميع الأجيال, وعلى أي الأحوال إن كثيرا من لما كان ما ذكر متأصلا في النفس البشرية مركوزا في الطبيعة الأصلية فف حيوان له دين. :ة الغربيين, عرَّفوا الإنسان بأنهالفلاسف » : إنالديانة من لوازم الإنسان , إلى حد أنه لا يستطيع أن يقلعها من قلبه, إلا إذا حكم ص الإنسانيةعلى نفسه أن ينفصل عن نفسه, وأن يلاش ي في ذاته كل خصائ (311). محمد عبده: إن الإنسان حيوان ناطق متدين بالطبعالشيخ ولهذا قال (379). وقال شاتوبراين: إن الإنسان حيوان ميتافيزيقي (371). (317) الأعمال الكاملة لمحمد عبده 3/591 (318) ذن المخاط: سال, الذنان: المخاط (311) موقف العقل والعلم والعالم 2/14 (379) الأعمال الكاملة 3/592 (371) موقف العقل وا لعلم والعالم 1/4

عدد الصفحات ٩٥

95 ل أسئلة نهائية عن معنى سأ وقال عبد الوهاب المسيري: الإنسان كائن ميتافيزيقي, ي الكون (372). وقال أيضا الإنسان هو الكائن الوحيد ال ذي يطرح تساؤلات عما يسمى "العلل الأولى" (من أين جئنا؟ وأين سينتهي بنا المطاف؟ وما الهدف من وجودنا؟). وهو لا يكتفي أبدا بما هو كائن وما هو معطى , ولا يرض ى بسطح الأشياء؛ فهو دائب النظر والتدبر والبحث, يغوص وراء الظواهر ليصل للمعاني الكلية الكامنة وراءها والتي ينسبها إليها, وهو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الغرض من وجوده في الكون. وهذه جميعا تساؤلات تجد أصل ها في البنية النفسية والعقلية للكائن البشري ( النزعة الربانية ), ولذا سمي الإنسان «الحيوان الميتافيزيقي » . الأساس المادي لهذا ولا تُوج د أعضاء تشريحية أو غدد أو أحماض أمينية تشكل الجانب الروحي أو الرباني في وجود الإنسان وسلوكه. ولهذا, فهو يشكل ثغرة معرفية كبرى لا يتجزأ من الطبيعة وإنما هو جزء يتجزأ منها, سق الطبيعي/المادي, وهو ليس جزءافي الن السمات, وينفصل عنها. قد يقترب منها ويشاركها بعض يوجد فيها ويعيش عليها ويتصل بها قادر على تجاوزها, وهو لهذا مركز الكون كليته إليها بأية حال, فهو دائماولكنه لا يُرد في وسيد المخلوقات. وهو, لهذا كله, غير قابل للرصد من خلال النماذج المُستم دة من العلوم موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية » (373). في معنى الفطرةثانية الفائدة ال عن أبي هريرة رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة, فأبواه يُه و دانه وينصرانه ويُم ج سانه, كما تُنْت جُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء , ( ف طْر ت اللَّه الَّت ي هل تُح س ون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ف ط ر النَّاس ع ل يْه ا لا ت بْد يل ل خ لْق اللَّه ) . متفق عليه. » :وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام, قال بن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف, وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى (372 )رحلتي الفكرية (ص 117) (373 )قال الشيخ عبد الكريم زيدان في كتابه أصول الدعوة (ص 11) : الإسلام هو الأجوبة الصحيحة الحقة لثلاثة أسئلة شغلت عقول البشر في القديم وفي الحديث, وترد على فكر كل إنسان كلما خلا بنفسه وسرح خواطره في أمور الحياة, أو شيع ميتا أو شاهد قبورا. هذه الأسئلة هي: من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟

عدد الصفحات ٩٦

96 ( ف طْر ت اللَّه الَّت ي ف ط ر النَّاس ع ل يْه ا ) الإسلام, واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب: اقرؤوا إن شئتم ( ف طْر ت اللَّه الَّت ي ف ط ر النَّاس ع ل يْه ا ) وبحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم الحديث (374), وقد رواه غيره فزاد فيه: حنفاء مسلمين (375), ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ( ف طْر ت اللَّه ) , لأنها إضافة مدح, وقد أمر نبيه بلزومها, فعلم أنها الإسلام (371). ئمة الفطرة أنها الدين ما رواه مسلم قال ابن القيم: ويدل على صحة ما فسر به ا في صحيحه من حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم, وإنهم أتتهم الشياطين ل به فاجتالتهم عن دينهم, وحرمت عليهم ماأحللت لهم, وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنز سلطانا. وهذا صريح في أنهم خل قوا على الحنيفية, وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها, وأخرجوهم منها, قال تعالى: ( و الَّذ ين ك ف رُوا أ وْل ي اؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْر جُون هُمْ م ن الن ور إ ل ى الظ لُم ات ) , وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك, ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال (377). قال الحافظوروى أبو داود عن حماد بن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ الله عليهم العهد حيث قال: ( أ ل سْتُ ب ر ب كُمْ ق الُوا ب ل ى ) , ونقله بن عبد البر عن الأوزاعي وعن سحنون, ونقله أبو يعلى بن الفراء عن إحدى الروايتين عن أحمد, وهو ما حكاه الميموني عنه وذكره بن بطة (378). قال الغزالي في «الإحياء » : ولذلك قال تعالى و إ ذْ أ خ ذ ر ب ك م نْ ب ن ي آد م م نْ ظُهُور ه مْ ذُر يَّت هُمْ و أ شْه د هُمْ كُمْ ق الُوا ب ل ى ع ل ى أ نْفُس ه مْ أ ل سْتُ ب ر ب ) , فالمراد به إقرارُ نفوس هم لا إقرارُ الألسنة, فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص إلى (374) رواه مسلم (375) رواه الطبراني في الكبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما: ألا أحدثكم ما حدثني الله عز وجل به في الكتاب: إن الله عز وجل خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ... الحديث. (371) فتح الباري 3/248 (377) أحكام أهل الذمة2/153 - 154 (378 ) فتح الباري 3/241

عدد الصفحات ٩٧