المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجواهر المضية في ثلاثة مباحث علمية لطلاب العلوم العلية

زهران كاده

صفحة ١٨ من ٢٩

273 وثانيهما: تحت كلي ٍ هو وغير هما اندرج , وهذا أعم من الأول, فإنه يصدق على الأشخاص كزيد وعمرو لاندراجهما تحت مفهوم الإنسان والحيوان وغيرهما, ويصدق أيضا على الأنواع والأجناس التي ليست بأشخاص لاندراجها تحت كلي هي وغيرُها, مندرج تحت النامي, فالإنسان يندرج تحت الحيوان مع الفرس, والحيوانُ مع النبات والنامي والجمادُ مندرجان تحت الجسم. فهذان هما معنى الجزئي (157). والحاصل أن الكلية": إمكان فرض الاشتراك, و" الجزئية ": استحالته(158), ولا عبرة بما يعرض للجزئي من اشتراك لفظي (151). تنبيه: اللفظ يوصف بالإفراد والتركيب حقيقة, ووصف المعنى بهما مجاز من وصف المدلول بما للدال, والمعنى يوصف بالكلية والجزئية حقيقة, ووصف اللفظ بهما مجاز من وصف الدال بما للمدلول (119). الكلي عند المناطقة هو اسم الجنس عند النحاة «الرد على المنطقيين » : إن "الكلي" عندهم مثل "اسم جنس" في اصطلاح النحاة, وه و ما عُل ق على الش يء وعلى كل ما أشبهه (111). وقد قال التهانوي في اسم الجنس: هو عند النحاة: ما وقع في كل تركيب على ش يء وعلى كل مشار ك له في الحقيقة على سبيل البدل أو الشمول, اسم عين كان كصُر د أو معنى كهدى, جامدا كان أو مشتقا, ومنه أسماء العدد (112). قولهم في حده ( على كل مشارك الخ ) احتراز عن الع ل م المشتر ك فإنه لا يقع على و ش يء وعلى كل مشارك له في الحقيقة(113). قلت: العل م الاشتراك فيه لفظي , وأما ما نحن فيه فاشتراك معنوي (157) الفروق1/211 (158) الخبيص ي (ص15) , وضوابط المعرفة (ص 34) (151) المطلع (ص43) (119) إيضاح المبهم (ص34) , وانظر الصبان (ص 41) (111 )الرد على المنطقيين (ص 372) (112) كشاف اصطلاحات الفنون 1/111 (113) السابق1/111

عدد الصفحات ٢٧٤

274 وقولهم ( على سبيل البدل أو الشمول ) إشارة إلى أنَّ م ن اسم الجنس ما يتناول ار كات في الحقيقة على سبيل البدل كرجل وامرأة, فإنه يدل على أفراده لا دفعةً بل المش دفعات على سبيل البدل, ومنه ما يتناولها على سبيل الشمول والاجتماع كالتمر فإنه يطلق على الواحد والكثير (114). م أن النسبة بين اس الجنس والمعرفة هي العموم والخصوص من وجه , لصدقهما على الرجل, وصدق اسم الجنس فقط على رجل, وصدق المعرفة فقط على زيد, والضمائر والمبهمات, لأنها في كل تركيب يقع على معيَّن لخصوص الموضوع له فيها (115). الضيائية للمولوي قال التهانوي: ويقرب من هذا ما وقع في حاشية حاشية الفوائد عبد الحكيم -هو السيالكوتي -في بحث العدل: المراد من اسم الجنس ما يقابل الع ل م , وهو: ما دل على معن ى كل ٍي ٍ سواء كان اسم عين كصرد أو معنى كهدى انتهى (111). أن الضمائر والمبهمات عن اسم الجنس لملاحظة استعمالها في معين مخصوص, أما كلام السيالكوتي خارجةٌ فقضيته دخولُها فيه, لأنه جع ل اسم الجنس كلَّ ما ليس ع ل ما, وليست هي بالعلم, وهو فقد قال: اسم الجنس ر من أفراد جنسه, كرجل وامرأة ودار وكتاب وحصان.هو الذي لا يختص بواحد دون آخ و ومنه الضمائر, وأسماء الإشارة, والأسماء الموصولة, وأسماء الشرط, وأسماء الاستفهام, فهي أسماءُ أجناس , لأنها لا تختص بفرد دون آخر. ويقابله الع ل م , فهو يختص بواحد دون غيره من أفراد جنسه. ما يقابل المعرفة , بل ما يجوز إطلاقُه على كل فرد من وليس المراد باسم الجنس الجنس, فالضمائر, مثلا, معارفُ, غير أنها لا تختص بواحد دون آخر, فإنَّ "أنت" ضميرٌ للواحد المخاط ب, ويصح أن تخاط ب به كلَّ من يصلُح للخطاب, و"هو" ضمير للغائب, للمتكلم الواحد, ويصح أن يكني به ويصح أن يكنى به عن كل مذكَّر غائب, و"أنا" ضمير (114) السابق1/111 (115) السابق1/111 (111) السابق1/111

عدد الصفحات ٢٧٥

275 عن نفسه كل متكل م, فأنت ترى أن معناها يتناول كلَّ فرد , ولا يختص بواحد دون آخر وق سْ على ذلك أسماء الإشارة والأسماء الموصولة. فاسم الجنس إنما يقابل الع ل م , فذاك موضوعٌ ليتناول كلَّ فرد, وهذا مختص بفرد اول غير ه وضعًا انتهى كلامهواحد لا يتن (117). قلت: وبهذا يُفهم اختلافُهم في الضمائر وما يلحق بها, هل هي من الكلي أو من الجزئي؟ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد أن ذكر ما حصل الوفاق على كليته ت, وأما الواسطة: فقد اختُل ف فيها, وهي أسماء الإشارة والضمائر والموصولا وجزئيته: فبعضهم يقول: هي كليةٌ لصلاحيتها لكل ش يء, وبعضهم يقول: هي جزئية لأنها لا تُستعمل بالفعل إلا في ش يء معين خاص, وبعضهم يقول: هي كلية وضعا جزئية استعمالا (118) , وأكثرُ من تكلموا في علم الوضع يختارون أنها جزئية, والله جل وعلا أعلم (111). فائدة جليلة: اختلف الفضلاء في مسمى لفظ المضمر حيث وجد, هل هو جزئي أو كلي؟ فرأيت الأكثرين على أن مسماه جزئي, قال: والصحيح خلافُ هذا المذهب, وعليه الأقلون, وهو الذي أجز م بصحته, وهو أن مسماه كلي(179). لموضوع له الضمائرُ, وهو فقال ابن عاشور: ذك ر هنا مذهبين في تحقيق المعنى ا خلافٌ ي سري إلى بقية المعارف. ومنشأ الخلاف النظرُ إلى حال الاستعمال, وهو نظرُ المذهب الأول, أو إلى عدم الاختصاص بواحد, وهو نظر المذهب الثاني, وهو التحقيق, فإن الضمائر وسائر المعارف سب الوضع كليةٌ, لأن الواضع ما كلياتٌ بحسب الوضع, وسائرُ الموضوعات اللغوية بح وضع لفظا لذات معينة لا يطل ق على غيرها, حتى الكليات المنحصرة في أفراد كشمس وسماء فذلك بحسب العروض, إلا أن كلية كل ش يء بحسب ما وُض ع له. (117) جامع الدروس العربية (ص 198 - 191) (118) قال الإسنوي: قال شيخنا أبو حيان: الذ ي نختاره أنها كليات وضعا, جزئيات استعمالا اهـ . نهاية السول 1/294 (111) آداب البحث والمناظرة (ص 27 - 21) (179) شرح التنقيح 1/37 - 38

عدد الصفحات ٢٧٦

276 فإذًا لم يبق لنا نظرٌ في الوضع, ولا حُكم لنا على مقتضاه بكلية أو جزئية, وإنما ر إلى أمرين آخرين, وهما: شرط الواضع, واستعمال المتكلم.النظ فأما شرط الواضع فهو ما شرطه في وضع الكلية وجع ل ه قيدا مصح حا لإطلاقها مأخوذا من تتبع استعمالهم, ولبيان ذلك وُضع ع لْمُ م تْن اللغة وعلم الصرف وعلم النحو, "ف ع ل" لما مض ى من الأحداث, ووضعه وهذا كوضعه "الرجل" للذكر البالغ الآدمي, ووضعه الرفع للدلالة على العمدية في الكلام, لا يختص جميع ذلك بشخص دون آخر ولا بحدث دون غيره ولا بعمدة دون عمدة. وبالنظر إلى شرط الواضع يُحك م على الكلمات بالكلية والجزئية وبالتنكير والتعريف. عُ فيها أكثر من تحقق مفهومها, فهي كلياتٌ فأما الأفعال والحروف فما شر ط الواض وضعا وشرطا وإن لم ي ش عْ في الاصطلاح الحكمُ عليها بكلية أو جزئية ولا بتعريف أو تنكير, لأن القصد من ذلك التفرقةُ, وهي كل ها نوع واحد, وأما الأسماء فمنها نكرات ومعارف, ل ها, فكانت كليةً لأن شرطها كلي , وذلك في فالنكرات لم ي شتر ط الواضع فيها إلا تحقق مدلو الجوامد ظاهر, وأما في المشتقات فلأن وجود مدلولها كاف في صحة حملها, فإنَّ "قائم" يوصف به الرجل باعتبار أنه اتحد بمدلوله لا باعتبار كونه هو الشخص القائم, وإلا لم فقد ش ر ط الواضع لصحة يصحَّ وصفُه به إذ لا يوصف الش يء بنفسه, وأما المعارف إطلاقها خصوص م ن تُطل ق عليه, أي: إنها تطلق على من قام به مدلولُها باعتبار كون قيام مدلولها به خاصا غير منظور إلى غيره, فأما الع ل م فأعلاها, وهو موضوع ليدل على ذات ات أن يوضع خاصة من الأشياء لتتميز به عن غيرها, وشرط الواضع لصحة إطلاقها على ذ لها وضعا ثانيا, وهو المعبر عنه بالتسمية, ثم البقية وضعت لمعان كلية على شرط ألا تستعمل إلا عند قصد الجزئية, فـ"أنا" وضع لمتكلم, فهو كلي بحسب صلوحيته لأن ي ستعم له كل متكلم, لكن شرط الواضع أن لا يستعمله إلا لشخص حاضر في حالة تكلمه, ا" لم تلاحظ فيه إلا كونه علامة عليك لا يشاركك فيها غيرُك من المتكلمين فإذا قلت "أن مادام لم ي ستعمل كلمة "أنا", وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين قولك "متكلم", لأن "متكلم" يصدق على كل متكلم وإن لم يخطر بباله الحديثُ عن نفسه بذلك, ولهذا لم يصح أنا, مريدا به رجل متكلم, و"هذا" وضع ليدل على مشار الإخبار بالضمائر, لا تقول: رجل إليه مشروطا أن لا يُستعمل إلا عند قصد ذات معينة, فلا يصح فيمن أشير إليه بالب نان أن تُطل ق عليه أنه هذا فتقول: رجل هذا, أي: مشار إليه, وكذا الأمر أظهر في الموصول

عدد الصفحات ٢٧٧

277 لة والعهد, وأما ما يرد من الأخبار أو والمحلَّى بأل, لأن التعريف فيهما عار ضٌ بالص التوصيف بالع ل م أو الضمير نحو: رجل حاتم, وقوله "وإني من القوم الذين هم هم" فذلك لتأويل الأول بالصفة وكون الثاني من باب الإخبار بعين المبتدأ للدلالة على البقاء على حد شرط الواضع, وهو في العلم "شعري شعري" , واستعمال المتكلم لجميع ما ذكر على وفق متوقف على الوضع الجديد المشروط. وبهذا يظهر مرادهم من قولهم: كليات وضعا جزئيات استعمالا, لأن الاستعمال على وفق الشرط الجزئي, وإنما لم يقولوا ذلك في الع ل م لتنزيل الوضع الحاصل من التسمية على وجه التسامحمنزلة وضع الواضع, فجعلوه جزئيا وضعا واستعمالا (171). اختلافهم فيما وضعت له أسماء الأجناس الم ن ك رة ثم اعلم أنهم قد اختلفوا فيما وضعت له أسماء الأجناس المن كَّرة كرجل وإنسان مثلا على ثلاثة أقوال: الأول : أنها موضوعة لمطلق المعنى من غير تقييد بذهن ولا خارجي, وعليه فإطلاقه قيقة, وهذا قول الفهري من المالكية, وحجة هذا القول أن دعوى على كل منهما ح اختصاصه بأحدهما تحك مٌ وترجيح بلا مرجح. الثاني: أنها موضوعة للمعنى الذهني فقط, وهو قول الفخر الرازي وابن الحاجب, وحجة هذا القول أن معنى النكرة قدرٌ مشتر ك بين أفراد كثيرة, والخارج لا يوجد فيه إلا لمتشخصات بحقائقها, فليس في الخارج ش يءٌ مشترك بين حقيقتين, فمعنى الإنسان ا الذهني مثلا قدرٌ مشترك بين جميع أفراد الإنسان, والموجود في الخارج كزيد مثلا لا يشاركه أحدٌ في حقيقة ذاته, وإنما الاشتراكُ في المعنى الكلي الذهني. الثالثحجة هذا القول أن الأحكام إنما وضعت : أنها موضوعة للمعنى الخارجي, و للأمور الخارجية المشخصة دون الحقائق الذهنية, ورجَّح هذا القول القرافي, وأطال في مبحث التخصص باختيار هذا القول وأنه هو الحق, وأن مثلا مشتمل على الحقيقة الذهنية توج د في الخارج في ضمن أفرادها الشخصية, فزيدٌ القدر المشترك, وهو الإنسانية, إلا أنه تميز عن غيره بتشخصاته الذاتية (172). (171) حاشية التنقيح1/37 - 31 (172) نثر الورود 1/111

عدد الصفحات ٢٧٨

278 قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: تنبيه: محل هذا الخلاف فيما له وجود ذهني وخارجي كما مثَّلْنا, أما ما له وجودٌ ذهني فقط كبحر من زئبق وجبل من ياقوت فالموضوع فقط بلا خلاف له معناه الذهني (173). إلى القول الثاني, فقد قال في اسم ما وضع للمعنى الكلي المجرَّد, أي: للصورة الذهنية العامة, مثل علم, فضل, الجنس: هو حياء, رجل, طائر (174), وقال أيضا اسم الجنس هو اسم يدل على الحقيقة الذهنية المجردة (175). وقد بسط الكلام في معناه فقال: إن كلمة مثل كلمة: "حديد" تدل على معنى خاص هو: تلك المادة المعروفة, وذلك العنصر المفهوم لنا, فم ن أين جاء لنا فهمه ؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقرار ه في باطنه ؟ م ثالثة, فرابعة, رأينا قطعةً من الحديد أول مرة, ثم قطعة أخرى بعد ذلك, ث فخامسة, ولم نكن نعرف الحديد, ولا اسم ه, ثم استعملنا تلك القطع في شئوننا, وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية, وإذا رأينا بعد ذلك قطعا من صنفها فإننا نعرفها, ولا تكون غريبة على عقولنا, ونشعر بحاجة إلى اسم نسمي به هذا الصنف, فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر, أي: من صنف آخر, كالذهب, ولم نكن استعملناه فى شئوننا, وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية, فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه, بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد, ونتصور معناه تصورا ية تلك القطع والنماذج, فوضعنا للجنس الأول اسما هو: عقليا من غير حاجة إلى رؤ الحديد, ووضعنا للجنس الثاني اسما يخالفه هو: الذهب, فالحديد اسم لذلك الجنس, وكذلك الذهب, وغيرهما من أسماء الأجناس, وص رنا بعد ذلك حين نسمع كلمة: الذهب أو ى ذهننا مباشرة مدلولُها الخاص, من الحديد, ندرك المراد منها إدراكا عقليا بحتا, فيقفز إل غير ربط في الغالب بينها وبين ش يء آخر من عنصرها ومادتها, أو من غيرهما, وهذا الفهم العقلي المحض هو ما يُعبَّر عنه بأنه إدراك الماهية المجردة , أي: إدراك حقيقة الش يء الذهنيةالذي يُفهم من الكلمة , وصورته المرسومة في العقل وحده, يريدون بذلك: المعنى (173) نثر الورود 1/111 (174) النحو الوافي 1/191 (175) السابق1/211

عدد الصفحات ٢٧٩

279 فهما عقليا مجردا في الغالب, أي: بعيدا عن عال م الحس وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه, أو غير المصنوعة, والتي تساعد في إيضاح المراد منه, ومثل كلمة: الـ"حديد" غيرُها من أسماء الأجناس كما أسلفنا ومنها: فضة, رجل, خشب. طائر (171). وقال أيضا: يراد بالحقيقة هنا مجموعة الصفات الذاتية, أي: الأساسية الأصلية التي يتكون منها الش يء, وتميز جنسا من جنس, ونوعا من نوع, ولولاها لتشابهت أفرادُ كل , واختلطت. فحقيقة الإنسان هي: مجموعة الصفات الذاتية الخاصة به, والتي تميز نوعه مثلا, وتجعله نوعا مستقلا منفصلا, وتلك الصفات الذاتية في من نوع آخر, كالطائر الإنسان هي: الحيوانية والنطق معا, وحقيقة الحيوان هي: صفاته الذاتية الخاصة به, والتي ت فص ل جنس ه عن جنس آخر, كالنبات, وتفرق بينهما, وهكذا, وتلك الصفات الحركة الاختيارية, ومن مجموع تلك الذاتية في الحيوان هي: الحياة التي مصدرها الروح و الصفات الذاتية للش يء تنشأ حقيقته, وتتكون صورته في الذهن أيضا, لكن كيف تنشأ تلك الصورة الذهنية المحضة ؟ يجيب عن هذا علماءُ المنطق بقولهم: إن الإنسان حين يرى النخلة مثلا أول مرة في عنها غير ه, حتى يعرف أنها شجرة, حياته, يستخدم حواسَّه في كشف حقيقتها, ويسأل وأنها تسمى: النخلة, ويراها مرات بعد ذلك فيقوى إدراكه لها, ثم يرى شجرة برتقال على النحو السالف, وشجرة ليمون وشجرة يوسفي وشجرات أخرى كثيرة, فينتهي عقله إلى ن مجموع معرفة صفات ذاتية مشتركة بين تلك الأشجار المختلفة النوع, ويرسم العقل م تلك الصفات صورةً خيالية للشجرة -أي شجرة كانت -بحيث تنطبق تلك الصورة الخيالية على كل شجرة مهما كان نوعها, فهو قد اهتدى أولا إلى أن الصفات الذاتية المشتركة بين الشجرات الكثيرة هي: الجذور, والجذوع, والفروع, والثمر, والورق, ثم أنشأ اصة لما يسمى: شجرة, فحين يسمع المرء كلمة: شجرة, يسرع عقله من مجموعها صورةً خ فيدرك المراد منها, وهو تلك الصورة التي سبق له أن رسمها من مجموع الصفات الذاتية المشتركة, ولا يدرك سواها, ولا يخصص شجرة معينة, كشجرة نخيل, أو برتقال, أو تلك الصورة الخيالية التي ابتكرها ليمون, أو غيرها, ولا يستحضر في داخله غالبا غير وكوَّنها من قبل, والتي يسميها العلماء حينا: الصورة العقلية المجردة, وحينا: الصورة الذهنية المجردة, أو: الحقيقة الذهنية المحضة, أي: التي لا يحتاج العقل في إدراكها إلى (171) السابق1/23 - 24

عدد الصفحات ٢٨٠

281 لأولى التي كانت استحضار صورة شجرة معينة, أو استرجاع نموذج من الشجرات ا أوصافها الذاتية المشتركة سببا في تكوين الصورة الذهنية لما يسمى: شجرة. فالصورة التي رسمها العقل هي صورة خيالية محضة, لا وجود لها في عالم الحس والواقع, على الرغم من أنه انتزع عناصر تكوينها من نماذج وأشياء محسوسة مشاهدة, ينفرد عن غيره, لكنها تتشابه في صفات ذاتية مشتركة بين الجميع يستقل كل منها بنفسه و كما سبق, وكل واحد من تلك النماذج والأشياء المتشابهة يسمى: حقيقة خارجية, لأنه المدلول الحس ي, والمضمون الواقعي للحقيقة الذهنية, مع خروجه عن دائرة الذهن ة, فكل واحدة من شجرة النخيل, أو المجردة بسبب وجوده فعلا في دائرة الحس والمشاهد البرتقال, أو الليمون, أو ... تصلح أن تكون المدلول الحس ي المقصود من كلمة: شجرة, التي هي حقيقة ذهنية, وإن شئت فقل: إن كل واحد من تلك الأشياء يصلح أن يكون الحقيقة الحقيقة الذهنية الخارجية التي هي مضمون الحقيقة الذهنية, ومدلولها المقصود, وأن تنطبق في خارج الذهن على كل واحد من تلك الأشياء, وتصدُق عليه. ومما سبق نعلم أن مجموع الصفات الذاتية المشتركة بين أفراد الحقيقة الخارجية هو الذي يُك و ن الحقيقة الذهنية المحضة, وأن مدلول الحقيقة الذهنية المحضة ينطبق يقة الخارجية, ويصدق عليه, دون تخصيص فرد أو على كل فرد من أفراد الحق تعيينه(177). هل توجد الحقيقة المطلقة في الخارج ؟ وأصلُ هذا ما يذكره المناطقة من قسمة الكلي إلى: منطقي, وعقلي, وطبيعي. قالوا: الكلي على ثلاثة أقسام: 1 –منطقيمه من وهو مفهومه المعرَّفُ بقولنا: الذي لا يمنع نفس تصور مفهو صدقه على كثيرين, من غير اعتبار ش يء مخصوص من ما ص د قات ه, وسمي منطقيا للبحث عنه في المنطق. 2 –وطبيعيوهو ما صدق عليه هذا المفهوم كحيوان وإنسان وفرس, وسمي طبيعيا لأنه طبيعةٌ من الطبائع وحقيقة من الحقائق. (177) النحو الوافي 1/291 - 297

عدد الصفحات ٢٨١

281 3 –وعقليص د ق ه, وسمي عقليا لأنه لا وجود وهو المجموع المركب من المفهوم وما له إلا في العقل(178). وقد مثل زكريا الأنصاري للثلاثة بالحيوان قال: فإنه من حيث هو هو كلي طبيعي ومن حيث كونه كليا كلي منطقي, ومن حيث إنه مركب منهما كلي عقلي (171). أنه كلي فههنا وقال القاسمي: كالإنسان فيه حصة من الحيوانية, فإذا أطلق عليه ثلاث اعتبارات: أحدها: أن يراد به الحصة التي يشارك بها الإنسان غيره, فهذا هو الكلي الطبيعي, والثاني: أن يراد به أنه غير مانع من الشركة, فهذا هو الكلي المنطقي, والثالث: ن أن يراد به الأمران معا الحصة التي يشارك بها الإنسان غيره مع كونه غير مانع م الشركة, فهذا هو الكلي العقلي (189). وتجري هذه الأقسام في أنواع الكلي الخمسة أيضا: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام, فالجنس المنطقي: هو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في كالجسم جواب ( ما هو ) بحسب الشركة المحضة, والطبيعي: ما صدق عليه هذا المفهوم المطلق والجسم النامي والحيوان, والعقلي مجموعهما, وعلى هذا القياس (181). قال زكريا الأنصاري في الكلي الطبيعي: الراجح أنه موجود في الخارج, لأنه جزءٌ من الحيوان الموجود في الخارج, وجزءُ الموجود موجودٌ (182). قال الشيخ يس الحمص ي: هذا ما قاله القطب ومن تبعه(183). , فقد قال: دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردةً محالٌ, فلا بد لها من شخص تدخل فيه (184). وقال أيضا: المشتركات والكليات لا تقع في الأعيان مجردةً عن المشخصات والمعينات ن المع يَّنات فحق , قال: ويدل من حيث بل ذلك إنما يوجد في الأذهان, وأما وقوعها في ضم العقل على وجود المطلقات في الخارج في ضمن المعينات أن الله تعالى خلق مفهوم الإنسان (178) عليش (ص49) , والصبان (ص 12) (171) فتح الرحمن (ص 54) (189) شرح لقطة العجلان (ص 81) (181) عليش (ص49) (182) فتح الرحمن (ص 54) (183) حاشية الحمص ي على فتح الرحمن (ص 54) (184) الفروق2/425

عدد الصفحات ٢٨٢

282 بالضرورة في الخارج, فهو في الخارج إما وحده, فقد وجد مطلق الإنسان في الخارج, وإما د, لأن الموجود مع غيره موجودٌ أن يكون في الخارج مع قيد , ومتى وُج د مع قيد فقد وُج بالضرورة, فمطلقُ الإنسان في الخارج بالضرورة, وكذلك القول في جميع الأجناس التي نجزم بأن الله تعالى خلقها, قال: فج حْدُ كون الكليات والمشتركات موجودةً في الخارج في ضمن المعينات خلافُ الضرورة (185). الماهية الكلية جزءٌ ذهني للشخص, والذهني لا وقد اعترض السعد هذا الدليل بأن يجب وجوده في الخارج, وإلا لزم اتصافُ الماهية الكلية بصفات متضادة ووجودُها في زمان واحد في أمكنة متعددة, وحقق أن الكلي الطبيعي موجودٌ في الخارج بمعنى أن في الخارج ة لها كانت كليا طبيعيا كزيد وعمرو, شيئا يصدُق عليه الماهية التي إذا اعتبر عروض الكلي وأما كون الماهية مع اتصافها بالكلية واعتبار عروضها لها موجودة في الخارج فلا دليل عليه بل بديهة العقل حاكمة بأن الكلية تنافي الموجود الخارجي (181). قلت: وقد اعترضه ابنُ تيمية أيضا فقال: فإن قيل: يلزم من وجود الجزئي وجودُ ي, أو قيل: المطلق جزءُ المعيَّن, فإن أريد بذلك أنه يوجد جزءا معينا, فإن ما هو الكل مطلق في الذهن إذا وجد في الخارج كان معينا, فهذا حق , قال: وأما إن إريد بذلك أن المطلق الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه هو نفسُه جزءٌ من هذا المعين مع كونه ظاهرة, ونفسُ تصوره كاف للعلم بفساده, فإن الجزئي من معين خاص كليا, فهذا مكابرةٌ والكلي أعم وأكثر منه, فكيف يكون الكثير بعض القليل (187). قال: وفصل الخطاب أنه ليس في الخارج إلا جزئي معين, ليس في الخارج ما هو لحيوان وجدت فيه مطلق عام مع كونه مطلقا عاما, وإذا وجد المعين الجزئي فالإنسان وا إنسانية معينة مختصة مقيدة غير عامة ولا مطلقة, فالمطلق إذا قيل: هو جزء من المعين, فإنما يكون جزءا بشرط أن لا يكون مطلقا عاما, والمعنى أن ما يتصوره الذهن مطلقا عاما يوجد في الخارج لكن لا يوجد إلا مقيَّدا خاصا, وهذا كما إذا قيل: إن ما في نفس ي وجد أو فعل أو فعلت ما في نفس ي, فمعناه أن الصور الذهنية وجدت في الخارج أي: وجد (185) الفروق2/599 –على مواضع من كلام القرافي., وفيه نقود لابن الشاط (181)حاشية الحمص ي على فتح الرحمن (ص 54) , وشرح لقطة العجلان للقاسمي (ص 82 - 83) (187 )الرد على المنطقيين (ص 124)

عدد الصفحات ٢٨٣

283 ما يطابقها(188). وهذا الأصل كثيرا ما يشير إليه ابن تيمية ويقرره, فيقول مثلا: الحقيقة لا توجد عامة في الأعيان, إذ الكليات -بشرط كونها كليات -إنما توجد في الذهن (181) ,وقال أيضا والم طلق إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان (119), وقال: الكلي إنما وجوده كليا في الذهن لا في الخارج (111), وقال: الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان (112) , وقال أيضا والكليات الخمسة: كليات الجنس, والنوع, والفصل, والخاصة, والعرض العام, والقول فيها وا حد, فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا مطلقا, ولا تكون كليةً مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان (113), وقالفإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود, كما تشترك الأناس ي في مسمى الإنسان, والحيوانات في مسمى الحيوان, ولكن هذا المشتر ك الكلي لا يكون مشتركا كليا إلا في ال ذهن, وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفرس (114). قالوم ن فه م الأمر على ما هو عليه, تبين له أنه ليس في الخارج ش يء هو بعينه موجودٌ في هذا وهذا, وإذا قال: نوعُه موجود, أو الكلي الطبيعي موجود, أو الحقيقة موجودة, أو الإنسانية م ن حيث هي موجودة, ونحو هذه العبارات, فالمراد به أنه وجد في هذا نظيرُ ما وجد في هذا أو شبهه ومثله ونحو ذلك, والمتماثلان يجمعهما نوع واحد, وذلك النوع هو الذي بعينه يعُم هذا ويعم هذا, لا يكون عاما مطلقا كليا إلا في الذهن, وأنت إذا قلت: الإنسانية موجودة في ال خارج, والكلي الطبيعي موجود في الخارج, كان صحيحا: بمعنى أن ما ت ص وَّره الذهن كليا يكون في الخارج, لكنه إذا كان في الخارج لا يكون كليا, كما أنك إذا قلت: زيد في الخارج, فليس المراد هذا اللفظ ولا المعنى القائم في الذهن, بل المراد المقصود بهذا اللفظ موجود في ا لخارج (115). (188 )السابق (ص121) (181 )الرد على المنطقيين (ص 123) (119) شرح العقيدة الأصفهانية (ص 54) (111) الرد على المنطقيين (ص 288) (112) السابق (ص 155) (113) منهاج السنة2/581 (114) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 191) (115 )منهاج السنة2/512

عدد الصفحات ٢٨٤

284 قال المقبلي: الوقوع منحصر في المقيد, والمطلق عقلي فقط, ومثله المقيد بالإطلاق فكل الخارجيات مقيدة, فمن ذكر المطلق في الخارجيات فهو غلط أو مغالطة, ولا يغرنك كثرته في كلامهم المزخرف بالفلسفة (111), فاحفظ هذا فإنه نافع جدا(117). نه لا وجود للكلي مطلقا في الخارج على ما بسطه في وقد قال الصبان: التحقيق أ كبيره -يعني الملوي في شرحه الكبير على سلم الأخضري - (118). فاحفظ هذا الأصل فلنا عطف عليه عند الكلام في نسبتي التواطئ والتشاكك اسم الجنس وع ل م الجنس ال الخُسْر وشاهي أن العلماء اختلفوا في الفرق بين اسم الجنس وعلمه, حتى قاعلم شيخُ القرافي: " دخلت الديار المصرية فلم أر من يفرق بين ع ل م الجنس واسمه " اهـ (111). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: اعلم أن الفرق بين علم الجنس واسم الجنس يعسُر فهمُه على كثيرين من طلبة العلم, فقولك ( أسامة ) ع ل ما لجنس الأسد معرفةٌ, لأنه ع ل م, فيجوز الابتداء به بدون احتياج إلى مُسو غ , ويجوز مجيءُ الحال منه متأخرةً نحو: هذا أسامة مقبلا, ولا يجوز دخول الألف واللام عليه, لأنه ع ل م, بخلاف لفظة ( أسد ) اسما لجنس الأسد, فإنها نكرة لا يجوز الابتداء بها إلا بمسوغ, ولا يجيء الحال فيها متأخرة لا بمسوغ, ويجوز دخول الألف واللام عليها, لأنها نكرة, فيعسر الفرق بين ( أسامة ) ع ل ما إ لجنس الأسد, و( أسد ) اسما لجنسه (1999). والذي اختاره ابن خاتمة والبناني والدماميني وكثير من المحققين هو أن كلَّ واحد ع اعتبار وجود ها في منهما موضوعٌ للحقيقة الذهنية, ولكن اسم الجنس موضوع لها م أفرادها الخارجية, وعلم الجنس موضوع ليميزها عن غيرها من الحقائق الذهنية, مع قطع النظر عن وجودها في أفرادها الخارجية, ولهذا كان اسم الجنس كليا وع ل مُ الجنس جزئيا (1991). (111) زهران: ومسألة دخول الكليات في الوجود الخارجي قد طرقها الفلاسفة القدماء. انظر مقدمة في الفلسفة العامة ليحيى هويدي (ص 291 -55 - 58) (117) الأرواح النوافخ ذيل العلم الشامخ (ص 144 - 145) (118) الصبان (ص13) (111) رفع الأعلام (ص 43) (1999) آداب البحث والمناظرة (ص 27 - 28) (1991) رفع الأعلام (ص 43 - 45)

عدد الصفحات ٢٨٥

285 ارق وأوضح الفو التي فرقوا بها بينهما, بل لا يكاد يُعق ل غيره, هو أن علم الجنس روعي فيه القدر المشترك بقطع النظر عن الأفراد, واسم الجنس روعي فيه القدر المشترك لا بقطع النظر عن وجوده في بعض الأفراد. ة مثلا, وإيضاحه أن معنى الأسد م ث لا ش يءٌ واحد, وهو مجموع الحيوانية والافتراسي فالمعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين أفراده ش يء واحد لا تعدد فيه, وإنما التعدد في الأفراد الخارجية المشتركة فيه, فوضعوا علم الجنس لذلك المعنى الذهني, وهو ش يء واحد, فشخَّصوه بالع ل م في الذهن لا في الخارج, كتشخيص المشخص بع ل مه في الخارج, لجنس يُشخص مسماه في الذهن لا في الخارج, وعلم الشخص يشخص مسماه في فعلم ا الخارج. وأما لفظة أسد فإنهم أرادوا به المعنى الذهني المشترك بين الأفراد بدون قطع النظر عن وجود بعض أفراده الخارجية فيه, التي هي محل التعدد. اسم الجنس يراعى فيه وعلى قول من قال: إن اسم الجنس والنكرة ش يء واحد, فإن وجود بعض الأفراد الخارجية في المعنى الذهني الذي هو القدر المشترك, وهو الفرد الشائع في جنسه. فقطعُ النظر مطلقا عن الأفراد الخارجية التي هي محل التعدد, وقصدُ تشخيص الذي يكون المعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين الأفراد, وهو واحد لا تعدد فيه, هو به الاسم المشخ ص لذلك المعنى الواحد في الذهن علم الجنس, وما لم يُقطع النظرُ فيه عن الأفراد الخارجية هو اسم الجنس, لتعدد الأفراد واتحاد المعنى الذهني المشترك بينها(1992). والذي يقرره عباس حسن في الفرق بينهما: أن اسم الجنس كما سلف وُضع للماهية طلقة المجردة عن المشخصات الخارجية أي: بقطع النظر عن جزئياتها الخارجية, وأما الم علم الجنس فهو موضوع لتلك الحقيقة أيضا لكن بقيد كونها مصحوبةً بصورة جزئية لها منتز عة من الخارج حاضرة في الذهن وقت الوضع. (1992) آداب البحث والمناظرة (ص 28 -31 -) وقد 43 - 44)

عدد الصفحات ٢٨٦

286 اسم الجنس إلى ش يء ثالث : ويسوقنا الكلام عن النكرة وعن لا مناص من إيضاحه هنا, وهو: علم الجنس, فما المراد منه؟ وما مدلوله؟ وما أحكامه؟ أطلنا الكلام في اسم الجنس وكرَّرنا له الأمثلة, وانتهينا من كل ذلك إلى أنه الاسم يقة الذهنية الموضوع للصورة العقلية الخيالية, أي: للمعنى العقلي العام المجرد, أي الحق المحضة, وأننا حين نسمع أو نقرأ كلمة شجرة أو إنسان أو معدن, نفهم المراد منها سريعا من غير أن ي ستحضر العقل في الغالب صورةً معيَّنة للشجرة, كالنخلة, أو صورةً معينة للإنسان كحسين, أو صورة معينة للمعدن, كـ ( ذهب ) فقد استغنى العقل عن تلك فردية بعد مشاهدات ه الأولى الكثيرة, وصار يدرك المراد حين يسمع اسم الجنس الصورة ال إدراكا مُجرَّدا, أي: خاليا من استحضار صورة فرد من أفراد ذلك الجنس, ومن غير حاجة في الغالب إلى استرجاع شكله وهيئته كما شرحنا. يمكن بحال أن لكن هناك بعض الصور العقلية ( أي: الصور الذهنية ) لأجناس لا يدركها العقل وحدها من غير أن يتخيل صورة فرد أي فرد من ذلك الجنس, ولا يمكن مطلقا أن يفهم المراد منها من غير أن يستحضر صورة لواحد -أي واحد -تنطبق عليه. مثال ذلك كلمة ( أسامة ) , فإن معناها ( أسد ) لكن لا يدرك العقل معنى أسامة ورة أسد, فالحقيقة الذهنية هنا ليست مجردة من صورة فرد, وإنما إلا مصحوبة بص يلازمها حتما صورةٌ تنطبق عليه, وكذلك كلمة ( ثعالة ) فإن معناها ثعلب, ولكن العقل لا يفهم هذا المعنى منعزلا ولا منفصلا عن مصاحبة صورة لثعلب, وذلك على خلاف كلمة: كلمة أسد وثعلب وأشباهها تدل في عال م الحس أسد وثعلب وأشباههما, وبعبارة أخرى: والواقع على مئات وآلاف من ذلك الحيوان المتوحش, فإذا تخيلنا صورةً ذهنية لواحد من فصيلة الأسد -مثلا -وقد ر س م العقل تلك الصورة في دائرته, بحيث جعلها رمزا يدل على مقصورا عليه ليدل عليه, وينطبق تلك الفصيلة, ووضعنا للرمز ع ل ما خاصا به أي: اسما على كل فرد من أفراد تلك الفصيلة, فإنَّ هذا الع ل م يسمى ع ل م الجنس, أي: علما يدل على ذلك الجنس, ويرشد لكل فرد من أفراده. ومما يوضح هذا المعنى ويُق ر به إلى الفهم ( وإن كان ليس علم جنس ) ما نعرفه في "الجندي المجهول", فإننا حين نسمع: "الجندي المجهول" يتجه عصرنا الحالي من تمثال: عقلنا مباشرة إلى صورة ذلك الجندي, ويستحضر الذهنُ تمثال ه المعيَّن الذي ي رمُز له, وهو تمثال واحد, ورمز مفرد, ولكنه ينطبق في عالم الحس والواقع على الآلاف من الجنود

عدد الصفحات ٢٨٧

287 لفرد القتيل غيرُ معيَّن, وأنه شائعٌ بين أفراد المجهولين, ويجب أن ننتبه إلى أن ذلك ا جنسه, فهو في المعنى كالنكرة, وفي هذا يقول بعض النحاة: إن ع ل م الشخص واقع على الأشخاص, كمحمد, وعلي, فالعلم فيه يخص شيئا بعينه, لا يشاركه فيه غيره, وعلم أسامة, وثعالة, الجنس يخص كلَّ شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم, نحو, فإن هذين الاسمين يقعان على كل ما يقال له: أسد و ثعلب, وإنما كان العلم هنا للجنس ولم يكن كالأناس ي لأن لكل واحد من الأناس ي حالةً مع غيره, م ن بيع وشراء أو زراعة أو غير له من ذلك, فاحتاج إلى اسم ي خُص ه دون غيره, ليكون الاسم دليلا على صاحبه ومميزا غيره, وأما هذه الس باع التي لا تثبت ولا تستقر بين الناس فلا تحتاج إلى أسماء أو ألقاب لتميز أفراد الجنس الواحد بعضها من بعض, فإذا ل ح ق ها اسمٌ أو لقب لم يكن ذلك خاصا بفرد دون آخر, وإنما كان متجها لكل واحد من أشخاص ذلك الجنس, فإذا قلت: أسامة , فكأنك قلت: هذا الضرب, أو: هذا الجنس الذي رأيته أو سمعت به من السباع أو ثعالة وتخيلت صورة فرد منه وقت الكلام, فهذه الألفاظ معارف, إلا أن تعريفها أمرٌ لفظي, وهي من جهة المعنى نكرات, لشيوعها في كل واحد من الجنس وعدم انحصارها في شخص ضوعٌ لكل شخص من هذا الجنس, فو ضْعُ اللفظ للفرد بعينه دون غيره, فكأن اللفظ مو الشائع جع له بمنزلة الع ل م, بالرغم من هذا الشيوع, ومراعاة الواقع الصريح في أن الفرد شائع غير معين جعله بمنزلة النكرة, ومن هنا كان لعلم الجنس اعتباران أحدهما: لفظي عارف, والآخر معنوي يدخله في عداد يُدخ له في عداد الع ل م, والعلم هو نوع من الم النكرة (1993). (1993) النحو الوافي 1/281 –قال الشيخ مصطفى الغلاييني: , وقد ع ل مُ الجنس نكرةٌ في المعنى, لأنه غير مختص بواحد من أفراد جنسه كما يختص علم الشخص, وتعريفه إنما هو من جهة اللفظ, ف هو يُعام ل معاملة علم الشخص في أحكامه اللفظية, والفرق بينهما هو من جهة المعنى, لأن العلم الشخص ي موضوعٌ لواحد بعينه, والعلم الجنس ي موضوع للجنس كل ه, أما من جهة اللفظ فهو كعلم الشخص من حيث أحكامه اللفظية تماما, فيصح الابتداء به مثل "ثعالة مراوغ", ومجيء ال حال منه, مثل "هذا أسامة مقبلا", ويمتنع من الصرف إذا وجد مع العلمية علة أخرى, مثل "ابتعد من ثعالة", ولا يسبقه حرف التعريف, فلا يقال "الأسامة", كما يقال "الأسد", ولا يضاف, فلا يقال "أسامة الغابة", كما تقول "أسد الغابة", وكل ذلك من خصائص المعرفة, فهو بهذا الا عتبار معرفة. والفرق بينه وبين اسم الجنس النكرة, أن اسم الجنس نكرة لفظا ومعنى, أما معنًى فلعدم اختصاصه بواحد معيَّن, وأما لفظا فلأنه تسبقه "أل" فيعرف بها, ولأنه لا يُبتد أ به ولا تجيء منه الحال, وأما علم الجنس فهو نكرة من حيث معناه, لعدم اختصاصه, معرفةٌ من حيث لفظه, فله أحكام العلم اللفظية كما قدمنا. ولا فرق بينه وبين المعرف بأل الجنسية من حيث الدلالة على الجنس برمته, ومن حيث التعريف اللفظي, تقول: "أسامة شجاع,

عدد الصفحات ٢٨٨

288 عن : العلم: هوالموضوع لجزئي ٍ , كزيد. ثم قال في شرحه: هذا هو علم الشخصكجبريل, قال: وتجري , ويكون في الأناس ي كزيد, والملائكة الأعلام في الحيوان البهيمي نحو: داحس والغبراء للخيل, والبلاد كمكة, والجبال كأُحُد, والأنهار كالنيل, والبقاع كنجد وتهامة. وأما علم الجنس كأسامة وثعالة فإنه موضوع لكلي ٍ بقيدِ تشخصه في الذهن , لثعلب أين وجد, وكذلك جميعُ أعلام فيصدق أسامة على كل أسد في العالم, وثعالة على ا الأجناس, وقد ذكر منها صاحب المفصل جملا كثيرة. وتحرير الفرق بين علم الأجناس وعلم الشخص, وعلم الجنس واسم الجنس, وهو من نفائس المباحث ومشكلات المطالب, وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد إلا صرية من يعرفه, وهو: أن الوضع فرعُ التصور, فإذا منه, وكان يقول: ما في البلاد الم استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها, فتلك الصورة الكائنة في ذهنه هي جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد, فإن هذه الصورة واقعةٌ في نفس الواضع وفي هذا رك في مطلق صورة الزمان, ومثلُها يقع في زمان آخر وفي ذهن شخص آخر, والجميع مشت الأسد, فهذه الصورةُ جزئيةٌ من مطلق صورة الأسد, فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس, أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس, وهي من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم, بسبب أنا إنما أخذناها في الذهن مجردة عن الجميع, فلا جرم يصدق لفظ الأسد وأسامة على جميع الخصوصيات, فتنطبق على جميع الأسود لوجود المشتر ك فيها كل ها, فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنية. والفرق بين علم الجنس وعلم الشخص : أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد خص الذهنيالتشخص الخارجي, وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التش (1994). كما تقول: "الأسد شجاع", فهما نكرتان من جهة المعنى, معرفتان من جهة اللفظ, فعلم الجنس عند التحقيق 113 - 114) (1994) شرح التنقيح 1/34 – 31 إذا تقرر هذا فنقول: اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة وقد قال الإسنوي بعد تقريره لعين ما قرره القرافي وضوع للحقيقة من حيث هي متشخصة في الذهن, وعلم الشخص هو الذهنية من حيث هي هي, وعلم الجنس هو الم 1 /291

عدد الصفحات ٢٨٩