225 المعنى, ولا إلى الغائب والمعدوم, ولا يمكن أيضا وضع مثال لدقائق العلوم, ولا للبارئ سبحانه وتعالى وغير ذلك, وأما كونه أيسر فلأنه مواف ق للأمر الطبيعي, لأنه مركَّب من وذلك إنما يتولد من كيفيات مخصوصة ت عر ض للنفس الحروف الحاصلة من الصوت, عند إخراجه, وإخراجُه ضروري, فصُر ف ذلك الأمر الضروري إلى وجه ي نتفع به الشخصُ انتفاعا كليا, وأما الكتابة فهي مساوية للفظ من حيث إن كل ما صح التعبير عنه أمكن أفيد وأيسر وُض ع كتابتُه, لكن اللفظ ف ض لها بأنه أيسر, فلما كان اللفظ (753). أقسام دلالةاللفظ الوضعية تنقسم دلالة اللفظ الوضعيةإلى ثلاثة أقسام: 1 - دلالة مطابقة : وهي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له, كدلالة الإنسان على مجموع الحيوان الناطق (754). يضاوتسمى دلالة المطابقة بالإضافة, وبالدلالة المطابقية بالتوصيف أ (755). وسميت بذلك لمطابقة اللفظ الدال للمعنى المدلول عليه أخذا من قولهم: طابقت النعلُ النعل , وذلك بأن لا يُفهم من اللفظ أكثرُ من المعنى ولا يفهم المعنى بأقلَّ من اللفظ(751). ويقال لهالفظية" لأنها بمحض اللفظ من غير انتقال الذهن من المعنى الموضوع له يء آخر, ويقال لها أيضا "إلى ش نقلية" لتوقفها على النقل عن الواضع (757). 2 - دلالة تضمنوهي دلالة اللفظ على جزء مسماه في ض مْن كل ه.: ولا تكون إلا في المعاني المركبة, كدلالة الأربعة على الواحد ربع ها, وعلى الاثنين نصف ها, وعلى الثلاثة ثلاثة أرباعها. قال: عندي أربعة دنانير, فقلت له: أقرضني دينارا أو دينارين أو فلو سمعت رجلا ثلاثة, فقال لك: لا ش يء عندي من ذلك, فقلت له: سمعتك تقول إن عندك أربعة دنانير, فقال: نعم ولكن لم أقل واحدا أو اثنين أو ثلاثة, فإنك تقول له: لفظ الأربعة التي ذكرت (753) انظر نهاية السول للإسنوي 1/171 –3 / 8 - 1 (754) إيضاح المبهم (ص21) (755) كشاف اصطلاحات الفنون 1/719 (751) الضوء المشرق (ص48) (757) الصبان (ص57)
عدد الصفحات ٢٢٦226 ين نصف ها وعلى الثلاثة ثلاثة أرباعها بدلالة التضمن, لأن يدل على الواحد ربع ها وعلى الاثن الجزء يُفه م في ضمن الكل (758). قال الشيخ محمود المغنيس ي: ومثال الدلالة بالتضمن, كالإنسان, فإنه يدل على الحيوان فقط أو على الناطق فقط بالتضمن لكن لا مطلقا, بل عند إرادة المعنى المطابقيالحيوان الناطق, لأنه ربما يكون اللفظ دالا على جزء معناه , أعني المجموع من المطابقي فقط, ولا تكون دلالته عليه تضمنا بل مطابقة, كما في دلالة لفظ الإنسان على الحيوان أو على الناطق عند إرادة أحدهما منه, لا عند إرادة المجموع (751). التضمن بالذات, بل بالاعتبار, إذ لا تغاير بين دلالتي المطابقة و قال زكريا الأنصاري الفهمُ فيهما واحد, إن اعتبر بالنسبة إلى مجموع جزأي المركب سميت الدلالة مطابقة, أو إلى كل جزء من الجزأين سميت تضمنا (719). وتسمى دلالة التضمن بالإضافة, وبالدلالة التضمنية بالتوصيف أيضا (711) . وضوع لهوسمي تضمنا لأنه يدل على ما في ض من ا (712), وذلك لتضمن المعنى لجزئه, لأن القاعدة أن الكل يتضمن الجزء (713). وقد قال ابن عاشور: شأن دلالة التضمن أن لا تخطر بالأذهان إلا عند التنبيه أو البحث(714). 3 - دلالة التزام : وهي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه ملازم له, كدلالة الأربعة سد على الشجاعةعلى الزوجية والأ (715). قال الشيخ محمود المغنيس ي وهذا أيضا عند إرادة المعنى الموضوع له , لا دلالتُه على الأمر الخارج اللازم مطلقا (711). (758) آداب البحث والمناظرة (ص 29) (751) مغني الطلاب (ص 82) , ولهذا سيرد عليك في المبحث الثالث أن المعنى المجازي مدلولٌ عليه بالمطابقة, فالمجاز المر سل الذي علاقته الكلية دال على معناه بالمطابقة, وليس هو من دلالة التضمن, فتنبه. (719) غاية الوصول (ص23) (711) كشاف اصطلاحات الفنون 1/719 (712) مغني الطلاب (ص82) (713) الباجوري (ص44) (714) حاشية التنقيح1/21 (715) فتح الرحمن (ص 53) , والضوء المشرق (ص 41) , وإيضاح ا بهم (ص 39) (711) مغني الطلاب (ص82)
عدد الصفحات ٢٢٧227 قلت: وهذا الذي أشار إليه الشيخ المغنيس ي في دلالتي التضمن والالتزام لا بد من ز الكلية, وبين دلالة الالتزام الانتباه له حتى لا يحصل تداخل بين دلالة التضمن ومجا ومجاز اللزوم, إذ دلالة التضمن حقيقة, وكذا دلالة الالتزام, أما المجاز فدلالته مطابقة كما سيأتي لاحقا, وهو ما أشار إليه المغنيس ي بقوله ( ربما يكون اللفظ دالا على جزء في دلالة لفظ معناه المطابقي فقط, ولا تكون دلالته عليه تضمنا بل مطابقة, كما الإنسان على الحيوان أو على الناطق عند إرادة أحدهما منه, لا عند إرادة المجموع ) , فشرط الحقيقة في الدلالتين كونهما تبعا للمعنى المطابقي لا استقلالا. لا شبهة أنه قال: فقد وقد رأيت الكشف عن هذا في حاشية التنقيح لابن عاشور, عندما يستعمله –لفظ يعني ال -في معناه أو جزئه أو لازمه تبعا للأصل فهو موصوف بالحقيقة لا محالة, لأن ذلك هو ما وضع له, أما إذا استعمل في غير معناه أو استعمل في جزء معناه استقلالا به لا تبعا لكل ه أو في لازمه استقلالا لا تبعا لملزومه فجميع ذلك مجاز(717). لة الالتزامية أيضاوتسمى دلالة الالتزام والد (718). وسميت دلالة التزام لالتزام المعنى, أي: استلزامه للمدلول (711), ولأن اللفظ لا يدل على كل أمر خارج عن معناه الموضوع له, بل على الخارج اللازم له (779). عند المنطقيين واللزوم -كما سلف -عبارة عن امتناع الانفكاك عن الش يء, وما عن الش يء يسمى لازما, وذلك الش يء ملزومايمتنع انفكاكه (771). والملزوم أصل ومتبوع من حيث إن منه الانتقال, واللازم فرع وتبع من جهة أن إليه الانتقال(772). والتلازم عبارة عن عدم الانفكاك من الجانبين, والاستلزام عن عدمه من جانب نهماواحد, وعدم الاستلزام من الجانبين عبارة عن الانفكاك بي (773). (717) حاشية التنقيح1/39 (718) كشاف اصطلاحات الفنون 1/719 (711) غاية الوصول (ص23) , وانظر التوضيح لحلولو (ص 81) (779) تحرير القواعد المنطقية (ص 21) (771) كشاف اصطلاحات الفنون 2/1495 (772) الكليات (ص122) (773) كشاف اصطلاحات الفنون 2/1495 - 1491
عدد الصفحات ٢٢٨228 واللزوم نوعان 1 -لزومغير بي ِن: وهو أن لا يلزم من فهم الملزوم واللازم الجزم باللزوم بينهما, بل يحتاج إلى واسطة, كالحدوث اللازم للعالم. 2 -لزومِن بي : وهو ما لا يحتاج جزم العقل به إلى واسطة. والأول منهما غير معتبر, والثاني منقسم إلى قسمين: ول الأ -لزوم بي ن بالمعنى الأخص : وهو الذي يكفي في جزم العقل به تصور الملزوم وحده, كالزوجية بالنسبة للأربعة. الثاني - ن لزوم بي بالمعنى الأعم : وهو الذي يتوقف جزم العقل به على تصور رة الطرفين, كمغايرة الإنسان للفرس مثلا, فإنه لا يلزم من تصور الإنسان تصور المغاي المذكورة لكن إذا فُهم الإنسان وفُهمت المغايرة المذكورة جُزم باللزوم بينهما. ووجه تسمية الأول بـ"الأخص" والثاني بـ"الأعم" أنه كلما تحقق الأول تحقق الثاني, لأن كل ما كفى فيه تصور الملزوم يكفي فيه تصور الملزوم واللازم من باب أولى, فإن الملزوم قوةً في الحكم باللزوم, ولا يلزم من تحقق الثاني تحقق تصور اللازم يزيد تصور الأول (774). و المحققونعلى أن المعتبر في الدلالة الالتزامية هو اللزوم البين بالمعنى الأخص ( 775) , وذهبالفخر الرازي ككثير من المتأخرين إلى أنه يكفي اللزوم البين بالمعنى الأعم (771). ثم اللزوم- باعتبار آخر -نوعان أيضا: 1 -لزومعقلي, أي: يحكم العقل المجرد به, بأن يمتنع عقلا تصورُ الملزوم بدون تصور اللازم, كما بين العمى والبصر, فإن العمى موضوع للعدم المقيَّد بالبصر. 2 -ولزومعادي, أي: لا يحكم العقل به إلا بعد ملاحظة الواقع وتكر ر مشاهدة أن يكون لدى العقل ما يقتض ي هذا اللزوم , وذلك كلزوم السواد اللزوم فيه, دون للغراب, فإن العقل يُج و ز غرابا غير أسود , وإنما وقعت الملازمة في الخارج فقط. (774) الباجوري (ص45) , وعليش (ص32) (775) الخبيص ي (ص11) , وانظر الباجوري (ص 45) , وعليش (ص24) (771) الباجوري (ص45)
عدد الصفحات ٢٢٩229 والمعتب ر عند المناطقة إنما هو اللزوم العقلي , لذلك لا يسمى عندهم فهمُ اللازم العادي من اللفظ دلالة التزام (777), وإنما ي سمى بدلالة التزام عند الأصوليين والبيانيين (778). ولا يجب في ذلك التعلق أن يكون مما يُثْبته وقد قال السَّكَّاكي بلسان البيانيين العقلُ, بل إن كان مما يثبته اعتقاد المخاط ب إما لعرف أو لغير عرف أمكن المتكلم أن هوم الأصلي إلى الآخر بواسطة يطمع من مخاط به ذلك في صحة أن ينتقل ذهنه من المف ذلك التعلق بينهما في اعتقاده(771). علماء البلاغة يكفي اللزوم عرفا, وربما اقتض ى ذلك اغتفار وقال ابن عاشور: عند الظن لأن الأمور العرفية مبنية على المقامات الخطابية, فأما أدنى ملازمة فلا تعتبر (789). في الذهن والخارج قسمان: ثم إن اللازم العقلي من حيث الملازمة 1 -لازم في الذهن والخارج معا, كالزوجية للأربعة 2 -لازم في الذهن فقط, كالبصر للعمى, لأن العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا, مع أن بينهما معاندةً في الخارج (781). ا.والمعتبر اللزوم في الذهن بقطع النظر عن الملازمة في الخارج وعدمه مسألة لازم القول والتكفير باللازم ويقال التكفير بالمآل قال ابن رشد في «بداية المجتهد » :معنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفرٌ, ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر, وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم (782). الأشعري رحمه الله إلى التكفير قال ابن عاشور: التكفير باللازم مختل فٌ فيه, فذهب به, وذهب غيره إلى عدم التكفير, وإليه يميل قولُ الشافعي رحمه الله كما في شرح المعالم(783). (777) انظر ضوابط المعرفة (ص 31) , والخبيص ي (ص 11 -32 , ) 39) (778) آداب البحث والمناظرة (ص 21 و22) , وانظر رفع الأعلام (ص 38) (771) مفتاح العلوم (ص339) , وانظر الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني (ص 298) (789) حاشية التنقيح1/28 - 21 (781) المطلع (ص32) , وإيضاح المبهم (ص 39) , والضوء المشرق (ص 39) (782) بداية المجتهد4/242 (783) حاشية التنقيح2/117
عدد الصفحات ٢٣٠231 وأما مذهب مالك فقد قال في «بداية المجتهد » :اختلف قول مالك في التكفير بالمآل(784). قال الشاطبي في « الاعتصام » :لازم المذهب: هل هو مذهب أم لا ؟ هي مسألة مختل ف فيها بين أهل الأصول, والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا: أن لازم المذهب ليس بمذهب, فلذلك إذا قُر ر عليه الخصم أنكره غاية الإنكار(785). الأصول: أن الذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهلوقال أيضا الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال. كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ويرمي مخالفه به, فلو تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها على حال (781). وقد ذكر ابن عاشور أن عدم التكفير باللازم: حكاه سحنون عن جميع أصجاب مالك, وصححه ابن رشد عن مالك(787), وعزاه إليه القرافي, قال ابن عاشور في «حاشية التنقيح » : ومعنى قول المصنف هنا " وهذه القاعدة لمالك " أي: عدم التكفير هو قول مالك(788). على أن ابن عاشور قد ذكر في تفسيره أن القول بأن لازم المذهب مذهب هو الذي نحاه فقهاء المالكية في موجبات الردة من أقوال وأفعال (781). وقال في القول بالتكفير بلازم القول: وهو أيضا معزو لمالك على وجه التخريج من قوله في جنايز المدونة لا يصلى على أهل الأهواء على أحد تأويلين (719). قلت: فههنا احتمالان الأول:أن الخلاف لفظي بأن يكون القولان غير واردين على محل واحد, فالذي قال: لمذهب مذهب, يريد اللازم البي ن, والذي قال: ليس بمذهب, يريد غير البين.لازم ا (784) بداية المجتهد4/242 (785) الاعتصام 2/491 - 492 (781) الاعتصام 3/135 (787) حاشية التنقيح2/111 و135 قال: ونقل عن مالك التوقف أيضا (788) حاشية التنقيح2/111 (781) التحرير والتنوير 23/248 (719) حاشية التنقيح2/115
عدد الصفحات ٢٣١231 قال خليل في مختصره: الردة كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه قال الدَّرْد ير في شرحه: أي: يقتض ي الكفر ويستلزمه استلزاما بينا. فقال الد سوقي محشيا: وأما قولهم: لازم المذهب ليس بمذهب, فمحمول على اللازم (قوله: ويستلزمه إلخ) أي: الخفي(711). وقد قال الشيخ محمد عليش -وقد ولي مشيخة المالكية في الأزهر في عصره –في شرح خليل: تقرر أن لازم المذهب غير البين ليس بمذهب (712). نما هو الكوثري فقال: ما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إوهذا الذي حققه فيما إذا كان اللزوم غير بي ن, فاللازم البين لمذهب العاقل مذهبٌ له, وأما من يقول بملزوم مع نفي ه للازم ه البين فلا يُع د هذا اللازم مذهبا له, لكن يُسق طه هذا النفي من مرتبة العقلاء إلى درك الأنعام, وهذا هو التحقيق في لازم المذهب (713). شور قد قيد اللازم البين الموجب للتكفير بالبين بالمعنى الأخص, فإنه على أن ابن عا لما ذكر القول السالف المعزو لمالك في التكفير بلازم القول قال: ولهذا فالوجهُ التفرقةُ بين اللازم البين بالمعنى الأخص فيضر, لأنه كالمصرح به, وبين غيره فلا, حتى يوقف عليه ما فعل فقهاء بغداد مع الحلاجصاحبُه ويقول بموجبه ك (714). وقال في موضع آخر: والتحقيق التفصيل بين اللازم البين بالمعنى الأخص وغيره, أما من كان صريح مذهبه مخالفة أصول الدين فكافر كالقائلين بنبوة علي وهم الغرابية (715). وأما الاحتمال الثاني: المذهب فهو أن يكون الخلاف حقيقيا, فيكون من قال: لازم ليس بمذهب, قائلا بذلك بإطلاق, أي: سواء كان اللازم بينا أم لا, فلا يسوغ عنده نسبته لصاحب المقال, وهذا ظاهرُ عبارات كثير من العلماء. قال ابن حزم: وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ, لأنه كذ بٌ على م يحصُل على غير التناقض فقط, الخصم, وتقويلٌ له ما لم يقل به, وإن لزمه فل والتناقض ليس كفرا, بل قد أحسن إذ فرَّ من الكفر (711). (711) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/391 (712) منح الجليل1/291 (713 )المجلى لكاملة الكواري (ص 111) (714) حاشية التنقيح2/115 (715) السابق2/135 (711) الف ص ل 3/131
عدد الصفحات ٢٣٢232 وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري اعلموا رحمكم الله أن ما يلزمه الخصم بدعواه فيقول: هذا على أصلكم ومقتض ى علتكم يلزمكم فلا يجوز أن ينسب ذلك إلى صاحب المذهب فيقال: هذا مذهب فلان(717). وقال الذهبي: قال شيخنا أبو الحسين اليونيني: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر (718), فقيل له: هذا مع اعتقاده(711), فكيف هذا ؟ قال: لازم المذهب ليس بمذهب(899). وقال ابن تيميةلازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبا, بل أكثر الناس يقولون أقوالا ولا يلتزمون لوازمها, فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدا للتعطيل, بل يكون معتقدا للإثبات, ولكن لا يعرف ذلك اللزوم (891). وقد قال الشيخ إبراهيم الكوراني في شرح عقيدة القشاش ي في بحث رؤية الله تعالى القيامة: إن المعتزلة قد كفَّرت أهل السنة لقولهم برؤيته سبحانه يوم القيامة, ظنا يوم منهم أن ذلك يستلزم التجسيم , ثم قال: وإن فرضنا أن إثبات الرؤية يستلزم التجسيم لم يلزم من إثباتها كفرٌ, لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب, بل صريح التجسيم مع ما في شرح العقائد العضدية للجلال الدواني, ونقله ابن حجر الهيتمي البلكفة ليس بكفر ك : لازم المذهب ليس بمذهب, ومن ثمة قال الأسنوي المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع أنا لا نكفرهم على المشهور, كما دل شهادات. انتهى. قال: فالحاصل أن من نفى أو أثبت ما هو عليه كلام الشرح والروضة في ال التفرقة والعز بن عبد السلام في فتاويه وغيرهما على عدم كفر القائلين ة: قوله ( إن لازم المذهب ) بالجهة, وقال الشيخ ابن قاسم في حاشية التحفظاهره وإن كان لازما بينا, وهو ظاهرٌ لجواز أن لا يعتقد اللازم وإن كان بينا, وقد صححوا عدم كفر (717) شكاية أهل السنة / طبقات الشافعية الكبرى3/413 (718) قلت: هو الجيلاني الحنبلي المعروف, قال الذهبي ليس في كبار المشايخ من له أحو ال وكرامات أكثر من الشيخ عبد القادر, لكن كثيرا منها لا يصح, وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة اهـ . سير أعلام النبلاء 29/459 (711) قال الذهبييشير إلى إثباته صفة العلو ونحو ذلك, ومذهب الحنابلة في ذلك معلوم, يمشون خلف ما ثبت عن إمامهم -رحمه الله-29/443 (899) تاريخ الإسلام للذهبي 31/11 , وانظر أيضا الوافي بالوفيات للصفدي 11/27 (891 )مجموع الفتاوى 11/411
عدد الصفحات ٢٣٣233 القائل بالجهة, مع أن بعضهم قال: إن لزوم الجسمية لها لزومٌ بين, وقوله (ليس بمذهب ذهب, ويترتب عليه حكمه اللائق معناه: أنه لا يحكم به لمجرد لزومه, فإن اعتقدوه فهو م به. انتهى ما نقله(892). قال ابن حجر الهيتمي النقص إما أن يعتقد اتصاف الله -عز وجل وتبارك وتعالى عنه -به صريحا أو لازما, فالأول كفر إجماعا, والثاني كذلك على خلاف فيه, الأصح منه يكفر بما يلزم من مقالته من عندنا عدم الكفر, فعلم أن نحو المجسم أو الجوهري لا النقص إلا إن اعتقده أو صرح به (893). وقال ابن حجر الهيتمي أيضا: الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نكفر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي, لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم(894). في تكفير أهل الأهواء من الفرق المخالفة لأهل السنة.قلت: وهذا سر الخلاف : وأهل البدع اختلف العلماء في تكفيرهم نظرا لما يلزم من مذهبهم من الكفر الصريح, فمن اعتبر ذلك وجعل لازم المذهب مذهبا كفَّرهم, ومن لم يجعل لازم المذهب مذهبا لم يكفرهم (895). : فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له, وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة, فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قولُه ويسوقه إليه مذهبه, ك فَّره, لأنه إذا نفى ذ لا يوصف بعالم إلا من له علم, فكأنهم صرحوا عنده بما أدى العلم انتفى وصفُ عالم إ إليه قولهم, وهكذا عند هذا سائرُ فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم, ومن لم ير أخذ هم بمآل قولهم ولا ألزمهم موج ب مذهبهم لم ير إكفار هم, قال: لأنهم إذا وُقفوا على , ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا ونعتقد هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم نحن وأنتم أنه كفر, بل نقول: إن قول نا لا يؤول إليه على ما أصَّلناه, فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل, وإذا فهمت ه اتضح لك الموج ب لاختلاف الناس في (892) جلاء العينين (ص493 - 491) (893) الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/47 (894) مرقاة المفاتيح 1/189 (895) شرح تنقيح الفصول 2/114
عدد الصفحات ٢٣٤234 عن الحتم عليهم بالخسران وإجراءُ حكم الإسلام ذلك, والصواب تركُ إكفار هم والإعراضُ عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم, لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى ن نشأ على زمن الصحابة يرجعوا عن بدعتهم, وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم, فقد كا وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال, فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا, لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على ة ممن قدر أحوالهم, لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك, والله الموفق للصواب (891). والسبب في التحرز والتحرج من نسبة اللازم لصاحب المقالة أنه ليس معصوما والأذهان متفاوتة في ملاحظة اللوازم واقتناصها, فقد يغفُل صاحب المقالة عن لازمها الفاسد. بياء يجوز أن يلزم قول ه لوازمُ لا يتفطن للزومها, ولو قال ابن تيمية: م ن سوى الأن تفطن لكان: إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها, بل يرجع عن الملزوم, أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم (897). ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصواب والتحقيق الذي يدل عليه الدليل ح به صاحبُه ولم يُش ر إليه, ولم يلتزمه, ليس مذهبا, لأن أن لازم المذهب الذي لم يُصر القائل غيرُ معصوم, وع لمُ المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر, فب أ ي برهان نُلز م القائل بما لم يلتزمه, ونُق و له ما لم يقله, ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم, فإن لوازم ى صحتها وضعفها وعلى فسادها, فإن الحق لازمُه حق, الأقوال من جملة الأدلة عل والباطل يكون له لوازم تناسبه, فيستدل بفساد اللازم -خصوصا اللازم الذي يعترف القائل بفساده -على فساد الملزوم (898). ثم يتأكد عدم نسبة اللازم لصاحب المذهب فيما لو كان صاحب المقالة لا يقر باللازم بل يصرح بنفيه. (891) الشفا للقاض ي عياض2/213 - 215 (897) القواعد النورانية الفقهية (ص 359) (898) توضيح الكافية الشافية (ص241)
عدد الصفحات ٢٣٥235 ل الشيخ محمد رشيد رضا: لازم المذهب ليس بمذهب عند الجمهور, ولو لم قا يصرح صاحبه بنفي اللزوم, فكيف إذا صرح به (891). قال العز ابن عبد السلام: لا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه وإن كان لازما من قوله(819). ه إذا لم يلتزمه, وقال ابن تيمية: الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب ل فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذ با عليه, بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال(811). وقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الذي يُحكم عليه بالكفر من كان الكفر م يلتزمه وناضل عنه, صريح قوله, وكذا من كان لازم قوله وعُر ض عليه فالتزمه, أما من ل فإنه لا يكون كافرا, ولو كان اللازم كفرا (812). قال ابن الوزير اليمني: ومن أقبح التكفير ما كان منه مستن دا إلى وجه ينكره المخالفُ من أهل المذهب(813). هذا ولابن تيمية تفصيل في مسألة لازم المذهب ذكره في بعض فتاويه, وهذا نص الإنسان نوعان: أحدهما: لازمُ قوله الحق, فهذا مما يجب عليه أن كلامه, قال: لازم قول يلتزمه؛ فإن لازم الحق حق, ويجوز أن يضاف إليه إذا عُل م من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره, وكثيرٌ مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. والثاني: لازم ب التزامه؛ إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض, وقد ثبت أن قوله الذي ليس بحق, فهذا لا يج التناقض واقعٌ من كل عالم غير النبيين, ثم إن عُر ف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه؛ وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قولٌ لو ظهر له فسادُه لم يلتزمه؛ لكونه ل ولا يلزمه.قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القو وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما, فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو (891) تفسير المنار 19/259 (819) قواعد الأحكام 1/293 (811) مجموع الفتاوى 29/217 (812) فتح المغيث2/73 (813) إيثار الحق على الخلق (ص 371)
عدد الصفحات ٢٣٦236 قوله, وما لا يرضاه فليس قوله, وإن كان متناقضا, وهو الفرق بين اللازم الذي يجب لازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه, فإذا عرف هذا عرف الفرق بين التزامه مع الملزوم وال الواجب من المقالات والواقع منها. وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصر ح هو بعدم لزومها, فأما إذا نفى هو اللزوم لم ي جُز أن يضاف إليه اللازم بحال (814). وقال عقبه: وهو تفصيل راع ى فيه ما عليه أتْباع الأئمة من إضافة ما يجري على قواعدهم إليهم, وجعل ه قولا لهم, بحجة أن قواعدهم لا تأباه, أو أنه يعلم من حاله أن لا يمتنع من التزامه, كما قاله تقي الدين, ولا يخفى أن فة مطلقاالأقعد هو التورع عن الإضا , فإن الذي يضاف إلى المرء هو ما قاله أو رواه عنه ثقة, وأما تقويل الإنسان ما لم يقل وإلزامه إياه, وأخذ نتائج منه, فهذا لا يدل عليه منقول, ولا يؤيده معقول, ولا جرى عليه التابعون بإحسان, وإنما نشأ هذا لما استفحل أمر التقليد, وعوملت أقوال المتبوعين ملة أقوال المعصوم ونصوص الكتابمعا (815) -نعوذ بالله من ذلك-, وذلك ظاهرٌ لمن له أدنى إلمام بس يْر القرون, واختلاف حال السلف عن الخلف في تحمل العلوم على أصولها (811). قلت: وهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه البتة, وهو أن لازم القول ليس قو سبته للقائل, إذ هو لم يقله, فنسبته إليه كذبٌ عليه, غايةُ ما مطلقا, بمعنى عدم جواز ن ث مَّ أن يُستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم, فيقال مثلا: هذا القول يلزمه كذا وكذا, وهذا فاسد, وإذا فسد اللازم فسد الملزوم كما هو معلوم. (814) مجموع الفتاوى 21/41 - 42 (815) قال أبو شامة المقدس ي: ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على نصوص إمامهم معتمدون عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب والسنة قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين: الأول: أنهم يختلفون كثيرا فيما يلق ونه من نصوص الشافعي, وفيما يصححونه منها, وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية, فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء, والمرجع في هذا كل ه إلى إمام واحد, وكتبه مدونة مروية موجودة, أفلا كانوا يرجعون إليها وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها, و أجود تصانيف أصحابنا من الكتب فيما يتعلق بنصوص الشافعي كتاب التقريب أثنى عليه أخبر المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي اهـ ما أردنا نقله من كتاب مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص 47 - 48) , وهو في مجموعة الرسائل المنيري ة 3/28 (811) تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص 35 - 31)
عدد الصفحات ٢٣٧237 : يان عروة هذا القول ويشدان عليهاثم هناك سببان يقو أما بب الأول:السفهو ما عمَّ وطمَّ من التساهل والمجازفة في نسبة المقالات بناء على الإلزام باللوازم, فلا شك أن إطلاق القول بأن لازم المذهب ليس بمذهب سيقلل دائرة النزاع, ويحسم مادة شقاق واسعة, إلا من طبع على التقليد. : رأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في الن ح ل والديانات من بين مُقص ر فيما يحكيه وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه, ومن بين معتمد (817) للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه, ومن بين تارك للتقص ي في روايته لم ا يرويه من اختلاف المختلفين, ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة ت لزمهم به, وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين (818). وأما المتأخرون وقال ابن عاشور –وخصوصا الأشاعرة –فقد أكثروا من الأخذ موها بها الكفر حتى كفَّروا المعتزلة الذين هم باللوازم, وفتشوا لكل طائفة عن مقالة ألز أقربُ الناس وفاقا معهم, وقد ترقوا فألزموا أصحاب هم أيضا لوازم سيئة, مثل ما ألزموا الإمام الرازي القول بإمكان الصفات الإلهية كما قال الفلاسفة, من أجل قوله: " إن واجب الوجود لا يتعدد " (811), مع أنه يريد التعدد ال ذاتي, وأكبره عليه ابن التلمساني, ولكن وافقه عليه مثل التفتازاني في شرح العقائد النسفية والسيالكوتي في حواشيه (829). (817) كذا في المطبوع, ولعلها (818) مقالات الإسلاميين 1/21 (811) قال الشيخ محمد الد سوقي في حاشيته على شرح أم البراهين (ص 117) : واعلم أن ذاته تعالى وصفاته كل منهما قديم بالذات وبالزمان لأن كلا م نهما لم يفتقر في وجوده لمؤثر ولا أول لوجوده خلافا لما ذهب إليه الأعاجم كالفخر والسعد والعضد من أن صفاته قديمة بالزمان فقط لأنها ناشئة عن المولى بطريق العلة, فهي عندهم ممكنة لذاتها واجبة لغيرها, وقد شنع ابن التلمساني على من قال بذلك كما في الكبرى اهـ . انظر شرح الصاوي على جوهرة التوحيد (ص 115 -114 -) . قال زهران: ثم إن هذا , وهو في فتلخص مما قاله الإمام أن , قال الإسنوي الصفات واجبة للذات لا بالذات, أي: واجبة لأجل الذات المقدسة, لا أن ذات الصفات اقتضت وجوب وجود نفس ها اهـ زلة . قال زهران: ولا ينبغي إغفال كون الرازي صرح بهذا في مقام دفع إلزام المعت أهل السنة القول بتعدد القدماء لقولهم بإثبات الصفات. ( راجع نهاية السول في الموضع السابق ) وقد قال التفتازاني بعد أن نقل عن حميد الضرير ومن تبعه التصريح بأن واجب الوجود لذاته هو الله تعالى وصفاته, قال:
عدد الصفحات ٢٣٨238 وأما السبب الثاني: فهو أن الفرق بين اللازم البين وغير البين أمرٌ نسبي إضافي, فالفرق كما سلف هو أن غير البي ِن طرفين على هو الذي يتوقف جزم العقل به بين ال الواسطة والدليل, وأما البين فهو ما لا يحتاج جزم العقل به إلى واسطة. قال ابن تيمية في «الرد على المنطقيين » : لا ريب أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما لزومُه بي نٌ للإنسان, وإلى ما ليس هو بي نًا, بل يفتقر ملزومه إلى دليل, وكونه بي ِن ا للإ نسان وغير بين ليس هو صفة الش يء في نفسه , وإنما هو إخبار عن علم الإنسان به وتنبيه له, فهو إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي , فما كان بينا للإنسان معلوما له موجودا في ذهنه لم ي حت جْ فيه إلى دليل, وما لم يكن كذلك احتاج فيه إلى دليل, وكون الش يء بي نًا وغير بين نسبةٌ وإضافةٌ بين المعلوم والإنسان العالم, وهذا يختلف فيه أحوال الناس, فقد يتبين لزيد ما لا يتبين لعمرو, فإنَّ أسباب العلم وقوة الشعور وجودة الأذهان متفاوتةٌ, فلا يلزم إذا تبين لإنسان ثبوتُ بعض الصفات أو لزومُها أو اتصافُ الموصوف بها أن يتبين ذلك لكل أحد, ولا يلزم إذا خ ف ي على بعض الناس أن يكون خفيا على كل أحد. وحينئذ فإذا فُر ق بين الأوَّلي وغيره بأن الأوَّليَّ لا يحتاج إلى وسط, فبين كون القضية أوَّليةً أو غير أولية فرقٌ إضافي بحسب أحوال الناس, فيكون ذلك بمنزلة أن يقال: القضية كون معلومةً وإما أن لا تكون, وإما أن تكون ظاهرةً وإما أن لا تكون, وإما أن تكون إما أن ت واضحة وإما أن لا تكون, وإما أن تكون ج ليَّة وإما أن لا تكون, وإما أن ي تصور الإنسانُ ص دق ها وإما أن لا يتصور, وهذا فرق صحيح, فإن كلَّ قضية بالنسبة إلى كل أحد إما أن ة له وإما أن لا تكون بينة له, ولكن ليس هذا الفرق يميز بين أجناس القضايا تكون بين لواجب لذاته مناف للتوحيد, والقول بإمكان الصفات ينافي قول هم وهذا كلامٌ في غاية الصعوبة, فإنَّ القول بتعدد ا 15 -) , وقال في موضع آخر: فالأولى أن يقال ها, بل المستحيل تعدد ذوات قديمة لا ذات وصفات, وأنه لا يُجترأ على القول بكون الصفات واجبة الوجود لذات يقال: هي واجبة لا لغيرها, بل لما ليس عين ها ولا غير ها, أعني ذات الله تعالى وتقدس, ويكون هذا مراد من قال: "الواجب الوجود لذاته هو الله تعالى وصفاته" بمعنى أنها واجبة لذات الواجب تعالى وتقدس, وأما في نفسها فهي ا كان قائما بذات القديم واجبا له غير منفص ل عنه الخ اهـ . من شرح العقائد ممكنة, ولا استحالة في ق د م الممكن إذ 81 )وقد قال ابن تيمية في الرد على المنطقيين (ص 271) : وأما نفس صفاته فليس لها فاعل ولا علة فاعلة ولا علة غائية ولا صورية, فهي واجبة الوجود إذا عُن ي بواجب الوجود أحد هذه المعاني, وإن عني بواجب الوجود ما هو أعم من ذلك, حتى يدخل فيه ما ليس له محل يقوم به, فليست واجبة الوجود بهذا التفسير, بل هي ممكنة الوجود والذات مستلزمة لها وهي محل لها اهـ . (829) أليس الصبح بقريب (ص 182)
عدد الصفحات ٢٣٩239 حتى يُجع ل جنسٌ منها بتمامه من قبيل غير البين, وجنسٌ آخ رُ بتمامه من جنس البين فإن هذا الفرق لا يعود إلى صفة لازمة للقضية كما ادعاه من أن اللازم البين ما ثبت مر, واللازم غير البين ما كان ثبوته بوسط في نفس الأمر, للموصوف بلا وسط في نفس الأ بل جميع اللوازم للموصوف ليس بينها وبين الموصوف وسطٌ أصلا في نفس الأمر (821). وعليه فالمختار ما قرره سحنون وابن رشد, فقد ذكر ابن عاشور في تفسيره أن » في كتاب الجنائز وكتاب المرتدين خلاصته: أنه لا بد من تنبيه م ن يصدر منه مثلُ هذا على ما يلزم قول ه من لازم الكفر, فإن التزمه ولم يرجع عُدَّ كافرا, لأن المرء قد يغفُل عن دلالة " الالتزام (822). : قال سحنون فيمن صدر منه قول ثم نقل في موضع لاحق نحو ه عن سحنون, فقال أو فعل يستلزم كفرا: إنه يحضر ويُوق ف على لازم قوله, فإن ف ه مه والتزم ما يلزمه حينئذ يعتبر مرتدا, ويستتاب ثلاثة أيام بعد ذلك (823). وقد ع ل م كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق قال الشوكاني لمخاطرة بدينه فعلى نفسه جنىالأقدام, فمن أراد ا (824). فنسأل الله العصمة من الزلل في هذا الباب الخطير دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء واعلم أن دلالة الالتزام شاملة لدلالة الاقتضاء, ودلالة الإشارة , ودلالة الإيماء(825). 1 – أمادلالة الاقتضاء عليه صدق فهي: دلالة اللفظ على معنى مضم ر يتوقف الكلام, أو صحته عقلا أو شرعا. وفي «نشر البنود » : هو أن يدل لفظٌ بالالتزام على معنًى غير مذكور مع أنه مقصودٌ بالأصالة ولا يستقل المعنى أي: لا يستقيم إلا به لتوقف صدقه أو صحته عقلا أو شرعا عليه وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعا (821). (821 )الرد على المنطقيين (ص 444) قلت: ولا يخفى عليك أن ه ذا التقرير مما يمت بسبب وثيق إلى ما سلف في مبحث المعلوم من الدين بالضرورة, بل هو هو. (822) التحرير والتنور 5/113 (823) التحرير والتنوير 11/118 (824) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار 4/589 (825 )الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة لزكريا الأنصاري (ص 71)
عدد الصفحات ٢٤٠241 عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا فالأول كقوله صلى عليه. فإن مقتضاه رفعُ ذات الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه, وهذا مستحيل, لأن هذه الأمور قد وقعت, فحتى يصْدُق الكلام يجب تقدير معنًى مضمر , وهو: رفع الإثم م, ويصير معناه: رفع عن أمتي إثم الخطأ المترتب عليها, والمؤاخذة بها, وبهذا يصدق الكلا والنسيان وما استكرهوا عليه. والثاني كقوله تعالى: ( و اسْأ ل الْق رْي ة ) أي: اسأل أهل ها, إذ يستحيل عقلا أن يسأل القرية, وهي الأبنية المجتمعة, ولذلك كان لا بد من تقدير معنى محذوف تتوقف عليه صحة الكلام, ألا وهو الأهل. وأما الثالث فقوله تعالى: ( ف م نْ ك ان م نْكُمْ م ر يضًا أ وْ ع ل ى س ف ر ف ع دَّةٌ م نْ أ يَّام أُخ ر ) أي: من كان مريضا أو على سفر " فأفطر " فعليه صيامُ عدة ما أفطره من أيام أُخ ر , لأنه إن صام في سفره أو مرضه فلا قضاء عليه. ومثله قوله تعالى: ( أ وْ ب ه أ ذًى م نْ ر أْس ه ف ف دْي ةٌ ) أي: فحلق شعره (827). وسميت دلالة اقتضاء لاقتضاء الكلام شيئا زائدا على اللفظ(828), وقيل: لأن المعنى يقتضيها لا اللفظ(821). 2 –وأما دلالة الإشارة فهي دلالة اللفظ على ما لم يُقص د به. غير مقصود, ولا س يق له النص, ولكنه وقيل في حدها أيضا: دلالة اللفظ على حكم لازمٌ للحكم الذي سيق لإفادته الكلامُ (839). مثالها قوله تعالىأُح لَّ ل كُمْ ل يْل ة الص ي ام الرَّف ثُ إ ل ى ن س ائ كُمْ ) فإنَّ هذا اللفظ يدل على صحة صوم من أصبح جُنُبا, وإن لم يكن هذا المعنى مقصودا من اللفظ في ال وضع, لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعد ه ما يتسع للاغتسال من الليل يلزم منه إصباحُه جنبا. (821) نشر البنود 1/12 (827) الوجيز في أصول التشريع الإسلامي (ص 124 -), ومذكرة 318 - 311) (828) نزهة الخاطر العاطر 2/253 (821 )نشر البنود 1/12 (839) أمالي الدلالات (ص 117)
عدد الصفحات ٢٤١