المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجواهر المضية في ثلاثة مباحث علمية لطلاب العلوم العلية

زهران كاده

صفحة ١٤ من ٢٩

219 اعلم أنَّ الرياء في العبادات ش ركٌ وتشريك مع الله تعالى في طاعته, وهو موج ب عليه الإمام المحاسبي وغيره, ويعضده للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نصَّ ما في الحديث الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي " , فهذا ظاهرٌ في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى, وكذلك قوله تعالى ( و م ا أُ م رُوا إ لاَّ ل ي عْبُدُوا اللَّه مُخْل ص ين ل هُ الد ين ) يدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به, وما هو غير مأمور به لا يجزي عن المأمور به, فلا يعتد بهذه العبادة, وهو المطلوب. ه والمتقرَّب به إلى وتحقيق هذه القاعدة وس ر ها وضابطُها أن يعمل العمل المأمور ب الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يُعظ م ه الناس أو يعظُم في قلوبهم فيصل إليه نفعُهم أو يندفع عنه ضررهم. فهذا هو قاعدة أحد ق سم ي الرياء. والقسم الآخر: أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط. سم رياء الإخلاص, والقسمُ الآخر يسمى رياء الشرك, لأن هذا لا ويسمى هذا الق تشريك فيه بل خالصٌ للخلق, والأولُ للخلق ولله تعالى. وأغراض الرياء ثلاثة: التعظيم, وجلب المصالح الدنيوية, ودفع المضار الدنيوية, عنه المفاسد, والأخيران يتفرعان عن الأول فإنه إذا عُظم انجلبت إليه المصالح واندفعت فهو الغرض الكلي في الحقيقة, فهذه قاعدة الرياء المبطلة للأعمال المحرمة بالإجماع. وأما مطلق التشريك كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال من الغنيمة, فهذا لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع, لأن الله تعالى جعل له هذا في هذه ن جهاده ليقول الناس إنه شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر إعطاءه من العبادة, ففرق بي بيت المال, فهذا ونحوه رياء حرام, وبين أن يجاهد ليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو, فهذا لا يضره مع أنه قد أشرك, ولا يقال لهذا: رياءٌ, فسبب الرياء أن لقه, والرؤية لا تصح إلا من الخلق, فمن لا ي رى ولا يبص ر لا يعمل ليراه غيرُ الله تعالى من خ يقال في العمل بالنسبة إليه رياء, والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنه ي رى أو يبص ر, فلا يصدق على هذه الأغراض لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها, وكذلك من حج ده أو كله السفر للتجارة خاصة ويكون وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصو الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود ويقع تابعا اتفاقا, فهذا أيضا لا يقدح في صحة

عدد الصفحات ٢١٠

211 الحج ولا يوجب إثما ولا معصية, وكذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل له زوال ه مرض من الأمراض التي ينافيها الصيام ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصود والصوم مقصوده مع ذلك وأوقع الصوم مع هذه المقاصد لا تقدح هذه المقاصد في صومه بل أمر بها صاحب الشرع في قوله -صلى الله عليه وسلم –" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " , أي: قاطع, لو كان ذلك قادحا لم يأمر به فأمر بالصوم لهذا الغرض, ف -عليه الصلاة والسلام -في العبادات وما معها, ومن ذلك أن يجدد وضوءه ليحصل له التبرد أو التنظيف. وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيمُ الخلق بل هي تشريك أمور من مصالح ات.ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم, فلا تقدح في العباد فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات غرضًا آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك, نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب, أما الإثم والبطلان فلا ه, ومن جهته حصل الفرق لا من جهة كثرة الثواب وقلته اهـ كلام القرافيسبيل إلي (115). هذا وقد سئل ابن حجر الهيتمي كما في «الفتاوى الحديثية »: هل التعبدي أفضلُ أم معقولُ المعنى ؟ فأجاب بقوله: قضيةُ كلام العز بن عبد السلام أن التعبديَّ أفضلُ, لأنه لمحض ما ظهرت علتُه, فإنَّ مُلاب س ه قد يفعله لأجل تحصيل مصلحته وفائدته, الانقياد, بخلاف وخالفه البلقيني فقال: لا شك أن معقول المعنى من حيث الجملة أفضلُ لأن أكثر الشريعة كذلك, وبالنظر للجزئيات قد يكون التعبدي أفضل كالوضوء وغسل النجاسة, فإن معقولُ المعنى أفضل كالطواف والرمي, فإن الوضوء أفضل وإن كان تعبديا, وقد يكون الطواف أفضل من الرمي, وذلك باعتبار الأدلة والمتعلقات, فلا يطلق القول بأفضلية أحدهما على الآخر انتهى. وكون الوضوء تعبديا رأيٌ للإمام (111) والأوجه خلافه, وكون الطواف معقولا دون الرمي فيه نظر, بل إما أن يقال: إنهما معقولا المعنى كما بينته في «حاشية الإيضاح» , أو تعبديان كما ذكره بعضهم. (115) الفروق2/733 - 735 (111) إذا أطلق الإمام عند فقهاء الشافعية فالمقصود إمام الحرمين الجويني رحمه

عدد الصفحات ٢١١

211 وقد يقال: كلامُ العز بن عبد السلام لا ينافي التفصيل الذي ذكره, لأنه ذكر حيثية التفضيل, فلا يبعد أن يكون التعبدي أفضل من تلك الحيثية وإن كان معقولُ المعنى انه وتعالى أعلم بالصواب اهـ كلام ابن حجرأفضل من حيثية أخرى, والله سبح (117). قلت: المختار قول البلقيني ( فلا يطلق القول بأفضلية أحدهما على الآخر إذ غاية ما يستدل ب ه في المفاضلة أن في أحدهما مزيةً على الآخر, والمزية الخاصة لا تستلزم التفضيل العام كما هو معلوم (118), والعلم عند الله تعالى قال الأوائل رض ي الله عنهم: ( س م عْن ا و أ ط عْن ا غُفْر ان ك ر بَّن ا و إ ل يْك المْ ص يرُ )ثم الأمر كما فالمسلم من وراء هذا كل ه يكفيه أن يعلم أن الله , -جل وعلا -هو الذي شرع الحُكْم ليذعن وينقاد لأمر ربه -تعالى -المصالح, فإن وقف على موقنا بأنه العالم الخبير بمواقع آم نَّا ب ه كُل م نْ قال الراسخون في العلم: ( ش يء من الح ك م والأسرار فبها ونعمت, وإلا فكما . ) ع نْد ر ب ن ا الأصل في الأحكام التعليل ثم من المناسب لما سلف أن نقرر أن غالب الأحكام معلَّل لا تعبدي, وهذا يفيدنا في حكام, وذلك للرد إليه عند الحاجة.معرفة الأصل في الأ وقد تقدم نقلُ ابن حجر الهيتمي عن السراج البلقيني (111) أنأكثر الشريعة معقول المعنى(799). (117 )الفتاوى الحديثية (ص31 - 37) (118) قال أبو عبد الله الم قَّري في القواعد 2/411 : إن الاختصاص يستلزم الرج حان من ذلك الوجه, لا مطلقا اهـ . وقد قال القرافي: ولنا هاهنا قاعدة وهي: الفرق بين الأفضلية والمزية, وهي أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل, فيكون المجموعُ الحاصل للفاضل لم يحصل للمفضول مع أنه حصل للمفضول في المجموع الحاصل 2 /588 -) في الفرق الحادي والتسعين بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية. ولا يلزم من تفضيل إيمان على آخر من حيثية تفضيلُه عليه من سائر الحيثيات, ولا ولهذا قال الآلوس ي: فإن الأفضلية تختلف بحسب الإضافات والاعتبارات, وقد يوجد في تفضيل المتصف بأحدهما على المتصف بالآخر, 1 /118 (111) سراج الدين البلقيني عمر بن رسلان ( 895 هـ), قال له ابن كثير: أذكرتنا ابن تيمية, وكذلك قال له ابن شيخ الجبل: ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك, و قال ابن حجر: كانت آلات الاجتهاد فيه كاملة. (799 )الفتاوى الحديثية (ص31)

عدد الصفحات ٢١٢

212 قال القاض ي أبو بكر ابن العربي الغالب في أحكام الشرع اتساقها في نظام التعليل من معناها, ولكن فرض إلا نبذا شذت لا يمكن فيها إلا رسمُ اتباع دون أن يُعق ل ش يء المجتهد إذا جاء حكم وعرضت نازلة أن يلحظ سبيل التعليل ويدخلها في محك السبر والتقسيم, فإن انقدح له معنى مخيل أو ظهر له لامع من تعليل فينبغي له أن يجعله مناط حكمه ويشد عليه نطاق علمه, فإن أبهمت الطريق ولم يتضح له سبيل ولا اتفق كم بحاله وتحقق عدم نظرائه وأشكالهتر ك الح (791). وقال ابن دقيق العيد: متى دار الحكم بين كونه تعبدا أو معقول المعنى كان حمله على كونه معقول المعنى أولى لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى (792). إضافة الحكم إليها مع وقال القرافي: في كلام الشرع إذا ظ ف رنا بالمناسبة جز مْنا ب تجويز أن لا يكون الحكم كذلك عقلا, لكن الاستقراء أوجب لنا ذلك, ولا نعرج على غير ما وجدناه, ولا نلتزم التعبد مع وجود المناسب, هذا مما أجمع عليه الفقهاء القياسيون وأهل النظر والرأي والاعتبار ( 793). ا فه مه علماء الإسلام من عهد وقال ابن عاشور: فإن حجتنا في هذا الباب هو م الصحابة فما بعده الذين لا تجري أعمالُهم إلا على ما ر س م لهم الدين, فإنا نرى جميع تصرفاتهم في تلقي الدين جاريةً على اعتبار أحكام الشريعة معللة ومنوطة بح ك م ترجع إلى وإلا سمَّيْنا الحكم جلب المصالح ودرء المفاسد, فإن بحثنا عليها واطلعنا عليها فذاك, تعبديا أي: لم نطلع على حكمته, ولذلك لم يختلف علماء الإسلام في إثبات القياس إلا من لا يُعتد بخلافه فيه, وباعتبار الأحكام معللةً أفصح الأئمة (794). ولهذا قال صاحب «المنار » : والأصول في الأصل معلولة (795), فقال ابن نجيم في شرحه: لأن الأدلة قا ئمة على حجية القياس من غير تفرقة بين نص ونص, فيكون التعليل هو الأصل إلا بمانع , مثل النصوص في المقدرات من العبادات والعقوبات (791). (791 )المحصول في أصول الفقه لابن العربي (ص 132) (792 )إحكام الإحكام في شرح عمدة الأحكام (ص 33) (793) الفروق1/132 (794) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 57) (795) قال ابن الصلاح في «مقدمته» : النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل, قال: ويسميه أهل الحديث (المعلول), وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: " العلة والمعلول " مرذول عند أهل العربية واللغة اهـ . فقال الزركش ي في «النكت على ابن الصلاح »: قد سبقه إلى إنكار هذا جماعة منهم الحري ري فقال:

عدد الصفحات ٢١٣

213 وذكر العلاء البخاري في «كشف الأسرار » أنعامة مثبتي القياس يقولون: إن الأصول معلولة, قال: أي: الأصل فيها التعليل , ولكن بوصف قا م الدليل على تميزه من بين سائر الأوصاف في كونه متعلَّق الحكم لا بكل وصف , يعني: لا حاجة في تعليل كل نص إلى إقامة الدليل على أن هذا النص معلول, بل يكتفى فيه بأن الأصل في النصوص التعليل, لكن يحتاج فيه إقامة الدليل على أن هذا الوصف من بين سائر الأوصاف هو الذي تعلق الحكم به(797). وقد قال المقري: الأصل في الأحكام المعقوليةُ لا التعبد (798). وقالالحسين بن محمد المغربي في «البدر التمام » :الأصل في الأحكام التعليل (791). : الأصل عدم التعبد إلا لدليل (719). المعلول لا يستعمل إلا مفعولا كقوله: عله يعله ويعله إذا سقاه ثانيا, قال: وإطلاق الناس له على الذي أصابته العلة وهم, فإنه إنما يقال لذلك معل, وقال: صوابه معتل أو معلل لأنه من الاعتلال, والعرف فيه أن فعله رباعي, نقول: أصابك بعلة, وهذا معنى قول المصنف مرذول, لأن المعروف عله بالشراب فهو لا أعلك الله, قال الجوهري: أي: لا معلول, أي: سقاه مرة بعد أخرى, وأعله فهو معلل, ولا يقال معلول, قال صاحب المحكم: استعمل أبو إسحاق يعني ي مثل هذا كثيرا, الزجاج لفظه المعلول في المتفاعل من العروض, ثم قال: والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول ف ولست منها على ثقة ولا ثلج, لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معلل, اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومشلول, من أنهما جاءا على جننته وشللته وإن لم يستعملا في الكلام واستغني عنهما بأفعلت, يقولون جعل منه الجنون والشل كما قالوا حرق وقتل انتهى. والصواب أنه يجوز أن قال: وإذا قالوا جن وشل فإنما يقال: عله فهو معلول من العلة والاعتلال, إلا أنه قليل, ومنهم من نص على أنه فعل ثلاثي وهو ابن القوطية في رب في كتاب فعلت كتاب الأفعال فقال: عل الإنسان علة مرض, والش يء أصابته العلة انتهى. وكذلك قاله قط وأفعلت, وكذلك الليلي, وقال أحمد صاحب الصحاح عل الش يء فهو معلول من العلة, ويشهد لهذه العلة قولهم: عليل, كما يقولون: قتيل وجريح. وقد سبق نظير هذا البحث في المعضل, وظهر بما ذكرناه أن قول المصنف ( مرذول ) أجود من قول النووي ن اللحن ساقط غير معتبر البتة بخلاف المرذول.في اختصاره ( لحن ) لأ وأما قول المحدثين: علله فلان بكذا, فهو غير موجود في اللغة, وإنما هو مشهور عندهم بمعنى ألهاه بالش يء وشغله من تعليل الصبي بالطعام, لكن استعمال المحدثين له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة اهـ . النكت على 2 /294 - 291 (791) فتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم الحنفي 3/14 (797) كشف الأسرار 3/213 (798 )عمل من طب لمن حب (ص142) , وانظر «القواعد » له أيضا1/211 (791) سبل السلام للصنعاني1/22 (719 )نهاية المحتاج 1/231

عدد الصفحات ٢١٤

214 وقال ابن قدامة فيبعض المسائل من « المغني » :التعليل واجب مهما أمكن , وقد أمكن هاهنا, فلا يصار إلى التعبد المحض (711). خاتمة في الكلام عن الحِكم والأسرار في الأحكام لا بد أن نعلم أن الأسرار والحكم المستنبطة تتفاوت قوة وضعفا, وقد يتكلف بعض نعاني فقال: وليس المراد من العلماء في ذلك ما لا يحسُن, وقد نبه على هذا الأمير الص المعاني المعقولة إلا ما قادت النصوص ولو ظاهرة إلى عللها وبواعثها لا ما يمكن تتبعه بالتبخيت والتخمين, فإنه لا يبقى ش يء أو لا يكاد إلا وأمكن التبخيت لعلته, لكنه تهج مٌ بعض المتأخرين لهذا على الجناب المقدس, وهجوم على تعليل أحكامه بلا ث ب ت, كما وقع ل الشأن فأتى بما تمُج ه الأسماع (712). وقد أحسن الشيخ محمد الصالح بن مراد عندما قال: وقد ذكر العلماء رض ي عنهم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوج كلَّ واحدة منهن لسبب خاص, معترفين بأن ما إنما هو بمحض التخمين, وإلا حصلوا عليه من الح ك م القاضية باختيارهن وتعدادهن, فإن أسرار سيرته عليه السلام أعلى أن تحيط بها الأفكار, وتعطي فيها قولا جازما صريحا (713). أما حكمة هذا وقال سيد قطب في تفسيره -يعني الكفَّ عن القتال في مكة قبل التحول إلى المدينة -ى على الله ما لم يُبي ن لنا فل سْنا في حل من الجزم بها, لأننا حينئذ نتألَّ من حكمة, ونفرض على أوامره أسبابا وعللا قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية, أو قد تكون, ولكن يكون وراء ها أسبابٌ وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها, ويعلم -سبحانه - أن فيها الخير والمصلحة. في شريعة الله وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم -لم يبين الله سببه محددا جازما حاسما -فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف, مما يدركه عقله وي حسُن فيه, فينبغي أن يعتبر هذا كلَّه مجرد احتمال, ولا يجزم -ته بعلمه وعقله وتدبره مهما بلغت ثق لأحكام الله -بأن ما رآه هو حكمة هو الحكمة التي أرادها الله نص ا وليس وراءها ش يء, (711) المغني7/85 (712 )العدة على شرح العمدة 1/141 (713) الحداد على امرأة الحداد (ص 155)

عدد الصفحات ٢١٥

215 وليس من دونها ش يء! فذلك التحرج هو مقتض ى الأدب الواجب مع الله, ومقتض ى ما بين الطبيعة والحقيقة. ع لْم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة, وبهذا الأدب الواجب نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب, على أنه مجرد احتمال, وندع ما وراءه لله, لا نفرض على أمره أسبابا وعللا, لا يعلمها إلا هو, ولم يحددها هو لنا ويُطل عنا عليها بنص صريح! قص وتزيد, ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله إنها أسباب اجتهادية تخطئ وتصيب, وتن وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان (714). قلت: رحم الله سيدا فقد أجاد الحِك م في الأفعال والقدر قال ابن الجوزي: ينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجودُه بالأدلة الظاهرة الجلية ي أفعاله, ولا يطلب لها علة, إذ قد ثبت أنه مالك ألا يمكن عقله من الاعتراض عليه ف وحكيم, فإذا خفي علينا وجهُ الحكمة في فعله, نسبنا ذلك العجز إلى فُهومنا. وكيف لا, وقد عجز موس ى عليه السلام أن يعرف حكمة خرق السفينة, وقتل في أفعال الغلام, فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر؛ أقرَّ, فلو قد بانت الحكمة الخالق, ما جحد العقل جحد موس ى يوم الخضر. فمتى رأيت العقل يقول: ل م ؟ فأخرسه بأن تقول له: يا عاجز, أنت لا تعرف حقيقة نفس ك, فما لك والاعتراض على المالك؟! وربما قال العقل: أي فائدة في الابتلاء, وهو قادر أن يثيب ولا بلاء, وأي غرض في نار, وليس ث مَّ تشف, فقل له: حكمتُه فوق مرتبتك, فس ل م لما لا تعلم؛ فإن تعذيب أهل ال أول من اعترض بعقله إبليس, رأى فضل النار على الطين, فأعرض عن السجود. وقد رأينا خلقًا كثيرًا, وسمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة, لأنهم يحكمون العقول وراء العقول.على مقتضاها, وينسون أن حكمة الخالق فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل, أو أن تطلب له جواب اعتراض, وقل له: س ل م ت سْل مْ, فإنك لا تدري غور البحر إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك, هذا أصلٌ عظيم, متى فات الآدميَّ, أخرجه الاعتراض إلى الكفر (715). (714) في ظلال القرآن 2/713 - 714 (715) صيد الخاطر (ص 377)

عدد الصفحات ٢١٦

216 اء, ثم خفي حتى كأنه لا ظهور, سبحان من ظهر لخلقه حتى لم يبق خفوقال أيضا أي ظهور أجلى من هذه المصنوعات التي تنطق كلها بأن لي صانعا صنعني ورتبني على قانون الحكمة, خصوصا هذا الآدمي الذي أنشأه من قطرة, وبناه على أعجب فطرة, له ورزقه الفهم والذهن واليقظة والعلم, وبسط له المهاد, وأجرى له الماء والريح, وأنبت الزرع, ورفع له من فوقه السماء, فأوقد له مصباح الشمس بالنهار, وجاء بالظلمة ليسكن, إلى غير ذلك, مما لا يخفى, وكل ه ينطق بصوت فصيح يدل على خالقه. وقد تجلى الخالق سبحانه بهذه الأفعال فلا خفاء, ثم بعث الرسل فقراء من الدنيا أظهر على أيديهم من المعجزات ما لا يدخل تحت ضعاف الأبدان, فقهر بهم الجبابرة, و مقدور بشر, وكل ذلك ينطق بالحق, وقد تجلى سبحانه بذلك لعباده, ثم يأتي موس ى عليه السلام إلى البحر فينفرق فلا يبقى شك في أن الخالق فعل هذا, ويكلم عيس ى عليه ه, وهذا أمر يطول السلام الميت فيقوم, ويبعث طيرا أبابيل تحفظ بيته فيهلك قاصدي ذكره, كله يدل على تجلي الخالق سبحانه بغير خفاء. فإذا ثبت عند العقلاء ذلك من غير ارتياب ولا شك, ثم جاءت أشياء كأنها تستر الظاهر مثل ما سبق من تسليط الأعداء على الأولياء, إذا ثبت التجلي بأدلة لا تحتمل نعلمه يفترض على العقل فيه التسليم للحكيم, التأويل, علمت أن لهذا الخفاء س ر ا لا فمن سلَّم س ل م, ومن اعترض ه ل ك (711). قال ابن تيمية: تفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر(717). وقال محمد بن الوزير اليمني: وجوهُ حكمة الله تعالى مادتُها من محيط ع لم ه وتامَّات الله سبحانه في كتابه على أن البحر لو يمده سبعة أبحر لم ي كْفها مدادا كلماته التي نصَّ ولم يحصها نفادا(718). وقال المقبلي: واعلم أن الذي خلق العقول, ووقفها من العلم على قدر معلوم, هو كما قال الحكيم العليم, البر الرحيم, فلا تتعد ما حد لك بالدعوى, فما أمر الخلق إلا (711) صيد الخاطر (ص 371) (717) منهاج السنة3/177 (718) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان (ص 151)

عدد الصفحات ٢١٧

217 عريضة وضعف ظاهر, فعليك بالاقتصار على حدك, نسأل الله العفو بعضهم: دعوى والعافية (711). والناس تظهر لهم الحكمة في كثير من تفاصيل الأمور التي يتدبرونها, قال ابن تيمية ماء الأذن, وملوحة كما تظهر لهم الحكمة في ملوحة ماء العين, وعذوبة ماء الفم, ومرارة لى الحكمة فيما لم يعلموا حكمت ه, فإن من رأى إنسانا بارعا في ماء البحر, وذلك يدلهم ع النحو أو الطب أو الحساب أو الفقه, وع ل م أنه أعلم منه بذلك, إذا أشكل عليه بعض فر ب العالمين الذي ب ه رت العقول حكمتُه ورحمتُه, كلام ه فلم يفهمه, سلَّم ذلك إليه, ش يء عددا, وهو أرحم الراحمين, وأحكم الذي أحاط بكل ش يء علما, وأحص ى كلَّ الحاكمين, وأرحم بعباده من الوالدة بولدها, كيف لا يجب على العبد أن يُسل م ما جه له من حكمته إلى ما ع ل مه منها (729). وقال محمد بن الوزير اليمني: ليس عدم الوجدان عند الطلب في علم الطالب يدل تعالى, إذ من المعلومات الضروريات أن الإنسان قد على عدم وجود المطلوب في علم الله يطلب الش يء المدة الطويلة ولا يجده, ثم يجده هو أو يجده غيره, وفي كلام علي عليه السلام في وصيته للحسن عليهما السلام دليل على هذا حيث قال: " فإن أشكل عليك ثم علمت, وما أكثر ما ش يء من ذلك فاحمله على جهالتك فإنك أول ما خُل قت جاهلا تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ثم يضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك " انتهى (721). وقال علي القاري: س ر القدر يخفى عن البشر, ففي الإنجيل: يا بني إسرائيل لا تقولوا عدله ل م أمر ربنا, ولكن قولوا: بم أمر ربنا, لأن الله سبحانه لا يسأل عما يفعل لكمال وحكمته لا لمجرد قهره وقدرته خلافا لجهم وشيعته, قال: ثم لا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمُها في نفس الأمر (722). وقال الآلوس ي في تفسير سورة الصافات حيث يقول ربنا تعالى: ( إ نَّا ز يَّنَّا السَّم اء الأْ عْل ى و يُقْذ فُون الد نْي ا ب ز ين ة الْك و اك ب * و ح فْظًا م نْ كُ ل ش يْط ان م ار د * لا ي سَّمَّعُون إ ل ى المْ لإ م نْ كُل ج ان ب * دُحُورًا و ل هُمْ ع ذ ابٌ و اص بٌ * إ لاَّ م نْ خ ط ف الْخ طْف ة ف أ تْب ع هُ ش ه ابٌ ث اق بٌ ) (711) العلم الشامخ (ص381) (729) منهاج السنة5/415 - 411 (721) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان (ص 141) (722) الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص 52)

عدد الصفحات ٢١٨

218 يخفى أن مثل هذا الإشكال : هذا وقد استشكل أمر الاستراق بأمور, ثم قال بعدها: و يجري في أشياء كثيرة, إلا أنَّ كون الصانع حكيما, وأنه جلَّ شأنُه قد راعى الحكمة فيما خلق وأمر على أتم وجه... ي حُل ذلك, ولا يبقى معه سوى تطل ب وجه الحكمة, وهو مما قد مر ش يء منه يتفضل الله تعالى به على من يشاء من عباده, والكلام في هذا المقام فارجع إليه, ومما هنا وما هناك يحصل ما يسر الناظرين ويرض ي العلماء المحققين (723). قلت: وبهذا يعلم جواب من سأل: ما الحكمة في الأمر الفلاني؟ وما السر في كذا وكذا؟ فيقال له: ثبت لنا وجود خالق للكون بالقطع والضرورة, وقد أخبرنا سبحانه أنه لْقُه شاهد له بذلك تبارك وتعالى, فإن خفيت علينا حكمته في بعض المواطن حكيم, وخ فوَّضْنا العلم بها إليه تعالى, وقلنا مقالة العباد المكرمين ( سُبْح ان ك لا ع لْم ل ن ا إ لاَّ م ا ع لَّمْت ن ا إ نَّك أ نْت الْع ل يمُ الْح ك يمُ ) . نفيها في نفس الأمر كما سلف, إذ عدم العلم ثم عدم إدراكنا للحكمة لا يستلزم بالحكمة جهل, والجهل لا ينتج علما بحكم, ثبوتا أو سلبا, فافهم. ثم إن كان الاعتراض عليه -تعالى -بعد إثباته, فما ث مَّ إلا المناداة بالتغفيل, أفيكون ؟!هذا المعترض أعلم بمواطن الحكمة من خالقه الذي وهبه آلة إدراك الحكمة قال ابن الجوزي في «أخبار الحمقى والمغفلين » : العجب ممن يعترض على الخالق بعد إثباته, فأما الجاحد فقد استراح, أتراه خلق لهؤلاء عقولا كاملة وفي صفاته هو نقصٌ, تعالى الله عن تغفيل هؤلاء (724). الته, فمن اعترض على بعض شرائعنا, أجبناه بأن ذلك مما لم تقض العقول باستح فهو ممكن عقلا, جاء الشرع بإثباته وتقريره, وجهلك بالحكمة في أمر ما ليس علما بعدمها في نفس الأمر, وشتان بين الجهل والعلم, ثم نحن سلمنا بالفرع بعد ثبوت الأصل, فالبحث معك يكون في الأصل لا الفرع. يطالبونا قال الشيخ مصطفى صبري: ولهذا أيضا ليس لمنكري هذه المسائل أن بإقامة الدليل العقلي عليها سوى إمكانها(725). (723) تفسير الآلوس ي روح المعاني 12/72 - 73 (724) أخبار الحمقى والمغفلين (ص 14) (725) موقف العقل والعلم والعالم 4/25

عدد الصفحات ٢١٩

219 وتمثيلا لهذا الضرب من المحاججة نذكر بعض المواطن التي استعمل فيها العلماء هذا التقرير. : فإن قيل: بينوا مذهبكم في الجن والشياطين, قلنا تهم مستحيل عقلي, وقد نصت نصوص الكتاب نحن قائلون بثبوتهم, قال: فليس في إثبا والسنة على إثباتهم, وحق اللبيب والمعتصم بحبل الدين, أن يُثب ت ما قض ى العقل بجوازه, ونص الشرع على ثبوته (721). : وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين بأن خراق والالتئام, وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الان الإسراء, إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك, وجوابُ هؤلاء إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام, ثم يُشر كوا مع غيرهم سلم بعض ذلك دون بعض أُلز م التناقض, ولا ممن أنكر ذلك من المسلمين, ومتى سلَّم الم سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة, فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزةً لنبي الله صلى الله عليه وسلم, وقد أجاب القدماء عن ذلك, قال أبو إسحاق ين لمخالفي الملة انشقاق القمر, ولا الزجاج في معاني القرآن: أنكر بعض المبتدعة الموافق إنكار للعقل فيه, لأن القمر مخلوقٌ لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه(727). وحاصل حجتهم أنه جائز عقلي, ثبت وقوعه بالوحي المعصوم, فلا مناص من الإيمان انُ الذهني, وهو كونُه غير به, وقد قال ابن تيمية: ما عُل م بالسمع وقوعُه يكفي فيه الإمك معلوم الامتناع, بل كل مُخب ر أخبرنا بخبر ولم نعلم كذب ه جوَّزنا صدق ه, ومتى كان فيه الصدق ممكنا لم يجز التكذيب, بل أمكن أن يقام الدليل الدال على صدقه ووجوب يحتاج فيما تصديقه فيحب تصديقه. وهذا الموضع ي غل ط فيه كثيرٌ من النظار فيظنون أنه يطلب الدليل على وقوعه أو فيما قام الدليل على وجوده العلم بإمكانه قبل ذلك, وإنما يجب أن لا يُعلم امتناعُه, فالرسل صلوات الله عليهم تخبر بمحارات العقول وما لا تعرفه العقول أو ما تعجز عن معرفته, فما ع ل م العقلُ إمكان ه ولم يعلم هل يكون أم لا يكون, تخبر الرسل بوقوعه أو عدم وقوعه, وما لم يعلم بالعقل إمكانه ولا امتناعه تخبر الرسل (721 )الإرشادإلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص 323) (727) فتح الباري7/185

عدد الصفحات ٢٢٠

221 أيضا إما بإمكانه وإما بوقوعه المستلزم إمكان ه, قال: وما علم عدمه لا تخبر بوجوده, ف تأتي الرسل صلوات الله عليهم بما يعلم نقيضه ولكن قد تأتي بما لم يكن يعلم كما قال ك م ا أ رْس لْن ا ف يكُمْ ر سُولاً م نْكُمْ ي تْلُو ع ل يْكُمْ آي ات ن ا و يُز ك يكُمْ و يُع ل مُكُمُ الْك ت اب تعالى: ( , و الْح كْم ة و يُع ل مُكُمْ م ا ل مْ ت كُونُوا ت عْل مُون * ف اذْكُرُون ي أ ذْكُرْكُمْ و اشْكُرُوا ل ي و لا ت كْفُرُون ) لنازل على الأنبياء يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لا يأتيهم بما يعلمون خلاف ه, وكذلك الوحي ا قال تعالى: ( و ل وْلا ف ضْلُ اللَّه ع ل يْك و ر حْم تُهُ ل ه مَّتْ ط ائ ف ةٌ م نْهُمْ أ نْ يُض ل وك و م ا يُض ل ون إ لاَّ ل اللَّهُ ع ل يْك الْك ت اب و الْح كْم ة و ع لَّم ك م ا ل مْ ت كُنْ ت عْل مُ أ نْفُس هُمْ و م ا ي ضُر ون ك م نْ ش يْء و أ نْز و ك ان ف ضْلُ اللَّه ع ل يْك ع ظ يمًا ) (728). » -بعد تقريره لحكمة النسخ في الشرع -: وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول, فإن الله لا يُ سأل عما يفعل, ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد (721). ثم إن بعض قساوسة النصارى أيام الحروب الصليبية أبدى اعتراضا على تعدد الزوجات المقرر في شريعة الإسلام, فكانت محاججة بعض العلماء لهم من جنس ما سبق, قال الخزرجي: فإن الذي أمرنا الله به من النكاح, وسن لنا الطلاق ليس لعاقل انتقاده لأن قبولنا لذلك إنما هو بعد ثبوت الأصل (739), وقال القرطبي في رده على أحد قساوسة الأندلس: فذلك -أي التعدد -ما لا ينبغي أن ينكره أحد من العقلاء, فإنه من مجوزات العقول, وقد ورد بذلك الشرع الصادق المنقول (731). السرقة: هذه المسألة وقد قال الشيخ أحمد شاكر فيمن اعترض حد –عندنا نحن المسلمين –هي من صميم الإيمان, فهؤلاء المنتسبون للإسلام, المنكرون حدَّ القطع, أو الراغبون عنه سنسألهم: أتؤمنون بالله وبأنه خلق هذا الخلق ؟ فسيقولون: نعم, صْلحهم وما أفتؤمنون بأنه يعلم ما كان وما يكون, وبأنه أعلم بخلقه من أنفسهم وبما يُ يضرهم ؟ فسيقولون: نعم, أفتؤمنون بأنه أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق, وأنزل (728) شرح العقيدة الأصفهانية (ص 197 - 198) (721 )الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 1/12 (739 )مقامع الصلبان ومراتع أهل الإيمان (ص 212) (731 )الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام (ص 454) , وهذا النقل وسابقه بواسطة كتاب « الاستراتيجية الشاملة لمناصر ة الرسول صلى الله عليه وسلم » لعلي محمد الصلابي

عدد الصفحات ٢٢١

221 عليه هذا القرآن من لدنه هدى للناس وإصلاحا في دينهم ودنياهم ؟ فسيقولون: نعم القرآن ؟ أفتؤمنون بأن هذه الآية بعينها ( و السَّار قُ و السَّار ق ةُ ف اقْط عُوا أ يْد ي هُم ا ) من فسيقولون: نعم, أفتؤمنون بأن تشريع الله قائم مُلز مٌ للناس في كل زمان وفي كل مكان وفي كل حال ؟ فسيقولون: نعم, إذن فأنى تصرفون ؟! وعلى أي شرع تقومون ؟! أما من أجاب –ممن ينتسب للإسلام –على أي سؤال من هذه السؤالات بأن: لا, ه, وقد أيقن كل مسلم, من عالم أو جاهل, مثقف أو أمي أن فقد فرغنا منه وعرفنا مصير من يقول في ش يء من هذا "لا" فقد خرج من الإسلام, وتردى في حمأة الردة, وأما من عدا المسلمين, ومن عدا المنتسبين للإسلام, فلن نجادلهم في هذا, ولن نسايرهم في الحديث نا أبدا إلا أن نقول مثل قولهم! وعياذا بالله عنه, إذ لم يؤمنوا بمثل ما آمنا, ولن يرضوا ع من ذلك(732). عود إلى الدليل ثم الدليل والبرهان مترادفان, والبرهان مأخوذ من البره وهو القطع, يقال: برهتُ العود, أي: قطعتُه, لأنه يقطع الخصم عن المحاجة, وقيل من البره وهو البياض, يقال: بيض القلب ويصفيه من الجهل.امرأة برهاء, أي: بيضاء, لأنه ي وقيل: البرهان أخص من الدليل لأنه يختص بالمركب من مقدمتين يقينيتين كما قال صاحب الس لَّم: أجل ها البرهان ما أل ف من ... مقدمات باليقين تقترن بخلاف الدليل فإنه يكون مركبا وغير مركب, وقطعيا وظنيا, قال الباجوري: وهذا هو الصحيح(733). ثمالدلالة في اصطلاح المناطقة –وهو المفهوم من كلام ابن سينا في الشفاء - تطلق بالاشتراك على معنيين: أحدهما: كون أمر بحيث يفهم منه أمر آخ رُ وإن لم يُفهم منه بالفعل (734), والمراد بالأمر الأول الدال, وبالثاني المدلول. (732) حكم الجاهلية (ص37 - 38) (733) حاشية الباجوري على السنوسية (ص18) (734) قال ابن عاشور: هو التحقيق, لأنها صفة للفظ سواء أطلق أم لا, ولا ضير في تعريفها بما تقبله لأنه تعريف باللازم, وتعاريف العلوم رسوم كما بيَّ نه السيد الشريف اهـ . حاشية التنقيح 1/21

عدد الصفحات ٢٢٢

222 ثانيهماه بالفعل, فهو أخص مما قبله, والمراد بالأمر : فهم أمر من أمر, أي: فهمُه من الأول المدلول, وبالثاني الدال, على عكس ما قبله(735). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وفهم الأمر من الأمر واضح, كفهم المسمَّيات من فهم المراد بأسمائها. يوسف قميص ه وكونه بحيث يفهم منه أمر فُه م بالفعل أو لم يفهم, كعدم ش ق إخوة لم ا جعلوا عليه دم السَّخْلة ليكون الدم قرينةً على صدقهم في أنه أكله الذئب, فنظر يعقوب إلى القميص فإذا هو ملطخ بالدم ولا ش قَّ فيه, فعلم أن عدم شق القميص فيه الدلالة الواضحة على كذبهم وإن لم يفهموا بالفعل ذلك الأمر الدال عليه, فقال يعقوب: حان الل ه متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميص ه ! وكعدم فهم سب بعض الصحابة معنى الكلالة وأنها الورثة الذين ليس فيهم ابنٌ ولا أبٌ, مع دلالة آية الكلالة على ذلك, لأنه تعالى صرح بنفي الولد بقوله: ( إ ن امْرُؤٌ ه ل ك ل يْس ل هُ و ل دٌ ) , ودل نه ليس له أب التزاما بقوله تعالى: ( و ل هُ أُخْتٌ ف ل ه ا ن صْفُ م ا ت ر ك ) , لأن إرث الأخت على أ يلزمه عدمُ وجود الأب, لأنه ي حجُبها (731). وعلى هذا فاللفظ قبل حصول الفهم منه بالفعل يقال له دال حقيقةً على الأول دون الثاني, فتسميتُه قبل ه دالا مجازٌ على الثاني (737). والدلالة ستة أقسام, لأن الدال إما لفظ أو غيرُه, وكل منهما إما أن يدل بـ " الوضع" أو بـ " العقل" أو بـ " العادة" –ويقال بالطبع, وهما بمعنًى - (738). فالدلالة الوضعية: دلالة يجد العقل بين الدال والمدلول علاقة الوضع ينتقل لأجلها لة يكون للوضع مدخلٌ فيهامنه إليه. والحاصل أنها دلا (731). والوضع في اصطلاح الأصوليين والمناطقة: عبارة عن تعيين الش يء للدلالة على ش يء(749), والش يء الأول هو الموضوعُ لفظًا كان أو غير ه كالخط والعقد والنصب والإشارة (735) الباجوري (ص 49 -) , وانظر مزيد بيان 21 - 39) (731) آداب البحث والمناظرة (ص 17 - 18) (737) الصبان (ص51) (738) الباجوري (ص 41), وإيضاح المبهم (ص 28 - 21) (731) كشاف اصطلاحات الفنون 1/781 (749) الضوء المشرق (ص41) , ومراتب الدلالة (ص 19)

عدد الصفحات ٢٢٣

223 ع والهيئة, والش يء الثاني هو المعنى الموضوع له, فهذا تعريفٌ لمطلق الوضع لا لوض اللفظ(741). والدلالة العقلية هي: دلالة يجد العقل بين الدال والمدلول علاقةً ذاتية ينتقل لأجلها منه إليه. والمراد بالعلاقة الذاتية استلزامُ تحقق الدال في نفس الأمر تحقق المدلول لزام فيها مطلقا, سواء كان استلزام المعلول للعلة كاستلزام الدخان للنار أو العكس كاست النار للحرارة أو استلزام أحد المعلولين للآخر كاستلزام الدخان الحرارة, فإن كليهما معلولان للنار(742). والدلالة الطبيعية : دلالة يجد العقل بين الدال والمدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه. والمراد من العلاقة الطبيعية إحداث طبيعة من الطبائع سواء كانت بيعة اللافظ أو طبيعة المعنى أو طبيعة غيرها عروض الدال عند عروض المدلول, ط كدلالة "أح أح" على السعال, وأصوات البهائم عند دعاء بعضها بعضا, وصوت استغاثة العصفور عند القبض عليه, فإن الطبيعة تنبعث بإحداث تلك الدوال عند عروض تلك ول هاهنا هو الطبعالمعاني, فالرابطة بين الدال والمدل (743). وإنما انحصرت الدلالة في الوضعية والعقلية والعادية لأنها إن كان للاختيار فيها مدخلٌ فالوضعية, وإلا فإن أمكن تخلفها فالعادية, وإن لم يمكن فالعقلية (744). فإن قلت: إنَّ للعقل مدخلا في جميع أقسام الدلالة فل م كان بعضُها عقليا وبعضها لي.غير عق فالجواب: أنهم إنما سمَّوا البعض عقليا لتمحض الدلالة فيه للعقل بخلاف غيره فإن الدلالة ليست متمحضة للعقل, بل معه أمر آخر, فأنيطت به التسمية (745). فعلى هذا تكون أقسام الدلالة ستة 1 -دلالة اللفظ الوضعية كدلالة الأسد على الحيوان المفترس 2 -العقلية كدلالة اللفظ على وجود لافظه أو حياتهودلالة اللفظ (741). (741) كشاف اصطلاحات الفنون 2/1715 (742) كشاف اصطلاحات الفنون 1/788 (743) كشاف اصطلاحات الفنون 1/788 (744) الضوء المشرق (ص41) (745) الصبان (ص51) (741) وقد تقدم في خواتيم المبحث الأول ما فيه

عدد الصفحات ٢٢٤

224 3 -ودلالة اللفظ العادية كدلالة الأنين على المرض 4 -ودلالة غير اللفظ الوضعية كدلالة الإشارة على معنى نعم أو 5 -ودلالة غير اللفظ العقلية كدلالة العال م على مُوج د ه وهو الباري جلَّ وع (747). 1 -غير اللفظ العادية كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجلودلالة (748). ثم محل بحث المناطقة من هذه الدلالات إنما هو دلالة اللفظ الوضعية(741), لأن التعريف والحجة لا يكونان إلا بالألفاظ الموضوعة (759). تعريف دلالة اللفظ الوضعية مُ العال م بالوضع المعنى من الصحيح الأخصر أن يقال هي: فهقال التهانوي: اللفظ(751). وإن شئت قلت: فهم السامع من الكلام تمام المسمى أو جزأ ه أو لازم ه (752). ثم إن الألفاظ الموضوعة للمعاني هي ما ي عب ر عنه باللغات , فإن الله تعالى خلق الإنسان غير مستقل بمصالح معاش ه, محتاجا إلى مشاركة غيره من أبناء جنسه, لاحتياجه إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح, والواحدُ لا يتمكن من تعلم هذه الأشياء فضلا عن استعمالها, لأن كلا منها موقوفٌ على صنائع شتى, فلا بد من جمع عظيم ليتعاون بعضُهم ببعض, وذلك لا يت م إلا بأن يُعر فه ما في نفسه, فاحتيج إلى وضع ش يء يحصلُ به عريف إما باللفظ, أو بالإشارة كحركة اليد والحاجب, أو بالمثال وهو الجرم التعريف, والت الموضوع على شكل الش يء, أو بالكتابة, وهي أخت اللفظ حتى قالت العرب: القلم أحد اللسانين. واللفظ أ فْيدُ من الإشارة والمثال وأيسرُ, أما كونه أفيد فلعمومه من حيث إنه يمكن ت والمعنى والموجود والمعدوم والحاضر والغائب, ولا يمكن الإشارة إلى التعبير به عن الذا (747) وهذا من دلالة الأثر على المؤثر , وهي التي مثل بها الجرجاني لدلالة غير اللفظ العقلية. حاشية الجرجاني على شرح القطب (ص 28) أو دلالة وجود المسب ب على وجود سببه كما عبر عنها السيوطي في شرح الكوكب الساطع 1/291 (748) الباجوري (ص 41) , وإيضاح المبهم (ص 28 - 21) (741) الباجوري (ص41) (759) شرح عليش على إيساغوجي (ص 25) (751) كشاف اصطلاحات الفنون 1/719 (752) نهاية السول1/114 , وانظر شرح التنقيح 1/21

عدد الصفحات ٢٢٥