193 قال القطب الرازي: لا شغل للمنطقي من حيث هو منطقي بالألفاظ, فإنه يبحث عن القول الشارح والحجة وكيفية ترتيبهما, وهو لا يتوقف على الألفاظ, فإن ما يُوص ل إلى ما, وكذلك ما يوصل إلى التصديق مفهوماتُ التصور ليس لفظ الجنس والفصل بل معناه القضايا لا ألفاظُها, ولكن لما توقف إفادة المعاني واستفادتها على الألفاظ صار النظر فيها مقصودا بالعرض وبالقصد الثاني (117), ولما كان النظر فيها من حيث إنها دلائلُ المعاني قُد م الكلام في الدلالة(118). والد لالة لَّه عليه د لالة ويُثلَّث لغةً م ن د –والفتح أعلى كما قال الجوهري (111) - ودُلولة فاندل: سدده إليه(129). واسم الفاعل دال ودليل, وهو: المرشد والكاشف (121). والدليلفي عرف أهل الأصول : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري( 122). م, ويسمي ما يتوصل به إلى الظن وبعضهم يخص الدليل بما يتوصل به إلى العل : ما يلزم من العلم به الظن بش يء آخر لا يسمى دليلا بل أمارة(123). قال الجرجاني: الأمارة: لغة: العلامة, واصطلاحا, هي التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول (124). (111) شرح لقطة العجلان (ص 15) (117) قال الجرجاني في حاشيته على شرح الشمسية للق طب (ص 28) : فالمنطقي إذا أراد أن يعلم غيره مجهولا تصوريا أو تصديقيا بالقول الشارح أو الحجة فلا بد له هناك من الألفاظ ليمكنه ذلك, وأما إن أراد أن يحصل هو لنفسه أحد المجهولين بأحد الطريقين فليس الألفاظ هناك أمرا ضروريا إذ يمكنه تعقل المعاني مجردة عن الألفاظ لكنه عسير جدا, وذلك لأن النفس قد تعودت ملاحظة المعاني من الألفاظ بحيث إذا أرادت أن تتعقل المعاني وتلاحظها تتخيل الألفاظ وتنتقل منها إلى المعاني, ولو أرادت تعقل المعاني صرفة صعب عليها ذلك صعوبة تامة كما يشهد به الرجوع إلى الوجدان, بل نقول من أراد استفادة الم نطق من غيره أو إفادته إياه احتاج إلى الألفاظ وكذا الحال في سائر العلوم, فلذلك عدت مباحث الألفاظ مقدمة للشروع في العلم كما أشرنا إليه اهـ . (118) تحرير القواعد المنطقية (ص 28) (111) الصحاح4/1118 (129) القاموس المحيط (ص1999) (121) المصباح المنير1/111 (122) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص 349) , وإرشاد الفحول 1/22 (123) دستور العلماء2/77 (124) التعريفات (ص 31)
عدد الصفحات ١٩٤194 ليين له معنيان, أحدهما أعم من الثاني مطلقا. قال التهانوي: الدليل عند الأصو فالأول الأعم هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري, وهو يشتمل القطعي والظني, وهذا المعنى هو المعتبر عند الأكثر. والثاني الأخص هو: ما يمكن التوصل وهو القطعي المسمى بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري, وهذا يخص بالقطعي بالبرهان. والعلم بمعنى اليقين على اصطلاح المتكلمين والأصوليين, والظني يسمى أمارة, هكذا ذكر السيد الشريف -هو الجرجاني -في حاشية العضدية, وهكذا اصطلاح المتكلمين كما في المواقف وشرحه. إلا أنه ذكر له معان ثلاثة, حيث قال: الطريق: ما يمكن توصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب, فإن كان المطلوب تصورا سمي طريقه مُع ر فا, ال وإن كان تصديقا سمي طريقه دليلا (125). قال القرافي في «شرح التنقيح » :المراد بالدلالة ما أفاد القطع, وبالأمارة ما أفاد الظن, لأن الدليل والبرهان موضوعان في عرف أرباب الأصول لما أفاد علما, والأمارة لما أفاد الظن, والطريق صادق على الجميع, لأن الأولين طريق إلى العلم, والثالث طريق إلى الظن(121). على أن ابن تيمية قال: فإن الدليل هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود يل ما يكون وكل ما كان مستلزما لغيره فإنه يمكن أن يُستد ل به عليه, ولهذا قيل: الدل النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن, وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم, ويسمي ما يوصل إلى الظن أمارة, وهذا اصطلاح من اصطلح عليه من المعتزلة ومن تلقاه عنهم (127). ر أسماء قلت: لا مشاحة في الاصطلاح, وإذا تغايرت العلوم وتفاوتت المدركات فلتتغاي الطرق إلى تحصيلها وإدراكها, ثم تسليم الاصطلاح لا يستلزم موافقة ولا مخالفة في المقال. والدليل في عرف المنطقيين : ما يلزم من العلم به العلمُ بآخر, والأول الدال, والثاني المدلول (128). (125) كشاف اصطلاحات الفنون 1/713 (121) شرح التنقيح 2/129 - 121 (127 )الرد على المنطقيين (ص 214) (128) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص 349)
عدد الصفحات ١٩٥195 وقال الد سوقي: الدليل: ما يستلزم المطلوب , أي: ما يلزم من وجوده وجود المطلوب(121). قال ابن تيمية خاصة الدليل أن يكون مستلزما للمدلول , فكل ما استلزم شيئا كان دليلا عليه, ولا يكون دليلا إلا إذا كان مستلزما له (139). وكلما كان اللزوم أقوى وأتمَّ وأظهر كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر, كالمخلوقات قال ى, فإنه ما منها مخلوقٌ إلا وهو ملزومٌ لخالقه, لا يمكن الدالة على الخالق سبحانه وتعال وجوده بدون وجود خالقه, بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته, فكل مخلوق دال على ذلك كل ه (131). قال: وهذا حد الدليل, وهو: أن يكون مستلزما للمدلول عليه, فإذا وجد الدليل ذا عُد م المدلول عليه عدم الدليلوجد المدلول عليه, وإ (132) ,قالوبالجملة فكل دليل فهو مستلزم لمدلوله, والمدلول لازمٌ للدليل, وهذا متفق عليه بين العقلاء (133). وقال أيضا: كون الش يء ملزوما لغيره هو أنه متى تحقق الملزوم تحقق اللازم (134). فمتى تحقق الدليل تحقق المدلولولهذا قال الجويني : لا يتصور ثبوت الدليل من غير ثبوت المدلول (135). قال ابن تيميةوجود الملزوم بدون وجود اللازم محال (131). عند المنطقيين عبارة عن امتناع الانفكاك عن الش يء, وما يمتنع واعلم أن اللزوم انفكاكه عن الش يء يسمى لازما, وذلك الش يء ملزوما(137). منه الانتقال, واللازم فرع وتبع من جهة أن إليه والملزوم أصل ومتبوع من حيث إن الانتقال(138). (121) الدسوقي (ص241) (139) النبوات 2/773 (131 )الرد على المنطقيين (ص 245) (132) النبوات 2/825 (133 )الرد على المنطقيين (ص 441 - 459) (134 )الرد على المنطقيين (ص 459) (135) الشامل في أصول الدين (ص197) (131 )منهاج السنة النبوية 1/175 (137) كشاف اصطلاحات الفنون 2/1495 (138) الكليات (ص122)
عدد الصفحات ١٩٦196 والتلازم عبارة عن عدم الانفكاك من الجانبين, والاستلزام عن عدمه من جانب واحد, وعدم الاستلزام من الجانبين عبارة عن الانفكاك بينهما (131). م قد يكون أعمَّ قال ابن تيمية: إن الملزوم قد يكون أخصَّ من اللازم, كما أن اللاز من الملزوم, فإن الإنسان مستلزم للحيوان, والإنسان أخص منه, والحيوان لازم له وهو أعم منه, بخلاف المتلازمين فإنهما متساويان في العموم والخصوص, كالإنسانية مع الناطقية, والصاهلية مع الفرسية, ونحو ذلك (149). م أن اللازم إما أن يكون مساويا للملزوم, قال: وإذا كان المدلول لازما للدليل, فمعلو وإما أن يكون أعمَّ منه, فالدليل إما أن يكون مساويا للحكم المدلول في العموم والخصوص, وإما أن يكون أخصَّ منه, لا يكون الدليل أعمَّ منه (141). قلت: قوله ( لا يكون الدليل أعمَّ منه ) لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص, ف يتم المطلوب, أما المتساويان فيلزم من وجود أحدهما وجود الآخر, وكذا الأخص يلزم من وجوده وجود الأعم, وسيأتي لهذا مزيد بسط وإيضاح في مبحث الن س ب. الدليل يطرد ولا ينعكس قال ابن تيمية: كل مستلزم للش يء يصلُح أن يكون دليلا عليه, إذ يلزم من ثبوت زم والدليل, وهذا من شأن الدليل, فإنه يلزم من ثبوته ثبوتُ المدلول اللزوم ثبوت اللا عليه, ولهذا يجب طرد الدليل ولا يجب عكسه (142). وقال الدسوقي: الدليل وإن لزم من وجوده الوجود لكنه لا يلزم من عدمه العدم , فالدليل يلزم طرده ولا يلزم عكسه (143). : يلزم من وجوده الوجود, ولا يلزم عكسه, قال السنوس ي: فإن الدليل يلزم طرده, أي أي: لا يلزم من عدمه العدم (144). قلت: لأن الطرد عند الأصوليين هو: الملازمة في الثبوت , و العكسعندهم هو: الملازمة في الانتفاء(145). (131) كشاف اصطلاحات الفنون 2/1495 - 1491 (149) الرد على المنطقيين (ص 128) (141 )الرد على المنطقيين (ص 245 - 241) (142) شرح العقيدة الأصفهانية (ص 43 - 44) (143) الدسوقي (ص54) (144) شرح المقدمات (ص 12)
عدد الصفحات ١٩٧197 فطرد الدليل قضيتُه: كلما ثبت الدليل ثبت المدلول, وعكسُه قضيتُه: كلما انتفى لول, فعدمُ عكس ه قضيتُه: ليس كلما انتفى الدليل انتفى المدلول, أي: لا الدليل انتفى المد يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول, أو نقول أيضا: إن انتفاء الدليل لا يستلزم انتفاء المدلول. لذلك قال ابن تيمية: لا يلزم من عدم الدليل المعيَّن عدمُ المدلول (141). وقال الإسنوي: لا يلزم م ن إبطال الدليل المعيَّن إبطالُ المدلول ( 147). فالدليل ملزوم والمدلول لازم كما سلف, والقاعدة أن عدم الملزوم لا يستلزم عدم اللازم. وأما بطلان المدلول فيلزم منه بطلان الدليل, إذ المدلول لازم كما ذكرنا, واللازم يلزم ل المذهب بطلتْ جميعُ أدلته, لأن القول من بطلانه بطلان الملزوم, قال ابن تيمية: إذا بط لازم عن الأدلة, فإذا انتفى اللازم انتفت الملزومات كل ها (148). الاستدلال إما بوجود وقد جمع القرافي ضروب الاستدلال باللازم والملزوم فقال الملزوم أو بعدمه, أو بوجود اللازم أو بعدمه, فهذه الأربعة منها اثنان منتجان, واثنان عقيمان, فالمنتجان الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم, وبعدم اللازم على عدم الملزوم, فكل ما أنتج عدمه فوجوده عقيم, وكل ما أنتج وجوده فعدمه عقيم (141). قال الإمام الفخر الرازي: ناظرت بعض أحبارهم –يعني النصارى -فوجدته في غاية اعدةً واحدة من المعقول لأناظره بها, وهي: أن البعد من المعقول, فع لَّمته ق الدليل يلزم من وجوده وجود المدلول, ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول , كحدوث العالم مثلا, فإنه دليل على وجود مولانا -تبارك وتعالى -, فيلزم من وجود الحدوث وجود مدلوله الذي هو وجود مولانا –ج لَّ وع زَّ -لزم من عدم الدليل الذي هو الحدوث عدم , ولا ي مدلوله الذي هو وجودُ مولانا تبارك وتعالى, فإن الحدوث كان م نفيا في الأزل, ووجود (145) رفع الأعلام (ص 17) , وآداب البحث والمناظرة (ص 19) , ونحوه في نزهة الخاطر العاطر لابن بدران 1/51 (141) شرح العقيدة الأصفهانية (ص 31) (147) نهاية السول1/121 (148) منهاج السنة النبوية 1/213 (141) شرح التنقيح 2/227
عدد الصفحات ١٩٨198 مولانا جل وعز واجب في الأزل وفيما يزال. فع سُر عليه فهمُ هذه القاعدة, فلم أزل معه حتى ف ه مها (159). لابن تيمية نحو ما قرره الإمام الرازي, فقد قال ابن تيمية في بعض المباحث: وإذا قالوا: ل مْ يُخب ر بذلك أحدٌ, ولم يُبش ر به نبي , أو هذا غيرُ معلوم, قيل لهم: غايةُ هذا كل ه أنكم لا تعلمون ذلك, ولم ي قُم عندكم دليلٌ عليه, و عدم العلم ليس علم ا بالعدم, فعدم علمكم وعدمُ علم غير كم بالش يء, ليس علما بعدم ذلك الش يء, وكذلك عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول عليه, فإنَّ كلَّ ما خلقه الله دليلٌ عليه, ثم إذا عُد م ذلك لم يلزم عدمُ الخالق, فلا يجوز نفي الش يء لعدم الدليل الدال عليه(151). الية نفيسة ينبغي لطالب العلم أن لا يغفلها, وهي تنفعه في وجوه وهذه قاعدة غ كثيرة من البحث والنظر والاستدلال, وهي أن عدم الدليل على مطلوب ما لا يستلزم انتفاء ه, وعدم علمنا بش يء ما لا يستلزم عدم ه. » : فإنَّ ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابتٌ, سواء ع ل منا بالعقل أو بغير العقل ثبوت ه, أو لم نعلم ثبوت ه لا بعقل ولا بغيره, إذ عدمُ العلم ليس علما بالعدم, و عدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها(152). » :عدم العلم ليس علما بالعدم, وعدم الدليل ليس علما بعدم المدلول عليه, فإنَّ عدم ما يدل على الش يء المعيَّن لا يقتض ي انتفاء ه (153). فإنه لم يقم على النفي دليل شرعي ولا في بعض المباحث عقلي, فالنفيُ بلا دليل قولٌ بلا علم, وعدمُ العلم ليس علما بالعدم, وعد م الدليل عندنا لا يُوج ب انتفاء المطلوب الذي يُطل ب العلمُ به والدليلُ عليه, وهذا من أظهر البديهيات(154). (159) شرح المقدمات للسنوس ي (ص 13) (151) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/451 - 419 (152) درء تعارض العقل والنقل 1/87 (153 )الصفدية1/189 (154) التسعينية (ص713 –1 /533
عدد الصفحات ١٩٩199 » :فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه, وبين ما لم يثبته لعدم دليل إثباته, بل تراهم ما لم يعلموا إثب اته(155) , فيكونون قد قفوا ما ليس لهم به علم, وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم, وهذا كثيرٌ من أهل الاستدلال والنظر, وأهل الإسناد والخبر, فمن الأولين طوائف يطلبون الدليل على ثبوت الش يء, فإذا لم يجدوه نفوه, ومعلوم أن عدم العلم ليس علما بالعدم, وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود إلا إذا كان الطالب ممن يمكنه ذلك, إما بعلم أو ظن غالب(151). وقال في«الرد على المنطقيين » :عدم العلم ليس علما بالعدم, وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود , فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا ع لْمًا منهم بعدم ذلك, ولا بعدم علم غيرهم به, بل هم كما قال الله تعالى: ( ب لْ ك ذَّبُوا ب م ا ل مْ يُح يطُوا ب ع لْم ه و لم َّا ي أْت ه مْ ت أْو يلُهُ ) , وتكذيبُ م نْ كذَّب بالج ن هو من هذا الباب, وإلا فليس عند المتطبب والمتفلسف دليلٌ عقلي ينفي وجود هم, لكن غايته أنه ليس في صناعته ما يدل على وجودهم, وه ذا إنما يُفيد عدم الع لْم لا العلم بالعدم, وقد اعترف بهذا حُذَّاق الأطباء والفلاسفة كأبقراط وغيره (157). وقال أيضا في«الصفدية»راد ا على ابن سينا وهذا النفي لم ي ذكر عليه دليلا, ولا دليل له عليه, والنافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل, وهو يقو ل: " ليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن حكمت ه دون الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بينته " , وهذا كنفيهم للجن والملائكة, وهؤلاء يلزمهم إقامة دليل على النفي, ولا دليل لهم, ولكن كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله, وهذا مما ينبغي أن يُعر ف, فإن عمدة هؤلاء في حصرهم الفاسد هو النفيُ والتكذيب بلا علم أصلا (158). » -الذي نقض فيه ما رام تأسيس ه أحدُ الملاحدة فإذا هو بيتُ العنكبوت -: مع أن الملحدين جميعا في ولا متفرقين, أن يقدموا أية حجة سالف الدهر وحاضره, لم يستطيعوا مجتمعين (155) كذا هي العبارة في المطبوع, ولعل صوابها هكذا بل تراهم ينفون ما لم يعلموا إثباته ] (151) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/411 (157 )الرد على المنطقيين (ص 141) (158 )الصفدية 1/111
عدد الصفحات ٢٠٠211 منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تُثب ت عدم وجود خالق لهذا الكون, وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد, فلم نجد لديهم دليلا واحدا صحيحا قناع بمذهبهم, بل لم ينفي وجود الخالق جل وعلا, رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها للإ نجد في كل ما كتبوه دليلا واحدا يقدم ظنا بعدم وجود الخالق, فضلا عن تقديم حقيقة علمية في هذا الموضوع. جُل ما لديهم محاولاتٌ للتشكيك بعالم الغيب, والتزامٌ بأن لا د المادة التي يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية المادية, وهذا الارتباط بحدو لم يشهد العلم حتى العصر الحاضر إلا القليل منها, إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان لأنه لا يراها, أو موقف الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا ي يسمعها, أو موقف الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كلَّه هو هذا القصر الذ تعيش فيه, لأنها لم تشاهد في حياتها غيره ( 151). قلت: والسر في هذا أن تعلم أن النفي والإثبات المقصود منهما نفي ش يء عن ش يء أو إثبات ش يء لش يء, وهذا -كما سبق -يسمى حكما ونسبة حكمية, والجملة الخبرية كم, والحكم سواء المتضمنة لهذا الحكم تسمى قضية لاشتمالها على القضاء الذي هو الح كان بالإثبات أو بالنفي يفتقر إلى دليل, وإلا كان تحك ما, وهو باطل, والقضية ما احتمل الصدق والكذب, فلا بد من دليل يثبت أحد الاحتمالين, وإلا كان ترجيحا لأحد الاحتمالين المساوي لمقابله من غير مرجح, فعاد الأمر إلى التحكم الباطل. قال ابن تيمية: لا ريب أن النافي عليه الدليل إذا لم يكن نفيُه بديهيا, كما أن على المثبت الدليل , فالقضية سواء كانت سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية فلا بد لها من دليل, وأما السلب بلا علم فهو قولٌ بلا علم (119). وقد عقد الشيخ جمال الدين القاسمي ترجمة في كتابه «دلائل التوح يد »قال فيها ( رد الاستدلال بالنفي المجرد في باب النظريات ) ثم قال: كثيرا ما يعرج الماديون بعد بطلان شبههم على النفي, ويزعمون أن الشهادة بالنفي يأوون منها إلى ركن, والذاهب إلى هذا بعد إبطال ما لديه ونسْفه, معرض معتقده لهتك ستره وكشفه, وذلك لأن الشهادة بالنفي على أقسام: إما معلومة مثل أن العرب لم تنصب الفاعل, أو ظنية عن استقراء (151) صراع مع الملاحدة حتى العظم (ص 81) قلت: بل الأمر وراء ذلك, فهي البهيمية تمش ي على ر جلين, كما تقدم في المبحث الأول (119 )الرد على المنطقين (ص 41)
عدد الصفحات ٢٠١211 صحيح نحو: ليس في كلام العرب اسم متمكن آخره واو لازمة قبلها ضمة, أو نظرية يرمي بها من غير دليل, وهذه هي المردودة, وما نحن فيه من ذلك, فإن ما ليس بضروري فلا كالإثبات يعرف إلا بدليل, والنفي فيه , وتحقيقُه –كما في المستصفى للغزالي –أن يقال للنافي: ما ادعيت نفي ه عرفت انتفاء ه أو أنت شاك فيه؟ فإن أقر بالشك فلا يطالب الشاك بالدليل, فإنه يعترف بالجهل وعدم المعرفة, وإن قال: أنا متيقن للنفي, قيل: يقينُك هذا حصل عن ضرورة أو عن دليل؟ ولا ت عد معرفة النفي ضرورة فإنا نعلم أنا لسنا في لجة بحر أو على جناح نسر, وليس بين أيدينا نيل ولا تعد معرفة النفي ضرورة, وإن لم يعرفه ضرورة فإنما عرفه عن تقليد أو عن نظر, فالتقليد لا يفيد العلم, فإن الخطأ جائزٌ على المقلَّد, والمقل دُ معترفٌ بع مى نفس ه, وإنما يدعي البصيرة لغيره, وإن كان عن نظر فلا بد من بيانه, فهذا أصل الدليل اهـ (111). قلت: ومن الأبواب التي تستعمل فيها هذه القاعدة بابُ أسرار التشريع والح ك م الإلهية في أحكام الخالق جل جلاله وأفعال ه. لَّلةٌ معقولةُ المعنى أما الأحكام فقد استقر عند العلماء أن الأحكام قسمان, أحكام مُع بمعنى أن العقل يهتدي إلى معرفة ح كمتها والمناسبة فيها إما بالنص أو الإجماع أو الاستنباط الظاهر أو الخفي, وأحكامٌ تعبدية غير معقولة المعنى بمعنى أن العقل لا يهتدي إلى إدراك حكمتها ومناسبتها. روط الحكم الذي هو أحد أركان وهذا يذكره الأصوليون في باب القياس عند ذكر ش القياس. قال الشيخ محمد أبو زهرة: ثانيها –يعني ثاني شروط الحكم -: أن يكون الحكم معقول المعنى, بحيث يدرك العقل سبب شرعيته, أو يومئ النص إلى سبب شرعيته, رشوة, فإن كتحريم الخمر والميسر, وتحريم أكل الميتة, وتحريم أكل مال الغير, وكالغش وال هذه أحكامٌ يُدر ك العقل سبب شرعيتها, وأما إذا كان الحكم غير معقول المعنى في ذاته كالتيمم مثلا, أو كعدد الركعات في الصلاة, أو كونها على هذا الشكل, فإن هذه كلَّها أحكامٌ لا يدرك العقل ح كمتها. هذه لا يجري فيها القياس, ولهذا يقسم العلماء الأحكام إلى قسمين: أحكام تعبدية, و لأن أساس القياس معرفةُ علة الحكم, ولا طريق لمعرفتها في الأحكام التعبدية: كمناسك (111) دلائل التوحيد (ص 119 - 111)
عدد الصفحات ٢٠٢212 الحج, وليس معنى هذا أن العقل لا يدرك علتها أنها ليست ذات حكمة شرعية أو ليست علل الجزئية لها فائدة, فإنَّ لها بلا شك فائدةً محقَّقة, ولكن العقل لا يستطيع إدراك ال لها التي يصح أن تُبنى عليها أحكامُها في أشباهها. والقسم الثاني: أحكام معقولة المعنى, وهذه يجري فيها القياس, لأنه يمكن للعقل البشري أن يدرك علتها(112). قال أبو المعالي الجويني: الشرع قد ي ضر ب على المتعبدين ضروبا من الح جْر في كيفية لاحا لهم, وطلبا لما هو الأحوط والأغبط, ثم قد يُعق ل معاني بعض ها وقد المعاملات استص لا يعقل عللُ بعض ها, والله الخبير بخفايا لطفه فيها (113). وقال الماوردي: م ن علل المصالح ما هو ظاهر, ومنها ما هو غامض, ومنها ما هو مغيَّب حكمة استأثر بها (114). وقال النووياعلم أن أصل العبادة الطاعة, والعبادات كلها لها معان قطعا, فإن الشرع لا يأمر بالعبث, ثم معنى العبادات قد يفهمه المكلف وقد لا يفهمه (115). وقال ابن فرحون: اعلم أن الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام بح ك م, منها ما أدركناه ومنها ما خفي علينا (111). وقال العز بن عبد السلام في «قواعد الأح كام » : المشروعات ضربان: أحدهما ما ظهر لنا أنه جالبٌ لمصلحة أو دارئ لمفسدة, أو جالب دارئ لمفسدة, أو جالب دارئ لمصلحة, ويعبر عنه بأنه معقول المعنى. الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبُه لمصلحة أو درؤه لمفسدة, ويعبر عنه بالتعبد (117). العز بن عبد السلام: مصالح الشرع ومفاسده منها ما للزركش ي: قال عُل م كسائر الأحكام المعللة, ومنها ما لم يعلم كالتعبدات (118). فقولهم: تعبدي, أي: غير معلل بعلة (111), كما قال الدَّرْد ير (112) أصول الفقه لأبي زهرة (ص 233) (113)غياث الأمم في التياث الظلم الغياثي" (ص 393) (114 )أدب الدنيا والدين (ص 139) (115) الإيضاح في المناسك للنووي مع حاشية ابن حجر الهيتمي (ص 414) (111) تبصرة الحكام 2/138 (117) قواعد الأحكام 1/22 (118 )المنثور 1/341
عدد الصفحات ٢٠٣213 وقد قال بعضهم: إذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال: هذا تعبدي, وإذا عجز عنه مسموع, وإذا عجز عنه الحكيم قال: هذا بالخاصيةالنحوي قال: هذا (179). وانظر قوله ( إذا عجز الفقيه ) لتفهم أن التعبدي ما عجز الفقيه عن درك حكمته لا ما لا حكمة فيه. الإيضاح الرمي, فقال ابن حجر الهيتمي "تُفه م معانيها من العبادات التي لا " أن محشيا: هو صحيح كما يشير إليه قولُ بعض هم: لو كان القصد بالرمي النكاية لجاز بنحو الن شَّاب, أو الإهانة لجاز بالبعر, أو الإكرام لجاز بالنقد, لأنها أبلغ, فلم يبق إلا التعبد المحض واتباع النص (171). احب هذا القول لما عجز عن تحقيق معنى الرمي أحال على قلت: فأنت ترى أن ص محض التعبد واتباع النص. على أن كلام النووي صريح في أن للرمي معنى لكننا لا نفهمه. ولهذا قال القرافي في التعبدي: معناه: أن فيه مصلحة لا نعلمها (172). ريعة: فإنْ بح ثْنا عليها وقال ابن عاشور في الح ك م التي عُل لت وأنيطت بها أحكام الش واطلعنا عليها فذاك, وإلا س مَّينا الحكم تعبديا أي: لم ن ط لِع على حكمته (173). قال القرافي: كل أمر تعبدي معناه: أن فيه معن ى لم نعلمْه لا أنه ليس فيه معنى(174). ه ر لنا وقال المقبلي: الأحكام التعبدية مع ندرتها إنما معناها أن علة الحكم لم ت ظ ظهورا يسوغ معه الإلحاق بذلك الحكم لأجلها, لا أنه لا علة له في نفس الأمر (175). قال ابن عاشور: لاتفاق الفقهاء الذي حكاه عنهم الشاطبي في كتاب المقاصد على أن كلَّ حكم شرعي له حكمةٌ هي الباعث عليه, ومرجعُ ذلك للمصلحة والمفسدة (171) (111) الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي 2/531 (179 )الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 497) (171) ايضاح في المناسك للنووي مع حاشية ابن حجر الهيتمي (ص 414) (172) الفروق2/483 (173) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 57) (174) الفروق2/584 (175) العلم الشامخ (ص18)
عدد الصفحات ٢٠٤214 عفهما, تفضلا من الله ورفقا بعباده كما صوبه الآمدي وابن ورجحان هما وتأكدهما أو ض عرفة والتلمساني والأبياري والشاطبي (177). قال العقاد في كتابه«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه »: الغالب على العبادة أنها شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها, ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر لو استبدل منها ما يقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها. لماذا يكون الصوم شهرا ولا يكون ثلاثة أسابيع أو خمسة ؟ لماذا تكون حصة الزكاة جزءا من عشرة أجزاء ولا تكون جزءا من تسعة أو من خمسة عشر ؟ د ولا نصلي قياما وركوعا بغير سجود ؟لماذا نركع ونسج من اعترض بأمثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فرض الصيام ثلاثة أسابيع, أو فرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار, أو فرضت الصلاة على وضع غير وضعها الذي اتفق عليه أتباع الدين. ذه الأوضاع لا تُعرف لها أسباب تدعو إليها وتفسر لنا اتباعها وليس معنى ذلك أن ه دون غيرها, ولكنها في نهاية الأمر أوضاع "توقيفية" لا موجب من العقل للتحكيم فيها بالاقتراح والتعديل, لأن المقترح العدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها ويميل إلى سواها. اية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل من قال: لا مناص في النه المجادلة فيها(178). ثم قال إلا أن هذا لا يعني انعدام حكمة العبادات في واقع الأمر, لأن عدم إدراك مناسبة للحكم عدم وجود ها في نفس الأمر, فكثيرا ما يكون ذلك لعجز في العقل لا يعني بالضرورة (171) قال ابن السبكي–8 )-: رجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد, بل قد يرجع الكل إلى اعتبار المصالح, فإن درء المفاسد من جملتها اهـ .كلَّه قلت: فحسُن جدا قولُ ابن عقيل: " الشريعة: ما وضعه الحق لمصالح الخلق " . تلبيس إبليس لابن الجوزي 321) (177) حاشية التنقيح2/154 (178 )حقائق الإسلام وأباطيل خ صومه (ص 81 - 82)
عدد الصفحات ٢٠٥215 وقصور , فإن ( الميكروب ) مثلا قبل أن يُكتشف ويُعْر ف هو موجودٌ, ولكن الإنسان لم يعرفه, وجهلُه به لم ينف عنه صفة وجوده في وقت من الأوقات, والدورة الدموية تجري كنها لم تُعرف إلا في القرن الثاني عشرفي عروق الإنسان منذ بدء الخليقة ول (171), وهكذا سائر الأشياء التي عرفها الإنسان بعد أن لم يكن يعرف, لم يقدح في وجودها جهلُه بها(189). قال الغزالي: كما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها, لا يدركها لذين أخذوها من الأنبياء الذين العقلاء ببضاعة العقل, بل يجب فيها تقليدُ الأطباء ا اطَّلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء, فكذلك بان لي على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدَّرة من جهة الأنبياء, لا يُدر ك وجهُ تأثيرها الخواص بنور النبوة, ببضاعة عقل العقلاء, بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك لا ببضاعة العقل, وكما أن الأدوية تُر كَّب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار, وبعضها ضعف البعض في الوزن, فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن س ر هو من قبيل الخواص, فكذلك العبادات التي هي أدويةُ داء القلوب, مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار, تى أن السجود ضعف الركوع, وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار, ولا يخلو ح عن س ر إلهي فيها, يقتضيها بطريق الخاصية, وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانُها وزوائد هي متمماتُها لكل واحد منها خصوصُ تأثير في أعمال أصولها, كذلك النوافل والسنن أركان العبادات. متممات لتكميل آثار وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباءُ أمراض القلوب, وإنما فائدة العقل وتصرفه, إن عرفنا ذلك, وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين ين النبوة, أخذ بأيدينا وسلَّمْنا إليها تسليم العميان إلى العقائدين, وتسليم المرض ى المتحير إلى الأطباء المشفقين, فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه, وهو معزول عما بعد ذلك, إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه(181). وقد قال الصدر الشيرازي في بعض المباحث: فهذه متشبثاتهم في الجدال, ولو تنبهوا في خلق الكائنات قليلا من نوم الغفلة وتيقظوا من رقدة الجهالة لتفطنوا أنَّ لله تعالى (171 )قال: اكتشفها ابن النفيس المتوفى1288م حيث وصف دورة الدم في كتابه تشريح ابن سينا (189) مدونة الفقه المالكي وأدلته 1/11 (181) المنقذ من الضلال (ص188 - 119)
عدد الصفحات ٢٠٦216 أسبابًا غائبة عن شعور أذهاننا محجوبةً عن أعين بصائرنا, وأن الجهل بالش يء لا يستلزم نفي ه (182). ثم إن العلماء قد بحثوا في المفاضلة بين المعلَّل معقول المعنى والتعبدي باعتبار ما لكل من المزايا. من مزايا التعبد التعبد من الطواعية والإذعان مما لم تُعر ف حكمتُه قال العز ابن عبد السلام: في ولا تُعر ف علته ما ليس مما ظهرت علتُه وفُهمت حكمتُه, فإنَّ مُلاب س ه قد يفعله لأجل تحصيل حكمته وفائدته, والمتعبد لا يفعل ما تعبد به إلا إجلالا للرب وانقيادا إلى طاعته(183). صاحب المنازل: الاعتصام بحبل الله: هو : قال المحافظة على طاعته مراقبا لأمره . ويريد بمراقبة الأمر: القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو هي " لعلة باعثة سوى امتثال الأمر, كما قال طلق بن حبيب رض ي الله عنه في التقوى: نور من الله, ترجو ثواب الله, وتركُ معصية الله, على نور من الله, العمل بطاعة الله, على , وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه فى كلام النبي " تخاف عقاب الله -صلى الله عليه وسلم –كقوله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا, ومن قام ليلة القدر إيمانا و الطاعة, والإيمان مراقبة الأمر, وإخلاص الباعث واحتسابا غفر له, فالصيام والقيام ه هو أن يكون الإيمانُ الآمر لا ش يء سواه, والاحتساب رجاءُ ثواب الله (184). وقدقال المحاسبي في « رسالة المسترشدين »: واحذر أن ت دين لله بالعقل. فقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة معلقا: الظاهر أن معناه: أن تقوم بطاع ته تعالى وعبادته على سبيل المحاسبة والمقابلة. أو المعنى: احذر أن يكون إيمانك بالله تعالى وتدينُك له ( عقلانيا ) : لا يتعدى إلا إلى تنفيذ ما قب له عقلُك من أوامره ونواهيه, فالعقل تب ع للشرع الصحيح – (182) نقله القاسمي في شرح لقطة العجلان (ص 53) (183) قواعد الأحكام 1/22 (184) مدارج السالك ين 1/451
عدد الصفحات ٢٠٧217 لا عكسه–في كل ما أم ر أو نه ى عنه, عق لْت ه أو لم تعقله (185), في حين أن ما صح عن الشرع لا يخالف العقل السليم الحصيف, ولكن قد يد ق عنه (181). من مزايا التعليل ذكر الغزالي في «المستصفى»أن من فوائد التعليل معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالةً للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق, قال: فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميلُ منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد, ولمثل هذا الغرض استُح ب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص, وعلى قدر حذقه يزيدها حسنا وتأكيدا (187). وذكر العز بن عبد السلام في«قواعده » من توابع الأحكام ومؤكداتها أنواع ا, قال: وكذلك بيان ما في الفعل من المصلحة العاجلة كقوله: ( ادْف عْ ب الَّت ي ه ي أ حْس نُ ف إ ذ ا الَّذ ي ب يْن ك و ب يْن هُ ع د او ةٌ ك أ نَّهُ و ل ي ح م يمٌ ) , وكقوله: ( إ نْ ت نْصُرُوا اللَّه ي نْصُرْكُمْ و يُث ب تْ أ قْد ام كُمْ ) , فإن في بيان مصلحة الفعل حثا عليه وترغيبا فيه. قال: وكذلك بيان ما في الفعل من المفسدة العاجلة كقوله: ( ف إ نْ خ فْتُمْ أ لاَّ ت عْد لُوا ف و اح د ةً أ وْ م ا م ل ك تْ أ يْم انُكُمْ ذ ل ك أ دْن ى أ لاَّ (185) قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ( و م ا ج ع لْن ا الْق بْل ة الَّت ي كُنْت ع ل يْه ا إ لاَّ ل ن عْل م م نْ ي تَّب عُ ال رَّسُول م مَّنْ ي نْق ل بُ ع ل ى ع ق ب يْه و إ نْ ك ان تْ ل ك ب ير ةً إ لاَّ ع ل ى الَّذ ين ه د ى اللَّهُ ) : إنما شر عْنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه أي: مرتدا عن دينه, ( و إ نْ ك ان تْ ل ك ب ير ةً ) أي: هذه الفعلة, وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة, أي: وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس, إلا على الذين هدى الله قلوب هم, وأيقنوا بتصديق الرسول, وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه, وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, فله أن يكلف عباده بما شاء, وينسخ ما يشاء, وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك, ب خلاف الذين في قلوبهم مرض, فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا, كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق, كما قال الله تعالى: ( و إ ذ ا م ا أُنْز ل تْ سُور ةٌ ف م نْهُمْ م نْ ي قُولُ أ ي كُمْ ز ا د تْهُ ه ذ ه إ يم انًا ف أ مَّا الَّذ ين آم نُوا ف ز اد تْهُمْ إ يم انً ا و هُمْ ي سْت بْش رُون * و أ مَّا الَّذ ين ف ي قُلُوب ه مْ م ر ضٌ ف ز اد تْهُمْ ر جْسًا إ ل ى ر جْس ه مْ ) , وقال تعالى: ( قُلْ هُو ل لَّذ ين آم نُوا هُدًى و ش ف اءٌ و الَّذ ين لا يُؤْم نُون ف ي آذ ان ه مْ و قْرٌ و هُو ع ل يْه مْ ع مًى ) , وقال تع الى: ( و نُن ز لُ م ن الْقُرْآن م ا هُو ش ف اءٌ و ر حْم ةٌ ل لْمُؤْم ن ين و لا ي ز يدُ الظَّالم ين إ لاَّ خ س ارًا ) , ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك, وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب, من سادات الصحابة اهـ . تفسير ابن كثير 1/457 (181 )رسالة المسترشدين مع تعليق عبد الفتاح أبو غدة (ص 111) (187) المستصفى (ص 331)
عدد الصفحات ٢٠٨218 ت عُولُوا ) , وكقوله: ( و لا ت ن از عُوا ف ت فْش لُوا و ت ذْه ب ر يحُكُمْ ) , فإنَّ في بيان مفسدة الفعل زجرا عنه وتزهيدا فيه (188). وقال أيضا: فائدة: التكاليف كل ها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم, قال وقد أجرى -تعالى -بادُ بالأسباب أحكام ها أحكام ه في الدنيا على أسباب ر ب ط بها لي عر ف الع ليسارعوا بذلك إلى طاعته واجتناب معصيته إذا وقفوا على الأسباب (181). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ينبغي للعبد أن يتدبر الح ك م والأسرار في شرائع الله, في الطهارة وغيرها, ليزداد معرفةً وعلما, ويزداد شكرا لله ومحبةً له, على ما شرع من كام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعةالأح (119). قال ابن عاشور: وقد ظن بعض العلماء(111) أن عدم التأمل في مصالح الأعمال أليقُ بقصد الامتثال بناءً على أن التأمل في ذلك يجعل العمل مرادًا منه حظ النفس في الدنيا, وليس كذلك على ما اختاره المحققون (112), فإن أدل ة الشريعة متظافرة على أن قصد الامتثال مع اعتقاد فائدة العمل في الدنيا (113) أعونُ على الامتثال, وأدخلُ في شكر تعالى على ما شرع لنا من هذا الدين الشريف, لا سيما إذا كانت تلك الحظوظ داخلةً فيما يدعو إليه الشرع... نعم, لا يكون الدافعُ للمسلم إلى العبادة هو ما فيها من حظ شهوة النفس, إذ الواجب في إصلاح الأعمال الشرعية أن يكون الغرضُ الأهم منها تزكية النفس وتحصيل المصالح, وتكون الحظوظُ الأخرى تابعةً لذلك (114). قلت: واعلم أن مراعاة تلك الحظوظ والالتفات إليها لا ينافي الإخلاص المشروط, وقد لقرافي في حرر هذا المقام ا «الفروق »فقال ما نصه( الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات ) (188) قواعد الأحكام 1/112 - 113 (181) قواعد الأحكام 2/73 - 74 (119) تفسير السعدي (ص 222) (111) قال: منهم الإمام الغزالي (112) قال: منهم الإمام أبو بكر بن العربي ا ندلس ي, نقله الشاطبي. (113) قال: احترازا من مراعاة فائدة العمل وهي حصول الثواب ودخول الجنة ورفع الدرجة, فإن ذلك مقصود لا محالة, ولذلك عُدَّ قول بعض الصوفية: ما عبدناك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك, إغراقا في التصوف وبعدا عن مقصد الشرع في وضع الوعد والوعيد. (114) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 71 - 89)
عدد الصفحات ٢٠٩