المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجواهر المضية في ثلاثة مباحث علمية لطلاب العلوم العلية

زهران كاده

صفحة ١١ من ٢٩

161 , فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه أو قياس أو تمثيل أو تنظير, فإنه ليس كمثله ش يء وهو وسلم السميع البصير(511). وقال أيضا: نهى السلف رض ي الله عنهم عن الجدال في الله جل ثناؤه وفي صفاته ن الله عز وجل لا يوصف عند جماعة أهل السنة إلا بما وصف به نفسه أو وأسمائه... لأ وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو أجمعت الأمة عليه, وليس كمثله ش يء فيدرك بقياس أو بإنعام نظر (512). وقال الخطيب البغدادي: القياس في التوحيد على ضربين: ضرب هو القياس ه على معرفة الصانع تعالى وتوحيده, والإيمان بالغيب, الصحيح, وهو ما استدل ب والكتب, وتصديق الرسل, فهذا قياس محمود فاعله مذموم تاركه, والضرب الثاني من القياس في التوحيد: هو القياس المذموم الذي يؤدي إلى البدع والإلحاد, نحو تشبيه ه ما أثبت الله تعالى الخالق بالخلق, وتشبيه صفاته بصفات المخلوقين, ودفع قايس لنفسه, ووصفته به رسله مما ينفيه القياس بفعله(513). وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين, فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل إذ اسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى, قال الطيبي: هذا هو لولا أخبار الله ورسوله ما تج المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح(514). قال الحافظ ابن رجب: وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالما بها فهو جاهل أو ضال, فكلها بدعة, وهي من ومن ذلك أعني محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة ومن , قال: ور المنهي عنها محدثات الأم حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول, وهو أشد خطرا من في ذاته وصفاته, وينقسم الكلام في القدر, لأن الكلام في القدر كلام في أفعاله, وهذا كلامٌ : من نفى كثيرا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه هؤلاء إلى قسمين: أحدهما عنده للتشبيه بالمخلوقين, كقول المعتزلة: لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة, (511 )التمهيد7/144 - 145 (512 )جامع بيان العلم 2/121 (513) الفقيه والمتفقه 1/511 (514) فتح الباري لابن حجر13/319

عدد الصفحات ١٦٢

162 وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسما, ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه ق السلف على تبديعهم وتضليلهم, وقد الشبهة, وهذا طريق المعتزلة والجهمية, وقد اتف سلك سبيل هم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين, والثاني: د بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي ذلك بأدلة العقول التي لم ي ر من رام إثبات طائفة من المحدثين قديما وتابعهمطريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وحديثا, وهو أيضا وإما معنى, ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هم بأدلة هي عنده لازم الصفات الثابتة, وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على ج ي بن إبراهيم شيخ العقل, وبالغوا في الطعن عليه, ومنهم من استحل قتله, منهم مك البخاري وغيره. والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل, ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة -خصوصا أحمد الإمام -ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها, وإن كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئا من ذلك اتباعا لطريقة مقاتل, فلا يقتدى به في ذلك, إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك (515) والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق وأب ي عبيد ونحوهم, وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم ش يء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة, ولم يدخل ذلك في كلام من س ل م من قدح وجرح, وقد قال أبو زرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصُن علمه واحتاج في نشره إلى ش يء من الكلام فلستم منه(511). رجب وقال الحافظ ابن–بعد ذكره طريقة الجهمية وكثير من المتكلمين في نفي ما دلت عليه نصوص الصفات -: وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون, فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية, وردوا على النفاة, ووسعوا القول في ذلك, وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض. (515) قال أبو طالب المكي: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين وأشدهم بغضا للعراقيين وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين اهـ . تر تيب المدارك للقاض ي عياض 2/31 (511) فضل علم السلف على الخلف لابن رجب/ مجموعة رسائل ابن رجب 3/14 - 11

عدد الصفحات ١٦٣

163 الحديث وسلف الأمة فهي الكف عن الكلام في ذلك من وأما طريقة أئمة أهل الطرفين, وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت, ونفي الكيفية عنها والتمثيل... ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية الذي يحسن به الظن المتكلمون: إن وا في تشبيهه بالمعاني, والمعاني المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام, فوقع محدثة كالأجسام, فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات. وهذا كل ه إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول , ولا يؤخذ مما جاء به الرسول, وأما أهل العلم والإيمان, مما جاء به الرسول, وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو فيعلمون أن ذلك كلَّه مُتلقى الحق الذي لا مزيد عليه, ولا عدول عنه, وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه, وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل, بل كل ما أثبته صدق, يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه, الله لنفسه أو أثبته له رسوله, فإنه حق و فكما أن الله ليس كمثله ش يء في ذاته, فكذلك في صفاته, وما أشكل فهمه من ذلك, فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم أنهم يقولون عند المتشابهات: ( آم نَّا ب ه كُل في متشابه الكتاب, أنه يرد إلى عالمه, والله يقول م نْ ع ند ر ب ن ا ) , وما أمر به رسول الله الحق ويهدي السبيل(517). وقد قال الشيخ ابن عاشور -في مسألة الرؤية -: فالسلف أثبتوها دون بحث, والمعتزلة نف وْها وتأولوا الأدلة بنحو المجاز والاشتراك وتقدير محذوف لمعارضتها الأصول ه قطعيا وألغوها, والأشاعرة أثبتوها وراموا الاستدلال لها القطعية عندهم, فرجحوا ما رأو بأدلة تفيد القطع وتبطل قول المعتزلة, ولكنهم لم يبلغوا من ذلك المبلغ المطلوب, وما جاء به كل فريق من ح جاج لم يكن سالما من اتجاه نقوض ومنوع ومعارضات, وكذلك ما أثاره خالصا من اتجاه منوع مجردة أو مع كل فريق على مخالفيه من معارضات لم يكن المستندات, فطال الأخذ والرد, ولم يحصل طائل ولا انتهى إلى حد, ويحسن أن نفوض كيفيتها إلى علم الله تعالى كغيرها من المتشابه الراجع إلى شؤون الخالق تعالى, وهذا معنى المعتزلة قول سلفنا: إنها رؤية بلا كيف, وهي كلمة حق جامعة وإن اشمأز منها (518). (517) فتح الباري لابن رجب5/11 - 191 (518) التحرير والتنوير 21/355

عدد الصفحات ١٦٤

164 أنى لعقله ففمن كان شاهدا على نفسه بالعجز عن اكتناه الروح التي بين جنبيه .سبحانه وتعالى وصفاته الباري ا غاب عنه من ذات أن يحيط بم غرور الم قال الذهبي: فإن الله تعالى فرد صمد ليس له نظير وإن تعددت صفاته فإنها حق لذي عاينه ونعته لنا, ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت ولكن ما لها مثل ولا نظير, فمن ذا ا لنا كيف يسمع كلامه, والله إنا لعاجزون كال ون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا(511) وكيف تعرج كلَّ ليلة إذا توفاها بارئها وكيف يرسلها وكيف تستقل بعد الموت , وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله , وكيف حياة النبيين الآن , وكيف شاهد النبي أخاه موس ى يصلي في قبره قائما ثم رآه في السماء السادسة وحاوره وأشار عليه بمراجعة رب العالمين وطلب التخفيف منه على أمته , وكيف ناظر موس ى أباه آدم وحجه آدم بالقدر السابق وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه, وكذلك نعجز عن و صف هيأتنا في الجنة ووصف الحور العين, فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني, فالله أعلى وأعظم وله المثل الأعلى والكمال المطلق ولا مثل له أصلا, آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (529). ساعد الآلة على إدراكه والإحاطة به.تُ ما في الوجود وقد قدمنا أنه ما كل ولهذا قال ابن ز كْر ي: ومن زعم انحصار صفات الله تعالى فيما ع ل مْنا فلا يخفى تحك مُه, لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدمُ المدلول (521). الدليل المعين لا يستلزم عدم الصفات: عدم مباحثوقال ابن تيمية في بعض المدلول المعين, فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يُثبت ذلك فإنه لا ينفيه, وليس لك أن تنفي ه بغير دليل, لأن النافي عليه الدليل, كما على المثبت, والسمع قد دل عليه, (511) قال الجرجاني في التعريفات (ص 159) في الروح الإنسانيتعجز العقول عن إدراك كُ نْ ه ه اهـ . و جاء في كتاب «علم النفس أصوله ومبادئه » (ص11) : لم يهتد البحث بعدُ إلى معرفة كُ نْ ه النفس اهـ . وقد قال ابن القيم في المدارج 1/428 : لا تعرف نفس ك التي هي أقرب الأشياء إليك, فلا تعرف حقيقتها ولا ماهيتها ولا كيفيتها, فكيف تعرف ربَّ ك وكيفية صفاته اهـ . (529 )العلو للعلي الغفار (ص 251 - 252) (521) بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب (ص 293)

عدد الصفحات ١٦٥

165 يل السالم عن ولم يعار ضْ ذلك معار ضٌ عقلي ولا سمعي, فيجب إثبات ما أثبته الدل المعارض المقاوم(522). ه من صفاته ليس وقال أيضا: وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر اللهُ به ورسولُ علم بالاضطرار عقلي على تلك الصفة بعينها, فإنه مما يُ موقوفا على أن يقوم عليه دليلٌ الله تعالى من دين الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبرنا بش يء من صفات التصديق به وإن لم نعلم ثبوت ه بعقولنا, ومن لم يُق رَّ بما جاء به الرسول حتى وجب علينا ق الُوا ل نْ نُؤْم ن ح تَّى نُؤْت ى م ثْل م ا أُوت ي رُسُلُ (: يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم ) , ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا اللَّه اللَّهُ أ عْل مُ ح يْثُ ي جْع لُ ر س ال ت هُ بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية, ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بش يء من ذلك أو لم يخبر به, فإن ما أخبر به لا يقر به بل يتأوله أو يفوضه, وما لم يخبر به إن سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره لا فرق عند منمه بعقله آمن به, وإلا فعل وبين عدم الرسول وعدم إخباره, وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده, وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق (523). وقال ابن تيمية أيضا: إن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئا من الحق ولا يخبر حيله العقول وتنفيه, ولكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته, فيخبر بمحارات بما ت العقول لا بمحالات العقول, ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك العطار قال: ليس في السنة قياس, ولا يضرب لها الأمثال, ولا تدرك مة المسلمين, فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول بالعقول. هذا قوله وقول سائر أئ صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم, ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن ضه الناس بعقولهم, بالأمثال المضروبة له, فلا يجوز أن يعار ض الرسول, ولا يجوز أن يعار قك إذا لم تخالف عقلي, أو أنت صادق ولا يدركونه بعقولهم, فمن قال للرسول: أنا أصد فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي, فإن كان يجوز على الرسول أن يخالف دليلا عقليا صحيحا لم يكن مؤمنا به, وإن قدم على كلامه دليلا عقليا ليس بصحيح لم يكن مؤمنا به, فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مع هذا الشرط (524). (522) التدمرية (ص 33 - 34) (523) شرح العقيدة الأصفهانية (ص 35 - 31) (524) درء تعارض العقل والنقل 5/211 - 217

عدد الصفحات ١٦٦

166 جز العقول عن الاستقلال بدرك هل بعث الله الأنبياء وأنزل معهم الشرائع إلا لعثم ذلك؟! نباء بما ليس في الله عز وجل من شاء من الناس بالإ النبوة: اختصاصُ قال ابن حزم: قوة نوعه أن يعرفوه حتى يعرفوا به, وليس ذلك لأحد بعد محمد رسول الله صلى الله بيائه عليهم السلامعليه وسلم وخاتم أن (525). وقال المقريزي الشرائع إنما أنزلها الله تعالى لعدم استقلال العقول البشرية بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم الله (521). : واعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دين هم على المعقول وجعلوا الاتباع , الأصل الاتباع والمعقول تبع, ولو كان أساس :والمأثور تبعا للمعقول, وأما أهل السنة قالوا ولبطل ,الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم ان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز ولقال من شاء ما شاء, ولو ك ,معنى الأمر والنهي للمؤمين أن يقبلوا شيئا حتى يعقلوا, ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله عز وجل وما تعبد الناس به من اعتقاده وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه كر عذاب القبر وسؤال الملكين بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله من ذ والحوض والميزان والصراط وصفات الجنة وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها, فإذا سمعنا شيئا من أمور يمكنا إدراكه فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق, وما لمالدين وعقلناه وفهمناه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته ( و ي سْأ لُون ك ع ن الر وح قُل واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته, وقال تعالى في مثل هذا: ( و لا يُح يطُون ب ش يْء , وقال الله تعالى: ) الر وحُ م نْ أ مْر ر ب ي و م ا أُوت يتُمْ م ن الْع لْم إ لاَّ ق ل يلاً .م نْ ع لْم ه إ لاَّ ب م ا ش اء ) ثم نقول لهذا القائل - رنا باتباعهالذي يقول بني ديننا على العقل وأم -أخبرنا إذا : :بالذي تعقل أو بالذي تؤمر, فإن قال من الله تعالى يخالف عقلك فبأيهما تأخذ أتاك أمرٌ إنما آخذ بالذي جاء من عند الله :ذي أعقل فقد أخطأ وترك سبيل الإسلام, وإن قالبال (525) رسائل ابن حزم 4/414 (521 )المواعظ والاعتبار 4/111

عدد الصفحات ١٦٧

167 وما لم نعقله قبلناه ,ه, وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقافقد ترك قول تسليما واستسلاما, وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم(527). ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهلُ ابن تيمية: وقال ليسوا أهل نظر واستدلال, وأنهم ينكرون حجة العقل, وربما حكى إنكار النظر عن تقليد بعض أئمة السنة, وهذا مما ينكرونه عليهم, فيقال لهم: ليس هذا بحق, فإن أهل السنة متفق عليه بينهم, والله قد أمر بالنظر القرآن, هذا أصلٌ والحديث لا ينكرون ما جاء به ف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية, ولا يعر هم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر وعلمائها أنه أنكر ذلك بل كل وقع والاعتبار والتدبر وغير ذلك, ولكن اشتراكٌ في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام, فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم, فاعتقدوا أن النظر والاستدلال لإنكار جنس هذا مستلزمٌ إنكار (528). في قال الخطابيولهذا «الغنية عن الكلام وأهله » : إنا لا ننكر أدلة العقول و التوصل بها إلى المعارف, ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع(521). قال ابن الجوزي: وفإن قيل: فلا بد من اعتقاد, قلنا: طريق السلف أوضح محجة, لأنا ما نقوله تقليدا بل بالدليل, ولكنا لم نستفده عن جوهر وعرض وجزء لا يتجزأ, بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل من غير بحث عما لا يحتاج إليه (539). اعلم وقال أيضا -فقك الله تعالى و -أن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم إما لأن الاطلاع على معرفة التفاصيل, اعا من الخلق بالإيمان بالجمل, ولم يكلفقن التفاصيل يخبط العقائد, وإما لأن قوى البشر تعجز عن مطالعة ذلك, فأول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إثبات الخالق ونزل عليه القرآن بالدليل على وجود الخالق (527) الانتصار لأصحاب الحديث (ص 81 - 83) (528) مجموع الفتاوى 4/55 - 51 (521) الغنية عن الكلام وأهله (ص 19 - 11) (539) صيد الخاطر (ص 285)

عدد الصفحات ١٦٨

168 ( , وقال تعالى: ه ا أ نْه ارًا ) ( أ مَّنْ ج ع ل الأْ رْض ق ر ارًا و ج ع ل خ لا ل بالنظر في صنعه فقال تعالى , وما زال يستدل على وجوده بمخلوقاته وعلى قدرته و ف ي أ نْفُس كُمْ أ ف لا تُبْص رُون ) بمصنوعاته, ثم أثبت نبوة نبيه بمعجزاته, وكان من أعظمها القرآن الذي جاء به فعجز ض ى على ذلك القرن الخلائق عن مثله, واكتفى بهذه الأدلة جماعة من الصحابة, وم الأول, والمشربُ صاف لم يتكدر, وعل م الله عز وجل ما سيكون من البدع, فبالغ في إثبات الأدلة وملأ بها القرآن (531). : وقال الشوكاني لا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه وبالوعد والوعيد والجنة والنار والمبدأ والمعاد إلا ما جاء ت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن الله سبحانه, وليس للمعقول وصول إلى تلك الأمور, ومن زعم ذلك فقد كلَّف العقول ما أراحها الله منه ولم يتعبدها به, بل غاية ما تدركه وجُل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق الباري, وأن هذه المصنوعات لها صانع, وهذه الموجودات له ا موجد, وما عدى ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله عز وجل وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من العقل, بل من ذلك النقل الذي منه جاءت وإلينا به وصلت (532). وقال أبو الحسن الندوي: وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا ا لناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله , وعن بداية هذا العالم ومصيره , وما يهجم عليه الإنسان بعد موته , وآتاهم علم ذلك كل ه بواسطتهم عفوا بدون تعب, وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مباديها ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول, لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة, لا تعمل فيهما حواسهم, ولا يؤدي إليها نظرهم, وليست عندهم معلوماتها الأولية. وبدأوا لنعمة وأعادوا الأمر جذعا, وأبدوا البحث أُنفا,لكن الناس لم يشكروا هذه ا ناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشدا ولا خ ر يتا, وكانوا في ذلك أكثر ضلالا, رحلتهم في م م يقتنع بما أدى إليه العلم الإنساني في بالفضول من رائد ل وأشد تعبا وأعظم اشتغالا , فحاول أن يقيس ارتفاع ط على تعاقب الأجيالالجغرافية, وما حدد وضبط في الخرائ الجبال وعمق البحار من جديد, ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه على قصر يمته, عمره, وضعف قوته, وفقدان آلته, فلم يلبث أن انقطعت به مطيته وخانته عز (531) صيد الخاطر (ص 111) (532 )أدب الطلب (ص 141)

عدد الصفحات ١٦٩

169 فرجع بمذكرات وإشارات مختلة, وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة , وعلى , ونظريات العلم بآراء فجة, ومعلومات ناقصة, وخواطر سانحةغير هدى, جاءوا في هذا مستعجلة, فضلوا وأضلوا. ومحكمات هي أساس المدنية وكذلك منحهم الأنبياء عليهم السلام مبادئ ثابتة الحياة السعيدة في كل زمان ومكان, فحرموها على تعاقب الأعصار, فبنوا , و فاضلةال فزاغ أساس المدنية , مدنيتهم على شفا جرف هار, وأساس منهار, وعلى قياس واختيار .وتداعى بناؤها, وخر عليهم السقف من فوقهم لى رسول ه ع, إذ عو لوا في ذلك كل رض ي الله عنهم سعداء موفقين جداوكان الصحابة ائهم وقوتهم وجهادهم , ووفروا ذكلثمرة, فكفوا المئونة وسعدوا باالله صلى الله عليه وسلم والدنيا وتمسكوا , ووفروا عليهم أوقاتهم فصرفوها فيما يعنيهم من الدين في غير جهاد , وأخذوا في الدين بلب اللباببالعُروة الوثقى (533). د علمو مقص الكلام ع لتقرير الأدلة العقلية التي بها تنالُ المطالب الإلهية, ض الكلام وُ لا تظنن أن علمثم المطالب بعض والمبتدعة بل إنما وضع لنقض الدلائل العقلية التي عارض بها الفلاسفة .تقررت بالكتاب والسنةالإلهية التي ولم واعلم أن أكابر المتكلمين لم يُثبتوا يصححوا عقائد بالدلائل الكلامية, إذ ليس الغرض من الكلام إلا إفحام الجاحد وإلزام المعاند, فمأخذ أنوار عقائدهم مشكاة النبوة لا غير (534). وقدقال الغزالي في «المنقذ من الضلال» :وإنما مقصوده -يعني علم الكلام -حفظُ ل البدعةعقيدة أهل السنة, وحراستُها عن تشويش أه (535). : وأما الكلام فمقصوده حمايةُ المعتقدات التي نقلها أهل السنة من السلف الصالح لا غير(531). (533) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين (ص 13) (534) دستور العلماء3/15 (535) المنقذ من الضلال (ص118) (531) إحياء علوم الدين 1/49

عدد الصفحات ١٧٠

171 : وأما منفعته أيضا -يعني علم الكلام -ه فقد يُظن أن فائدت لام وفاءٌ بهذا المطلب ها على ما هي عليه, وهيهات, فليس في الكالحقائق ومعرفتُ كشفُ الشريف, ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثرُ من الكشف والتعريف (537), وهذا إذا س م عْت ه من مُ ح د ث أو ح شْ و ي ربما خطر ببالك أن الناس أعداءُ ما ج ه لوا, فاسمع هذا م مَّ ن خب ر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة, وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين, وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أُخ ر تُ ناسب نوع الكلام, وت حقَّ ق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود, ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تُفه م قبل التعمق في صنعة الكلام (538). ن فيه , بي الفرق بين الإلهيات عند الفلاسفة وعلم الكلام عند المتكلمين المسلمين, وهذا كلامه: الفصل السابع والعشرون في علم الإلهيات انيات قال: وهو علم ينظر في الوجود المطلق, فأولا في الأمور العامة للجسم والروحانيات من الماهيات والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان وغير ذلك, ثم ينظر في مبادئ الموجودات, وأنها روحانيات, ثم في كيفية صدور الموجودات عنها ومراتبها, ثم في أ.أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام وعودها إلى المبد معرفة الوجود على ما هو عليه, وهو عندهم علم شريف يزعمون أنه يُوقفهم على وأن ذلك عين السعادة في زعمهم. وسيأتي الرد عليهم بعدُ (531). وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة. وكُتُب المعلم الأول فيه موجودة بين أيدي الناس, ولخصه ابن سينا في كتاب الشفاء والنجاة, وكذلك لخصه ابن رشد من حكماء الأندلس(549), ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها وردَّ عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لعروضها في (537) قال ابن الجوزيوهل الإيغال في الكلام مما يقرب إلى معرفة الحقائق التي لا يمكن خلافها ؟ هيهات, لو كان كذلك ما وقع بين المتكلمين خلاف اهـ . صيد الخاطر (ص 284) (538) إحياء علوم الدين1/17 (531) وقد عقد لذلك الفصل الحادي والثلاثين من مقدمته في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها, فلا ينبغي لك إغفالُه. انظر المقدمة (ص 797) فما بعد (549) قال فيه ابن القيم: هو أخبر بمقالات الفلاسفة والحكماء وأكثرُ اطلاعا عليها من ابن سينا ونق لمذاهب الحكماء, وكان لا يرض ى بنقل ابن سينا ويخالفه نقلا وبحثا اهـ . اجتماع ا لجيوش الإسلامية 2/325 - 321

عدد الصفحات ١٧١

171 موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها, فصارت كأنها مباحثهم, وتشابه روا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلطوهما فنا واحدا: واحد, ثم غيَّ فن ثم بالروحانيات وتوابعها ,ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها ,قدموا الكلام في الأمور العامة ة وجميع من بعده من إلى آخر العلم كما فعله الإمام ابن الخطيب في المباحث المشرقي لغرض وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها كأن ا م,علماء الكلا صواب, لأن غير والتبس ذلك على الناس, وهو من موضوعهما ومسائلهما واحد, مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف , من غير رجوع فيها إلى تثبت إلا به, فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره, العقل ولا تعويل عليه بمعنى أنها لا وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق فيها فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة, بل إنما هو التماسُ حجة عقلية تعضد عقائد ذين زعموا أن مداركهم فيها الإيمان ومذاهب السلف فيها وتدفع شبه أهل البدع عنها ال وذلك بعد أن تُفر ض صحيحة بالأدلة النقلية كما تلقاها السلف واعتقدوها, عقلية, وكثير ما بين المقامين. وذلك أن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك خل تحت الأنظار العقلية, فهي فوقها ومحيطة بها, لاستمدادها من الأنوار الإلهية, فلا تد قانون النظر الضعيف والمدارك المحاط بها, فإذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها, ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه. لمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية وا بالبدع النظرية, فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم, واستدعى ذلك الحجج النظرية ومحاذاة العقائد السلفية بها, وأما النظر في مسائل الطبيعيات والإلهيات ع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين.بالتصحيح والبطلان فليس من موضو فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين, فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف, والحق مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل, وإنما جاء الالتباس من لب الاعتداد اتحاد المطالب عند الاستدلال, وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاءٌ لط

عدد الصفحات ١٧٢

172 بالدليل, وليس كذلك, بل إنما هو رد على الملحدين, والمطلوبُ مفروضُ الصدق معلومُه (541). فائدة في أن المنقول مشتمل على المعقول كون الدليل قال ابن تيمية: الدليل الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا, فإنَّ ذا راد به كون الشرع أباحه وأذن فيه, فإشرعيا يرادُ به كونُ الشرع أثبته ودل عليه, وي أريد بالشرعي ما أثبته الشرع: فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا ولكن الشرع نبَّه عليه ودل عليه, فيكون شرعيا عقليا. وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز, من الأمثال المضروبة وغيرها ق رسله وإثبات صفاته وعلى المعاد, فتلك كلها أدلة عقلية يعلم الدالة على توحيده وصد صحتها بالعقل, وهي براهين ومقاييس عقلية, وهي مع ذلك شرعية. وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق, فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيا سمعيا . ن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط, وأن وكثير من أهل الكلام يظن أ الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه, ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات, والسمعيات, ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة. يها, وإن كان من وهذا غ ل ط منهم, بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبيَّنها ونبَّه عل ( س نُر يه مْ آي ات ن ا ف ي الآْف اق و ف ي :الأدلة العقلية ما يُعلم بالعيان ولوازمه, كما قال تعالى .أ نْفُس ه مْ ح تَّى ي ت ب يَّن ل هُمْ أ نَّهُ الْح ق أ و ل مْ ي كْف ب ر ب ك أ نَّهُ ع ل ى كُل ش يْء ش ه يدٌ ) عي ما أباحه الشرع وأذن فيه, فيدخل في ذلك ما أخبر به وأما إذا أريد بالشر الصادق, وما دل عليه ونبه عليه القرآن, وما دلت عليه وشهدت به الموجودات. والشارع يحرم الدليل لكونه كذبا في نفسه, مثل أن تكون إحدى مقدماته باطلة, يُؤْخ ذْ ع ل يْه مْ م يث اقُ ( أ ل مْ فإنه كذب, والله يحرم الكذب, لا سيما عليه, كقوله تعالى .الْك ت اب أ نْ لا ي قُولُوا ع ل ى اللَّه إ لاَّ الْح قَّ و د ر سُوا م ا ف يه ) (541) مقدمة ابن خلدون (ص153 - 154)

عدد الصفحات ١٧٣

173 , ( و لا ت قْفُ م ا ل يْس ل ك ب ه ع لْمٌ ) :ويحرمه لكون المتكلم به بلا علم, كما قال تعالى ( ه ا أ نْتُمْ ه ؤُلا ء ح اج جْتُمْ ف يم ا , وقوله ا لا ت عْل مُون )( و أ نْ ت قُولُوا ع ل ى اللَّه م وقوله تعالى .ل كُمْ ب ه ع لْمٌ ف ل م تُح اج ون ف يم ا ل يْس ل كُمْ ب ه ع لْمٌ ) ( يُج اد لُون ك ف ي الْح ق ب عْد م ا ويحرمه لكونه جدالا في الحق بعد ما تبين, كقوله تعالى .( و يُج اد لُ الَّذ ين ك ف رُوا ب الْب اط ل ل يُدْح ضُوا ب ه الْح قَّ ) وله تعالى , وقت ب يَّن ) وحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليلٌ غير شرعي, ويكون مقدَّما عليه, بل هذا بمنزلة من يقول: إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالى تكون مقدمة على الشرعة بها, أو يقول: الكذب مقدَّم على الصدق, أو يقول: خبرُ غير النبي صلي الله التي أمر الله عليه وسلم يكون مقدما على خبر النبي, أو يقول: ما نهى الله عنه يكون خيرا مما أمر الله به, ونحو ذلك, وهذا كل ه ممتنع. وأما الدليل الذي يكون عقليا أو سمعيا (542) من غير أن يكون شرعيا, فقد ي كون راجحا تارة ومرجوحا أخرى, كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة, ويكون شبهة فاسدة أخرى, فما جاءت به الرسل عن الله تعالى إخبارا أو أمرا لا يجوز أن يعار ض بش يء من الأشياء, وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره, إذ قد يكون حقا تارة وباطلا أخرى, وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشريعة ما ليس منها, كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها, والكلام هنا على جنس الأدلة, لا على أعيانها (543). : ليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر كما يظن أيضا وقال ابن تيمية لم بالعقل قسيما للعلوم النبوية, بل عذلك من يظنه من أهل الكلام, ويجعلون ما يُ دين الناس علما وعملا, الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم لت الفطرة بما نبهتها عليه, وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه, مثال, فكمَّ وضربت الأ ة, فأزالت ذلك الفساد هواء الفاسدلفطرة قد فسدت بما حصل لها من الآراء والأ و كانت اأ وبينت ما كانت الفطرة معرضة عنه حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها الله (542) لعله يقصد بالسمعي غير الشرعي : أن يخوض العقل في ما هو ليس من دائرته, وإنما هو متوقف على سمع, دون الرجوع إلى دليل مسموع صحيح, فيكون خوضا في مباحث سمعية -أي لا طاقة للعقل بها بل هو فيها إلى الخبر مفتقر –من غير سند شرعي. والله تعالى أعلم. (زهران) (543) درء تعارض العقل والنقل 1/118 - 299

عدد الصفحات ١٧٤

174 وبينها رسله(544). تصديق : إنَّ مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها, ومبنى السمع على أيضاوقال للناس الأمرين, فدلوهم على ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كمَّلوا الأنبياء صلواة الله عليهم, علم المطالب الإلهية التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال, الأدلة العقلية التي بها تُ وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم نه الأنبياء صلوات الله عليهم مقصورا على مجرد الخبر كما يظ واستدلالهم, وليس تعليمُ كثير من النظار, بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها يعلم العلوم الإلهية ما لا يوجد هم صلوات الله عليهم جامعٌ للأدلة العقلية والسمعية جميعا, عند هؤلاء البتة, فتعليمُ بخلاف الذين خالفوهم, فإن تعليمهم غيرُ مفيد للأدلة العقلية والسمعية, مع ما في ( :من الكبر الذي ما هم ببالغيه, كما قال تعالىنفوسهم إ نَّ الَّذ ين يُج اد لُون ف ي آي ات اللَّه ب غ يْر سُلْط ان أ ت اهُمْ إ نْ ف ي صُدُور ه مْ إ لاَّ ك بْرٌ م ا هُمْ ب ب ال غ يه ف اسْت ع ذْ ب اللَّه إ نَّهُ هُو السَّ م يعُ الْب ص يرُ ) , وقال: ( الَّذ ي ن يُج اد لُون ف ي آي ات اللَّه ب غ يْر سُلْط ان أ ت اهُمْ ك بُر م قْتًا ع نْد اللَّه و ع نْد الَّذ ين آم نُوا ك ذ ل ك ي طْب عُ اللَّهُ ع ل ى كُل ق لْب مُت ك ب ر ج بَّار ) , وقال تعالى : ( ف ل مَّا ج اء تْهُمْ رُسُلُهُمْ ب الْب ي ن ات ف ر حُوا ب م ا ع نْد هُمْ م ن الْع لْم و ح اق ب ه مْ م ا ك انُوا ب ه ي سْت هْز ئُون ) , ومثل هذا كثير في القران , وقد بسطنا القول فيه في بيان درء تعارض الشرع والعقل (545). ما سلف من الاستدلال بإحكام خلق الإنسان الشرعية الأدلة العقلية جنسومن م سبحانه.على الخالق الحكي قال ابن تيمية: الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة, وهي طريقة عقلية صحيحة, وهي شرعية دل القرآن عليها, وه دى الناس إليها, وبيَّنها وأرشد إليها, وهي عقلية, فإن نفس كون الإنسان حادثا بعد أن لم يكن, ومولودا ومخلوقا ثم من علقة, هذا لم يُعلم بمجرد خبر الرسول, بل هذا يعلمه الناس كل هم من نطفة, بعقولهم, سواء أخبر به الرسول أو لم يخبر, لكن الرسول أمر أن يستدل به, ودل به, وبيَّنه, واحتج به, فهو دليل شرعي, لأن الشارع استدل به, وأمر أن يستدل به, وهو عقلي, لأنه بالعقل تُعل م صحتُه. (544) الرد على المنطقيين (ص 427) (545 )السابق (ص 318 - 311 )

عدد الصفحات ١٧٥

175 كثير من المتنازعين في المعرفة هل تحصل بالشرع أو بالعقل لا يسلكونه, وهو عقلي و شرعي, وكذلك غيره من الأدلة التي في القرآن مثل الاستدلال بالسحاب والمطر, هو مذكور ى ( أ و ل مْ ي ر وْا أ نَّا ن سُوقُ المْ اء إ ل في القرآن في غير موضع, وهو عقلي شرعي, كما قال تعالى: ؛ فهذا مرئي الأْ رْض الْجُرُز ف نُخْر جُ ب ه ز رْعًا ت أْكُلُ م نْهُ أ نْع امُهُمْ و أ نْفُسُهُمْ أ ف لا يُبْص رُون ) , ثم ( س نُر يه مْ آي ات ن ا ف ي الآْف اق و ف ي أ نْفُس ه مْ ح تَّى ي ت ب يَّن ل هُمْ أ نَّهُ الْح ق ) بالعيون, وقال تعالى: فالآيات التي يريها الناس حتى يعلموا أن ( أ و ل مْ ي كْف ب ر ب ك أ نَّهُ ع ل ى كُل ش يْء ش ه يدٌ ) ,ل: قا , وهي شرعية, دل ل بها العقل على أن القرآن حق ستد القرآن حق , هي آيات عقلية, ي تدل بها العقل, وهي الشرع عليها, وأمر بها. والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقلية التي يس شرعية, لأن الشرع دل عليها, وأرشد إليها (541). وقد قال الغزالي: حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه (547). وقال ابن تيمية: خلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية والمعارف ا لإلهية قد جاء به الكتاب والسنة مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله بخطابه, فكان فيما جاء به الرسول من الأدلة العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين والآخرين (548). دلالة وتقسيم وتحديد وقال الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره: ما من برهان و مبني على كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتابُ الله تعالى قد نطق به, لكن أورده العرب, دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين لأمرين: أحدهما: بسبب ما تعالى على عادة والثاني: أن المائل إلى دقيق ي ن ل هُمْ ) الآية,( و م ا أ رْس لْن ا م نْ ر سُول إ لاَّ ب ل س ان ق وْم ه ل يُب قاله: م فه المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام, فإن من استطاع أن يُ بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ما لم صورة تشتمل على أدق دقيق ىليكن ملغزا, فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أج فهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة, ويفهم الخواص من أثنائها ما يوفى على تل ما أدركه فهم الحكماء. قال: ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر, كان (541) النبوات 1/212 - 213 (547) إحياء علوم الدين1/22 (548 )منهاج السنة النبوية 2/119

عدد الصفحات ١٧٦

176 أتبعها مرة نصيبه من علم القرآن أكثر, ولذلك إذا ذكر تعالى حجة إلى ربوبيته ووحدانيته ومرة إلى الممفكرين, ,بإضافتها إلى أولي العقل, ومرة إلى أولي العلم, ومرة إلى السامعين تنبيها على أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها, وذلك ,ومرة إلى المتذكرين من الآيات, وغيرها ( إ نَّ ف ي ذ ل ك لآ ي ات ل ق وْم ي عْق لُون ) نحو قوله تعالى: (541). وإن جملة وتفصيلا ض به على الحق المقطوع به باطلٌ عتر ما ي فائدة في أن كل ع لِم ذلك جملة لا تفصيلا قال ابن تيمية: من علم الش يء علما يقينيا عل م قطعا فساد ما يُناقضه وإن لم يعل م م قطعا أنه لا يقوم تفصيل فساد تلك الحجج, فمن ع ل م صدق الرسول وأنه أخبر بأمر عل دليل قطعي على نفيه(559) . قال ابن كثير: ما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد و الحق إلا الضلال(551). كل من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلا, وإنما كل ف وقال الحافظ ابن حجر الإتيان بالبرهان تبكيتا وتعجيزا (552). الشنقيطي: كل ما خالف القرآن فهو باطل, لأن نقيض لشيخ محمد الأمين وقال ا باطلٌ بلا شك الحق (553). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي –في تفسير قوله تعالى ( الْح ق م نْ ر ب ك ف لا ت كُنْ م ن المُْمْت ر ين ) -: وفي هذه الآية وما بعدها دليلٌ على قاعدة شريفة, ما قامت وهو أن الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها, فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل, وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة, سواء قدر العبد على حل ها أم لا, فلا يوجب له عجزُه عن حلها القدح فيما عل مه, لأن ما خالف الحق فهو باطل, قال تعالى: إشكالات ( ف م اذ ا ب عْد الْح ق إ لاَّ الضَّلا لُ ) , وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان (541) مقدمة تفسير القاسمي محاسن التأويل 1/348 (559) درء تعارضالعقل والنقل 5/211 (551) تفسير ابن كثير 2/345 (552) فتح الباري13/352 (553) آداب البحث والمناظرة (ص 351)

عدد الصفحات ١٧٧