145 فالكل شاهد على دعواهم بالنقض والبطلان, وإنما استزلوا من شاء الله بتمويههم البحث العلمي والمنهج التجريبي. لباطلهم بعنوان عنوان ق خاصة يخدعنا هذا العنوان الضخم,قال محمد قطب: نحن في الشر ائية ثابتة, لا يعتبر من يتصدى لمناقشتها إلا جاهلا فنظن أنه حقائق نه, "العلم التجريبي" أو مخرفا ! وقد كان ينبغي أن نحترس في الإيمان بالمعلومات "العلمية" حتى في العلوم البحتة كالرياضيات والطبيعية والكيمياء, ونحن نرى أن العلم ما يزال في طفولته, وما ما معلومات كان ينظر إليها بالأمس على يزال كل يوم يصل إلى آفاق جديدة, فيلغي إلغاء تا أنها "حقائق نهائية" لا تقبل الجدل ولا تحتمل التأويل. وليس العهد ببعيد حين قال إينشتين: إن قوانين نيوتن في الجاذبية لا تصلح فهي إذن حقائق ية, ولكنها لا تصلح للكون الكبير,للتطبيق إلا على سطح الكرة الأرض ئق مطلقة, وهي قابلة للنقض والتبديل حين تطبق "على الاتساع" !محلية صغيرة لا حقا واليوم تكتشف أسرار الذرة, فتنشأ حولها نظريات كثيرة في تفسير الكون والحياة كانت مجهولة من قبل, ويبدو بجانبها بعض ما كان يسمى "نظريات علمية نهائية" أقرب إلى الخرافات والأساطير (474). أعرف كيف أبدو للعالم, ولكن بالنسبة لنفس ي كنت أبدو طفلا يلعب في شاطئ البحر وبين الفينة والفينة أتحول لالتقاط حصاة أكثر نعومة أو صدفة أجمل من العادية, بينما يرقد أمامي محيط من الحقائق لم » . قال ألبرت أينشتاين عالم الطبيعة الألماني الأمريكي: إن المفاهيم التي طورها وقد .أيضا » (Wikipedia) تحت عنوان (أفكار نيوتن الدينية ) ما نصه: وبالرغم من أن قوانين الحركة والجاذبية أشهر اكتشافات نيوتن إلا أنه حذر من اعتبار العالم مجرد آلة, وقال : إن الجاذبية تشرح حركة الكواكب لكنها لا تشرح من حرَّك الكواكب يحكم كل ش يء ويعرف كل ما هو موجود أو يمكن فعله . فالله (475). (474 )الإنسان بين المادية والإسلام (ص 29) (475)Tiner,J.H. (1975). Isaac Newton: Inventor, Scientist and Teacher . Milford, Michigan, U.S.: Mott Media.
عدد الصفحات ١٤٦146 في مقال بعنوان قال الشيخ محمد الغزالي «مدرس ينشر الإلحاد بين تلامذته » : هو مدرس فلسفة, تو هَّم لأمر ما أن ح رفته تفرض عليه تبني الإلحاد فكرا ونشرا, ولما كان الشر لا يستطيع أن يمش ي مكشوف السوأة, بل يتو ارى غالبا في رداء من الخير, فإن صاحبنا اتخذ العلم شعارا يدُ س تحته ما يريد, ومن الممكن باسم المنطق العلمي أن يهاجم الدين وأركانه , وأن يضلل الأغرار ويفتنهم! قلت له: مالك وللعلم؟ إنك تتحدث كأنك سبقت أنشتين في اكتشاف نظرية النسبية, أو شاركت نيوتن في تقرير ق وانين الجاذبية! وتخصصُ ك الذي تعيش في نطاقه لا علاقة له بهذا أو بذاك.. إن جمهرة المشتغلين بالعلم والفلك والأحياء والفيزياء والكيمياء.. الخ مؤمنون بأن للعالم ر ب ا يشرف عليه, وليس سيارةً تنطلق بلا قائد, وقد أحص ى العقاد في كتابه « عقائد المفكرين » أساطين العلوم الكونية فإذا تسعةُ أعشارهم مؤمنون, والعشر الباقي بين متردد وملحد! وكان سير جمس جنز الفلكي الإنجليزي تملكه هزة عصبية وهو يتحدث عن عظمة خالق السماوات, ومرصع فضائها بالنجوم! وقرأت لأنشتين حديثا عن الله كأنه قصيدة عاطفية لمحب مشبوب المشاعر, وليقرأ من يشاء كتاب العلامة "كريس موريسون" الذي ترجم إلى العربية بعنوان: «العلم يدعو إلى الإيمان» , والرجل رئيس أكاديمية العلوم في الولايات المتحدة وحصيلته من العلوم تجعله قمة شامخة! بياض, وليست بينهم وبين يالمهم أن جمهرة أولئك الملاحدة يخطون سوادا ف قال: موصولة! إنهم كما وصف القرآن الكريم: ( مٌ المعرفة رح و ك ذ ل ك ج ع لْن ا ل كُل ن ب ي ع دُو ا نْس و الْج ن يُوح ي ب عْضُهُمْ إ ل ى ب عْض زُخْرُف الْق وْل غُرُورًا و ل وْ ش اء ر ب ك م ا ف ع لُوهُ ش ي اط ين الإْ ف ذ رْهُمْ و م ا ي فْت رُون ) . مقت ملاحدة العرب في الأيام العجاف, فلم أعجب لأظافرهم التي وقد ر قال: يخمشوننا بها قدر ما عجبت من كلامهم عن العلم, العلم الأوروبي طبعا! إن القرعاء تباهي بشعر بنت أختها, فهل علمت القرعاء أن بنت أختها مؤدبة؟ لم يفقدها شعرها الأدب (471). لـGex,m :يطيب للماديين المحدثين أن يتحدثوا باسم العلم, ولكنهم في الحقيقة يسيئون استخدام العلم عندما يبسطون مناهج العلوم الطبيعية في مجال المادة إلى ما هو خارج هذا النطاق, فالعال م الحقيقي لا يضع معارفه المحدودة –التي يعلم يقينا مدى محدوديتها –, وإنما يقصر معارفه على على أنها مطلقة (471) الحق المر 3/297 - 291
عدد الصفحات ١٤٧147 مجاله فقط(477). وهكذا نرى أنه في الوقت الذي يعترف فيه العالم الحقيقي بجهله –إذا كان الأمر يدور حول ما هو خارج نطاق تخصصه –فإننا نرى الفيلسوف المادي يزعم أنه يعلم, ويدعي العلم بما يتجاوز دائرة إدراكاته ومعارفه (478). : الكونية التي يقوم عليها العلم الحديثبعد ذكره للثوابت وقد قال بشير التركي فيتضح لنا أن هاته الثوابت الأربعة تبين أن الوجود يفوت إدراكنا المحدود, وتدل على في كل مكان ودائماإلى ما هنا والآنعجز الإنسان على أن يعمم كل ما (471). )إ لاَّ ق ل يلاً و م ا أُوت يتُمْ م ن الْع لْم وصدق الله القائل قال ابن خلدون: الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان, وعلم الله أوسع, وخلقه أكبر, وشريعته بالهداية أملك (489). ونعني بالقاعدة المقررة أن قال: لا يجوز الشك فيها,: قاعدة قال العقادذكر قد و الموجودات أعم من المحسوسات بل هناك موجودات فهناك موجودات أكثر مما نحس, . قابلة للإحاطة بها من طريق الإحساس أكثر مما نحسه الآن بالآلات ووسائل التقريب والتضخيم (481). وقال أيضا: من المحقق أن الوع ي الكوني ملكة قابلة للترقي والاتساع, لأن الحقائق التي تقبل الفهم في الكون لا تزال على اتساع وارتفاع يفوقان كلَّ وعي ترقى إ ليه بنو الإنسان, بل هذه الحواس الجسدية -ودع عنك الحقائق المادية -لا تحيط بكل ما تحسه وهي كالعدم في ,العيون والأنوف والآذان, فبعض الحيوان يستنش ئ الرائحة على بعد أميال أنف حيوان آخر ولو كانت منه على مدى قراريط, وبعض الأصوات تلتقطها من وراء ) على مد البصر وقد كان الظن قبل العصر الحاضر أن الصوت ( عدم ,البحار والقفار القريب. (477) قال محمد باقر ا لصدر في كتابه فلسفتنا (ص 273) : إن التجربة العلمية لا تعمل إلا في حقلها الخاص, وهو نطاق مادي محدود اهـ . (زهران) (478 )Einfuhrung In Die Philosophie by Gex,m (ص59) بواسطة تمهيد للفلسفة لمحمود حمدي زقزوق (ص 114) (471) الآفاق (ص15 ) (489) المقدمة (ص 124) (481 )كتاب « الله» للعقاد (ص41 - 59)
عدد الصفحات ١٤٨148 ومن زعم أن الموجود هو ما تناوله الحس دون غيره كذَّبه الحس نفسُه, وقامت عليه الحجة من العيون والأنوف والآذان, فضلا عن البصائر والعقول (482). كل ش يء في الوجود, ويعتقد ر خطأ أنه يدركعتب وقال بشير التركي: إن الإنسان ي وأنه يعتقد أن عقله هو ,باطلا أنه المعيار الوحيد للحق دون المخلوقات الكثيرة الأخرى أن رقعة ولكن العلم البشري بنفسه يقر الفريد في الكون للإدراك الشامل لكل الوجود. إدراك الإنسان ضيقة جدا. لإنسان هو عقله أي مخه مستعان ويمكن لنا فهم ذلك إذا اعتبرنا أن مركز إدراك ا بحواسه الخمس المعروفة: البصر والسمع واللمس والذوق والشم. قال: إذا اعتبرنا حاسة البصر مثلا ومركزها العين, فكان يعتقد الإنسان أنه يرى كل ما في الوجود, وإذا لم ير شيئا ما فلا لش يء إلا لأنه لا يوجد, وكان يعتقد أيضا أن عملية تمثل في إخراج ش يء من العين كاليد فتلمس الأشياء وتتصورها تماما مثل فاقد البصر ت البصر الذي يتصور الأشياء بفضل لمسها بيديه. فللمرة الأولى في التاريخ غير القرآن الكريم هذا المفهوم إذ أنه أشار منذ خمسة عشر دقة علمية كبيرة. قرنا إلى ضوء الشمس المنبثق منها وإلى نور القمر المنعكس عليها ب فانطلاقا من ذلك أدرك العالم المسلم حسن بن الهيثم المدرس في جامعة الأزهر في القاهرة فأسس علما جديدا وهو علم البصريات في ,المعزية في القرن العاشر المسيحي وجود الضوء كتابه «علم المناظير » اكتشف فيه قوانين انتشار الضوء وكذلك انعكاسه وانكساره , ووصفه بأنه يتكون من كويرات تخرج من مصادر الضوء وتدخل في العين التي تبصر بفضلها الأشياء , وذلك ست قرون قبل ديكارت ونيوتن وعشرة قرون قبل آينشتاين. وفي القرن العشرين اكتشف العلم الحديث أن للضوء وجهتين متناقضتين كما تذبذب للمجال الكهرطيس ي حسب فإما كويرات مادية كما ذكرنا وإما ,سيقع شرحه ولكن العين لا تبصر إلا الأمواج التي ,موجات تتراوح أطوالها من صفر إلى لا نهاية له ينحصر طولها في رقعة تتراوح بين أدناها 0,4 ميكرون ( والميكرون هو الجزء من الألف من المليمتر ويرمز له بالحرف اليوناني ) وأقصاها 0,8 أن طول رقعة وينتج عن ذلك البصر هي: 0,4 فقط حسب ما يبينه المثال الآتي (482 )السابق (ص29)
عدد الصفحات ١٤٩149 وهذا يدل قطعا على أننا لا نبصر إلا الش يء القليل جدا من الوجود, وبما أن العين هي عضو من الأعضاء التي يستعين بها المخ كالحواس الأخرى التي هي أيضا محدودة جدا, فالمخ هو أيضا محدود الإدراك (483). يد قطب في المدرسة العقلية المعاصرةكلمة لس إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه, قال سيد قطب في تفسيره: يكشفه الله لهم بمقدار ما يطيقون, وبمقدار ن سنة الله إلا طرفا يسيراوما يعرف البشر م يسمونها هي من ما يتهيأون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل, فهذه الخوارق كما سنة الله, ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه! ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها متى صحت الرواية أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقة, ولم تجر على مألوف ولا لسنة المألوفة أقل وقعاأن جريان الأمر على ا وفي الوقت ذاته لا نرى ومعهودهم, الناس ها خارقة فالسنة المألوفة هي في حقيقت السنة الخارقة للمألوف,دلالة من جريانه على وإن ,إن طلوع الشمس وغروبها خارقة وهي معهودة كل يوم بالقياس إلى قدرة البشر, ولادة كل طفل خارقة وهي تقع كل لحظة. ألة خارقة فعلام العناء في حصرها في صورة معينة لمجرد أن وما دامت المس قال: هذه الصورة مألوفة لمدارك البشر! وجريان الأمر على غير المألوف أنسب لجو الحادث كله؟! إننا ندرك ونقدر دوافع المدرسة العقلية التي كان الأستاذ الإمام رحمه الله على رأسها ى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات في تفسير القرآن في تلك الحقبة, ندرك ونقدر دوافعها إل فلقد الكريم وأحداث التاريخ, ومحاولة ردها إلى المألوف المكشوف من السنن الكونية. كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك التي حشيت بها كتب التفسير والرواية في الأساطير والإسرائيليات الفترة؛ كما تواجه سيل الشك في مقومات الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها, وموجة (483) الآفاق (ص41 - 48)
عدد الصفحات ١٥٠151 ساس أن كل فقامت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أ الدين إلى قمتها كما تحاول أن ساطير,في تنقيته من الخرافات والأ ومن ثم تجتهد ما جاء به موافق للعقل, تنش ئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية, وتدرك ثباتها واطرادها, وترد إليها الحركات الإنسانية كما ترد إليها الحركات الكونية في الأجرام والأجسام, وهي في صميمها العقلية المطردة القرآنية, فالقرآن يرد الناس إلى سنن الله الكونية باعتبارها القاعدة الثابتة المنظمة لمفردات الحركات والظواهر المتناثرة. أخرى تركت ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة من المبالغة في الاحتياط, والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو آثارها في تلك المدرسة يخ محمد عبده كما شاع في تفسير فشاع في تفسير الأستاذ الش الله,القاعدة الكلية لسنة تلميذيه الأستاذ الشيخ رشيد رضا والأستاذ عبد القادر المغربي رحمهم الله جميعا شاع في هذا التفسير الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله دون الخارق الحذر والاحتراس الشديد ! وإلى في تقبل الغيبيات. ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذا الاتجاه, فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه, وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل, وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته ر أو غير المألوف, هذه الطلاقة التي لا من وراء السنن التي اختارها سواء المألوف منها للبش تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير, ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة. رف يسير لا هذا إلى جانب أن المألوف من سنة الله ليس هو كل سنة الله, إنما هو ط على عظمة القدرة ودقة ما يقع من هذه السنن في الكون, وأن هذه كتلك دليلٌ يفسر كلَّ وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل غير متأثر التقدير, بإيحاء بيئة خاصة, ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!! ( 484). (484) في ظلال القرآن 1/3177 - 3178
عدد الصفحات ١٥١151 العقل والنقلدرء التعارض بين ثم اعلم أنه لا تعارض بين عقل صريح ونقل صحيح البتة, فالعقل هبة من الله غير جائز عليه والنقل منزل من عنده تعالى, فإذا كان الكل من عند الله, ف سبحانه, ه ل و ج دُوا ف يه التعارض, كما قال تعالى: ( أ ف لا ي ت د بَّرُون الْقُرْآن و ل وْ ك ان م نْ ع نْد غ يْر اللَّ اخْت لا فًا ك ث يرًا ) . إذا قيل: تعارض دليلان, سواء كانا سمعيين أو عقليين, أو أحدُهما قال ابن تيمية: أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين, أو يكونا ظنيين, سمعيا والآخر عقليا, فالواجب وإما أن يكونا أحدُهما قطعيا والآخر ظنيا. يان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين, أو أحدهما عقليا فأما القطع والآخر سمعيا, وهذا متفق عليه بين العقلاء, لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله, ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة, وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان, وأحدهما ين النقيضين, وهو محال, بل كل ما يُعتقد تعارضُه يناقضُ مدلول الآخر, للزم الجمع ب من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدُهما غير قطعي, أو أن يكون مدلولاهما متناقضين, فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين(485). طعيين, لامتناع وقوع المتنافيين, ولا يتصور التعارض لا يقع بين الققال التهانوي الترجيح لأنه فرع التفاوت في احتمال النقيض, فلا يكون إلا بين ظنيين (481). وقد قال الرازي: لا يجوز الترجيح في الأدلة اليقينية, قال زكريا الأنصاري: إذ اليقيني افيان, فلا وجود لا تعارض فيه, إذ لو تعارض يقينيان لثبت مدلولهما فيجتمع المتن ليقينين متنافيين عقليين أو نقليين أو عقلي ونقلي (487). فإنه يجب :ا دون الآخروإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعي قال ابن تيمية اليقين. لا يرفعُ العقلاء, سواء كان هو السمعي أو العقلي, فإن الظنَّ تقديمُه باتفاق هما, فأيهما ترجح كان هو ترجيح أحد صار إلى طلب يُ وأما إن كانا جميعا ظنيين: فإنه المقدَّم, سواء كان سمعيا أو عقليا (488). (485 )درء تعارض العقل والنقل 1/71 (481) كشاف اصطلاحات الفنون 1/473 (487) فتح الرحمن (ص 35)
عدد الصفحات ١٥٢152 ه مادت الدليل أو ظنيته لا كونُ وعلى هذا فمعيار التقديم والتأخير قطعيةُ قلت عقليةً أو نقلية. يجب تقديم القطعي لكونه قطعيا, لا لكونه أصلا للسمع, لهذا قال ابن تيمية:و ء جعلوا عمدت هم في التقديم كون العقل هو الأصل للسمع, وهذا باطلٌ, كما سيأتي وهؤلا بيانه(481) إن شاء ر أن يتعارض قطعي وظني, لم يُناز ع عاقلٌ في تقديم القطعي, لكن كون د وإذا قُ تاد.الق طُ رْ السمعي لا يكون قطعيا دونه خ ا جاء به الرسول معلومٌ بالاضطرار من وأيضا, فإن الناس متفقون على أن كثيرا مم د الصانع وإثبات المعاد وغير دينه, كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم, وتوحي وحينئذ فلو قال قائل: إذا قام الدليل العقلي القطعي على مناقضة هذا, فلا بد من ذلك, فلو قُ أحدهما, تقديم قلي لزم تكذيب م هذا السمعي قدح في أصله, وإن قدم العد الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به, وهذا هو الكفر الصريح, فلا بد لهم من جواب عن هذا, والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا. ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي. كلَّ فتبين أنَّ ناس, يقدرون تقديرا يلزم منه لوازم, فيثبتون من ال الغلط يقع فيه كثيرٌ ومثل هذا تلك اللوازم, ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعا , والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ( ل وْ ك ان ف يه م ا آل ه ةٌ إ لاَّ اللَّهُ ل ف س د ت ا ) ىممتنعة كما في قوله تعال (419). يكون, وقد صرح الجويني بأن ذا التعارض هو من فرض ما لا فقد ظهر أن هقلت : وإن كان مضمون الشرع (488 )درء تعارض العقل والنقل 1/71 (481) ترى بيانه في درء التعارض1/87 فما بعد (419 )درء تعارض العقل والنقل 1/89 قال ابن القيم: التقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي, فإما أن يكونا قطعيين, وإما أن يكونا ظنيين, وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. ا, ه قطعً ثلاثة, لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلول فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام ال من العقلاء. وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين بين النقيضين, وهذا لا يشك فيه أحدٌ م الجمعُ فلو تعارضا لز قليا.الراجح منهما سمعيا كان أو ع رنا إلى الترجيح ووجب تقديمُ القطعي, وإن كانا جميعا ظننين ص تقديمُ 3 /717
عدد الصفحات ١٥٣153 المتصل بنا مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا بأن الشرع لا يخال ف العقل ولا ي تصور في هذا القسمِ ثبوت سمع قاطع , ولا خفاء به (411). أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض صريح العقول قال ابن تيمية: يمتنع و (412). وقال ابن القيم: الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته, بل أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والف ط ر. تفاصيل البرزخ الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب. ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا, وكل خبر يُظ ن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين: أما يكون الخبر كذبا عليهم, أو يكون ذلك العقل فاسدا, وهو شبهة خيالية ر ى الَّذ ين أُوتُوا الْع لْم الَّذ ي أُنْز ل إ ل يْك م نْ ( و ي صاحبُها أنها معقولٌ صريح, قال تعالى: يظن ( أ ف م نْ ي عْل مُ أ نَّم ا أُنْز ل إ ل يْك , وقال تعالى: ر ب ك هُو الْح قَّ و ي هْد ي إ ل ى ص ر اط الْع ز يز الْح م يد ) ك الْح ق ك م نْ هُو أ عْم ى ) الَّذ ين آت يْن اهُمُ الْك ت اب ي فْر حُون ب م ا أُنْز ل ( و , وقال تعالى: م نْ ر ب ( ي ا أ ي ه ا , والنفوس لا تفرح بالمحال, وقال تعالى: إ ل يْك و م ن الأْ حْز اب م نْ يُنْك رُ ب عْض هُ ) كُمْ و ش ف اءٌ لم ا ف ي الص دُور و هُ دًى و ر حْم ةٌ ل لْمُؤْم ن ين * قُلْ النَّاسُ ق دْ ج اء تْكُمْ م وْع ظ ةٌ م نْ ر ب ل به هدى ولا رحمة حصُ , والمحال لا يشفي ولا ي ب ف ضْل اللَّه و ب ر حْم ت ه ف ب ذ ل ك ف لْي فْر حُوا ) م, وكان د , ولم يثبت له على الإسلام ق في قلبه خيرٌ فرح به, فهذا أمرُ من لم يستقرَّ ولا يُ أحسن أحواله الحيرة والشك ( 413). على أن ما جعلوه مرجحا للعقل –على فرض وقوع هذا التعارض –مسلَّم. غيرُ تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن :ن قيلفإ: اليمنيقال ابن الوزير وهذه من ,بطل العقل بطل السمع والعقل معا ولو ,فهو أصله ,م بالعقلل السمع عُ .قواعد المتكلمين ها في العقل ضُ في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارُ قد اعترضهم :قلنا ,والسمع محالٍ ضها تقدير فتعار نه لو بطل السمع أيضا بعد أن دل العقل على إف, (411) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص 351 - 319) (412) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 111) (413) الروح (ص 12)
عدد الصفحات ١٥٤154 فحين بطل ,لطُ بْ م بصحة السمع وأنه لا ي ك لأن العقل قد كان ح ,ا أيضالا معً ط ب صحته ل وممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد ,يةحكام العقلالأ منا ببطلانه بطلان ل السمع ع والزركش ي في شرح جمع الجوامع (414). لذلك فالذي ينبغي تقريره هنا أنه من المحال أن يرد منقول صحيح مناقضا لمعقول صريح, فلا سبيل لفرض الوقوع رأسا, بل مجرد القول باحتمال أن يرد شرع مناقض رض إمكان التمانع في باب التوحيد مستلزمٌ نقض للشرع, كما أن فلمقتض ى العقل هو للمحال المبطل للتعدد والشركة, وليس الدليل متوقفا على حصول التمانع في نفس الأمر, بل نفسُ إمكان ذلك مقتض لإبطال الشركة كما معلوم في محله (415), فهكذا هنا, لو قدرنا إمكان التناقض بين الشرع والعقل, لكنا بذلك قد رفعنا الث قة بالشرع بل وبالعقل نفسه حيث جعلناه مصححا للسمع كما سلف, والله أعلم. معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو ض متفق عليه, والذي يقوله إن الأحاديث الصحيحة ليس فيها ش يء له معار ر متواتر أو قرآن أو إجماع أو عقل, إنما هو الأصوليون من أن خبر الواحد إذا عارضه خب وليس بش يء من ذلك واقعا, ومن ادعى ذلك فليبينه حتى نرد عليه, وكذلك لا ,فرضٌ يوجد خبران صحيحان من الآحاد متعارضان بحيث لا يمكن الجمع بينهما, والشافعي قد فلم يكن عنده استقرأ الأحاديث وعرف أن الأمر كذلك وصرح به في غير موضع من كلامه, ما يتوقف عليه العمل بالحديث الصحيح إلا صحته, فمتى صح وجب العمل به, لأنه لا ض له. فهذا بيان للواقع, والذي يقوله الأصوليون مفروض وليس بواقع, وهذه فائدة معار , وإليها الإشارة بقوله: ( إذا صح ) , حيث أطلقه ولم يجعل معه شرطا آخرعظيمة (411). يمية: من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا قال ابن ت يُقب ل من أحد قط أن يعار ض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا و جْده, من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا قال: ولهذا لا يوجد في كلام أحد (414) إيثار الحق على الخلق (ص 117 - 118) (415) انظر: شرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص 12) , وشرح الخريدة البهية للدردير (ص 19) (411) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي (ص 115)
عدد الصفحات ١٥٥155 قال قط: قد تعارض في هذا العقل والنقل, فضلا عن أن يقول: بذوق ووجد ومكاشفة و فيجب تقديم العقل(417). فطوبى لمن عرف قدر عقله ولم يجاوز به مقامه, وقد جعل الله لكل ش يء قدرا حكم ي أنم بالعادة على من أجراها, فكذا ك حْ يُ كما سلف أن الضلالفكما أنه من بالعقل على واهب العقل -جل وعلا -. قال الغزالي: نسبة هذه الغريزة إلى العلوم كنسبة العين إلى الرؤية, ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها كنسبة نور الشمس إلى البصر, فهكذا ينبغي أن تفهم هذه الغريزة (418). معرفة الإله وقال ابن الجوزي: أعظم النعم على الإنسان العقل, لأنه الآلة في سبحانه, والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل, إلا أنه لما لم ي نه ض بكل المراد من العبد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب, فمثال الشرع الشمس, ومثال العقل العين, فإذا الأنبياء الصادقة بدلائل فتحت وكانت سليمة رأت الشمس, ولما ثبت عند العقل أقوالُ الخارقة س لَّم إليهم, واعتمد فيما يخفى عنه عليهم المعجزات (411). لا غنى بالعقل عن السماع, ولا غنى بالسماع عن العقل, فالداعي إلى قال الغزالي محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل, والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن امعا بين الأصلينوالسنة مغرور, فإياك أن تكون من أحد الفريقين, وكن ج (599). وقال ابن القيمالحجج السمعية مطابقة للمعقول, والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح, بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما, وقرن أحد هما بصاحبه, فقال تعالى: ( و ل ق دْ م كَّنَّاهُمْ ف يم ا إ نْ م كَّنَّاكُمْ ف يه و ج ع لْن ا ل هُمْ س مْ عاً و أ بْص اراً و أ فْئ د ةً ف م ا أ غْن ى ع نْهُمْ س مْعُهُمْ و لا أ بْص ارُهُمْ و لا أ فْئ د تُهُمْ م نْ ش يْء إ ذْ ك انُوا ي جْح دُون ب آيات اللَّه و ح اق ب ه مْ م ا ك انُوا ب ه ي سْت هْز ئُون ) فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد ال ذي هو محل العقل, وقال تعالى: ( و ق الُوا ل وْ كُنَّا ن سْم عُ أ وْ ن عْق لُ م ا كُنَّا ف ي أ صْح اب السَّع ير ) فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل, وقال تعالى: ( إ نَّ ف ي ذ ل ك لآيات ل ق وْم ي سْم عُون ) (417) مجموع الفتاوى 13/28 - 21 (418) إحياء علوم الدين1/85 (411) تلبيس إبليس (ص 3) (599) إحياء علوم الدين 3/17
عدد الصفحات ١٥٦156 أ مْ ع ل ى قُلُوب أ قْف الُه ا )أ ف لا ي ت د بَّرُون الْقُرْآن ( :وقال, )ن لُو ت ل ق وْم ي عْق إ نَّ ف ي ذ ل ك لآيا , ( أ ف ل مْ ي دَّبَّرُوا الْق وْل )ومثله قوله ,فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم فجمع السَّمْع و هُو ش ه يدٌ )لْق ى إ نَّ ف ي ذ ل ك ل ذ كْر ى لم نْ ك ان ل هُ ق لْبٌ أ وْ أ ( :وقال تعالى أحدهما عن صاحبه ه على عباده, فلا ينفك سبحانه بين السمع والعقل, وأقام بهما حجت أصلا, فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله على خلقه, وكتابه هو الحجة العظمى, فهو االذي عرَّفنا ما لم يكن لعقولنا سبيلٌ إلى استقلالها بإدراكه أبد (591). قال الغزالي: لا تكن بحاثا عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها, ولاز م الاقتداء ولهذا بالصحابة رض ي الله عنهم, واقتصر على اتباع السنة, فالسلامة في الاتباع, والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال, ولا تكثر اللَّج ج برأيك ومعقولك ودليلك وبرهانك وزعمك فإن ما يعود ,فأي ضرر في التفكر في العلم الأشياء لأعرفها على ما هي عليه, نأني أبحث ع عليك من ضرره أكثر, وكم من ش يء تطلع عليه فيضرك اطلاعك عليه ضررا يكاد يهلكك يطلع الطبيب الحاذق على أسرار في مافي الآخرة إن لم يتداركك الله برحمته, واعلم أنه ك يعرفها فكذلك الأنبياء أطباء القلوب والعلماء بأسباب الحياة المعالجات يستبعدها من لا الأخروية, فلا تتحكم على سننهم بمعقولك فتهلك, فكم من شخص يصيبه عارض في الكف يطليأصبعه فيقتض ي عقله أن يطليه, حتى ينبهه الطبيب الحاذق أن علاجه أن ن حيث لا يعلم كيفية فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد م ,من الجانب الآخر من البدن انشعاب الأعصاب ومنابتها ووجه التفافها على البدن؟ فهكذا الأمر في طريق الآخرة, وفي دقائق سنن الشرع وآدابه, وفي عقائده التي تعبَّد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سعة لصنعة العقل وقوته الإحاطة بها, كما أن في خواص الأحجار أمورا عجائب غاب عن أهل ا علمها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذي به يجذب المغناطيس الحديد, وإفادتها لصفاء القلوب ونقائها وطهارتها وتزكيتها ئب والغرائب في العقائد والأعمالفالعجا وإصلاحها للترقي إلى جوار الله تعالى وتعرضها لنفحات فضله أكثرُ وأعظم مما في الأدوية إليها, وكما أن العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية مع أن التجربة سبيلٌ والعقاقير, فالعقول تقصر عن إدراك ما ينفع في حياة الآخرة مع أن التجربة غير متطرقة إليها, وإنما كانت التجربة تتطرق إليها لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة النافعة تعالى زلفى وعن الأعمال المبعدة عنه, وكذا عن العقائد, وذلك مما لا يطمع المقربة إلى الله (591) الصواعق المر سلة 2/457 - 458
عدد الصفحات ١٥٧157 فيه, فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم, ويفهمك موارد إرشاراته, فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف, ولازم الاتباع, فلا تسلم إلا به والسلام (592). : وقال ابن خلدونو لا تثقن بما ي زعُم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها, والوقوف على تفصيل الوجود كل ه, وس ف هْ رأي ه في ذلك, واعلم أن الوجود عند كل مُدر ك في بادئ رأي ه منحصرٌ في مداركه لا يعدوها, والأمرُ في نفسه بخلاف ذلك, والحق من ورائه, ألا ترى الأ صمَّ كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات, وي سقُط من الوجود عنده صنفُ المسموعات, وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات, ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لم ا أق ر وا به, لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف لا بمقتض ى فطرتهم وطبيعة إدراكهم, ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات وساقطة لديه بالكلية, فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا لأن إدراكاتنا مخلوقة محد ثة, وخلقُ الله أكبر من خلق الناس, والحصر مجهول, والوجود أوسع نطاقا من ذلك, والله من ورائهم محيط, فاتَّه م إدراكك ومدركاتك في الحصر, واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك, فهو أحرص على سعادتك, وأعلم بما ينفعك, لأنه من طور فوق إدراكك, ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك, وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه, بل العقلُ ميزانٌ صحيح, فأحكامُه يقينية لا كذب فيها, غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبؤة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره, فإن ذلك طمع في محال, ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال, وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق. لكن للعقل حدا يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه, وتفطن في هذا لغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلا ل رأيه, فقد تبين لك الحق من ذلك. وإذ تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام, ويحار وينقطع, فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيره, وكلها ترتقي إليه وترجع إلى ق درته, وعلمنا به إنما هو (592) إحياء علوم الدين1/31
عدد الصفحات ١٥٨158 دراك قل عن بعض الصديقين: العجز عن الإ من حيث صدورنا عنه, وهذا معنى ما ن إدراك(593). سيد قطب وقال –معلقا على قول صاحب رسالة التوحيد ( فالوحي بالرسالة يجب من آثار الله في الوجود, وآثار الله لإنساني أثر أيضاالإلهية أثر من آثار الله, والعقل ا ) ها مع بعض, ولا يعارض بعضها بعضاأن ينسجم بعض -: وهذا صحيح في عمومه, ولكن يبقى أن الوحي والعقل ليسا ن دَّين, فأحدُهما أكبر من الآخر وأشمل, وأحدُهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر, والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته حح به اختلالاته وانحرافاته, فبينهما وتصوراته, ويص –ولا شك -توافق وانسجام, ولكن على هذا الأساس, لا على أساس أنهما ندان متعادلان, وكفو أحدهما تماماً للآخر! فضلاً عن أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع, وإنما هو "مثال"! وقد , وتفسير تلميذه المرحوم م لجزء عم بهذه النظرة تأثرا واضحالإماتأثر تفسير الأستاذ ا الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الأستاذ الشيخ المغربي لجزء "تبارك" حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل! وهو مبدأ خطر, فإطلاق كلمة "العقل" يرُد الأمر إلى ش يء غير واقعي! –كما قلنا -عقلي وعقلُك وعقلُ فلان وعقل علان, وليس فهناك هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى "مقرراته", وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة, فإننا ننتهي إلى فوض ى!(594). وقد أشار إلى هذه الفوض ى ابن تيمية حين قال: قلت لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله تعالى ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمرٌ مضبوط ي حصُل لهم به ع لْم ولا هدي... والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يناقض الكتاب قابلهم آخرو ن من ذوي المعقولات فقالوا : إن قول هؤلاء معلومٌ بطلانُه ب صريح المعقول, فصار ما يدعى معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح... والناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قولُ طائفة لها مذهب حجة على أخرى بل يرجع في ذلك إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى, فامتنع حينئذ أن يعتمد على ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها مع قو لات وإن كان ذلك قد قالته (593) المقدمة (ص 581 - 583) (594) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (ص 11 - 29)
عدد الصفحات ١٥٩159 طائفة كبيرة لمخالفة طائفة كبيرة لها, ولم يبق إلا أن يقال: إن كل إنسان له عقل رضا لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من رأيه افيعتمد على عقل نفسه, وما وجده مع ص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم, ومعلوم أن هذا أكثرُ خالفه وقدَّم رأيه على نصو ضلالا واضطرابا, فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها إلى وارتياب وإما إلى اختلاف بين الأحزاب, معقول صريح يناقض الكتاب, بل إما إلى حيرة فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات(595). قال ابن السبكي: وإذا كانت العقول ضعيفةً فلا ينبغي للمرء أن يبادر إلى إنكار ما قصرت عقولكم عن إدراك المعتزلة والجهمية, إذا يتوقف عقله في إدراكه. وأنتم معاشر قوا الأخبار الصادقة الواردة فيهاهذه الأشياء فلا تنكروها, وصد (591). وقال ابن عاشور: أما ما لا يدخل تحت سلطان الإدراك البشري, وهو ما كان راجعا عالم المادة وهي العوالم المرتبة نظمها على إلى عالم الغيب, أي العوالم التي تجاوزت نظام نظام الذي جعل عليه عالم هذه الحياة, فما أعرض الشارع عن بيانه في هذا النوع غير ال منا الله تعالى بقوله: ( و ي سْأ لُون ك ع ن الر وح قُل الر وحُ م نْ أ مْر يجب أن نقتدي به كما علَّ ا من بيان لحقيقته يجب أن ر ب ي و م ا أُوت يتُمْ م ن الْع لْم إ لاَّ ق ل يلاً ) , وما أعطاه الشارع حظ مالك للذي سأله عن قوله تعالى: نها الشارع دون زيادة, كما قال نتلقاها على قدر ما بيَّ ) " الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب حْم نُ ع ل ى الْع رْش اسْت و ى الرَّ ( بعة للوهم, إذ ليس للعقل في والسؤال عنه بدعة " . ولا يعد تلقينا إياها وتصديقنا بها متا هذا النوع حكم حتى يجزم بأنها وهم, لما علمت من أن الوهم لا يبين صادقه من باطله إلا العقل, وعلى هذا المنهاج سار الصحابة رض ي الله عنهم, فكانوا يقتصرون في ذلك على مقدار ما بلغهم (597) . (595) درء تعارض العقل والنقل 1/118 - 111 (591) السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور (ص 59 - 51) (597) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ص 45 -وانظر كلامه عن الوهم والحقيقة والاعتبار ) فما بعد
عدد الصفحات ١٦٠161 ه على العرش استوى, وأخبر قال أبو البقاء الكفوي: اعلم أن الله تعالى أخبر بأن رسولُه بالنزول وغير ذلك, فكل ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد فلا يتصرف فيها بتشبيه وتعطيل, فلولا إخبار الله تعالى وإخبار رسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك ده بما من عبا ىمى, وتلاش ى دون ذلك عقل العقلاء ولب الألباء, فالله سبحانه وفالح أخبر, ودل على نفسه بما أظهر, ورفع حجابا من الحجب عن وجه الكبرياء وكشف شيئا من سبحات العظمة والعلاء, فكل أخبار الصفات تجليات إلهية وكشوف جلية, عق ل م ن عقل وجه ل من جهل, فلا تبعد عن الله بالتشبيه وقد قرب منك, ولا تفر منه بالتعطيل سان الاستواء وأعرض عن الكيفية, وهكذا سائر الصفات, فهو وقد دنا إليك, أطلق ل سبحانه بما تجلى لعباده بهذا الإخبار ظاهر, وبما قصرت العقول عن إدراك كنهها وكيفيتها باطن, فلا ينكشف من عظم شأنه ما بطن ولا يتشف من علو سلطانه ما انكمن (598). عن صفات من صفات عنهرض ي الله وقد قال الربيع بن سليمان: سألت الشافعي الله تعالى فقال: حرام على العقول أن تمث ل الله تعالى, وعلى الأوهام أن تحده, وعلى الظنون أن تقطع, وعلى النفوس أن تفكر, وعلى الضمائر أن تعمق, وعلى الخواطر أن تحيط, وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفس ه في كتابه أو على لسان نبيه (591). يونس بن عبد الأعلى: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقال - وقد سئل عن صفات الله تعالى وما يؤمن به فقال -: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها لأن القرآن ,كتابه وأخبر بها نبيه لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة رد ها القول بها, فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر نزل بها وصح عن رسول الله بالله تعالى, فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية ولا بالفكر (519). وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر, ولا وقال أبو عمر بن عبد البر صلى الله عليه ي صفات الله إلا ما وصف نفس ه به في كتابه أو على لسان رسولهخبر ف (598) الكليات (ص191 - 119) (591) ذم التأويل لابن قدامة (ص 23) (519 )السابق (ص 23), وذكره الحافظ في الفتح 13/497 نقلا عن مناقب الشافعي لابن أبي حاتم مع اختلاف يسير, وانظر سير أعلام النبلاء للذهبي 19/71 – 89 .
عدد الصفحات ١٦١