35 2 ـــ ترك التعمُّق والتنطُّع، وتشقيق المسائل الوهمية، أو البعيدة: التعمُّق والتنطُّع هو الـم غالاة. قال ابن الأث قوله " :هحلحك الْم تـحنحطِّع ونح": ه م الـم تعحمِّقون ال ـم غالون فيِ الْكحلاحمِ، المتكلِّمون بأقْصحى ح لوقهم. محأْخ وذٌ مِنح النِّطحعِ، وحه وح الغار الأعْلى مِنح الفحم، ثم َّ استـ عْمِل فيِ ك لِّ تـحعحمُّق، قـحوْلا وحفِعْلا (1). والتنطُّع المنهيعنه يأخذ صورًا شتى؛ منها: 1 ـــ الصور المستبعحدة: التي مِن حقِّها ألا يتعرَّض لها عاقل، ولربما امتلأت بعض كتب المتأخِّرين بسقطات (1) انظر: النهاية في غريب الحديث 5/74) .والحديث أخرجه مسلم (برقم 2670) عن ابن مسعود .
عدد الصفحات ٣٤36 وهفوات مِن هذا القحبيل، تظهر فيها المبالغة في الفرض البعيد أو ال ـم ستحيل، وهذا ي تيح لبعض ال ـم غرِضين، أو الجاهِلين؛ الطعن في هذه الكتب، جملة وتفصيلا ؛ بَ جَّة أن ما فيها هو مِن هذا القحبيل. فمِن اللازم للباحث عدم الاقتحام في التنقيب عن الصور النادِرة، التي يحنع العرف والعادة وقو عها، وإن كان وقوعها جائز ا عقلا ، وهذه كانت طريقة سلف الأمة ، فعحنِ ابْنِ عحوْنٍ قحالح: قحالح الْقحاسِم ــ أي ابن محمد« :إِنَّك مْ لحتحسْأحل ونحا عحنْ أحخْيحاءح محا ك نَّا نحسْأحل عحنـْهحا، وحتـ نـحقِّر ونح عحنْ أحخْيحاءح محا ك نَّا نـ نـحقِّر عحنـْهحا، وحتحسْأحل ونح عحنْ أحخْيحاءح محا أحدْرِي محا هِيح، وحلحوْ عحلِمْنحاهحا محا ححلَّ لحنحا أحنْ نحكْت محك م وهحا»(1). (1) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 120 .)
عدد الصفحات ٣٥37 2 ـــ إلزامات بعض ال ـم قلِّدين لأئمتهم بأقوال في مسائل لم تححد ث في عحصرِهم، أو لم ي نقحل عنهم فيها قول؛ وإنّا عن طريق القياس على آرائهم، أو البِناء على ما ي ظنُّ أنه من قواعدهم، أو استنباط نتيجة م توهمَّة من بعض أقوالهم، ثم إلزامهم بهذ ه النتيجة باعتبارها ثمرة لقولهم. 3 ـــ السؤال عما لم يكنْ، وطرح ه ومناقشته، دون أن يكون حدوثه متوقـَّع ا في القريب، ودون أن يترتَّب على معرفة الحكم فيه فائدة عملية؛ ف ــ الباحث المسلم يشغحل نفسه بم عالجحة قضايا عحصرِه، مطمئن ا إلى أن الله ي قيِّض لهذا العلم من كل عصر من يَحفظه على الناس، ويحهديهم به ـــ بإذن ربهم.
عدد الصفحات ٣٦38 وقد كان كثير مِن السلف يحكرهون التوسُّع الحديث، أو السؤال عما لم يقحع، فعحنْ طحاو سٍ، قحالح: قحالح ع محر رِضْو ان اللَّهِ عحلحيْهِ، عحلحى الْمِنْبرحِ: «أ ححرِّج بِاللَّهِ عحلحى رحج لٍ سحأحلح عحمَّا لمحْ يحك نْ، فحإِنَّ اللَّهح قحدْ بـحينَّح محا ه وح كحائِنٌ »(1). وحعنْ يحزِيد الْمِنـْقحرِيّ ، قحالح: «جحاءح رحج لٌ يـحوْم ا إِلىح ابْنِ ع محرح رحضِيح اللَّه عحنـْه محا، فحسحأحلحه عحنْ خحيْءٍ لاح أحدْرِي محا ه وح، فـحقحالح لحه : ابْن ع محرح: لاح تحسْأحلْ عحمَّا لمحْ يحك نْ، فحإِنِِّّ سَحِعْت ع محرح بْنح الخْحطَّابِ رِضْوحان اللَّهِ عحلحيْهِ يـحلْعحن محنْ سحأحلح عحمَّا لمحْ يحك نْ »(2). والآثار في ذلك عن الصحابة فمحن بحعدهم لا تح صى كثرة . (1) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 126 .) (2) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 123 .)
عدد الصفحات ٣٧39 والسرُّ في هذا التشديد ـــ والله أعلم ـــ يرجع إلى أمور لعلَّ مِن الـم فيد الإشارة إلى بعضها: 1 ـــ فمنها أن الف تيا فيها غير لازمة ــ في الأصل ـــ فليست أمر ا واقع ا لا ي كن الإعراض عنه، وخاصة إذا لم يكن ثمَّة نصٌّ بينِّ لدى المسؤول، وحيث كان خيار هذه الأمة يحتدافحعون الف تيا ويتحرَّجون منها ويَحذرونها؛ كان إعراض هم عن الافتراضات العقليَّة يتُّ بأقوى سبب إلى ذلك. فالأمر إذ ا يَحتاج معالجحة. قالابن حجر ـــ رححمِحه اللَّه : ومِن ثمحَّ كره جماعة من السلف السؤال عما لم يقع؛ لما يتضمَّن من التكلف في الدِّين، والتنطُّع، والرجم بالظنِّ ، مِن غير ضرورة(1). اهـ (1) انظر: فتح الباري 11/307 .)
عدد الصفحات ٣٨40 وذلك أن المسألة الواقعة تكون الف تيا فيها واجبةـــ وجوب ا عينيًّا أو كفائيًّا ـــ بَسب اختلاف الأحوال، فيحجتهد فيها محن وجبحت عليه الف تيا ما وسعه الاجتهاد، ثم هو ـــ بعد ـــ مأجورٌ أصاب أو أخطأ. أما ما لم يقحع، وليس إلى الوقوع بسبيل، ولا يترتَّب على الكلام فيه نتائج عملية؛ فالحزم الإعراض عنه، خاصَّة إذا لم يكن ثمح دليل، أو كانت الأدلة فيه ظاهِر ها التعار ض، ولا م رجِّح واضِح ا لدى الباحث. 2 ـــ ومنها: أنه نوع مِن استعجال البلاء قبل ن زوله، وقصة سؤال الرجل رسول الله عن زِنا الزوجة، وما ت ذلك برهان في ذلك، فعحنِ ابْنِ خِهحابٍ، أحنَّ سحهْلح بْنح سحعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أحخْبـحرحه : أحنَّ ع وحيِْر ا العحجْلاحنَِِّّ جحاءح إِلىح عحاصِمِ بْنِ
عدد الصفحات ٣٩41 عحدِيٍّ الأحنْصحارِيِّ، فـحقحالح لحه : يحا عحاصِم ، أحرحأحيْتح رحج لا وحجحدح محعح امْرحأحتِهِ رحج لا ، أحيـحقْتـ ل ه فـحتـحقْتـ ل ونحه ، أحمْ كحيْفح يـحفْعحل ؟ سحلْ لِِ يحا عحاصِم عحنْ ذحلِكح رحس ولح اللَّهِ ، فحسحأحلح عحاصِمٌ عحنْ ذحلِكح رحس ولح اللَّهِ ، فحكحرِهح رحس ول اللَّهِ الـمحسحائِلح وحعحابـحهحا، ححتَّّ كحبـ رح عحلحى عحاصِمٍ محا سَحِعح مِنْ رحس ولِ اللَّهِ ، فـحلحمَّا رحجحعح عحاصِمٌ إِلىح أحهْلِهِ، جحاءح ع وحيِْرٌ فـحقحالح: يحا عحاصِم ، محاذحا قحالح لحكح رحس ول اللَّهِ ؟ فـحقحالح عحاصِمٌ: لمحْ تحأْتِنيِ بخِحيرٍْ، قحدْ كحرِهح رح س ول اللَّهِ الـمحسْأحلحةح الَّتيِ سحأحلْت ه عحنـْهحا، قحالح ع وحيِْرٌ: وحاللَّهِ لاح أحنـْتحهِي ححتَّّ أحسْأحلحه عحنـْهحا، فحأحقـْبحلح ع وحيِْرٌ ححتَّّ أحتحى رحس ولح اللَّهِ وحسْطح النَّاسِ، فـحقحالح: يحا رحس ولح اللَّهِ أحرحأحيْتح رحج لا وحجحدح محعح امْرحأحتِهِ رحج لا ، أحيـحقْتـ ل ه فـحتـحقْتـ ل ونحه ، أحمْ كحيْفح يـحفْعحل ؟ فـحقحالح رحس ول اللَّهِ « :قحدْ أحنـْزحلح اللَّه فِيكح وحفيِ صحاحِبحتِكح، فحاذْهحبْ فحأْتِ
عدد الصفحات ٤٠42 بهِحا»قحالح سحهْلٌ: فـحتحلاحعحنحا وحأحنحا محعح النَّاسِ عِنْدح رحس ولِ اللَّهِ ، فـحلحمَّ ا فـحرحغحا، قحالح ع وحيِْرٌ: كحذحبْت عحلحيـْهحا يحا رحس ولح اللَّهِ إِنْ أحمْسحكْتـ هحا، فحطحلَّقحهحا ثحلاحث ا، قـحبْلح أحنْ يحأْم رحه رحس ول اللَّهِ . قحالح ابْن خِهحابٍ: «فحكحانحتْ تِلْكح س نَّةح ال ـم تحلاحعِنـحينِْ »(1). وهذا ما يومئ إليه قول م عح اذ بْن جحبحلٍ ، أحنَّه قحالح: يحا أحيـُّهحا النَّاس «لاح تـحعْجحل وا بِالْبحلاحءِ قـحبْلح نـ ز ولِهِ، فـحي ذْهحب بِك مْ هحاه نحا وحهحاه نحا، فحإِنَّك مْ إِنْ لمحْ تـحعْجحل وا بِالْبحلاحءِ قـحبْلح نـ ز ولِهِ، لمحْ يـحنـْفحكَّ الْم سْلِم ونح أحنْ يحك ونح فِيهِمْ محنْ إِذحا س ئِلح، س دِّدح، وحإِذحا قحالح، و فِّقح »(2). (1) أخرجه البخاري (برقم 5259)، ومسلم (برقم 1/1492 .) (2) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 155 .)
عدد الصفحات ٤١43 وهذا مِن أعظم البراهين على فقه الصحابة والتابعين وتسديد الله لهم بإيانهم وصدقهم وصلاحهم؛ فإن القضية إذا وقعحت اختلفتْ في كثير من جوانبها عن القضية المتخيَّلة الـم فترحضة، والواقع دائم ا ي عدِّ ل الفرضيات. ولعلَّه مما يخحر ج عن طوق البشر ـــ مهما أوتوا مِن اليقحظة والبصيرة، ومهما رصحدوا من الأسباب والـم قدِّمات ـــ أن يحتصوَّروا القضايا التي يحفترضونها كما هي في واقع الحال دون أن يطرأ عليها زيادة أو نقْص أو اختلاف! والمرء حين يجحتهد في مسألة واقعة يكون م درِك ا لها إدراك ا متعلِّق ا بالواقع، محيط ا بجميع جوانبها وأبعادها وتفاصيلها، عارف ا لـم لابساتها ووسائل الخلاص منها، فهو في هذه الحال واقف على أرض صلبة، يحعرف مداخِلها
عدد الصفحات ٤٢44 ومخحارجها؛ ولذلك يقول الأصوليون: "الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره". وا يوفِّق وي عين محن يحتصدى للبحث الـم خلِّ ص في مسألة قائمة، ممن يحلك القدرة على ذلك، ويؤيد ذلك قول م عحاذ بْن جحبحلٍ :«فحإِنَّك مْ إِنْ لمحْ تـحعْجحل وا بِالْبحلاحءِ قـحبْلح نـ ز ولِهِ، لمحْ يـحنـْفحكَّ الْم سْلِم ونح أحنْ يحك ونح فِيهِمْ محنْ إِذحا س ئِلح، س دِّدح، وحإِذحا قحالح، و فِّقح » ولابن عباس ـــ رحضِيح اللَّه عحنـْه محا ـــ مقالة في خأن من أدركه رمضانان، تدلُّ على مثل هذا، فعحنْ عحمْرِو بْنِ محيْم ونٍ، عح نْ أحبِيهِ، عحنِ ابْنِ عحبَّاسٍ ــ رحضِيح اللَّه عحنـْه محا، ــ سحأحلْت ه عح نْ رحج لٍ أحدْرحكحه رحمحضحانحانِ ـــ فـحقحالح: أحكحانح أحوْ لمحْ يحك نْ؟ قحالح: لمحْ يحك نْ بـحعْد ، قحالح: «اتـْركْ بحلِيَّتحه ححتَّّ تـحنْزِلح »، قحالح: فحدحلَّسْنحا لحه
عدد الصفحات ٤٣45 رحج لا ، فـحقحالح: قحدْ كحانح، فـحقحالح: ي طْعِم عحنِ الأْحوَّلِ مِنـْه محا ثحلاحثِينح مِسْكِين ا، لِك لِّ يـحوْمٍ مِسْكِينٌ »(1). ولكن مما ينبغي أن ي علم؛ أن هذه الكراهة المأثورة عن السلف ليستْ على إطلاقها؛ بل هي فيما لا فائدة فيه، ولا يَ تاج إليه؛ بل ربما كان سبب ا للتفرُّق والاختلاف، وضياع الأعمار، وإهدار العقول، وربما جرَّ إلى ضرر و فساد. قالالإمام النووي ـــ رححمِحه اللَّه ـــ تعليق ا على حديث سهل بن سعد في سؤال عاصم بن عديٍّ الذيمر في حديث الـم تحلاحعِنـحينِْ : "المراد كراهة المسائل التي لا يَ تاج إليها، لا سيما ما كان فيه هتْك ستر مسلم، أو مسلمة، أو إخاعة فاحشة، أو خناعة على مسلم أو مسلمة؛ قال (1) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 156 .)
عدد الصفحات ٤٤46 العلماء: أما إذا كانت المسائل مما يَ تاج إليه في أمور الدين، وقد وقع؛ فلا كراهة فيها، وليس هو المراد في الحديث، وقد كان المسلمون يسألون رسول الله عن الأحكام الواقعة، في جيبهم ولا يحكرهها، وإنّا كان سؤال عاصم في هذا الحديث عن قصَّة لم تقحع بعد، ولم يَ تحجْ إليها، وفيها خناعة على المسلمين والمسلمات، وتحسليط اليهود والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين، وفي الإسلام؛ ولأن مِن المسائل ما يحقتضي جوابه تحضييق ا، وفي الحديث الآخحر: «أحعْظحم النَّاسِ ج رْم ا محنْ سحأحلح عحمَّا لمحْ يَحْر مْ فحح رِّمح مِنْ أحجْلِ محسْأحلحتِهِ » اهـ(1) . (1) أخرجه البخاري (برقم 7289)، ومسلم (برقم 123/2358) عن سعد بن أبي وقاص، وانظر: خرح النووي على مسلم ( 10/120 ـــ121 .)
عدد الصفحات ٤٥47 والخلاصة أن ما دعحت الحاجة لدراسته، من الأمور الواقعة، أو المتوقَّعة، مما يَ تاج إلى معرفة حكمه قبل وقوعه استعداد ا له، أو من الأمور الاختيارية التي يفعلها الفرد أو الجماعة بإرادتهم، وبإمكانهم أ ن يفعلوها أو لا يفعلوها أو ما خابه ذلك؛ فهذا كله مما تدعو الضرورة إلى بَثه، ومعرفة ما ظهحر مِن حكم الإسلام فيه، والله أعلم.
عدد الصفحات ٤٦48 الفصل الثاني معالم تحقيق نصوص التراث العربي والإسلامي ي راعى في تحقيق كتب ال اث العربي والإسلامي ما يلي: أولاً: اختيار الكتب يراعى في اختيار الكتب الأمور التالية: 1 ـــ القيمة العلمية للكتاب، التي يستفيد منها العالم الإسلامي، وذلك من الناحيه الثقافية والدينية، أو النواحي العلمية المختلفة.
عدد الصفحات ٤٧49 2 ـــ تح نوع الموضوعات، بَ يث تح شمل جميع نواحي الثقافة العربية والإسلامية التي تَحص المجتمع الإسلامي المعاصر. 3 ـــ ي ستأنس في الاختيار بما اقترحته الجهات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي. مثل: ما تضمنته قائمة دار الكتب والوثائق القومية في مشروع إحياء التراث العربي والإسلامي. ومعهد إحياء المخطوطات بالجامعة العربية. وبرنامج دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد بالهند. وما كتبه كارل بروكلمان في كتابه ــ تاريخ الأدب العربي ــ، وفؤاد سزكين في كتابه ــ تاريخ التراث العربي ــ وما يقدمه العلماء والمتخصصون في هذا الشأن.
عدد الصفحات ٤٨50 4 ـــ تكون الأولوية في النشر للمخطوطات التي لم ي سبق نشرها، ثم الكتب التي طبعت طبعات غير علمية ــ كـ كثرة السقط والتحريف والتصحيف ــ، ثم الكتب التي نفدت طبعاتها، أو نشرت في نطاق محدود. 5 ـــ عند توفر كتب متعددة في موضوع واحد، تكون الأفضلية للكتب الأصلية في الفن أو الجامعة لأغلب مسائله.
عدد الصفحات ٤٩