19 الصفات العامة للباحث 1 ـــ يجحب على الباحث إخلاص النيَّة في الطلب لله : فــ النية الصالحة هي الخطوة الأولى والكبرى في طريق التوفيق، والوصول إلى الحق . قال عبد الرحمن بن مهدي: "لم أرح أحد ا مثل حماد بن سلمة، ومالك بن أنس، كانا يَحتسبان في الحديث" (1). 2 ـــ الالتزام العمحليِّ بالشرع، والعمل بالعلم، فمحن لم يعمل بعلمه، كان علم ه ح جَّة عليه، ولا خير في عِلم لا يورِّث عمحلا . 3 ـــ أن يَحرص على ملازمة تقوى الله ، وخشيته السر والعلن؛ فإن ذلك رأس الأمر كله. (1) انظر: التاريخ الكبير، للبخاري ( 3/23.)
عدد الصفحات ١٨20 4 ـــ القدرة على البحث، وعمق التفكير، والجحلحد على البحث، و الأناة وعدم العجحلة. 5 ـــ سحعة الاطِّلاع، والإحاطة بقدرٍ كافٍ من العلوم الأساسية، أو الـم كمِّلة لتخصصه، أو علوم الآلة. فمن العلوم الأساسية علم أصول الفقه، وأهميته في كونه يبححث في الأدلة التي ت ستفاد منها الأحكام التفصيلية؛ مِن حيث ثبو تها، وح جيتها، وتقسيماتها، وأنواع دلالتها، وغير ذلك، ومن خلال دراسة هذه الأدلة تتجلى سحعة ال ـمحصادِر التشريعية في الإسلام، ومرونتها وخصوبتها، وصلاحيتها لكلِّ عصر وأمَّة. ويتعلَّق بذلك دراسة القواعد الأصولية
عدد الصفحات ١٩21 التي يَ تاج إليها في فحهمِ الأحكام مِن ن ص وصها، وفي الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه. الاطِّلاع على "القواعد الفقهية" التي قرَّرها العلماء في كل مذهب، وهذه القواعد مفيدة جدًّا للباحث قبل الخوض في التفاصيل أو جزئيات الفروع، كما أنها تساعد على فهم وجوه الخلاف، وتمرِّن الذهن على كيفيَّة التقعيد الدقيق، وإدخال عدد كبير من المسائل تحت أصل واحد. الاطِّلاع على كتب التفســـ عامَّة ـــ وتفسير آيات الأحكام على وجه الخصوص؛ لتفهم دلالاتها، وإدراك معانيها وأغراضها. الاطِّلاع على كتب الحديث ـــ عموم ا ـــ فهي مادة ضخمة للأحكام الشرعية، ومِن رحمة الله ، بهذه الأمة
عدد الصفحات ٢٠22 أن حفظ لها هذه الثروة الغالية، وقيَّض لها مِن جحهابذة العلماء ونـ قَّادهم وف حولهم، محن سحهروا عليها، وبذلوا حياتهم في حفظها وتدوينها وضحبطِها، والقضاء على كل التباس يحرِد عليها. ومِن العلوم التي لا بدللباحث أن ي ارسها : علم الجحرحِ والتعديل، ومقاييس النقد في علم الحديث سند ا ومتن ا. علم التخريج والتحقيق، وكيفية التوصُّل إلى الحكم على الإسناد بالصحة، أو الضعف، أو الاتصال، أو الانقطاع، أو الإرسال، ومِن ثمحَّ الحكم على المتن الذي ورحد بهذا الإسناد.
عدد الصفحات ٢١23 ومن العلوم ال تـ عحدُّ في حكم الوسا ئل ال ـم ضطحر إليها في الشرع عامة . علم العربية، والنحو، والصرف؛ فإن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وكذلك جاءت السنَّة، فمن لم يكن له علم بالعربية وسعة أساليبها، وفنون القول فيها، فهو أبعد الناس عن فحهمِ القرآن والسنَّة، ومن أراد الفقه في الدين، فلا بدَّ له مِن دراسة علم العربية دراسة واعية تطبيقية. ويأــ بعد النحو ــ علم "الأدب": وهو ضروريٌّ للتمكُّن في حسن الصياغة، وجودة الأسلوب؛ فقد أصبح الناس لا يألفون العبارات الجامِدة، والأساليب الجافَّة، ولا بدَّ مِن خلط الدراسة الجادَّ ة، برخحات من جمال الأسلوب، ورخاقة العبارة؛ مما يجعل ذلك في متناوحل الجحميع.
عدد الصفحات ٢٢24 إن اطلاع الباحث على سائر العلوم ـــ بصورة إجمالية ـــ يخحدم ال ـم همَّة التي وضحعح نفسه لها، وليس بخافٍ ما ي كن أن يستفيده الباحث من علم التاريخ، أو الحساب، أو الاجتماع، أو غيرها. وكل ما ذ كر لا ي غني عن مجالس العلماء، وطول الإنصات بين أيديهم، وكثرة م ساءلتهم، والانتفاع بهم؛ فإن لذلك من البركة والتأثير في تححصيل العلم، وضبطه وبقائه، ما لا ي كن للإنسان تحصيله بج هدِه الشخصيِّ. كما أن الاعتماد على الكت ب وحدها يحنطوي على سلبيات م تعدِّدة، تتلاخى بالتتلمذ على يدي خيخ ممَّن ع رفوا بالعل م والعمل؛ ليتلقى منه المرء ح سن الخل ق، وفنَّ
عدد الصفحات ٢٣25 التطبيق، قبل أن يتلقى العلم النظري، وقدي ا قيل: "محن كان خيخه كتابحه، غلب خطؤه صوابحه!".
عدد الصفحات ٢٤26 الشروط الخاصة لاختيار البحث هناك خروط خاصة لا بد مِن توفُّرها عند اختيار بَث بعينه، في مكن إجمال أهمها فيما يلي: 1 ـــ الرغبة في الموضوع، ووجود الدافع الصحيح لدراسته. 2 ـــ إدراك أهمية الموضوع، والفائدة مِن وراء دراسته، والثغرة التي تسدُّها هذه الدراسة. 3 ـــ القدرة الخاصة على بَث الموضوع، بمعنى أن يكون الموضوع م لائم ا لقدرة الباحث الشخصية، فهناك موضوعات لا يتسنىَّ لكل باحِث أن يحطرقها. 4 ـــ توفُّر المراجِع التي ت عين الباحث على استيفاء الموضوع، وليست ال ـمحراجع ـــ بالضرورة ـــ هي الكت ب، بل
عدد الصفحات ٢٥27 أعني بذلك ما هو أشمل وأوسحع، فقد يتطلَّب البحث الإدلاء بآراء اختصاصيين كالأطباء ـــ مثلا ـــ أو علماء الاقتصاد أو النفْس، أو غير ذلك، وقد يتطلب دراسات ميدانيَّة معيَّنة... إلخ. 5 ـــ الصفاء الذِّهني عند ا لكتابة، وألا يكون البال محشغولا بما يحصرفه عن البحث؛ مِن التعلقات المستقرَّة، أو الخواطر العارِضة. إن الكاتب في هذه الموضوعات لا بدَّ أن يحتلك ميزان ا دقيق ا، لا يحزِل، ولا يحطيش، وهذا الميزان إنّا ي كتحسب بالخِبرة، وعحرْك النتائج التي يتوصَّل إليها عرك ا ي بينِّ معه ثبوتها على المحكِّ، أو اهتزازها، مع الاستعداد التامِّ لقحبول الحق،
عدد الصفحات ٢٦28 والرجوع عما سواه، مهما كلَّف الأمر، و ذلك مع الرَّوية والأناة وطول البالِ. كما ي كتسب من معرفة أخطاء الآخحرين، ومحعرِفة أسبابها، ليتجنَّبها الباحث، فلا يقع فيها ابتداء ولا م تابحعة. وثمَّة ضوابط كثيرة، لها تعلُّق بشخصية الباحث مِن جِهة، ولها تعلُّق بطريقة تناول الموضوع من جهة ثانية، أجملت منها أهمها في العناصر التالية؛ لعلها أن تكون نافعة للدارس، موجِّهة لـمحنهجِه في البحث. 1 ـــ بين التيسير والتشديد: مِن مزايا الشريعة الإسلامية: التيسير، و الإسلام ي سْرٌ كله؛ لذلك أوصى النبي أبو موسى الأخعري، و معاذ ابن جبل ـــ رحضِيح اللَّه عحنـْه محا ـــ حين بعثهما إلى اليمن ،
عدد الصفحات ٢٧29 فقال«يحسِّرحا وحلاح تـ عحسِّرحا، وحبحشِّرحا وحلاح تـ نـحفِّرحا، وحتحطحاوحعحا وحلاح تَحْتحلِفحا»(1). ومما لا خكَّ فيه أن التيس ير مسألة نسبيَّة؛ ولذلك انقسم الناس فيه: أ ـــ فمنهم محن يصل به زعم التيسير إلى التساه ل، وتغليب جانب الإباحة على جانب الحظْر، فيتسرَّع في الف تيا بتحليل ما حرَّم الله ،بغير علم ولا ه د ى ولا كِتاب منير. ب ـــ ومنهم محن يحغلِب على طبعه التشديد و التغليظ والـمحنع، فيميل إلى جانب الحظر والتحريم ـــ خاصَّة فيما يجحِدُّ في حياة الناس ـــ حتّ ي ضيِّق على الناس الوسيع، (1) أخرجه البخاري (برقم 3038)، ومسلم7/1733 .)
عدد الصفحات ٢٨30 وإذا كان هذا المسلك محقبولا ؛ من باب الزهد والورحع والاحتياط، فإنه غير مقبول في باب الفقه والف تيا، ومِن الصعبِ حمحل الناس عليه. وإن مِن سِمة الباحث، أن يكون جامعًا بين خصلتين: أ ولاهما: الاعتدال والتوسُّط بين التشديد والتساهل. والثانية: أن يكون خديد الالتزام بالنص، ومِن هنا يكون اعتداله؛ فالنصوص هي في حقيقتها التيسير، ولو كان ظاهرها بخلاف ذلك؛ وله ذا قال الله ــ عقب الأمر بالجهاد فيه حق الجهاد: ﴿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﴾ [78]، فمهما كلَّفنا ا ـــ مِن
عدد الصفحات ٢٩31 واجبات وفرائض، فهي في حقيقتها يسْرٌ لا حرحج فيه ا ولا تشديد. ولا خكَّ أن التيسير والاعتدال هو دأب العلماء الـم حقِّقين، وأكمل الناس فيه هم أصحاب رسول الله الذين ربَّاهم بمثل وصيته السابقةلأبي موسى الأخعري، ومعاذ بن جبل ـــ رحضِيح اللَّه عحنـْه محا ـــ ولهذا قال ع محيرْ بْن إِسْححاق: «لحمحنْ أحدْرحكْت مِنْ أحصْححابِ رحس ولِ اللَّهِ أحكْثـحر ممَِّنْ سحبـحقحنيِ مِنـْه مْ، فحمحا رحأحيْت قـحوْم ا أحيْسحرح سِيرحة ، وحلاح أحقحلَّ تحشْدِيد ا مِنـْه مْ »(1). (1) صحيح، أخرجه الدارمي في سننه (برقم 128 .)
عدد الصفحات ٣٠32 ومن الصور الواقعية العمليَّة للتيسير ما يلي أ ـــ التوسِعحة على المسلمين فيما وسَّع الله عليهم به، فلا يَحملهم بقوله ولا بفعله على ما فيه مشقَّة عليهم، إلا أن يكون فرض ا محتم ا. ولا خكَّ أن المشقة على المسلمين إذا لم يكن وراءها جلب مصلحة أو دفع مفسدة، فهي مح رَّمة؛ ولذلك فتغليب جانب المنع ـــ دائم ا ـــ باعتباره من باب الاحتياط، أو باعتباره خروج ا من الخلاف، أو ما خابهه، ليس قاعدة م طَّردة؛ بل وليس قاعدة أصلا ، وإنّا هو ضرورة يلجأ إليها الباحث أو الـم فتي عند تعذر الترجيح العلمي المجرَّد. ب ـــ التخفيف على محن وقع في المنهيات، وقارف بعض الكبائر أو الموبقات، ثم ندمح، وخ شي عليه من خدة
عدد الصفحات ٣١33 الضِّيق أو اليأس، في ذحكَّر بعميم رحمة ا وسحعة فضله، وثواب التائبين، وقد ي ذكَّر بأن الخطأ والزلل جِبلَّة بشحرية؛ لما جاء عحنْ أحبيِ ه رحيـْرحةح ، قحالح: قحالح رحس ول اللهِ « :وحالَّذِي نـحفْسِي بِيحدِهِ لحوْ لمحْ ت ذْنِب وا لحذحهحبح الله بِك مْ، وحلجححاءح بِقحوْمٍ ي ذْنِب ونح، فـحيحسْتـحغْفِر ونح اللهح فـحيـحغْفِر لهح مْ »(1). وهذه الصورة صورة عملية، يَحتاجها المفتي والداعية إلى الله أكثرح مما يَتاجها الباحث الذي يتعامل مع القضايا العِلميَّة المجرَّدة. جــ ـــ ومِن ذلك محعرفة الضرورات الحقيقية ـــ وليست الوهمية ـــ التي قد تـ لْجِئ بعض المسلمين إلى ترك السنَّة، أو فعل ال ـمحكروه؛ بل قد تلجئهم إلى ترك الواجب، أو فعل (1) أخرجه مسلم (برقم 11/2749.)
عدد الصفحات ٣٢34 الـمححظور، وت قدر هذه الضرورات بقدرها حسبما تحقتضيه نصوص الشريعة، والقواعد التي قعَّدها العلماء؛ فلا ت لغى هذه الضرورات فيشتدَّ الأمر على الناس، فيكون ذلك تحشديد ا، ولا تـ تَّخذ وسيلة لإهمال الواجبات، أو انتهاك المحرَّمات باعتبار ذلك من باب الضرورة؛ بل ي توسَّط فيها، وت ضبحط بضوابط وخروط محدَّدة، يعمل بالضرورة ما و افقها، وي نع ما عداها. د ــ تسهيل عحرضِ المعلومات وبسطها، والبعد عن تعقيدها، مما ي عين على القحبـول والفهم، فعحنِ ابْنِ عحبَّاسٍ ـــ رحضِيح اللَّه عحنـْه محا ـــ قحالح: قحالح رحس ول اللَّهِ « :عحلِّم وا وحيحسِّر وا وحلاح تـ عحسِّر وا، وحإِذحا غحضِبح أحححد ك مْ فـحلْيحسْك تْ »(1). (1) صحيح، أخرجه البخاري في الأدب المفرد (برقم 245 .)
عدد الصفحات ٣٣