المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ٥ من ١٧

65 (50 ) يخيّل لي أنّ السماء على الثّرى ..... طبقن ، وأنّي بين ذلك واقع المفردات : الثرى : التراب النديّ ، الأرض . طبقن : وردت بصيغة الجمع إشارة إلى السماوات ، وإن كان الجيلي قد جاء بها مفردة للضرورة الشعرية . بين ذلك : بين السماء والثرى . المعنى : يتابع الجيلي وصف أحواله في الحب ، فيقول : يخيل إليّ أن السماوات طبقن على الأرض ، وأنا واقع بينهما ( 51 ) ونفسي نفس أيّ نفس أبيّة ..... ترى الموت نصب العين وهي تسارع المفردات : أيّ نفس : بمعنى يا لها من نفس . المعنى : مهما عانى الجيلي في الحب فهو صاحب نفس أبيّة لا تتراجع أمام أهوال الحب ومشاقّه ، ويخاطب محبوبه شارحا حال نفسه . قائلا : ونفسي الأبية ، يا لها من نفس ، لا تتراجع عن طلب محبوبها . ترى موتها منصوبا أمام أعينها ومع ذلك تسارع إليه ( 52 ) فهمّي وفهمي ذا عليك وفيك ذا ..... وجدّي ووجدي زآئد ومتابع المفردات : فهمّي : الهمّ وهو قبلة نظر القلب عند الجيلي ، يقول في2 / ص 14 “ : ]إن وجه القلب يكون دائما إلى نور في الفؤاد يسمى الهمّ وهو محل نظر القلب ، ( و ) الهم لا يكون له في القلب جهة مخصوصة . فمن الناس من يكون همّه أبدا إلى فوق كالعارفين .. ويكون معنى “ فهمّي عليك “ ، أي لا يتوجه قلبي إلا إليك . وفهمي : من الفهم ، وقد اختصر الصوفية موقف الإنسان العقلي بالفهم .يقول إبراهيم الخواص [298 “ : ]والفهم صفوة العقل“ . والمحاسبي في كتابه “ ماهية العقل وفهم القرآن “ يبيّن أن الفهم هو الظاهرة العقلية الأهمّ . وفي رأيي أن هذا الموقف الصوفي مفهوم ، لأن الصوفي لا يستنبط علومه عقليا ؛ بل هو يقف أمام نص ليفهمه أو يقف أمام إلهام أو وارد ليفهمه وجدّي : واجتهادي ونشاطي . ووجدي : وما أجده من شدة غرامي [فى شروحات البيت رقم 19] "" وجد في شروحات البيت رقم19 :الوجد- لغة - هو عذاب الحب والهيام .

عدد الصفحات ٦٥

66 والوجد عند الصوفيين يطلق على كل ما صادف قلب الإنسان دون تعمّد أو تكلّف من فزع أو غمّ أو رؤية معنى أو كشف حالة . والوجد عندهم على مراتب ، وأكثر ما يرد على قلب الإنسان في حال الذكر . فالروح تلتذ بالذكر ، ولكن عندما يشتد استغراقها فيه تغشى ، وغشيان الروح هذا من غلبة الذكر والشوق يسمونه الوجد . "" زائد : يتزايد دائما . متابع : يتتابع دون انقطاع ، مستمر دائم المعنى : يخاطب الجيلي محبوبه شارحا كلية انشغاله به ، فيقول : قلبي لا يتوجه نظره إلا إليك ، وعقلي لا ينشغل فهمه إلا فيك . وهذا حال عقلي وقلبي وهو حال مستمر دائما متتابع لا يفتر ، بل على العكس يتزايد اجتهادي في الوصول إليك ويتتابع غرامي وشوقي إليك دون انقطاع ( 53 ) وعزمي وزعمي أنّه فوق كلّ ما ..... يراد ، وظنّي إنّما هو نافع المفردات : وعزمي : العزم هو عقد النية وإرادة الفعل . وزعمي : الزعم هو القول يكون حقا أو باطلا . المعنى : يقول الجيلي رغم أن جده ووجده يتزايد ويتتابع باستمرار إلا أنه يعلم يقينا أن محبوبه لا يطال ويعلو على كل مراد . لكن ومع أن محبوبه لا يطال إلا أن الظن ينفع صاحبه ، لقوله تعالى في الحديث القدسي : “ أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء “ ( 54 ) تسامر عيناي السّها بسهادها..... وتسأل ، بل ما سال الاّ المدامع المفردات : تسامر : من السمر ، وهو حديث الليل خاصة . السها : كويكب صغير خفي الضوء يمتحن الناس به أبصارهم . بسهادها : السهاد هو الأرق وعدم النوم ، والسهر من أركان الطريق عند المتصوفين ، يقول المكي : بني طريقنا على أربع : الجوع والسهر والصمت والعزلة. المعنى : يبدأ الجيلي بوصف سهره ، فيقول ؛ أسهر الليل أتحدث إلى كويكب السها ، أسائله عن محبوبي ، بل أبكي له بدموعي السائلة . وفي البيت طباق لطيف بين سأل وسال ، وبين سائل بمعنى مستفهم وسائل بمعنى جار ( 55 ) ويرقب منيالطّيف جفني دجنّة ..... وكم زاره طيف وما هو هاجع المفردات :

عدد الصفحات ٦٦

67 ويرقب بمعنى يراقب ، والمراقبة في لغة المتصوفين هي حال يحصّلونه بعد المحاسبة ، يتلخّص بأن يراقب الإنسان قلبه فلا يدعه يغفل لحظة عن العلم بأن اللّّ مطّلع عليه في جميع أحواله . الطّيف : الخيال . دجّنّة : ظلمة . هاجع : نائم ، والهجوع هو النوم ليلا . المعنى : يتابع الجيلي تصوير سهره ، فيقول ؛ يترقب طيفي انطباق ظلمة الليالي على الكون ، ينام الناس ويسهر هو فتمدّه بالعطاء ، ويتلقّى عنها . ( 56 ) ويخبرني عنك الصّبا وهو جاهل ..... فتلتذّ من أخباركم لي مسامع المفردات : الصبا : نسيم تغنّى به الشعراء . مسامع : جمع . مسمع ، وهو مدخل الكلام في الأذن . والجدير بالذكر أن المسامع عند الجيلي نراها تتمتع بإرادة مستقلة وها هي هنا تلتذ بذكر المحبوب كما كانت في البيت ( رقم 43 ) صماء عن كل لوم المعنى : الصوفي ملتهب المشاعر فيما يختص بمحبوبه ، وقد وقف عليه كل حواسه يسمع به وعنه وله فقط ، ويلتذ سمعه بكلامه إذا حضر وبذكره إذا غاب. حتى قال ابن الفارض : “ كلامه وكلام عنه يطربني “ . والجيلي هنا يفهم أخبار محبوبه من النسيم ، فتلتذ مسامعه وينتشي من ذكر حبيب حمله النسيم وهو لا يعلم بما يحمل . ( 57 ) إذا زمزمت ورق على غصن بانة ..... وجاوب قمريّ على الأيك ساجع المفردات : زمزمت : الزمزمة هي صوت خفي لا يكاد يفهم ، والعصفور يزمّ بصوت له ضعيف. ورق : جمع . ورقاء وهي الحمامة ذات السمرة . بانة : البان شجر يسمو ويطول ، واحدته بانة . قمري : طائر يشبه الحمام القمر البيض . الأيك : الشهجر الكثير الملتفّ . نوع من الشجر . ساجع : سجع الحمام بمعنى هدل . المعنى : انظر معنى البيت اللاحق "" إذا زمزمت ورق أو جاوب قمري فأذن الجيلي لم تسمع أصواتا بل سمعت معنى العشق الذي تبادله هذان الطائران في هديلهما .

عدد الصفحات ٦٧

68 وإن كان سمع الجيلي يتجاوز رنين الصوت إلى معنى العشق الموجود في هديل الطائرين . ولا يكون سماعه لمعنى العشق مصدره الطير بل يسمع من المحبوب نفسه وليس من الطير. "" ( 58 ) فأذني لم تسمع سوى نغمة الهوى ..... ومنكم فإنّي لا من الطّير سامع المفردات : لم تسمع : إشارة إلى السمع والسماع عند المتصوفين ، فالصوفي يتواجد عند سماعه صوتا ويخرج بوجده من المقيّد إلى المطلق ، أي من الكون إلى اللّّ عزّ وجلّ . فقد يسمع مثلا منشدا أو قوّالا يناجي حبيبته ويناديها ، فيرتفع بالمعاني من المخلوقات إلى الخالق ، ويسمو بسماعه حتى لا يبقى إلا مخاطب ومخاطب . بمعنى أنه يسمع المعاني وكأنها ترد عليه من الحق ، أو يسمع المعاني كأنه هو الذي يخاطب بها الحق . المعنى : إذا زمزمت ورق أو جاوب قمري فأذن الجيلي لم تسمع أصواتا بل سمعت معنى العشق الذي تبادله هذان الطائران في هديلهما . وإن كان سمع الجيلي في الشطر الأول تجاوز رنين الصوت إلى معنى العشق الموجود في هديل الطائرين . فالجيلي في الشطر الثاني يرفض أن يكون سماعه لمعنى العشق مصدره الطير بل هو يسمع من المحبوب نفسه وليس من الطير ( 59 ) ومن أيّ أين كان ، إن هبّ ضائع ..... فلي فيه من عطر الغرام بضائع المفردات : أين : الأين شجر حجازي واحدته أينة . والأين أيضا : المكان . إن هبّ ضائع : إن تضوّعت وانتشرت ريح طيبة . المعنى : كلما انتشرت ريح طيبة فإنها لا تقيّد مشامّ الجيلي ، بل يتجاوزها إلى الأخذ عن محبوبه . فهو لم يشم عطر الريح الطيبة ، بل شمّ منها عطر حبّه لمحبوبه . (60 ) وإن زمجر الرّعد الحجازيّ بالصّفا ..... وأبرق من شعبي جياد لوامع المفردات : الصفا : مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي البلدان 3 /411 - 412 . ] شعبي جياد : مفردها شعب وهي الطريقبين الجبلين ، وجياد جبل معروف بمكة [جع . م . البلدان 2 /195 ] .

عدد الصفحات ٦٨

69 لوامع جمع . اللمع وهو البرق . المعنى : إذا سمع الجيلي زمجرة الرعد الحجازي في الصفا ، أو شاهد التماع البرق من شعبي جبل جياد ، يصوّر له الوهم أن الرعد هو ثناء على المحبوب ومديح له ، ويخيل له أيضا أن البرق هو التماع ثنايا المحبوب [وانظر معنى البيت اللاحق] . "" إذا سمع الجيلي زمجرة الرعد يصوّر له خياله أن الرعد هو ثناء على المحبوب ومديح له ، ويخيل له أيضا أن البرق هو التماع ثنايا المحبوب . ولعل سماع الجيلي للرعد على أنه مديح وثناء نجد مرجعه في الآية الكريمة: "وَيُسَبِّحُ الرهعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" [13 . ] أما النور واللوامع فاللّّ عزّ وجلّ هو نور السماوات والأرض ولا عجب إن ذكّر كل نور مخلوق بالنور القديم الأزليّ "" ( 61 ) يصوّر لي الوهم المخيّل أنّ ذا ..... ثناك ، وهذا من ثناياك ساطع المفردات : ثناك : الثناء هو المدح . ثناياك : واحدتها ثنية من السن ، وثنايا الإنسان في فمه هي الأربع التي في مقدم فيه ؛ ثنيّتان من فوق ، وثنيتان من أسفل . المعنى : إذا سمع الجيلي زمجرة الرعد الحجازي في الصفا ، أو شاهد التماع البرق من شعبي جبل جياد ، يصوّر له الوهم أن الرعد هو ثناء على المحبوب ومديح له ، ويخيل له أيضا أن البرق هو التماع ثنايا المحبوب . ولعل سماع الجيلي للرعد على أنه مديح وثناء نجد مرجعه في الآية الكريمة: "وَيُسَبِّحُ الرهعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ " [13 . . . ] أما النور واللوامع فاللّّ عزّ وجلّ هو نور السماوات والأرض ولا عجب إن ذكّر كل نور مخلوق بالنور القديم الأزليّ ( 62 ) فأسمع عنكم كلّ أخرس ناطقا ..... وأبصركم في كلّ شيء أطالع المعنى : يسمع الجيلي كل أخرس ناطقا بكمالات محبوبه ، بمعنى أنه يسمع ما هو أخرس في حكم الظاهر كالجماد والنبات وهو يخبره عن كمال محبوبه وجماله وجلاله . وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى :"وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاه يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "[44 ]. كما أنه يبصر وجه محبوبه في كل ما ينظر إليه وله في الآية الكريمة مرجع وسند .

عدد الصفحات ٦٩

70 قال تعالى:"فَأَيْنَما تُوَل وا فَثَمه وَجْهُ اللّهِ " [ البقرة115] . ( 63 ) إذا شاهدت عيني جمال ملاحة ..... فما نظريإلا بعينك واقع المفردات : بعينك : عين الشيء نفسه وذاته . المعنى : يقول الجيلي أنه إذا عرض جمال أو ملاحة أمام عينيه ، فإن نظره لا يقع إلا على محبوبه ؛ بمعنى أن الجيلي لا يتقيد بالصور الجميلة بل ينفذ منها ومن كل جمال مقيد إلى البديع الأزلي ، واهب الجمال لكل جميل في الكون. (64 ) وما اهتزّ من قدّ قنا تحت طلعة ..... من البدر أبدت أم خبتها البراقع المفردات : قد قنا : أي قدّ أو قامة نحيفة كالقنا ، وهي الرماح ، واحدتها : قناة . تحت طلعة من البدر : تحت وجه كالبدر . أبدت : أظهرت . خبتها : خبأتها ، سترتها . المعنى : انظر معنى البيت رقم ( 66 ) ""ينسلخ الجيلي عن كل جمال مشهود ، ويخاطب ربه ، قائلا ؛ كلما تحركت قامة نحيلة ممشوقة ، تحمل وجها كالبدر يسطع سواء أأخفته البراقع أم أبدته وكشفته . فأنا لا أرى في كل هذا الجمال إلا صنعك وصنيعك الظاهر يا رب "" ( 65 ) ولا سلسلت أعناقها بغرامها ..... تصافيف جعد خطّهنّ وقائع المفردات : سلسلت : جعلتها سلاسل . تصافيف : جمع . تصفيف ، وهو الشعر المصفف .خطهن : موقعهن ، ميدانهن . وقائع : جمع . وقعة ووقيعة وهي الحرب والقتال أو المعركة . المعنى : كلما سلسلت تصافيف شعر أجعد عنق صاحبته ، وكان في تصفيف هذه الخطوط وهذه التجعيدات مقاتل للناس . ( 66 ) ولا نقّطت خال الملاحة بهجة ..... على وجنة ، إلاّ وحرفك بارع المفردات :

عدد الصفحات ٧٠

71 خال شامة سوداء . وحرفك بارع : الحرف هو اللغة والخطاب ، وحرفك بارع بمعنى : وخطابك أو وصنعك ظاهر . المعنى : ينسلخ الجيلي عن كل جمال مشهود ، ويخاطب ربه ، قائلا ؛ كلما تحركت قامة نحيلة ممشوقة ، تحمل وجها كالبدر يسطع سواء أأخفته البراقع أم أبدته وكشفته . وكلما سلسلت تصافيف شعر أجعد عنق صاحبته وكان فيه مقاتل للناس . . وكلما نقط الخال ملاحة على وجنة . . فأنا لا أرى في كل هذا الجمال إلا صنعك وصنيعك الظاهر يا رب ( 67 ) فأنت الّذي لي فيه ، يظهر حسنه ..... به ، لا بنفسي ، ما له من ينازع المفردات : ينازع : يجاذب بالحجج ويخاصم . المعنى : يخاطب الجيلي محبوبه قائلا : “ فأنت “ ، يريد الحقّ عزّ وجلّ ، الذي يظهر حسنه في كل جميل وبديع من الكائنات . يتجلى جمالك يا رب في كل جميل ساحقا للمخلوق فلا يقوم مدّعيا جمالا . ويرى الجيلي أن جمال الحق وإن ظهر في المخلوق إلا أنه يظهر منزّها عن مشاركة الأغيار غير ممزوج بشبه الأشكال والكائنات . ولا تستطيع صورة مهما حسنت أن تنازع اللّّ عزّ وجلّ في نسبة الجمال إليها ؛ فالجمال للّّ وحده وليس للصور الجميلة منه شيء. (68 ) وإن حثّ جلدي من كثيفخشونة ..... فلي فيه من ألطاف حسنك رادع المفردات : حثّ : لامس وأحس . المعنى : يتابع الجيلي نجواه لربه ، فيقول : إن لامس جلدي خشونة جسم خشن فأنا لا أحسّ خشونته لأن ألطاف حسنك يا رب تردع عني كل إحساس بالأجسام ، سواء أكانت لطيفة أم خشنة . باختصار ، إن تصدّى لي أي مخلوق من عالم المخلوقات وحاول أن يشغلني بجماله وحسنه عنك يا رب ، تردعني ألطاف حسنك وجمالك. ( 69 ) تخذتك وجها والأنام بطانة ..... فأنجمهم غابت وشمسك طالع المفردات : تخذتك : أي اتخذتك مع حذف الهمزة من أولها .

عدد الصفحات ٧١

72 وجها أصلا ظاهرا . والأنام : الخلق ، المخلوقات . بطانة : البطانة ما بطن من الثوب فلا يظهر للناس . المعنى : يتابع الجيلي نجواه لربه ، فيقول ؛ أنت يا رب عندي أصل كل شيء والظاهر في كل شيء وفوق كل شيء . اتخذتك ظاهرا فقهر ظهورك الخلق جميعا فبطنوا وخفوا ، وغابت أنجمهم . وذلك أنه حين يتجلى نور الحق تغيب نجوم الخلق ، تندكّ وتصعق . * * *

عدد الصفحات ٧٢

73 رابعامن البيت 70 إلى112 : أسرار الشريعة (70) فديني وإسلامي وتقواي : أنّني .....لحسنك فان ، لآئتمارك طائع (71) إذا قيل قل“ لا “ قلت غير جمالها ..... وإن قيل “ إلا “ قلت حسنك شائع (72) أصلّي إذا صلّى الأنام وإنّما ..... صلاتي بأني لإعتزازك خاضع (73) أكبّر في التحريم ذاتك عن سوى ..... واسمك تسبيحي إذا أنا راكع (82) وتجريد نفسي عن مخيط صفاتهابوصفك إحرامي عن الغير قاطع (83 )وتلبيتي أنّي أذلّل مهجتي ..... لما منك في ذاتي من الحسن لامع (84) كأنّ صفات منك تدعو إلى الع .....لذاتي ، فلبّت فاستبانت شواسع (85 )فتركي لطيبي والنّكاح فإنّ ذا ..... صفاتي ، وذا ذاتي فهنّ موانع (86) وإعفاء حلق الرّأس ترك رياسة ..... فشرط الهوى أنّ المتيّم خاضع (87) إذا ترك الحجّاج تقليم ظفرهم ..... تركت من الأفعال ما أنا صانع (88) وكنت كآلات وأنت الّذي بها ..... تصرّف بالتقدير ما هو واقع (89 )وما أنا جبريّ العقيدة ، إنّني ..... محبّ فنى فيمن خبته الأضالع (90) فها أنا في تطواف كعبة حسنها ..... أدور ، ومعنى الدّور أنّي راجع (91) ومذ علمت نفسي صفاتك سبعة ..... فأعداد تطوى في حماك سوابع (92) أقبّل خال الحسن في الحجر الّذي ..... لنا من قديم العهد فيه ودائع (93) ومعناه أنّ النّفس فيها لطيفة ..... بها تقبل الأوصاف ، والذات شائع (94) وأستلم الركن اليمانيّ ، إنّه ..... به نفس الرّحمن والنّفس جامع (95) وأختم تطواف الغرام بركعة ..... من المحو عمّا أحدثته الطّبائع (96) ترى هل لموسى القلب من زمزم اللّقا .... مراضع ، لا حرّمن تلك المراضع (97) فتذهب نفسي في صفاء صفاتكم ..... لتسعى بمروى الذّات وهي تسارع (98) فليس الصّفا إلا صفائي ومروتي .....بأنّي عن تحقيق حقّي صادع (99) وما القصر إلاّ عن سواكم حقيقة ..... ولا الحلق إلاّ ترك ما هو قاطع (100 )ولا عرفات الوصل إلا جنابكم ..... فطوبى لمن في حضرة القرب راتع (101) على علمي معناك ضدّان جمّعا ..... ويا لهفي ضدّان كيف التّجامع (102) بمزدلفات في طريق غرامكم ..... عوائق من دون اللّقا وقواطع (103) فإن حصل الإشعار في مشعر الهوى ..... وساعد جذب العزم فالفوز واقع (104 )على مشعر التّحقيق عظّمت في الهوى .....شعائر حكم أصّلتها الشّرائع (105) وكم من منى لي في منى حضراتكم ..... ويا حسراتي والمحسّر شاسع (106) رميت جمار النّفس بالروح فانثنت ..... جهنّمها ماء وصاحت ضفادع (107 )وأبدل رضوان بمالك وانتشى ..... بها شجر الجرجير والغصن يانع (108 )ففاضت على ذاتي ينابيع وصفها ..... وناهيك صرف الحقّ تلك الينابع (109) فطفت طوافا للإفاضة بالحمى ..... وقمت مقاما للخليل أبايع

عدد الصفحات ٧٣

74 (110) فمكّنت من ملك الغرام وها أنا ..... مليك وسيفي في الصّبابة قاطع (111) وحقّقت علما واقتدارا جميع ما ..... تضمّنه ملكي ، وما لي منازع (112) فلمّا قضينا النسك من حجّة الهوى ..... وتمّت لنا من حيّ ليلى مطامع شرح الأبيات :- ( 70 ) فديني وإسلاميوتقواي : أنّني ..... لحسنك فان ، لآئتمارك طائع المفردات : لحسنك فان : إشارة إلى الفناء الصوفي ، والمقصود أن تجليات الحسن الإلهي أفنت الجيلي وأخرجته عن الشعور بنفسه وبأي شيء من لوازمها . لأئتمارك : لأمرك . أئتمر : أطاع الأمر . طائع : إشارة إلى “الطاعة “ عند الصوفيين ، وذلك أن الطاعة عندهم هي من مستلزمات المحبة ، لأن المحب لمن يحب مطيع كتاب المحبة المعنى : يخاطب الجيلي ربّه مؤكدا على أن الدين عنده هو عهد الطاعة والفناء ، فيقول ؛ إن ديني وإسلامي وتقواي كل ذلك هو عين طاعتي لأوامرك ، وعين فنائي أمام ظهور تجليات حسنك . ونلاحظ أن الجيلي في الأبيات القادمة سيفصّل ذكر الأركان الإسلامية الخمسة : الشهادتين ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج . ويبين أن العاشق الفاني يؤدي هذه الأركان على غير الصورة والروح التي يؤديها فيها المكلف المؤمن غير العاشق . . . فعندما يعشق إنسان الحقّ عزّ وجلّ يعبده على غير المعنى الذي يعبده فيه غيره من الناس . وقد فصّل الجيلي العبادات وإشاراتها ورموزها في كتابه الإنسان الكامل2 / ص 86 - 89 ]ثرا ويؤكد الجيلي على أنه مهما ترقى الإنسان في مراتب العشق والشهود يظل التزامه بالأركان والعبادات مستمرا ، وهذا هو الفرق بين الصوفي العاشق وبين الدخيل المشعوذجع الإنسان الكامل ، ج 2 / ص41 - 42 . ] (71 ) إذا قيل : قل (لا) قلت: غير جمالها .....وإن قيل: (إلا) قلت : حسنك شائع المفردات : قل ( لا ) : “ لا “ إشارة إلى لا النفي الواردة في كلمة التوحيد ، أي “ لا إله “.

عدد الصفحات ٧٤

75 جمالها جمال الحضرة الإلهية . إلا : “ إلا “ إشارة إلى استثناء الإثبات الموجود في كلمة التوحيد ، أي “ إلا اللّّ “ . المعنى : يبيّن الجيلي مذهبه في “ سر كلمة الشهادة “ في كتابه الإنسان الكامل2 / ص 87 “ : ]اعلم أنه لما كان الموجود منقسما بين خلق حكمه السلب والانعدام والفناء ، وحقّ حكمه الإيجاد والوجود والبقاء ، كانت كلمة الشهادة مبنية على سلب وهي : لا ، وإيجاب وهي : إلا . معناه : لا وجود لشيء إلا اللّّ . “ وهنا في هذا البيت ، يشهد هذا الصوفي العاشق الفاني بأنه : لا جمال غير جمال الحضرة الإلهية إلا حسنها الشائع الذي يراه - العاشق للّّ - أينما يولّي وجهه . ( 72 ) أصلّي إذا صلّى الأنام وإنّما ..... صلاتي بأني لإعتزازك خاضع المفردات : لإعتزازك : لعزتك . المعنى : يبدأ الجيلي بشرح صلاته ، صلاة العاشق ، فيقول ؛ إذا نادى المنادي للصلاة لبّيت وأقمت صلاتي مع الأنام ، ولكن وإن حصل الجمع في مكان واحد وزمان واحد وصف واحد وإمام واحد ، إلا أن صلاتي تأخذ معاني مختلفة عن صلاة الأنام لأن كل قول وكل فعل فيها يشير إلى خضوع العبد للمعبود . . .أصلي . أي أترجم بكل قول من صلاتي ، ويكل فعل من حركة وسكون فيها ، خضوعي لعزتك يا رب العالمين . والجيلي بعد ذلك سيفصّل أسرار الأفعال والأقوال الواجبة في الصلاة. ( 73 ) أكبّر في التحريم ذاتك عن سوى ..... واسمك تسبيحي إذا أنا راكع المفردات : أكبر في التحريم : إشارة إلى تكبيرة الإحرام التي يدخل بها المصلي في صلاته . عن سوى : عن الغير ، عن المخلوقات . راكع : يرى الجيلي أن الركوع هو إشارة إلى شهود انعدام الموجودات الكونية تحت وجود التجليات الإلهية جع الإنسان الكامل ، 2 /88 ] . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل صلاته ، ويبين هنا حاله في التكبير . فيقول مخاطبا ربه ؛ عندما أكبّر تكبيرة الإحرام فأنا في الواقع أفرد ذاتك العليّة ، وانزهها أن يذكر معها كائن من الكائنات ، أي أحرّم على قلبي بعد التكبير أن يخطر عليه خيال مخلوق أو طيف فكرة لأن ذلك في نظري يكذّب تكبيري إياك حين دخولي في الصلاة . . . بكلام آخر .

عدد الصفحات ٧٥

76 إن كان المصلي عندما يكبّر تكبيرة الإحرام يحرم عليه ما كان حلا من مفسدات الصلاة كالأكل والكلام ونحو ذلك ، فالجيلي إذا كبّر تكبيرة الإحرام ووقف بين يدي ربه يحرّم على نفسه كل خيال أو خاطر كوني ، إذ كيف يخطر كون وهو واقف بين يدي اللّّ ، واللّّ أكبر من أن يذكر معه شيء سواه . وبعد أن بيّن الجيلي كيفية تكبير العشاق الإلهيين في صلاتهم ، وبيّن معنى تكبيرهم وما يفرضه عليهم العشق الإلهي من شروط يطالبون بها أنفسهم في الصلاة ، يصل ليبين معنى الركوع عنده وعند كل عاشق إلهي . فالجيلي في ركوعه تنعدم عنده الموجودات الكونية كلها تحت وجود التجليات الإلهية ، ويبقى مسبّحا اسم اللّّ وحده . والجيلي هنا يتابع في الواقع تسبيح كل المصلين عند ركوعهم في الصلاة ، وهل يقول الراكع غير :سبحان ربي العظيم . ( 74 ) أقوم أصلّي ، أي أقيم على الوفا ..... بأنّك فرد واحد الحسنجامع المفردات : أقوم أصلي : إشارة إلى قيام المصلي من ركوعه . على الوفا : على الوفاء ، وهو صيانة العهد وحفظه . والعهد المشار إليه هنا عند الصوفية هو العهد الذي أخذه الحق تعالى على كل مخلوق حين أقرّ له بالربوبية بقوله : بلى ، حيث قال اللّّ عزّ وجلّ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟. . والوفاء عند عامة المؤمنين هو عبادة اللّّ عزّ وجلّ رغبة ورهبة . وعند الخاصة هو الوقوف مع الأمر الإلهي لا رغبة ولا رهبة . وعند خاصة الخاصة هو العبودية على التبري من الحول والقوة . والوفاء عند المحب ، كما هو حال الجيلي ، هو صون القلب عن الإتساع لغير المحبوب .ص 74 . ] جامع أي جامع لكل حسن . المعنى : ركع العابد العاشق الذي هو الجيلي ، فانعدمت الموجودات الكونية كلها لديه ، وها هو يقوم الآن من ركوعه ، وقيامه لا يعني عودة الموجودات ؛ بل في القيام كما في الركوع ، يظل العاشق على الوفاء مقيما ، وبالعهد الإلهي قائما ، وقلبه مصان عن الأغيار لا يتسع لغير الحق تعالى . هذا معنى الوفاء عند الجيلي ، معناه أن يصون قلبه فلا ينظر إلى جمال غير جمال الحق لأنه تعالى واحد الحسن ، وجامع لكل حسن يظهر في الكون . ( 75 ) وأقرأ من قرآن حسنك آية ..... فذلك قرآني إذا أنا خاشع المفردات :

عدد الصفحات ٧٦

77 خاشع الخشوع هو ذوبان القلب لقيامه بين يدي الحق في الصلاة ، مظهره خشوع الجوارح وسكونها . قال تعالى :قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الهذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [1 و2 . ] المعنى : يتابع الجيلي تصوير صلاته : فيقول ؛ وعندما أقرأ القرآن في صلاتي وأنا خاشع فإنما أنا أقرأ من قرآن حسنك آية . بمعنى أن كل آية أقرآها من القرآن فهي في الواقع تخبرني عنك وعن جمالك يا متعال (76 ) وأسجد أي أفنى ، وأفنى عن الفنا ..... وأسجد أخرى ، والمتيّم والع المفردات : وأفنى عن الفنا : أي أفنى عن الفناء ، بمعنى أرجع عن الفناء في الحق إلى البقاء بالعبودية . والمتيم : الولهان العاشق . المعنى : يقول الجيلي في2 /88 “ : ]السجود عبارة عن سحق آثار البشرية ومحقها باستمرار ظهور الذات المقدسة ( . . . ) ثم السجدة الثانية إشارة إلى مقام العبودية وهو الرجوع من الحق إلى الخلق “ . وهكذا عندما يسجد الجيلي السجدة الأولى يفنى من استمرار ظهور التجليات الإلهية عليه ، ثم في السجدة الثانية ومن استمرار ظهور التجليات الإلهية ، يفنى عن فنائه ، أي يرجع عن الفناء بالحق إلى البقاء بالعبودية للحق . . . سجدة أولى هي فناء بالتجليات وسجدة أخرى هي بقاء بالعبودية . . . وفي السجدتين ، في الفناء والبقاء ، الجيلي هو دائما ذاك الوالع الولهان . (77 ) وقلبي مذ أبقاه حسنك عنده ..... تحيّاته منكم إليكم تسارع المفردات : تحياته : دعاء التحيات الذي يقرأ في ختام الصلاة . المعنى : يقول الجيلي في2 /88 “ : ]التحيات إشارة إلى الكمال الحقي والخلقي ، لأنه عبارة عن ثناء على اللّّ تعالى وثناء على نبيّه صلّى اللّّ عليه وسلم وعلى عباده الصالحين . وذلك هو مقام الكمال . فلا يكمل الولي إلا بتحققه بالحقائق الإلهية ، واتباعه لمحمد صلّى اللّّ عليه وسلم ، وبتأدبه بسائر عباد اللّّ الصالحين . “ . . . وهنا يخبّر الجيلي عن حال قلبه الفاني بالجمال الإلهي الباقي بالعبودية للحق ، وكيف أنه لا ينفك عن اللهج بالتحيّات للحق ، تحيات قلب يتسارع فيه الثناء من الحق إلى الحق ؛ وهنا نجد مرجعنا في قول النبي صلّى اللّّ عليه وسلم : اللهم لا أحصي ثناء

عدد الصفحات ٧٧

78 عليك أنت كما أثنيت على نفسك . . .ولكن في التحيات هنا التي هي دعاء وثناء ، يعجز قلب الجيلي العاشق المأخوذ بالحسن الإلهي عن الثناء على الحق فيتسارع الثناء من الحق إلى الحق. (78 )صيامي هو الإمساك عن رؤية السّوى .... وفطري أنّي نحو وجهك راجع المفردات : السوى : كل ما سوى اللّّ عزّ وجلّ . وفطري : الفطر والإفطار بمعنى واحد . المعنى : يقول الجيلي في2 /88 “ : ]الصوم إشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف ما يمتنع - أي يصوم عن مقتضيات البشرية - تظهر آثار الحق فيه . “ وهكذا لا يكتفي الجيلي في صيامه بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات المنصوص عليها في الأحكام الشرعية ، بل يعدّ النظر إلى الخلق من المفطرات . ولذلك فهو يعلن كعاشق أنه لا ينظر إلى سوى الحق عزّ وجلّ لأن كل رؤية للخلق ، تفسد صيامه . والإفطار - عند الجيلي - هو النتيجة لهذا الامتناع عن رؤية المخلوقات . بكلام آخر ، إن إفطار الجيلي هو رؤيته لوجه الحق عزّ وجلّ أينما ولّى وجهه . . . يصوم عن رؤية الأغيار فيفطر برؤية وجه الحق أينما ولّى وجهه . (79 ) وبذلي نفسي في هواك صبابة ..... زكاة جمال منك في القلب ساطع المفردات : بذلي نفسي : بذل النفس هو الجود بها وإعطاؤها . صبابة : شوقا وعشقا . زكاة جمال منك في القلب ساطع : بمعنى زكاة نعمة سطوع جمالك في قلبي المعنى : إن الصوفي يزكّي على كل نعمة إلهية ، وها هو بشر بن الحارث يقول لطلبته : أدوا زكاة الأحاديث ، واعملوا بخمس من كل مائتين منها . وهنا يرى الجيلي أن سطوع الجمال الإلهي على قلبه العاشق هو نعمة ، وهو لذلك يستوجب زكاة ، أسوة بكل النعم الإلهية . . . وزكاة سطوع هذا الجمال الإلهي على قلبه هي أن يبذل نفسه فداء في العشق. ( 80 ) أرى مزج قلبي مع وجودي جنابة ..... فماء طهوري أنت ، والغير مائع المفردات : جنابة : الجنابة شرعا هي أمر معنوي يقوم بالبدن يمنع صحة الصلاة . طهوري : الطهور والتطهر كل ما يتطهر به من ماء وغيره . وفي القرآن وَأَنْزَلْنا مِنَ السهماءِ ماءً طَهُوراً 48 ]

عدد الصفحات ٧٨

79 مائع سائل . وهنا يؤكد الجيلي على أن الطهارة عنده لا تكون إلا بالماء. المعنى : نلاحظ أن الجيلي بعد أن تكلم على الشهادتين وعلى الصلاة وعلى الزكاة ، سيأتي ابتداء من هذا البيت ووصولا إلى البيت ( رقم 112 ) على ذكر رموز الحج بحسب تسلسل أركانه . وفي هذا البيت نلمح إشارة إلى غسل الإحرام. والجدير بالذكر أن ثلاثة من الأئمة قد اتفقوا على أن هذا الغسل هو غسل نظافة ، إلا المالكية نظرت إليه على أنه غسل طهارة فلا تفعله الحائض ولا النفساء . ونرى أن الجيلي هنا يوافق مالك في كون غسل الإحرام هو غسل طهارة . يبدأ الجيلي هذا البيت بتعريفنا أنه في شرع عشقه ، كل مزج بين القلب والوجود هو جنابة . بكلام آخر ، إن مزج الحق مع الخلق هو الجنابة التي تقوم في قلب الإنسان وتمنع كمال صحة عبادته. وعبّر الجيلي عن الحق بالقلب ، لأن قلب المؤمن هو الذي وسع الحق ، وعبّر عن الخلق بالوجود ، لأن الوجود هو المخلوق. وحيث أنه لم يسلم إنسان من أن يمزج بين قلبه ووجوده . لذلك عليه أن يتطهر من هذا المزج قبل العزم على حجّة الهوى ، عليه أن يتطهر من كل المخلوقات حتى من وجوده الشخصي . ولا يتطهر الإنسان من الخلق إلا عندما تحتلّ التجليات الإلهية مساحة قلبه الإنساني بكليته ، غير تاركة فيه فسحة لغير وسوى من المخلوقات . ( 81 ) أيا كعبة الآمال وجهك حجّتي ..... وعمرة نسكي أنّني فيك والع المفردات : حجتي : الحجّة هي المرة الواحدة من الحج . عمرة : العمرة هي الزيارة ، وشرعا هي قصد الكعبة للنسك المعروف بالعمرة ، وتمام العمرة أن يطوف المسلم بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة فقط. المعنى : يشير الجيلي هنا بعمرة النسك إلى طواف القدوم ، ومعنى الحج وحقيقته عند الجيلي هو استمرار قصد الإنسان في طلب اللّّ تعالى .الإنسان الكامل 2 /88 ] يقول هنا مخاطبا محبوبه“ أيا كعبة الآمال “يريد بها “ يا قبلة آمالي “ ، “ وجهك حجتي “ بمعنى “ وجهك قصدي “ إذ عندما نادى منادي الحج قام الجيلي يقصد وجه الحق ملبيا ، وسارع إلى طواف القدوم مسارعة والع عاشق . ( 82 ) وتجريد نفسي عن مخيط صفاتها ..... بوصفك ، إحرامي عن الغير قاطع المفردات : مخيط : ثوب مخيط أي داخلته خياطة .

عدد الصفحات ٧٩

80 ويقول الجيلي في2 /88 “ : ]ترك المخيط إشارة إلى تجرده أي طالب اللّّ ) عن صفاته المذمومة بالصفات المحمودة “ . إحرامي : دخولي في الإحرام . ويقول الجيلي في2 /88 : ] “الإحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات“ . عن الغير قاطع : يقطعني ويمنعني عن الانشغال بالمخلوقات المعنى : في الإحرام يحرم على الرجل أن يلبس مخيطا على بدنه ، أو محيطا ببدنه أو ببعضه كالقميص والسراويل والعمامة والجبة ، والخف ، إلا إذا لم يجد نعلين فيجوز لبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين1 / 644 ] . ويقابل عدم لبس المخيط على البدن عند الجيلي ، تجرّد الإنسان في أعماقه عن صفاته المذمومة وتحلّيه بالوصف الإلهي المحمود . فالجيلي بعد أن يحرم ويتجرد عن لبس المخيط لا ينشغل لحظة بالمخلوقات ، لأنه لو أراد الالتفات إلى مخلوق قام الإحرام على بدنه مذكرا إياه بمعنى الإحرام الحقيقي وهو ترك شهود المخلوقات . بكلام آخر ، إن إحرام البدن هو فعل يقوم في ظاهر الإنسان يمنعه من النسيان ، أو يذكره إذا نسي ، بأنه قاصد لوجه الحق تارك لشهود المخلوقات. (83 ) وتلبيتي أنّي أذلّل مهجتي ..... لما منك في ذاتي من الحسن لامع المفردات : وتلبيتي : التلبية مصدر لبّى ، وهو أن يقول الحاج أو المعتمر :لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل رموز أعمال حجّه ، فيقول ؛ عندما ألبيّ مرددا عبارة “ لبيك اللهم لبيك “ ، فإنني - في الباطن - إنما أظهر ذلّة عبوديتي أمام تجليات حسنك الملتمعة في ذاتي . ( 84 ) كأنّ صفات منك تدعو إلى العلا ..... لذاتي ، فلبّت ، فاستبانت شواسع المفردات : فلبت : لبّت دعوة أي استجابت . فاستبانت : فظهرت . شواسع : جمع شاسع ، وهو المكان البعيد ، وهنا المقصود : الفرق البعيد المعنى : يتابع الجيلي تعريفنا بدوافع تلبيته القلبية لدعاء الحق ، فيقول ؛ عندما تجلّت لوامع من حسنك على ذاتي ، فكأنما بذلك كنت تدعوني إلى العلا ، فلبّت ذاتي دعوة العلا هذه .

عدد الصفحات ٨٠