المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ٤ من ١٧

49 ( 18 ) فنار إلاّ ما فؤادي محلّها ، ..... وما السّحب إلا ما الجفون تدافع المفردات : فلا نار : أي فلا نار تحرق حقيقة . وما السحب : جمع سحاب الذي هو جمع سحابة ، فتكون سحب جمع الجمع ، والسحابة هي الغيمة التي يكون عليها المطر ، سميت بذلك لإنسحابها في الهواء . المعنى : يدّعي الشاعر هنا أن النار الحقيقية ، أي التي تشتعل وتحرق حقيقة ، هي فقط النار الموجودة في فؤاده ، وكل نار يراها الناس خارج فؤاده فإنما لها صورة النار وليست نارا ، أي لا تحرق . وكما النار كذلك السحب ، فالسحب الحقّة الممطرة هي ما تدفعه جفونه من دموع . ( 19 ) ولا وجد إلا ما أقاسيه في الهوى ..... ولا الموت إلاّ ما إليه أسارع المفردات : وجد : الوجد - لغة - هو عذاب الحب والهيام . والوجد عند الصوفيين يطلق على كل ما صادف قلب الإنسان دون تعمّد أو تكلّف من فزع أو غمّ أو رؤية معنى أو كشف حالة . والوجد عندهم على مراتب ، وأكثر ما يرد على قلب الإنسان في حال الذكر . فالروح تلتذ بالذكر ، ولكن عندما يشتد استغراقها فيه تغشى ، وغشيان الروح هذا من غلبة الذكر والشوق يسمونه الوجد . ولا الموت : أي ولا الموت وجدا . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل أحواله وأحاسيسه في الحب ، ويدّعي أن الوجد الحقيقي هو ما يقاسيه من آلام الهوى ، وأنّ كل آلام الآخرين إنما هي صورة وجد وليست وجدا . كذلك الأمر في الموت ، فالموت الحقيقي هو موته وجدا بمحبوبه وما عداه ليس له من الموت إلا الصورة . ( 20 ) فلو قيس ما قاسيته بجهنّممن الوجد كانت بعض ما أنا قارع المفردات : ما أنا قارع : ما أعاني من الشدة والألم . المعنى : يخبرنا الشاعر هنا أن الوجد الذي اشتعل في فؤاده من الشوق والحب وبعد الحبيب أحرق وجوده ، وكان أشدّ هولا من نار جهنم . بل أهوال جهنم نفسها لا تقاس بما يقاسيه من الوجد .

عدد الصفحات ٤٩

50 (21 ) جفوني بها نوح وطوفانها الدّما ..... ونوحي رعد ، والزّفير اللّوامع المفردات : نوحي : النوح هو البكاء المصحوب بالصوت . وقد أقام الشاعر هنا جناسا لطيفا بين اسم النبي نوح عليه السّلام وبين نوح أي بكاء . والزفير : إخراج النفس من الصدر . اللوامع : البرق . المعنى : بعد أن غنّى الشاعر أوجاعه وشوقه وحرمانه وأحلامه المستحيلة وعهوده القديمة ، سوف يشير تباعا إلى ألوان بلائه بصور شعرية واستعارات ورموز تأخذ طاقتها من المخزون الوجداني لحياة الأنبياء ومعاناتهم ؛ يلمّح بذلك إلى أنه متبّع وليس مبتدعا . وفي هذا البيت أتى الشاعر بصورة مبتكرة استحضرها من طوفان نوح عليه السّلام ، ليعبّر بها عن بكائه ونوحه وزفراته. فكأن نوحا عليه السّلام مقيم في جفونه ؛ وغنيّ عن البيان أنه من هذا المكان فار التنور وأغرقت السماء كل شيء . . . والرعد الذي صاحب الطوفان زمن نوح عليه السّلام يقابله بكاء الشاعر الذي يسمع صوته في الآفاق . أما أنفاسه فهي البرق ، لأنه كلّما أخرجها من صدره ، اندفعت النار المشتعلة في أعماقه تلمع في زفيره . ( 22 ) وجسمي به أيّوب قد حلّ للبلا ..... وكم مسّني ضرّ وما أنا جازع المفردات : للبلا : للبلاء ، والبلاء - لغة - هو الامتحان والاختبار . وقد فرّق الصوفية بين الامتحان والبلاء ، فالامتحان هو أن يمتحن اللّّ تعالى محبّيه وطالبيه بأنواع البلايا في قلوبهم ، كالخوف والحزن والقبض والهيبة ؛ وقد أخذ الصوفية الامتحان من قوله تعالى :"أُولئِكَ الهذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتهقْوى "[ 3 . ] أما البلاء فهو أعلى عندهم من الامتحان ، لأن الامتحان يؤثر في القلب فقط على حين أنّ البلاء اسم للألم الذي يظهر على قلب المؤمن وجسده . ووقوع البلاء لسالكي المتصوفة هو ضرورة منهجية ، لأنه يظهر أحوال الرجال ويفضح المدّعي ؛ فمن ابتلي وصبر وما شكا ، فهو نعم العبد . والبلاء هو غير “ الشقاء “ الذي يصيب الكافرين والمعرضين عن اللّّ عزّ وجلّ . جازع : غير صابر ، والكلمة قرآنية من قوله تعالى : " إِنه الإِْنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذا مَسههُ الشهر جَزُوعاً" [19 و20 . ] المعنى :

عدد الصفحات ٥٠

51 يتابع الجيلي توليد رموزه من حياة الأنبياء ، آخذا من كل نبي أخصّ صفات شخصيته الدينية . وهنا يتابع أيوب في صبره ، وهو الصابر بشهادة القرآن ، قال تعالى :"إِنها وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنههُ أَوهاب "[44 . ] فكأن جسم الجيلي قد صار مسكنا لأيوب وصبره ، يواجه بلاء الحب دون خوف و جزع . ( 23 ) وما نار إبراهيم إلاّ كجمرة ..... من الجمر اللاتي خبتها الأضالع المفردات : الجمر : جمع . جمرة ، جمعت قياسا للضرورة الشعرية . والجمر هو النار المتقدة . خبتها : خبّأتها أي سترتها ، وقد خففت الهمزة فأصبحت ألفا مقصورة وحذفت لاتصالها بتاء التأنيث . المعنى : أن النار التي ألقي فيها بإبراهيم عليه السّلام وعلى حجم وقودها ، ليست في المثال إلا كجمرة من الجمرات التي أوقدها الحب في أضالع الجيلي. (24 ) سرّي في بحر الصّبابة يونس ..... تلقّمه حوت الهوى وهو خاشع المفردات : لسري : السرّ من المفردات التي لم يشرحها الصوفية بل أشاروا إلى أنها لطيفة الأعماق ويقارب معناها الروح . ولكننا نقول ، إن مفرد السر هو اختصار لعبارة : السر الإلهي ؛ وإن كل إنسان يشتمل تكوينه على سر إلهي ، تلقته الإنسانية حين نفخ اللّّ عزّ وجلّ في آدم من روحه . تلقمه : ابتلعه لقمة واحدة . خاشع : ساكن ، خاضع . المعنى : يشبّه الجيلي هنا هواه وغرامه بحوت ابتلع سرّه المستغرق في بحر الصبابة ، وأحاط به من كل جهاته ، وسرّه الآن ساكن خاضع متضرع يلفّه حوت الهوى من كل جانب . أما صورة الحوت والبحر والسر الساكن الخاضع فقد استنبطها الجيلي ، من حياة نبي اللّّ يونس عليه السّلام ، يقول تعالى " :فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيم 142 ] . ( 25 ) وكم في فؤادي من شعيب كآبة ..... تشعّب مذ شطّت مزارا مرابع المفردات :

عدد الصفحات ٥١

52 كآبة من مفردات الحزن ، والحزن من الأحوال عند الصوفية ، وهو لا يضادّ السعادة ، فالسعيد قد تحلّ فيه أحوال من الحزن ويظل سعيدا وحزينا معا ، وإنما الحال الذي يقابل الحزن ويضاده فهو الفرح . تشعّب : تشعب فؤادي بمعنى تفرّق وتصدّع . شطّت مزارا : بعدت زيارة . مرابع : ج . مربع ، وهو الموضع الذي يقام فيه زمن الربيع خاصة ، وهنا الإشارة إلى ديار الحبيب .المعنى : لكأنما تتسرب كآبة نبي اللّّ شعيب عليه السّلام إلى فؤاد الجيلي ، فيمتلأ بها . وها هو يتصدّع همّا منذ بعدت زياراته لمرابع الحبيب المفرحة . ( 26 ) حكى زكريّا وهن عظمي من الضّنا ..... أيحيا اصطباري وهو بالموت ناقع المفردات : حكى : شابه . وهن : ضعف . الضنا : شدة المرض . اصطباري : الإصطبار هو استدعاء الصبر . والصبر من مقامات الصوفية شروحات البيت رقم 4 . ] ناقع دائم وثابت . المعنى : في البيت إشارة إلى النبي زكريا عليه السّلام الذي بلغ من الكبر عتيا واشتعل رأسه شيبا ،الْعَظْمُ مِنِّي4 ] أحيا اللّّ اصطباره بغلام اسمه يحيى . ويتأوه الشاعر : إن بدنه قد شابه زكريا عليه السّلام في الضعف والوهن ولكن هل يختم اللّّ عزّ وجلّ له بالحياة بعد إقامته في الموت ، كما ختم لزكريا بيحيى وتصلّب الكبر يتسرب إلى بدنه ؟ ويظهر في هذا البيت أيضا إبداع الجيلي اللغوي في استفادته من تشابه الحروف لإقامة مطابقات وإيحاءات بين المعاني ، فاسم العلم يحيى يوحي بصفة الحياة ، ويمثل في قصة النبي زكريا عليه السّلام استمرار حياة الآباء في الأبناء . . . ( 27 ) أيا يوسف الدّنيا لفقدك في الحشا ..... من الحزن يعقوب ، فهل أنت راجع المفردات : الحشا : ما دون الحجاب مما في البطن كله ، والمقصود هنا بعض ما فيه أي الكبد ، وهو موضع العشق عند الشعراء . الحزن : الحزن من أحوال الصوفية ، وهو انقباض يقع لقلب السالك يمنعه من الشرود في أودية الغفلة [ جع .شروحات البيت رقم 25 . ]

عدد الصفحات ٥٢

53 "" شروحات البيت رقم25 :الكأبةمن مفردات الحزن ، والحزن من الأحوال عند الصوفية ، وهو لا يضادّ السعادة ، فالسعيد قد تحلّ فيه أحوال من الحزن ويظل سعيدا وحزينا معا ، وإنما الحال الذي يقابل الحزن ويضاده فهو الفرح . لكأنما تتسرب كآبة نبي اللّّ يعقوب عليه السّلام إلى فؤاد الجيلي ، فيمتلأ بها . وها هو يتصدّع همّا منذ بعدت زياراته لمرابع الحبيب المفرحة . "" المعنى : استعار الجيلي جمال النبي يوسف عليه السّلام وأطلقه على محبوبه محولا الاسم إلى صفة ، فمحبوبه هو جمال الدنيا . وهنا يناديه على عادة العشاق في تأوهاتهم “ أيا يوسف الدنيا “ ، بمعنى أي أيا جمال الدنيا ، إن كبدي تمزقت من الحزن لفقدك ، كما تمزقت كبد يعقوب عليه السّلام حين غاب عنه وجه يوسف ، فهل ترجع كما رجع يوسف ؟ ! ( 28 ) أتينا تجار الذّلّ نحو عزيزكم ..... وأرواحنا المزجاة تلك البضائع المفردات : تجار الذل : الذل من صفات العبد والعزة للّّ وحده ، والصوفي يتذلل للّّ وحده ويتواضع للناس . عزيزكم : استخدم الشاعر هنا لفظ عزيز كأسم وكصفة ، فقصد بالاسم يوسف عليه السّلام وورّى بالصفة عن محبوبه . واسم عزيز أصله عزيز مصر أي حاكمها ، وهو اسم يوسف عليه السّلام حين استلم خزائن مصر . قال تعالى :"فَلَمها دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَي هَا الْعَزِيزُ يوسف : 88 . ] المزجاة المطروحة بين أيديكم والمعروضة أمامكم . ويحتمل معناها أيضا قول ثعلب : بضاعة مزجاة أي فيها إغماض لم يتمّ صلاحها . المعنى : يخاطب الجيلي محبوبه بما معناه : إننا نشبه معا ، أنت وأنا ، يوسف عزيز مصر والتجار . فأنا تاجر ذليل قدمت نحوكم أيها العزيز ، وطرحت أمامكم روحي التي لم تبلغ بعد مرتبة كمالها . ( 29 ) فإن يك عطفا أنت أهل ، وأهله ..... أنا إن يكن دون العذيب موانع المفردات : أنت أهل : بمعنى أنت أهل لأن تعطينا بعدلك ما يحقّ لنا من العطف . العذيب : تصغير العذب وهو الماء الطيب [13 ]. "" شروحات البيت رقم13 العذيب مكان ماء في الصحراء ، وهي منازل حجاج الكوفة ..

عدد الصفحات ٥٣

54 ومن بين هذه الواردات الإلهية القادمة إلى عالم البشر ينظر الجيلي إلى واحدة يعلم أنها مخصصة له ، وأنها رزقه العرفاني . "" موانع : جمع . مانع ، وهو الحاجز الذي يمنع من الوصول والارتواء . المعنى : يستعطف الجيلي محبوبه قائلا : إن استحققنا العطف التجار ، ثم يتسع ليشمل كافة المستعطفين فأنت أيها العزيز عادل ولن تحرمنا حقنا منه ، وإن لم نستحقّ العطف فأنت أيها العزيز كريم فتتصدق علينا فضلا منك لأننا أهل للصدقة .

عدد الصفحات ٥٤

55 ثالثا الأبيات من30 إلى69 توجّه الشاعر "الجيلي" إلى محبوبه بوصف حاله في العشق ومكانة معشوقه لديه (30 )فكلّ الّذي يقضيه فيّ رضاكم ..... مرامي وفوق القصد ، ما أنا صانع (31) تلذّ لي الآلام إذ أنت مسقمي ..... وإن تمتحنّي فهي عندي صنائع (32) تحكّم بما تهواه فيّ فإنّني ..... فقير لسلطان المحبّة طائع (33) حببتك ، لا لي ، بل لأنّك أهله ..... وما لي في شيء سواك مطامع (34) فصل إن ترى أودع وعدّ عن اللّقا ..... وأوعد وعد أو عد فها أنا قانع (35 )تمكّن مني الحبّ فانمحق الحشا ..... وأتلفني الوجد الشّديد المنازع (36 )وأشغلني شغلي بها عن شواغلي ..... وأذهلني عنّي الهوى والهوامع (37) وقد فنيت روحي بقارعة الهوى ..... وأفنيت عن محوي بما أنا قارع (38) وقام الهوى عندي مقامي فكنته .....وغيّبت عن كوني فعشقي جامع (39 )غرامي غرام لا يقاس بغيره ....... ودون هيامي للمحبّين مانع (40) غرامي والتّبريح للروح لازم ..... وسقمي والآلام للجسم تابع (41) ولوعي وأشجاني وشوقي ولوعتي ..... لجوهر ذاتي في الغرام طبائع (42) فشوقي نار والهوىفهو الهوا..... وتربي والما : ذلّتي والمدامع (43) يلوم الورى نفسي لفرط جنونها ..... وليس بأذني للملام مسامع (44) ومذ أحشاي حبّيك إنّني ..... لسهم قسيّ النّائبات مواقع (45) وما لي إن حلّ البلاء التفاتة ..... وما لي إن جاء النّعيم مراتع (46)وما أنا من يسلو ببعض غرامه .....عن البعض ، بل بالكلّ ما أنا قانع (47) وشوقي ، ما شوقي ، وقيت فإنّه ..... جحيم له بين الضّلوع فراقع (48 )وبي كمد لو حمّلته جبالها ..... لدكّت برضواها وهدّت صوامع (49 )ولي كبد حرّاء من ظمأ بها ..... عليك ، ولم يبرد غليلا مصانع (50 )يخيّل لي أنّ السماء على الثّرى ..... طبقن وأنّي بين ذلك واقع (51) ونفسي نفس ، أيّ نفس ، أبيّة ..... ترى الموت نصب العين وهي تسارع (52) فهمّي وفهمي ، ذا عليك ، وفيك ذا ..... وجدّي ووجدي زآئد ومتابع (53 )وعزميوزعمي أنّه فوق كلّ ما ..... يراد ، وظنّي إنّما هو نافع (54) تسامر عيناي السّها بسهادها ..... وتسأل بل ما سال إلاّ المدامع (55) ويرقب مني الطّيف جفني دجنّة .....وكم زاره طيف وما هو هاجع (56) ويخبرني عنك الصّبا وهو جاهل ..... فتلتذّ منأخباركم لي مسامع (57)إذا زمزمت ورق على غصن بانة ..... وجاوب قمريّ على الأيك ساجع (58 )فأذني لم تسمع سوى نغمة الهوى ..... ومنكم فإنّي لا من الطّير سامع (59) ومن أيّ أين كان إن هبّ ضائع ..... فلي فيه من عطر الغرام بضائع (60) وإن زمجر الرّعدالحجازيّ بالصّفا .....وأبرق من شعبي جياد لوامع

عدد الصفحات ٥٥

56 (61) يصوّر لي الوهم المخيّل أنّ ذا ..... ثناك وهذا من ثناياك ساطع (62 )فأسمع عنكم كلّ أخرس ناطقا ...... وأبصركم في كلّ شيء أطالع (63) إذا شاهدت عيني جمال ملاحة ..... فما نظري إلا بعينك واقع (64) وما اهتزّ من قدّقنا تحت طلعة ..... من البدر أبدت أم خبتها البراقع (65) ولا سلسلت أعناقها بغرامها تصافيف جعد خطّهنّ وقائع (66) ولا نقّطت خال الملاحة بهجة ..... على وجنة ، إلاّ وحرفك بارع (67) فأنت الّذي لي فيه يظهر حسنهبه ، لا بنفسي ، ما له من ينازع (68) وإن حثّ جلدي من كثيف خشونة ..... فلي فيه من ألطاف حسنك رادع (69) تخذتك وجها والأنام بطانة .....فأنجمهم غابت وشمسك طالع شرح الأبيات :- ( 30 ) فكلّ الّذي يقضيه فيّ رضاكم .....مرامي وفوق القصد ، ما أنا صانع المفردات : يقضيه : يحكم به ، وينفذه ، ويمضيه . مرامي : مطلبي . فوق القصد : أكثر من المراد . ما أنا صانع : ليس لي صنع . المعنى : يقول الجيلي ، إنني أرضى بكل ما ترضونه لي من قضاء ، ولست بصانع لأمر ، ولا أطلب تغييرا ولا تبديلا ، بل ها أنا ساكن تحت مجاري الأقدار. وفي البيت تأكيد على معنى الرضا عند الصوفية ، وأصله الرضا عن مراد اللّّ تعالى في كل ما قضى وقدّر . والرضا يتدرج في أقوال الصوفية من عدم الاعتراض على القضاء ، إلى التسليم لقضاء اللّّ تعالى ورفع الاختيار ، إلى سكون القلب بمعنى سروره بالقضاء . وقد أتى الجيلي هنا برفع الاختيار وبسكون القلب تحت مجاري الأقدار ، وفي البيت اللاحق سنرى سرور القلب بالمقدور . ( 31 ) تلذّلي الآلام إذ أنت مسقمي ..... وإن تمتحنّي فهي عندي صنائع المفردات : إذ أنت مسقمي : لأنك أنت مسقمي وممرضي . واستخدم الجيلي “ إذ أنت “ ، وإذ : ظرفية زمنية ، ليشير إلى وقوع السقم ، أي عندما أنت تسقمني وتمرضني . وإن تمتحنّي : تختبرني .

عدد الصفحات ٥٦

57 والامتحان عند الصوفية من مستلزمات السلوك ، لأنه اختبار يكشف حقيقة أعماق السالك وادعاءاته من ناحية ، ويكشف عن مقدراته وطاقاته ومدى رسوخه أمام عظائم الأمور من ناحية ثانية . [ “ بلاء“ ، شروحات البيت رقم 22 . ] "" بلاءفي شروحات البيت رقم 22 :البلاء- لغة - هو الامتحان والاختبار . وقد فرّق الصوفية بين الامتحان والبلاء ، فالامتحان هو أن يمتحن اللّّ تعالى محبّيه وطالبيه بأنواع البلايا في قلوبهم ، كالخوف والحزن والقبض والهيبة ؛ وقد أخذ الصوفية الامتحان من قوله تعالى :"أُولئِكَ الهذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتهقْوى" [ 3 . ] أما البلاء فهو أعلى عندهم من الامتحان ، لأن الامتحان يؤثر في القلب فقط على حين أنّ البلاء اسم للألم الذي يظهر على قلب المؤمن وجسده . ووقوع البلاء لسالكي المتصوفة هو ضرورة منهجية ، لأنه يظهر أحوال الرجال ويفضح المدّعي ؛ فمن ابتلي وصبر وما شكا ، فهو نعم العبد . والبلاء هو غير “ الشقاء “ الذي يصيب الكافرين والمعرضين عن اللّّ عزّ وجلّ. "" صنائع : جمع . صنيعة ، وهي المعروف والخير . المعنى : يقول الجيلي ؛ إنني مريض وبما أنك ممرضي فالآلام تلذلي . وإن اختبرتني في هواك فأنا ثابت على عشقك لا أتغير . والامتحان هنا أو الآلام ، هو صنيعة ومعروف ، لأن المؤمن إذا ثبت صابرا وشاكرا عند الامتحان ، أضيف ذلك إلى جميل أعماله ، يقول ذو النون المصري307 “ : ]ومن لم يعدّ البلاء نعمة فليس من الحكماء “ . ويؤكد الصوفية على أن العاشق يثبت عند الامتحان أكثر مما يثبت المؤمن الصالح أو السالك المريد ، لأن العاشق مأخوذ بالنظر إلى معشوقه لا يلتفت إلى ما يعاني بدنه أو روحه من آلام . ( 32 ) تحكّم بما تهواه فيّفإنّني ..... فقير لسلطان المحبّة طائع المفردات : تحكّم بما تهواه فيّ : أي إفعل فيّ ما تريد . فقير : الفقر هو الحاجة . ويرى الصوفيون إن الفقر هو صفة كل المخلوقات ، فكل موجود سوى اللّّ تعالى هو فقير بوجه من الوجوه. فليس في الوجود إلا غنيّ واحد هو اللّّ تعالى ، وكل من عداه فقراء إليه . حتى أضحى لفظ “ فقير “ اسم علم على المتصوف والسالك في القرنين الثالث والرابع الهجريين . المعنى :

عدد الصفحات ٥٧

58 يخاطب الجيلي محبوبه قائلا : أحكم وتحكّم فيّ ، وليمتدّ سلطان هواك على جميع ذاتي ، فأنا عاشق ساكن تحت تجلّيات قهر محبتك وسلطانها . ( 33 ) حببتك ، لا لي ، بل لأنّك أهله ..... وما لي في شيء سواك مطامع المفردات : بل لأنك أهله : أي أحببتك لأنك أهل للحب . ويسمي الصوفية هذا النوع من الحب بالحب الذي يستوجبه مقام المحبوب ، في مقابل الحب الانساني الذي يطمح فيه الإنسان بامتلاك محبوبه . وقد كان لرابعة العدوية فضل السبق في ترسيخ هذين النوعين من الحب الإلهي : حب الهوى ، والحب الذي يستوجبه المحبوب لذاته ومقامه ، فأنشدت : أحبّك حبين حبّ الهوى ..... وحبّا لأنك أهل لذاكا المعنى : يواصل الجيلي خطاب محبوبه فيقول : أحببتك لا لتكون لي ، بل لأن مقامك استوجب حبا فأحببتك . وها هي نفسي الآن فارغة عن أي طلب ، لأنها - من جهة - منعت من الطمع في امتلاكك ؛ وهي - في الأصل ومن جهة ثانية - زاهدة في كل ما عداك لم تطمع يوما في سواك . ) 34( فصل إن ترى أو دع وعدّ عن اللّقا ..... وأوعد وعد أو عد فها أنا قانع المفردات : فصل : فعل أمر من وصل ، بمعنى صلني ولا تهجرني . دع : اترك .واهجر . وعدّ عن اللقا : تجاوز عن اللقاء . وأوعد : من الوعيد وهو للتخويف والشر ، وهنا أوعد بالهجر . وعد : فعل أمر من وعد ، والوعد للخير وهنا الوعد بالقرب والوصل . عد : ارجع ، أي ارجع عن وعدك بالقرب .المعنى : يتابع الجيلي المعنى السابق فيقول : ها أنا قانع بكل ما تفعل بي من وصل وهجر ، من وعد بالقرب أو وعيد بالهجر . ( 35 ) تمكّن مني الحبّ فانمحق الحشا ..... وأتلفني الوجد الشّديد المنازع المفردات : فانمحق : فامحّى وذهب . والمحق في اللغة الصوفية هو فناء العبد في الحق . ويميز الصوفية بين أنواع ثلاثة من الفناء هي الطمس والمحو والمحق . فالطمس هو فناء صفات العبد في صفات الحق ، والمحو فناء أفعال العبد في فعل الحق ، والمحق هو فناء العبد في الحق .

عدد الصفحات ٥٨

59 واتلفني أهلكني وأفناني ، والتلف عند الصوفيين هو ما ينتظر منه الهلاك في الحين . الوجد :ما يلاقيه القلب من شديد العشق [جع . شروحات البيت رقم 19 ]. "" شروحات البيت رقم19 :يتابع الجيلي تفصيل أحواله وأحاسيسه في الحب ، ويدّعي أن الوجد الحقيقي هو ما يقاسيه من آلام الهوى ، وأنّ كل آلام الآخرين إنما هي صورة وجد وليست وجدا . كذلك الأمر في الموت ، فالموت الحقيقي هو موته وجدا بمحبوبه وما عداه ليس له من الموت إلا الصورة"" المنازع :المميت . المعنى : يتابع الجيلي وصف أثر الحب على كينونته فيقول : تمكّن الحب من أعماق قلبي فمحقها ، وأكمل الوجد فناء قلبي فأتلفه بعد محق . ( 36 ) وأشغلني شغلي بها عن شواغلي ..... وأذهلني عنّي الهوى والهوامع المفردات : واذهلني عني : غيّبني عن الإحساس بوجودي . والذهول من مقامات الوجد عند الصوفيين . قال الواسطي : “ مقامات الوجد أربعة : الذهول ، ثم الحيرة ، ثم السكر ، ثم الصحو [ “راجع . عوارف المعارف . السهروردي . ص 527 . ] وجعل بعضهم وصول سر السالك إلى مقام الذهول من علامات الاتصال ص 516 ]. الهوامع: همع بمعنى سقط من مكان عال ، والهوامع هنا تشير إلى كل ما يهبط على الشاعر العاشق من صور تجليات محبوبه ، أو من أحوال وواردات . المعنى : يتابع الجيلي وصف أحواله فيقول : أخذني اشتغالي بالمحبوب عن كل شيء سواه ، وغيّبني حبي وما يتجلى لي من صور المحبوب عن نفسي وعن إحساسي بوجودي. ( 37 ) وقد فنيت روحي بقارعة الهوى ..... وأفنيت عن محوي بما أنا قارع المفردات : فنيت روحي : تلفت وذهبت ، والفناء في اصطلاح المتصوفين هو أن يفنى الإنسان عن الأشياء كلها شغلا بما فني به ، والفاني لا يشعر بنفسه ولا بشيء من لوازمها ، لأن احساسه هو مع ما أفناه . وإذا قيل فني الإنسان عن نفسه وعن الخلق ، فنفسه والخلق موجودون ولكنه لا يشعر بهم . بقارعة الهوى : بما يصيبني من شديد الهوى وعظيمه ، والقارعة الأمر

عدد الصفحات ٥٩

60 العظيموأفنيت عن محوي : وغيّبت وذهلت عن محوي ، ويستعير الصوفيون صورة المحو الحسي ليعبروا به عن فناء صور الإنسان وأفعاله وأحواله مع بقاء وجوده ، لأن المحو هو ذهاب كيفية الشيء مع بقاء وجوده ، تماما كما نمحو الكتابة عن اللوح فتذهب الكتابة ويبقى اللوح . بما أنا قارع : بما أحس وأشعر . المعنى : يتابع الجيلي وصفه للتدرج في أحوال العشق ويصل في هذا البيت إلى الفناء والمحو . فيقول : محيت روحي لما نزل بي من الغرام الشديد ، وغبت عن هذا المحو بما أعانيه من أهوال الهوى . ( 38 ) وقام الهوى عندي مقامي فكنته ..... وغيّبت عن كوني فعشقي جامع المفردات : وغيّبت : الغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لإشتغال الحس بما يرد عليه . عن كوني : عن وجودي الكائن المحسوس . فعشقي جامع : العشق عند الجيلي هو آخر مراتب انجذاب القلب إلى محبوبه ، ذلك أنه إذا طفح الإنجذاب حتى أفنى المحبّ والمحبوب سمي عشقا ، وفي هذا المقام يرى العاشق معشوقه فلا يعرفه . وهذا آخر مقامات الوصول والقرب ، فيه ينكر العارف معروفه فلا يبقى عارف ولا معروف ولا عاشق ولا معشوق ، ولا يبقى إلا العشق وحده . فهو ، أعني العشق ، في ابتداء ظهوره يفني العاشق حتى لا يبقي له اسما ولا رسما . فإذا امتحق العاشق وانطمس ، أخذ العشق في فناء المعشوق والعاشقجع . الإنسان الكامل ، 1 /48 - 49 . ] جامع أي يبقى العشق وحده ولا عاشق ولا معشوق . المعنى : بعد الفناء والمحو في البيت السابق يتابع الجيلي وصف فنائه وفناء معشوقه وبقاء العشق . فيقول : إنه في مرحلة أولى سحقه حبّه لمحبوبه ومحقه ، ثم احتل هذا الحب كيانه فكان هو عين حبه لمحبوبه . وفي مرحلة ثانية غيّبه العشق عن ذاته وعن كونه عين حبه لمحبوبه ففني عاشق ومعشوق ، ولم يبق إلا العشق . ( 39 ) غرامي غرام لا يقاس بغيره ..... ودون هيامي للمحبّين مانع المفردات : هيامي : هام يهيم هياما أي انشغل بالمحبوب ، ولم يعي سواه .

عدد الصفحات ٦٠

61 المعنى : بعد أن وصف الجيلي تدرّجه في مراتب العشق يباهي هنا بتفرّده بين العشاق ، فيقول : تفرّد غرامي في العشق فلا يقاس به ، ولا يصل إلى هيامي هائم لأن دون ذلك موانع لا يستطيع تجاوزها . وهذا معنى يتردد كثيرا عند عشاق المتصوفة ويتكرر في أشعارهم ، فكل عاشق منهم يعلن بأن غرامه لا يقاس بغيره ، وأنه لا يصل إلى هيامه محبّ . يقول ابن الفارض في المعنى نفسه :يحشر العاشقون تحت لوائي ..... وجميع الملاح تحت لواكا ( 40 ) غرامي والتّبريح للروح لازم ..... وسقمي والآلام للجسم تابع المفردات : والتبريح : التعذيب والشدة ؛ وتباريح الشوق : توهجه . لازم : ملازم ، لا يفارق . المعنى : يخاطب الجيلي محبوبه ، قائلا ؛ هذه روحي لا يفارقها غرامي وتوهّج شوقي إليك ، وهذا بدني لا تفارقه الأمراض والآلام . ) 41( ولوعي وأشجاني وشوقي ولوعتي ..... لجوهر ذاتي في الغرام طبائع المفردات : ولوعي : الولع هو المرتبة الثانية للمحبة حيث يقوى ويشتد انجذاب القلب إلى محبوبه ؛ [جع . شروحات البيت رقم 5 ] . "" شروحات البيت رقم5 : يقول الجيلي أغري قلبي بالوصول إلى ماء زرود ، ولكن يا لهفي ما أكثر الطالبين وما أقلّ الواصلين ، ويا خوف نفسي كم مات طالب والع ولم تبتلّ شفتاه الماء . "" وأشجاني : وأحزاني .طبائع : ج .طبيعة . المعنى : يقول الجيلي هنا ؛ إن جوهر ذاته في الغرام يتكون من عناصر أربعة هي : الولع ، والشجن ، والشوق ، واللوعة . ( 42 ) فشوقي : نار والهوى :فهو الهوا ..... وتربي والما : ذلّتي والمدامع المفردات : فهو الهوا : فهو الهواء ، أي عنصر الهواء . والما : والماء .

عدد الصفحات ٦١

62 المعنى : الشاعر هنا يفصل الصورة التي أجملها في البيت السابق . فكما أن الطبيعة التي عنها تكوّن الوجود تتألف من عناصر أربعة هي الماء والهواء والنار والتراب . كذلك جوهر وجوده تكوّن من طبيعة غرامه بعناصرها الأربعة : فشوقه يقابل عنصر النار . وهواه يقابل عنصر الهواء . وذلته تقابل عنصر التراب. ودموعه تقابل عنصر الماء . ( 43 ) يلوم الورى نفسي لفرط جنونها .....وليس بأذني للملام مسامع المفردات : الورى : الخلق ، المخلوقات . فرط جنونها : شدته ، والجنون هنا ليس سببه فساد مزاج أدى إلى المرض العقلي المعروف ، بل اشتهر مجانين الصوفية بأنهم قوم انحجبت عقولهم القائمة على تدبير حياتهم ومعاشهم بما فجأهم من الحق . ويسميهم ابن الجوزي في صفة الصفوة : عقلاء المجانين ، والبهاليلمع : بهلولمع . مجنون إلهي المعنى : يشتكي الجيلي اللوم واللائمين ، فيقول : إن المخلوقات كلها تلومني لأنني مهيّم بالحب ، مجنون عن دنياي ومعاشي . وها هي أذني وإن امتلكت مسامع تستقبل كل صوت في الكون ، إلا أنها تجرّدت عن مسامع تسمع بها لوما على الحب والحبيب . يضيف الجيلي هنا إلى التمييز المعروف بين عضو السمع وحاسة السمع موضوعا جديدا ، وهو أن حاسة السمع عنده تتمتع باستقلالية وطاقة نقدية .!! فهي ليست مجرد أداة استقبال تسمع كل ما يعرض لها ، بل تنتقي وتقبل وترفض ، وهي خليّة عن مسامع تستقبل ملامة في الحب . ( 44 ) ومذ أو ترت أحشاي حبّيك إنّني لسهم قسيّ النّائبات مواقع المفردات : أوترت : جعلتها وترا ، والوتر هو الرقم المفرد وأوله “ الثلاثة . “ أحشاي : إشارة إلى الكبد مركز الحب [جع . شروحات البيت رقم 27 ] "" شروحات البيت رقم27 : استعار الجيلي جمال النبي يوسف عليه السّلام وأطلقه على محبوبه محولا الاسم إلى صفة ، فمحبوبه هو جمال الدنيا .

عدد الصفحات ٦٢

63 وهنا يناديه على عادة العشاق في تأوهاتهم“ أيا يوسف الدنيا “ ، بمعنى أي أيا جمال الدنيا ، إن كبدي تمزقت من الحزن لفقدك ، كما تمزقت كبد يعقوب عليه السّلام حين غاب عنه وجه يوسف ، فهل ترجع كما رجع يوسف؟! "" حبّيك : إشارة إلى الحبين الواردين في قول رابعة ، وهما : حب الهوى ، وحب التعظيم والإجلال الذي يستحقه مقام المحبوب . تقول رابعة : “ أحبك حبين :حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك “ . قسي : جمع . قوس . النائبات : المصائب مواقع : جمع . موقع وهو مكان وقوع السهم . المعنى : يتابع الجيلي شكواه ، فيخاطب محبوبه قائلا ؛ أحبّك حبين : حب الهوى وحب التعظيم . وجاءت احشاي العاشقة لتثلّث حبّيك ، فأحشاي وحبّيك ثلاثة أي وتر . . . ومنذ ثلّثت أحشاي حبيّك أصبحت هدفا لسهم المصائب والبلايا . ( 45 ) وما لي إن حلّ البلاء التفاتة ..... ومالي إن جاء النّعيم مراتع المفردات : مراتع : ج : مرتع وهو موضع الرتع واللهو والتنعم . المعنى : ومهما أصاب الجيلي من حبه ، فكلّه لحبيبه ويخاطبه قائلا ؛ إن حبك استغرقني كلي فلم يعد يهمني بلاء ، ولم يعد يشغلني نعيم . ( 46 ) وما أنا من يسلو ببعض غرامه ..... عن البعض ، بل بالكلّ ما أنا قانع المفردات : يسلو : من السلوان أي النسيان . المعنى : يقول الجيلي ؛ لست ممّن يرضيه تحقيق بعض أمانيه ومطالبه ، ويثنيه ذلك عن طلب الباقي من أمانيه ، وذلك أن أكثر الناس تجد تعويضا في عطاء عن عطاء . أمّا أنا ، فلو اتفق لي أن تتحقق كل أمانيّ ، لا أقنع ولا أرضى لأنها لا تعوضني عن محبوبي . ( 47 ) وشوقي ، ما شوقي ، وقيت ، فإنّه ..... جحيم له بين الضّلوع فراقع المفردات : وقيت : تعوّذ بمعنى : وقاني اللّّ . فراقع : جمع . فرقعة ، وهو الصوت الناتج من احتراق ؛ وهنا الإشارة إلى فرقعة نار الجحيم .

عدد الصفحات ٦٣

64 المعنى : يتابع الجيلي كلامه عن حبه ، ويشرح هنا شوقه ، فيقول ؛ وشوقي ما أدراك ما شوقي ، وقاني اللّّ الجحيم ، إنه جحيم تسمع فرقعة ناره المشتعلة بين الضلوع . ( 48 ) وبي كمد لو حمّلته جبالها ..... لدكّت برضواها وهدّت صوامع المفردات : كمد : من مفردات الحزن والحزن من أحوال الصوفية [27 ] . "" شروحات البيترقم 27 : استعار الجيلي جمال النبي يوسف عليه السّلام وأطلقه على محبوبه محولا الاسم إلى صفة ، فمحبوبه هو جمال الدنيا . وهنا يناديه على عادة العشاق في تأوهاتهم “ أيا يوسف الدنيا “ ، بمعنى أي أيا جمال الدنيا ، إن كبدي تمزقت من الحزن لفقدك ، كما تمزقت كبد يعقوب عليه السّلام حين غاب عنه وجه يوسف ، فهل ترجع كما رجع يوسف؟! "" جبالها : جبال الدنيا . لدكت : لتهدّمت وتفتّتت . برضواها : بما فيها جبل رضوى ، وهو جبل صلب متماسك الحجارة منه يقطع حجر المسنّ ويحمل إلى الدنيا ، وهو يبعد عن المدينة المنورة سبع مراحل [ البلدان3 / 51 ] . صوامع ج . صومعة وهي بناء يسكنه الرهبان ، ونرجح أن الشاعر أشار إليه على اعتبار أنه يقع غالبا في رؤوس الجبال ويبنى من صلب الحجار حتى يثبت أمام عوامل الزمن . المعنى : يكمل الجيلي كلامه في الحب ، ويشرح هنا كمده ، فيقول ؛ إن الكمد الذي أحمله لو حمّل لجبال الدنيا لتفتّتت حتى جبل رضوى الصلب المتماسك يتفتت ، وحتى الصوامع المبنية من صلب الحجار تهدّ وتتهدم . ( 49 ) ولي كبد حرّاء من ظمأ بها ..... عليك ، ولم يبرد غليلا مصانع المفردات : حرّاء : محرورة ، ملتهبة . غليلا : عطشا . مصانع : جمع . مصنع ومصنعة وهي أحباس تتخذ للماء . المعنى : بعد الحب والشوق والكمد يخاطب الجيلي محبوبه شاكيا عطشه إليه ، فيقول: لي كبد عطشى إليك ، محرورة من عطشها إليك ، ولا يبرد لهيبها كل المياه الموجودة في محابسها من الأرض.

عدد الصفحات ٦٤