المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ٣ من ١٧

33 وتتلخص فكرة“ الإنسان الكامل [ “- معرّفة وهي غير العبارة النكرة : إنسان كامل ، بأن نور رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم هو “ مظهر الإلوهية “ ، و “ نسخة الحق “ ، هو أصل الوجود . وهو أول ما خلق اللّّ عزّ وجلّ ، ومن هذا النور خلق الأكوان كلّها . . فهو الحق المخلوق به كل شيء ، وهو حقيقة كل شيء . وبعد الخلق عليه مدار العوالم كلّها من أولها إلى آخرها : في الوجود وفي المعرفة والتحقيق . . وهو واحد لا يتعدّد بذاته ولا يتكرر ، ولكن له تجليات في خلفائه من جنس الإنسان . . وقد ألف الجيلي كتابا أسماه “ الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل “ ، والعنوان بحد ذاته يدعو إلى التأمل ؛ فهو يقرر بأن هذا السفر يجمع معارف السابقين ويصادر معارف اللاحقين في موضوع الإنسان الكامل . وزيادة في التأكيد يقدم الجيلي في عنوانه معرفة الأواخر على معرفة الأوائل ، لا لضرورة السجع فقط . إذن ، بحسب رأي الجيلي ، كل ما يريد أن يعرفه الطالب في موضوع الإنسان الكامل فهو مجموع في هذا الكتاب ، ولن يأتي اللاحقون بجديد مفقود في هذا الكتاب . وأفرد الجيلي في كتابه هذا بابا اعتبره عمدة أبواب الكتاب ، بل الكتاب من أوله إلى آخره شرح لهذا الباب ، وهو الباب الموفى الستون [4 صفحات فقط فيه بأسلوب مباشر وبإيجاز شديد على الإنسان الكامل ، وأنه بالاتفاق هو محمد رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم . ويخبرنا عن حقيقته ، فيقول : “ إن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود ، من أوله إلى آخره ، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الأبدين ؛ ثم له تنوّع في ملابس ويظهر في كنائس ، فيسمى به باعتبار لباس ولا يسمى به باعتبار لباس آخر . فأسمه الأصلي الذي هو له محمد ، وكنيته أبو القاسم ، ووصفه عبد اللّّ ، ولقب ه شمس الدين “ . ويخبرنا الجيلي أنه اجتمع به صلّى اللّّ عليه وسلم في صورة شيخه الجبرتي : “ فقد اجتمعت به صلّى اللّّ عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي ، ولست أعلم أنه النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، وكنت أعلم أنه الشيخ ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعماية . وسر هذا الأمر تمكنه صلّى اللّّ عليه وسلم من التصور بكل صورة “ . ويسارع الجيلي إلى إبعاد تهمة التناسخ عن مقولته ، فيقول للقارئ :

عدد الصفحات ٣٣

34 “إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ ( . . . ) بل إن رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم له من التمكين في التصور بكل صورة حين يتجلى في هذه الصورة . وقد جرت سنته صلّى اللّّ عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ، ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم ، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم “ . وإذا أردنا أن نفهم شهود الجيلي بمنطق عقولنا الظاهر ، نرجع إلى تمكّن جبريل عليه السّلام من التمثّل بصور بشرية . . ومن الأمثلة عليها هو تمثّله عليه السّلام في صورة دحيّة الكلبي ،وظهوره للنبي صلّى اللّّ عليه وسلم وصحابته ، وجلوسه وكلامه وقيامه ، كل ذلك في صورة دحيّة . ويلخص الجيلي في هذا الباب ، ما فصله في كتابه بأكمله ، من مقابلة الإنسان الكامل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه . . “ يقابل العرش بقلبه . . . ويقابل الكرسي بانيته ، ويقابل سدرة المنتهى بمقامه ، ويقابل القلم الأعلى بعقله ، ويقابل اللوح المحفوظ بنفسه ، ويقابل العناصر بطبعه . . . “ ، وهكذا يفصّل الجيلي جزءا جزءا من العالم وما يقابله من الإنسان الكامل . د - الجيلي يكتب سيرته الروحية : 1 - السيرة والرؤية أقول ، إن مدونات الناس تنقسم في نظري إلى قسمين كبيرين ، يتفرّع الواحد منهما إلى فروع عديدة متشعبة ، وهذان القسمان هما : الكتابات التي تدّون الحياة والواقع ، والكتابات التي تدّون الأفكار والنظريات . وأقول أيضا ، إن الكتابات التي تدّون للأفكار والنظريات والرؤى الفكرية ليست دائما صادقة ، بل تصدق أحيانا ، وأحيانا تتشابه في ضبابية وتغيب عن المقصود ، وبالتالي نتسلح بأدوات جبارة من الأصول لنزن بها النظريات والرؤى الفكرية . أما الكتابات التي تدّون للسيرة الذاتية أو لمشاهد من الواقع فهي - على الأغلب - صادقة ، إن تأكد لدينا صدق الراوي . 2 - لماذا السيرة الروحية ؟ يذكر الجيلي في كتابه الإنسان الكامل ، السبب الذي دعاه إلى كتابة سيرته الروحية ، يقول ( ج 2 / ص96 “ : )إن مقام القربة هي الوسيلة ، وذلك لأن الواصل إليها يصير وسيلة للقلوب ( . . . ) إلى التحقق بالحقائق الإلهية . والأصل في هذا ، أن القلوب ساذجة في الأصل عن جميع الحقائق الإلهية ، ولو كانت مخلوقة منها ، بنزولها إلى عالم الأكوان اكتسبت هذه السذاجة ، فلا تقبل شيئا في نفسها حتى تشاهده في غيرها ، فيكون ذلك الغير لها كالمرآة أو الطابع ، فتنظر نفسها في ذلك الشيء فتقبله لنفسها ، وتستعمله كما تستعمل ذلك الشيء بحكم الأصالة . . .

عدد الصفحات ٣٤

35 وقلب الولي الواصل إلى مقام القربة وسيلة الأجسام ( . . . ) إلى التحقق بالحقائق الإلهية لظهور الآثار ؛ فلا يمكن الولي أن يتحقق جسده بالأمور الإلهية إلا بعد مشاهدته كيفية تحقق ولي من أهل القربة ، فيكون ذلك الولي وسيلته في البلوغ إلى درجة التحقق . وكل من الأنبياء والأولياء وسيلتهم محمد صلّى اللّّ عليه وسلم “ . إذن ، إن الولي الواصل إلى مقام القربة ، وهو أعلى مقام يصل إليه ولي وليس بعده إلا مقام النبوة ، يصبح للقلوب الإنسانية الخالية من الحقائق الإلهية كالمرآة . وعندما تشاهد القلوب في هذه المرآة ما تقبله لنفسها تستعمله وتسعى لتحصيله . وبناء عليه ، فقد أراد الجيلي من كتابة سيرته الروحية أن يبين للسالك كيفية تحققه ووصوله إلى مقام القربة ، لتكون روايته هذه وسيلة للسالك لبلوغ درجة التحقق . ولا ينسى الجيلي من أن يوضح بأن وسيلة كل الأنبياء والأولياء لظهور آثار الحقائق الإلهية عليهم هو محمد رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم . ومن مراقبة أحوال الناس في معايشهم نؤيد الجيلي فيما ذهب إليه ، إذ تقوم - أحيانا - كتابة السيرة بوظيفة هامة في حياة المهتمين بالمجال موضوع السيرة ، وتظهر قيمتها التربوية والإنسانية في أحيان عديدة . ونظرة على رفوف المكتبات ترينا أنها تغصّ بعشرات الكتب عن السيرة الذاتية لفقراء أصبحوا من أصحاب الملايين ، أو لنكرات صاروا قادة سياسيين ، أو سيدات خرجوا من دائرة التهميش إلى حدقة الوجود . . . وهكذا . فالسيرة الذاتية تحرّض القارئ ، تحرك في داخله الرغبة في السير والإقدام ، وتكسر لديه الشعور بالقلة والضعف ، وتزرع الثقة بالنفس وبالجنس البشري . . ويهمس حديث من الأعماق : إن كان - هذا رغم ظروفه - قد وصل إلى ما نرى ، فما الذي يمنعني أنا من الوصول ؟ ! كتب الجيلي سيرته الروحية ، التي احتلت نصف مساحة قصيدته العينية ، لتكون وسيلة للآخرين لبلوغ مقام القربة . . فرأينا بدايته ، شخصا من عوام المسلمين ، المؤمنين بالغيب ، ويدل على مقامهم قوله تعالى :"رَبهنا إِنهنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلإِْيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنه ا رَبهنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنها سَيِّئاتِنا وَتَوَفهنا مَعَ الأَْبْرارِ" [ عمران193 ] إلى أن نظر الحق عبده فدخل في عداد المحققين ، وانتسب إلى أهل القرب الإلهي ، الذين بنى اللّّ أساس هذا الوجود عليهم ، وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، وهم محل نظر الحق من العالم ، بل “ هم محل اللّّ في الوجود “ ، ولا يريد الجيلي بلفظ “ المحل “ الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل يريد به أن أهل القرب الإلهي هم محل ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم .

عدد الصفحات ٣٥

36 وحيث أن الجيلي وصل إلى مقام القربة وحقّ له بالتالي أن يجعل سيرته مرآة للآخرين ، فما هو مقام القربة ؟ 3 - مقام القربة يرى الجيلي أن اللّّ تعالى جعل مطلق أمة محمد صلّى اللّّ عليه وسلم على سبع مراتب ، وهي : الإسلام ، والإيمان ، والصلاح ، والإحسان ، والشهادة ، والصديقية ، والقربة . وما بعد هذه المرتبة السابعة إلا النبوة ، وقد انسد بابها بمحمد صلّى اللّّ عليه وسلم . وبعد أن بيّن مراتب ناس الأمة ، فصّل أركان كل مرتبة ، وصولا إلى “ الولاية الكبرى “ ، إلى مقام القربة . يقول في وصفه : “ وأما القربة فهي عبارة عن تمّكن الولي قريبا من تمكّن الحق في صفاته ، وهذا مشاع كما يقال قارب فلان العالم فلانا يعني في العلم والمعرفة ، وقارب مسلم التاجر قارون موسى يعني في المالية . فالقربة هي ظهور العبد في تنوعات الأسماء والصفات بقريب من ظهور الحق فيها ، لأنه يستحيل أن يستوفي العبد حقيقة صفة من الصفات ؛ ولكنه إذا انصرف على سبيل التمكين فيها لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه : فعلم ما تشوف لعلمه ، وفعل ما أراد حدوثه في العالم مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص ، وغير ذلك مما هو الجوار “ . إذن ، مقام القربة هو الولاية الكبرى . . هو “ قبول ذات العبد الاتصاف بصفات الرب قبولا أصليا حكميا قطعيا ، كما يقبل الموصوف الاتصاف بالصفة “ ، وصيرورته : خليفة اللّّ في الأرض . وإذا أردنا أن نعرف - باختصار - إلى أين يصل الولي في مساره الروحاني ، وما هي المواهب الإلهية التي يتمتع بها . ننقل نصا للجيلي ، يعرفنا بما نريد ، يقول : “ للولي ثلاث معارف باللّ ( . . . ) المعرفة الثالثة ، هو الذوق الإلهي الذي يسري في وجود العبد ، فينزل بها في حقه من غيبه إلى شهادته ، يعني تظهر أثار الربوبية في جسده ، فيكون يده لها القدرة ، ولسانه له التمكين ، ورجله لها الخطوة ، وعينه لا يحجب عنه شيء ، وسمعه يصغي إلى كل متكلم في الوجود “ . خامسا - تحقيق نص القصيدة ونسخ المخطوطات : كنت يافعة عندما أسمعني والدي ، وصية صوفية في بيت من الشعر . . لقد كنت تابعة للنظر العقلي في أغلب قناعاتي ، وكان يريدني أن أقيم الإيمان فوق أوجه المعقول ، فقال لي :خذ الأمر بالإيمان من فوق أوجه ..... ونازع إذا نفس أتتك تنازعولم أكن أعرف قائل هذا الشعر ، ولم يشر والدي إلى صاحبه ، حتى كان يوم اهتممت فيه برجالات التصوف ، وتجرّدت إرادتي لنشر

عدد الصفحات ٣٦

37 القصيدة العينية لعبد الكريم الجيلي ،فعملت على تحصيل نسخ مخطوطة لهذه القصيدة من أماكن متباعدة من العالم ، وحين قرأتها وجدت البيت الذي يطوف كثيرا في الذاكرة ، من ضمن أبياتها . . فاطمأنت النفس لتمام السياق . حصلت على حوالي الاثني عشرة صورة لمخطوطات للعينية ، وبعد النظر فيها قررت مقارنة تسع منها ، وإلغاء الباقي لأنه يثقل الحواشي دون فائدة تذكر . . وأنهيت المقارنة مع شرحي للقصيدة منذ حوالي ست عشرة سنة ، ولكن لم يأن أوان ظهورها إلا اليوم . الخاتمة نختم كلامنا على الجيلي وأسلوبه وقصيدته العينية بإظهار موقع الشعر عند الصوفي ، في إطار جدلية تاريخية بين الإسلام والشعر . وأقول ، يلتقي أرسطو في تقديره للشعر برجالات الصوفية الكبار ، فهو يرى أن الشعر الحق تعبير عن الإنسانية الكاملة ، وعديد منهم في أصدق لحظة من حياتهم ، لحظة الموت ، نطق بالشعر ، إذ لم يجد ما يعبّر بشفافية عن جوهر إنسانيته إلا الكلام المقطّع الذي يتسع لكل أشكال “ آه “ النفس الانساني . وعديد منهم أيضا ، محفوظة أخبارهم في كتب الطبقات ، أتلفهم بيت من الشعر ، حتى أضحت مسألة “ الشعر والموت “ ظاهرة صوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين . وها هو أبو الحسين النوري يسمع قوّالا ينشد : لا زلت أنزل في ودادك منزلا ..... تتحيّر الألباب عند نزوله فيتواجد ، ويغيب في وجده عن جسده ، فيمشي الجسد على أرض أجمة قطع قصبها وبقيت أصوله أحدّ من السيف ، وظل يمشي مأخوذ الوعي يعيد بيت الشعر والدماء ترشح من قدميّه . وكان ذاك الحادث سبب موته بعد ثلاثة أيام ، لم يكد يصحو فيها . أما أبو علي الروذباري فإنه فتح عينيه في آخر لحظة ، وقال : هذه أبواب السماء قد فتحت ، وهذه الجنان قد زينّت . وأنشأ يقول : وحقّك لا نظرت إلى سواكا ..... بعين مودةّ حتى أراكا أراك معذّبي بفتور لحظ ..... وبالخدّ المورّد من جناكا وآخر نفس لأبي سعيد الخراز قال فيه : حنين قلوب العارفين إلى الذكر ..... وتذكارهم وقت المناجاة للسرّ أديرت كؤوس للمنايا عليهم ..... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر

عدد الصفحات ٣٧

38 همومهم جوّالة بمعسكر ..... به أهل ودّ اللّّ كالأنجم الزّهر فأجسامهم في الأرض قتلى بحبّه ..... وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري فما عرّسوا إلا بقرب حبيبهم ..... وما عرّجوا عن مس بؤس ولا ضر والشبلي ، حين قارب الرحيل ، وتأكد لديه الرجوع ، ظل طوال الليل يردد أبياتا للحلاّج . . لقد استطاع بعض الصوفية أن يحوّل أشد لحظات الإنسان ف ردية وهي لحظة الموت ، إلى لحظة صحبة ومشاركة . فالحلاّج شارك الشبلي لحظة الموت عبر أبياته : كل بيت أنت ساكنه ..... غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجّتنا ..... يوم يأتي الناس بالحجج والحلاّج سار إلى لقاء ربه . وهو يردد أبياتا لأبي الحسن النوري ، ظل يقول : ما أن ذكرتك إلاّ همّ يقتلني ..... ذكري وسرّي وقلبي عند ذكراكا حتى كأنّ منك يهتف بي ..... إيّاك ، إيّاك والتّذكار إيّاكا أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده ..... وواصل الكّلّ من معناه معناكا ؟ وأمام هذه الظاهرة الصوفية ، التي ترينا بأن الشعر - في لحظة ما ، وموضوع ما - أقدر من النثر على التعبير عن وجدان الصوفي وأفكاره وتجربته الجوانية . . نقول بأننا نرجح أن تحرّك قصيدة الجيلي العينية ، وجدان وفكر شرائح متنوعة من الناس ، لا الإنسان الصوفي فقط ؛ ونرى : إنها تهمّ الصوفي لما فيها من تصوير للحياة الروحية الأصيلة المؤيدة بروح القدس . . وتهم الشاعر الحديث لما تحويه أبياتها من فكر يؤكد على وظيفة الفن وعلاقة الأدب بالفلسفة . . وتهم النحوي لما تضمّه من مفردات منحوتة من الحرف بقلم جريء . . وتهم الفيلسوف ليقابل بين معطيات النظر والفكر وبين علوم المكاشفة الصوفية وتصورات الصوفي للألوهية والوجود والإنسان . . وتهم الفقيه لما تقدم من إضافات هامة على مستوى ممارسة المسلم لعباداته ، وتظهر أسرارا مخبؤة في خزائن الأفعال . . وتهم عالم العقيدة لأنها تكشف عن الكيفية التي يصوغ فيها الصوفي عقيدته في التوحيد ، ومراتب التوحيد لديه ، ومفهومه للذات والصفات والأسماء الإلهية . ختاما . . قد نقبل مقولات الجيلي أو نرفضها ، ولكن لا نستطيع أن نغفل عن حضوره في الفكر الصوفي عامة ، وفي الشعر الصوفي خاصة . . إنه إلى الآن آخر الشعراء المبدعين قبل زمن التقليد . د . سعاد الحكيم بيروت / شباط 2004

عدد الصفحات ٣٨

39

عدد الصفحات ٣٩

40 القصيدة العينية أو النادرات العينية في البادرات الغيبية العارف بالله عبد الكريم الجيلي شرح د. سعاد الحكيم أولا معاناة الشاعر في الحب (01) فؤاد به شمس المحبّة طالع .....وليس لنجم العذل فيه مواقع (02) صحا الناس من سكر الغرام وما صحا ..... وأفرق كلّ وهو في الحان جامع (03) حميّا هواه عين قهوة غيره .....مدام دواما تقتنيها الأضالع (04) هوى وصبابات ونار محبّة ..... وتربة صبر قد سقتها المدامع (05) أولّع قلبي من زرود بمائه..... ويا لهفي كم مات ثمّ ة والع (06) ولي طمع بين الأجارع عهده ..... قديم ، وكم خابت هناك المطامع (07 )أيا زمن الرّند الّذي بين لعلع ..... تقضّى لنا ، هل أنت يا عصر راجع (08) لقد كان لي في ظلّ جاهك مرتع ..... هنيّ ولي في الرّقمتين مراتع (09 )أجرّ ذيول اللهو فيساحة اللّقا ..... وأجني ثمار القرب وهي أيانع (10 )وأشرب راح الوصل صرفا براحة ..... تصفّق بالرّاحات منها الأصابع (11 )تصرّم ذاك العمر ، حتّى كأنّني ..... أعيش بلا عمر وللعيش مانع (12) “مذ اغبرّ خضر العيش وابيضّ لمّتي ..... تسوّد صبحي فالدّموع فواقع (13) وسرب من الغزلان ، فيهنّ قينة ..... لنا ، هنّ في سقط العذيب رواتع (14) سفرن بدورا مذ قلبن عقاربا ..... من الشّعر خلنا أنّهنّ براقع (15) رعى اللّّ ذاك السّرب لي وسقى الحمى .... ولا ضيّعت سربي فإنّي ضائع (16) صليت بنار أضرمتها ثلاثة ..... غرام وشوق والدّيار الشواسع (1 ) فؤاد به شمس المحبّة طالع ..... وليس لنجم العذل فيه مواقع المفردات : المحبة : محبة اللّّ ورسوله ، وهذه المحبة هي فريضة شرعية ويعتبرها الصوفية من أهمّ أصولهم . طالع : أي طالعة ، ونرجّح أن الشاعر أورد اسم الفاعل “ طالع “ على التذكير باعتبار الشمس كوكبا . العذل : اللوم . مواقع : ج . موقع ، ومواقع النجوم هي موضع وقوعها . المعنى : منذ البداية يعرّفنا الجيلي بشخصيته الدينية ، إنه من العشاق الإلهيين ، وقلبه هو قلب عاشق طلعت في سمائه شمس المحبة الإلهيّة ، ثم ارتفعت فانفرد نورها على مساحة قلبه ساحقا الظلال كلها ، ماحيا بذلك مواقع نجوم اللائمين . . . لأن اللائم أو العاذل لا

عدد الصفحات ٤٠

41 يستطيع أن يندسّ إلا في الظل وبعيدا عن النور ، ليوسوس بما يتعارض مع كمال المحبة . ( 2 ) صحا الناس من سكر الغرام وما صحا ..... وأفرق كلّ وهو في الحان جامع المفردات : السكر : هو من أحوال الصوفية ، وهو يتملّك خاصة صاحب الوجد ويأتي بعد الذوق والشرب . فالمحب يتذوّق حلاوة ذكر محبوبه أولا ، ثم يشرب من ذكر المحبوب حتى يسكر بذكره ، ويغيب عن الحس والمحسوس طربا ونشوة . الصحو : هو رجوع الإنسان إلى الحس والمحسوس بعد نشوته من شهود محبوبه وغيبته بهذا الشهود . وأفرق كل : أي رجع إلى الفرق والتفرقة والصحو كل الذين سكروا .بكلام آخر ، كل من كان مستهلكا فانيا بشهود الحق ، فقد رجع إلى صحوه وشهوده للمخلوقات . الحان : موضع بيع الخمر . وهو في الحان جامع : أي وقلب الجيلي لا يفارق حال جمعه راجعا إلى التفرقة ، بل يقيم على السكر لا يصحو ، غائبا بشهود الحق عن النظر إلى غيره من المخلوقات . المعنى : إن كل الذين أسكرهم حبّهم للّّ ، وغيّبهم عن حسهم ومحسوسهم قد صحوا من سكرهم ورجعوا إلى شعورهم بحضور عالم المخلوقات ، إلا قلب الجيلي فإنه لا يصحو من سكره كما صحا الناس ، وكيف يصحو وهو لا يفارق الحان حيث تدار كؤوس خمر الحبيب ويشرب ؟ ! ( 3 ) حميّا هواه عين قهوة غيره ..... مدام دواما تقتنيها الأضالع المفردات : حميّا هواه : شدّة هوى القلب وحدّة عشقه . قهوة : خمر . مدام : خمر . المعنى : إن شدة حب الجيلي للّّ أسكرت قلبه كما تسكر الخمر شاربيها ، ولكنها خمر تقتنيها أضالع الجيلي ولا تفارقها أبدا ، لذا لا يصحو من السكر بها . ( 4 ) هوى وصبابات ونار محبّة ..... وتربة صبر قد سقتها المدامع المفردات :

عدد الصفحات ٤١

42 هوى الهوى عند الجيلي هو المرتبة الخامسة من مراتب انجذاب القلب إلى المحبوب ، فعندما يستحكم الشغف في الفؤاد ويأخذه عن كل شيء يسمى هوى [الإنسان الكامل ، 1 /48 . ] صبابات ج ، صبابة . والصبابة من مفردات المحبة والعشق ، ويجعل الجيلي الصبابة في المرتبة الثالثة من انجذاب القلب إلى المحبوب ، فإذا اشتد الولع وزاد سمّي صبابة صبر : الصبر من مقامات السالكين عند الصوفية ، ولا تظهر حقيقة الصبر إلا عند نزول البلاء ، والبلاء هنا شوق وحب وحبيب لا يطال . (5 )أولّع قلبي من زرود بمائه ..... ويا لهفي كم مات ثمّة والع المفردات : أولّع قلبي : أغريه . زرود : جبل رملي في الحجاز ، لعله سمي بذلك لإبتلاعه المياه التي تمطرها السحائب ، زرود : بلوع3 /139 ] عزيز كم مات ثمة والع : عبارة تشير إلى كثرة الطالبين وقلة الواصلين . والوالع لغة : هو من أصابه شبه الجنون من الولع . والجيلي يجعل الولع في المرتبة الثانية من انجذاب القلب إلى المحبوب ، إذ عندما يقوى جدا انجذاب القلب إلى محبوبه يسمّى ولعا1 /48 ] " موت الوالع هنا هو موت معنوي وليس موتا حسّيا . وقد استعار الصوفيون صورة الموت الحسي البدني ليعبروا به عن مجاهداتهم في قمع أهواء النفس . وهي استعارة صادقة لأن الإنسان يشعر كلما قتل شهوة من شهواته أو قمع رغبة من رغباته فكأنما هو يقتل جزءا منه . المعنى : يقول الجيلي : أغري قلبي بالوصول إلى ماء زرود ، ولكن يا لهفي ما أكثر الطالبين وما أقلّ الواصلين ، ويا خوف نفسي كم مات طالب والع ولم تبتلّ شفتاه بماء زرود . ( 6 ) ولي طمع بين الأجارع عهده ..... قديم ، وكم خابت هناك المطامع المفردات : طمع : رجاء ، وفي الطمع هنا مع خوف الموت في البيت السابق إشارة إلى حالين من أحوال الصوفية هما الخوف والرجاء . فالصوفي يستعين بالخوف والرجاء على قيادة نفسه على حد الإستقامة بين اليأس والاستهتار .

عدد الصفحات ٤٢

43 وذلك لأن النفس إذا سيطر عليها الخوف وقعت في اليأس ، وإذا سيطر عليها الرجاء أمنت واستهترت ، أما إذا تداخل خوفها ورجاؤها اعتدلت وسلمت . الأجارع : ج . أجرع ، وهي الأرض الرملية الواسعة . المطامع : ج . مطمع بمعنى الرجاء . المعنى : إن كثرة موت الوالعين لا تشيع اليأس في قلب الجيلي ، لأن رجاؤه في أن يكون من بين الشاربين قديم العهد . فكأن الجيلي موعود بالوصل ؛ لذلك مهما رأى من موت الطالبين لا يهاب ولا يرجع . ) 7( أيا زمن الرّند الّذي بين لعلع ..... تقضّي لنا ، هل أنت يا عصر راجع المفردات : الرند : الآس أو عود طيّب الرائحة يتبخر به . لعلع : اسم موضع ، وقيل هو ماء بالبادية معروف5 / ص18 - 19 ] : يا زمن المعنى : هنا يتمنى الجيلي عودة زمن الطيب والبخور الذي تقضّى في قرب المحبوب . وزمن الطيب هو الجنة المفقودة في كل علاقة ، والحنين إلى زمن الطيب هو حنين إلى وقت كانت فيه المحبة لا تزال في بداياتها ، صافية لم يجرحها التاريخ . ( 8 ) لقد كان لي في ظلّ جاهك مرتع ..... هنىء ، ولي في الرّقمتين مراتع المفردات : مرتع : مكان الرتع وهو اللهو والتنعم . الرقمتين : الرّقمة مجتمع الماء في الوادي ، وقيل الرقمتان هما مكانان فيهما ماء واختلف في تحديد موضعهما ، ويبدو أنهما يقعان على الطريق ذاته الذي فيه لعلع والعذيب .المعنى : يفصّل الجيلي هنا تنعّمه في زمن الطيب ، وكيف كان هنيّ العيش لا تطاله الهموم لأنه يرتع مطمئنا إلى صفاء المحبة في ظل جاه محبوبه. ) 9( أجرّ ذيول اللهو في ساحة اللّقا ..... وأجني ثمار القرب وهي أيانع المفردات : أجر ذيول اللهو : أي أمشي متبخترا لاهيا . اللقا : اللقاء .القرب : لفظ القرب معرّفا هو اختصار لعبارة القرب الإلهي ؛ والقرب الإلهي هو حال يشهد فيه العبد قرب اللّّ عزّ وجلّ منه ، وهو من صفات القلوب دون الأجسام ويكون على مراتب عند الصوفيين .

عدد الصفحات ٤٣

44 ثمار القرب هي الطاعة ودوام الذكر والحضور مع الحق عزّ وجلّ وذلك لأن العبد عندما يشهد قرب الحق عزّ وجلّ منه يتقرب إليه ، ويجمع همّه على التقرب بدوام الذكر والحضور . أيانع :ناضجة . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تنعّمه في زمن الطيب ، أيام كان يمشي متبخترا لاهيا ، يشهد قرب اللّّ عزّ وجلّ منه ، فيجتهد في مزيد من التقرّب ، وعندما كان هذا الشهود يثمر دوام ذكر وحضورا ومزيد طاعات كان الجيلي يسكن مراقبا أوان النضج والقطاف .ويؤكد هنا على أنه لا يعجل بقطاف ثمار القرب قبل نضوجها ، كما أنه لا يتكاسل عندما يحين القطاف . وفي ذلك تأكيد صوفي على مراقبة الوقت ، وعلى أن الصوفي هو ابن وقته ، يصبر ولا يستعجل الأمور حين يلزم الصبر ، ويعجل مع السابقين السابقين حين ينادي منادي الوقت . ( 10 ) واشرب راح الوصل صرفا براحة ..... تصفّق بالرّاحات منها الأصابع المفردات : واشرب : الشرب مفرد خمري استعاره الصوفية للإشارة إلى مرحلة من مراحل العرفان ، فالبداية تذوّق وذوق ، والوسط شرب ، والنهاية ريّ . إذ تبدأ معرفة الصوفي بأن يتذوق موضوع عرفانه ، ثم في مرحلة وسطى يتجرّع ويشرب ، وفي النهاية تظهر عليه علامات الارتواء . راح الوصل : خمر الوصال والقرب . صرفا : بحتا خالصا غير ممزوج بما يغايره . براحة : بارتياح . تصفّق بالراحات : تصفّق بالأكف ، والرّاحات : ج . راحة . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تنعّمه في زمن الطيب ، أيام كان يشرب خمر وصال محبوبه خالصة غير ممزوجة بكدر أو بهجران . . . يشرب مرتاحا حلاوة قرب لا يخالطها خوف بعد ولا صدّ . ويخبرنا كيف أن الشرب من خمر هذا القرب يسكره طربا فتتمايل منه الأطراف مصفّقة . ( 11 ) تصرّم ذاك العمر ، حتّى كأنّني .....أعيش بلا عمر وللعيش مانع المفردات : تصرم : انقضى وانقطع . المعنى :

عدد الصفحات ٤٤

45 لقدانقضى عمر القرب وانقطع زمن الطيب ، فانقطع بذلك عيش الجيلي الحقيقي . وعيشه بعد ذلك الطيب ما هو إلا أيام تتقلّب في رتابة تتابع الليل والنهار ، وتجري مستقيمة في الزمن لا يلوّنها معنى من شباب أو شيخوخة ، من فرح أو حزن . (12 ) مذ اغبرّ خضر العيش وابيضّ لمّتي ..... تسوّد صبحي فالدّموع فواقع المفردات : اغبرّ خضر العيش : إشارة إلى ذبول العيش وانطفاء جذوة الحياة ، فالعيش الأخضر أصبح أغبرا . وابيضّ لمّتي : المقصود ، ابيضّ شعر لمّتي ، واللمّة : هي الشعر المجاوز شحمة الأذن . فالدموع فواقع : ألوانها فاقعة ، والمقصود هنا أن الشاعر يبكي بدمع هو دماء خالصة الحمرة . المعنى : منذ انقضى زمن الطيب اغبرّ عيش الجيلي الأخضر ، وابيّض شعر لمته الأسود ، واسودّ فجر صبحه الأنور ، وأحمرّ دمعه الأبيض . . . وفي هذا البيت إشارة لطيفة للألوان ، إذ يجد الجيلي ان الألوان قد انسحبت من حياته وتركته باهت الوجود : عيشه أغبر ، شعره أبيض ، فجره أسود ، ولا لون إلا في الدم الأحمر المنسكب من عينيه . ( 13 ) وسرب من الغزلان ، فيهنّ قينة ..... لنا ، هنّ في سقط العذيب رواتع المفردات : سرب : مجموعة . الغزلان : ج . غزال ، ولعل الشاعر هنا يشير بالغزلان إلى الواردات الإلهية . قينة : أمة مغنّية ، وأخذت القينة مع الشعراء دلالات جمالية ، فهي الفتاة الحسناء بغضّ النظر عن كونها حرة أو أمة ، مغنّية أو غير ذلك . سقط : طرف . العذيب : مكان ماء في الصحراء ، وهي منازل حجاج الكوفة جع معجم البلدان ، ج 4 / ص92 . ] المعنى : لعل الجيلي هنا يصوّر تنزّل الالهامات الإلهية والواردات مستعيرا لها رمزا من عالم الحيوان هو الغزال ، المعروف بترائي جماله وندرة الإمساك به والحصول عليه لانسياب حركته . . ومن بين هذه الواردات الإلهية القادمة إلى عالم البشر ينظر الجيلي إلى واحدة يعلم أنها مخصصة له ، وأنها رزقه العرفاني . ويمكن - أيضا - تأويل رمز “ سرب الغزلان “ بتجليات الأسماء الإلهية ، ونفهم منه أن الجيلي يشهد تجلي الأسماء الإلهية ويعلم أنه عبد اسم إلهي منها . . . بالإضافة إلى الاقتراحين المتقدمين لتفسير عبارة “ سرب الغزلان “ بالواردات أو الأسماء الإلهية ، يمكن أن تكون صورة “ سرب الغزلان “ رمزا للحقائق ، وبذلك

عدد الصفحات ٤٥

46 يكون الجيلي قد استخدم صورة الغزال في عملية ترميزية مزدوجة ، إذ استفاد من كونه رمزا للمرأة كما هو المألوف الشعري العربي ، وفي الوقت نفسه يدل على “ الحقيقة . . “ ويؤكد ما ذهبنا إليه أن الجيلي يستخدم رمز “ المرأة “ للدلالة على الحقيقة ، فيقول في البيت رقم 401 “فلما تزوجت الحقيقة صنتها“ ، كما يروي مناما في بداياته ، نفهم من تفسير بعض الأولياء له أن الغزالة ترمز إلى الحقيقةلات الإلهية ، ق 58 ، مخطوط دار الكتب المصرية رقم 360 تصوف / نقلا عن غنيمي ص135 ] . باختصار ، سواء كان سرب الغزلان رمزا يشير إلى الواردات الإلهية أو الأسماء الإلهية أو الحقائق الوجودية ، فالنص الصوفي يظل مفتوحا على أكثر من قراءة يحتملها السياق . ( 14 )سفرن بدورا مذ قلبن عقاربا ..... من الشّعر خلنا أنّهنّ براقع المفردات : سفرن بدورا : كشفن وجوها هي كالبدور جمالا . قلبن : رددن وأزحن .عقاربا من الشّعر : الشيء المعقرب هو المعوج ، والمقصود هنا خصل الشعر الملفوفة المعوجة والمسدلة على الجبين . براقع : ج . برقع وهو الخمار المعنى : يشبّه الشاعر هنا عقارب الشعر على الجبين بالبراقع ، وهي حين تزاح عن الوجوه تكشف عن طلعات هي البدور جمالا . وهذه الإشارة إلى الكشف والجمال المستور تؤكد لدينا الظن بأن الجيلي أراد بالغزلان “ الحقائق “المصانة خلف المظاهر . ( 15 ) رعى اللّّ ذاك السّرب لي وسقى الحمى ..... ولا ضيّعت سربي ، فإنّي ضائع المفردات : رعى اللّّ : حفظ ، وفي الدعاء يقال : سقيا له ورعيا . الحمى : موضع محمي من الناس . ولا ضيّعت : جملة معترضة وهي دعاء يعني : اللهم لا تضيّع . المعنى : يسأل الجيلي هنا ربه عزّ وجلّ السقي والرعي للسرب والحمى ، كما يدعوه ألا تضيّع قينته المصانة سربه ، لأنها إن أضاعته فهو ضائع (16 ) ليت بنار أضرمتها ثلاثة ..... غرام وشوق والدّيار الشواسع المفردات : صليت : أحرقت . أضرمتها : أشعلتها .

عدد الصفحات ٤٦

47 غرام من أسماء المحبة ، وعند الجيلي تظهر علامة الغرام في المرتبة السادسة من مراتب انجذاب القلب إلى محبوبه ، ويقال للإنسان “ مغروم “ حين يستوفي “ الهوى “ حكمه على جسده [الإنسان الكامل ،1 /48 . ] وشوق الشوق ثمرة المحبة ، وقد اختلف الصوفيون في الشوق إلى اللّّ تعالى ، فقبله بعضهم ومنهم الغزالي وجعله من الأحوال السنية ، وأنكره بعضهم بحجة أن الشوق إنما يكون لغائب ، والدّيار الشواسع : المنازل البعيدة . المعنى : إذا كانت النار العادية الحارقة تشتعل من احتكاك حجرين ، فما بالك بنار أشعلها ثلاثة : غرام الجيلي ، وشوقه ، وبعد الحبيب ؟

عدد الصفحات ٤٧

48 ثانياالأبيات من 17 إلى29 معاناة الشاعر "الجيلي" في الحبوتعبيره بلغات الأولياء العاشقين (17 )يخيّل لي أنّ العذيب وماءه ..... منام ، ومن فرط المحال الأجارع (18) فلا نار إلاّ ما فؤادي محلّها ..... وما السّحب إلا ما الجفون تدافع (19) ولا وجد إلا ما أقاسيه في الهوى .....ولا الموت إلاّ ما إليه أسارع (20 )فلو قيس ما قاسيته بجهنّم .....من الوجد كانت بعض ما أنا قارع (21) جفوني بها نوح وطوفانها الدّما .....ونوحي رعد ، والزّفير اللوّامع (22) وجسمي به أيّوب قد حلّللبلا ..... وكم مسّني ضرّ وما أنا جازع (23) وما نار إبراهيم إلاّ كجمرة ..... من الجمر اللاتي خبتها الأضالع (24) لسرّي في بحر الصّبابة يونس ..... تلقّمه حوت الهوى وهو خاشع (25 )وكم في فؤادي من شعيب كآبة ..... تشعّب مذ شطّت مزارا مرابع (26) حكى زكريّا وهن عظمي من الضّنا ... أيحيا اصطباري وهو بالموت ناقع (27) أيا يوسف الدّنيا لفقدك في الحشا ..... من الحزن يعقوب فهل أنت راجع (28) أتينا تجار الذّلّ نحو عزيزكم .....وأرواحنا المزجاة تلك البضائع (29) فإن يك عطفا أنت أهل ، وأهله..... أنا إن يكن دون العذيب موانع شرح الأبيات :- ( 17 ) يخيّل لي أنّ العذيب وماءه ..... منام ، ومن فرط المحال الأجارع المفردات : العذيب : مكان ماء في الصحراء . ومن فرط المحال الأجارع : ومن المستحيل أن أجرع هذا الماء . المعنى : يبدأ الجيلي هنا بتفصيل أحواله ومشاعره وأحاسيسه وخواطره وهو تحت وطأة هذا الحب الذي صرّح به في البيت السابق ، حب هو نار أشعلها ثلاثة :غرامه وشوقه وبعد حبيبه . . . وفي هذا البيت يغنّي الجيلي يأسه من وصال حبيب لا يطال ، ويقول ما معناه : يخيّل إليّ أن العذيب وماءه ، أي الحبيب ووصاله ، هما من جنس المنام الذي لا يرى في اليقظة أبدا ، وأن ورود ماء الحبيب والشرب من كأسه هما من جنس المستحيل . . . ولا تخفى على القارئ العلاقة التمثيلية بين الماء هنا كرمز للوصول والوصال وبين النار في البيت السابق كرمز للشوق والحرمان .

عدد الصفحات ٤٨