المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ٢ من ١٧

17 * أحال الجيلي في هذا الكتاب إلى الكتب الآتية : “ الناموس الأعظم “ - “ قطب العجائب “ - “ الكهف والرقيم “ - “ الكمالات الإلهية “ - “ إنسان عين الوجود “ - “ كشف الستور عن مخدرات النور “ - “ الجزء 19 من الناموس الأعظم“ . 35 - “كشف الغايات“ * شرح لكتاب التجليات لمحيي الدين بن عربي . * يقول د . زيدان ، كما تقول د . ترجمان . أنه يوجد نسخة مخطوطة من هذا الكتاب في المكتبة الوطنية في باريس ضمن مجموعة لمؤلف مجهول ،ولكن أسلوب الشارح يقارب أسلوب الجيلي في شرح مشكلات الفتوحات . 36 - “بحر الحدوث والقدم وموج الوجود والعدم[ . “مفقود ذكره في مراتب الوجود ، ص 14 . 37 - “الوجود المطلق المعرّف بالواحد الحق[ . “مفقود ذكره في مراتب الوجود ، ص 14 . 38 - “رسالة أربعون موطنا“ . * رسالة في مقامات الطريق الصوفي وأصناف المجاهدات . . يوجد نسخة منها مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم 1727 م . 39 - “مراتب الوجود“ . * تحدث فيه الجيلي عن معرفة اللّّ سبحانه من معرفة الوجود ، ورتب الوجود مراتب بلغت الأربعين ، آخرها مرتبة الانسان الكامل . * ورد اسم هذا الكتاب في فهارس مخطوطات عديدة أهمها : برلين - الديوان الهندي ( انكلترا ) - بلدية الإسكندرية - دار الكتب المصرية - هيدلبرج - فاتيكان - شهيد علي ( تركيا ) - رضا باشا - حاجي محمود ( تركيا ) - حالت أفندي ( تركيا ) - مراد بخاري ( تركيا ) - ليدن ( هولندا ) - الأوقاف ( بغداد ) - الجامع الأحمدي ( طنطا - مصر ) . * طبع الكتاب عدة طبعات : النمسا ،أكاديمية العلوم ،عام 1956 ( ارنست بنرت - وفي القاهرة . دار الطباعة المحمدية ، دون تاريخ . * أحال الجيلي في كتابه هذا على عدد كبير من كتبه السابقة وهي : “ الوجود المطلق المعرّف بالواحد الحق “ - “ الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية “ - “ الناموس الأعظم والقاموس الأقدم “ . - “ شمس ظهرت لبدور زهرت “ - “ الإنسان الكامل “ - “ بحر الحدث والقدم وموج الوجود والعدم “ - “ حقيقة الحقائق التي هي للحق من وجه ومن وجه للخلائق “ - “ كتاب الألف “ - “ كتاب النقطة “ - “ قطب العجائب وفلك الغرائب “ - “ المملكة الربانية المودعة في النشأة الإنسانية “ - “ إنسان عين الوجود في وجود عين الانسان الموجود “ - “ الكتاب المرقوم في شرح التوحيد المجهول المعلوم “ . 3 - شخصيات أثرّت في الجيلي

عدد الصفحات ١٧

18 أساتذة الجيلي المعاصرين له رغم انتشار الطرق الصوفية في أقاصي البلاد الإسلامية وأدانيها في القرن الثامن الهجري ، إلا أن عبد الكريم الجيلي لم يكن مريدا لطريقة صوفية - بالمعنى التقليدي . بل نراه - على غرار الأكابر - يستفيد من مشايخ ، ويعترف بالأخذ عنهم ، دون أن يشكلوا حجابا على تجربته الشخصية ومساره الفردي . التقى الجيلي في بداياته ، عام 798 هـ ، بالشيخ محمد بن إسماعيل المكدش ، وهو بحسب عبارة الجيلي نفسه : فقيه عارف ، أي جامع للعلمين : الكسبي والوهبي . ولم نعلم أن الجيلي تتلمذ للمكدش ، وجلّ ما نعلمه أنه زاره في بلدته “ الأنفة “ ورأى من زيارته له بركات كثيرة . كما يذكر الجيلي ، في ديباجة كتابه “ مراتب الوجود “ ، الشاعر الصوفي الشيخ أبو بكر بن محمد الحكاك799 هـ بيتا من الشعر ، يقول فيه : وقد تبنّيت آبائي على ثقة ..... ولا محالة أني وجه كل أب ويورد الجيلي اسم الحكاك ، في كتابه مراتب الوجود ، لا على أنه من مشايخه أو استفاد منه أو زاره أو التقى به ، بل يورده على سبيل المثال لمن يبلغ مرتبة “ المشيخة في الحقيقة “ ، بمطالعة كتب الحقيقة وفهمها لا بشيء من أعمال الطريق . ولكن في كتابه “ المناظر الإلهية “ ، يذكره - بعد موته - بصفة الأخوة ، فيقول : أخونا العارف ، لسان المعارف ، أبو بكر بن محمد الحكاك ، رحمه اللّّ . أما الشيخ “ البارع في الحقيقة “ ، والذي اتّخذه الجيلي معلما له ، ويقول بأنه لا يعرف أحدا ممن أدرك من رجال زمانه على طريقته ، وأنه غربيب الأولياء . فهو إسماعيل الجبرتي [722 - 806 هـ كما نظم فيه جملة قصائد ، منها ما ورد في كتابه “ الانسان الكامل “ ، نختار أبيات ثلاثة تعبّر عن مكانة الجبرتي لديه ، يقول : يا ابن إبراهيم يا بحر الندى ..... يا ذا الجبرتي الجبور طبيبه ألعبدك الجيلي منك عناية ..... صباغة صبغ المحب حبيبه أنت الكريم بغير شك وهو ذا ..... عبد الكريم ومنك يرجى طيبه وقد أسهم الجبرتي بسبب كثرة صحبه وأتباعه من الملوك والولاة والعلماء ، في إحياء الحياة الصوفية في اليمن ، وعمل على انتشار فكر ابن عربي خاصة ، جاعلا كتبه جزءا من ثقافة العصر في تلك المناطق من جهة . ومن جهة ثانية دليلا للسالكين ، إذ يخبرنا الجيلي أن شيخه الجبرتي يحرّض مريديه على قراءة كتب ابن عربي ، ويرى أنها تقرّب المسافة البعيدة على المريد ، وتسهّل الطريق الصعب .

عدد الصفحات ١٨

19 ونتج عن تبنّي الجبرتي لمقالات ابن العربي ، وتأسيسه تيارا صوفيا يمنيا على تعاليمه العرفانية ، أن ورث الشقاق الفقهي المستمر حول “ مقولات ابن العربي وشخصه أحيانا “ . وانقسم فقهاء اليمن بشأنه قسمين : قسم اتّصف بالموضوعية العلمية وإن كان يبالغ أحيانا في استخدام عبارات الثناء ، وقسم عدائي يتطرف غالبا في هجومه عليه . ويشهد له فقيه معاصر ، ومعاشر له ، هو عبد الرحمن بن زكريا ، المعروف بـ “ نقّاد الأولياء “ ، بالصدق والوصول ، فيقول عنه : “ واللّّ ، ما مثل الشيخ إسماعيل لا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا في الحرمين “ . أسس الجبرتي طريقة صوفية يمنية عرفت باسمه : “ الجبرتية “ . ويقول مرتضى الزبيدي بأنها شعبة من الأهدلية ، وترجع في سلسلتها إلى الطريقة القادرية ، نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني . وبذلك يكون الجبرتي قد شبك الطريقة القادرية بتعاليم ابن العربي في كيان صوفي يمني ، وأسهم في دخول أفكار ابن العربي في أوساط الطرق الصوفية . وإذا دققنا في أصحاب الجيلي وأسماء الصوفيين الواردة في كتبه ، نجد معظمها من تلامذة الشيخ الجبرتي ومريديه ، من أمثال : المزجاجي ، والمعبيدي ، ومحمد بن شافع ، وقطب الدين بامزاحم ، والمسن ، والرداد . فالجيلي لم يؤسس - على المستوى البشري - مدرسته أو حتى شبكة علاقات شخصية ، بل اكتفى بالانكباب على تجربته وتدوين مشاهده ، ولقاءات أخوية أثناء وجوده في مسجد الجبرتي ، أو في بيت من بيوت أخوانه ، مشاركا في حلقة من حلقات السماع التي نشطت وتطورت في اليمن بجهد الجبرتي . أما الشخصية المعاصرة ، والبارزة ، التي التقى بها الجيلي ، فهي : خواجة بهاء الدين محمد بن الشاه نقشبند الأويسي [717 هـ- 827 هـ صاحب الطريقة النقشبندية . الماضي الحي : تميز نتاج الجيلي بقلّة النقول عن السابقين ، وانتسب - جملة وتفصيلا - إلى عين الابداع . .

عدد الصفحات ١٩

20 وإننا عندما نطالع سطوره تنشألدينا معارف جديدة ، بعيدة عن أن تكون إعادة قراءة لتراث سابق أو تصنيف جديد لمعلومات معروفة ، بل إبداع على مستوى الحياة واللغة معا . ورغم وثوق الجيلي الشديد بمساره الروحاني ، ومشاهداته العرفانية ، إلا أن ذلك لم يمنعه من رؤية الآخر ، والاستشهاد بأقواله ، والشهادة له ، وربما العكس يصبح الآخر ضروريا لتقدير الذات وتقييم مكتسباتها ومواهبها . . ومن أشخاص “ الآخر “ السالفين ، يبرز وجهان : الأول هو أبو الغيث بن جميل . والثاني هو محيي الدين ابن العربي . ينقل الجيلي أقوالا عديدة لأبي الغيث بن جميل ، وأشهرها عبارته التي سارت في أوساط الصوفية ، وأصبحت من جملة الأقوال التي يعرفها الجميع تقريبا ، وقلّة من يعرف قائلها ، وهي : “ خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله “ . . ويلقّب الشيخ أبو المغيث بشمس الشموس . وكان في حداثته وقبل دخوله في القوم ، من جملة قطّاع الطريق . ثم تاب وتصوّف على يد الشيخ علي بن أفلح ، وهو من أشهر مشايخ زبيد وقت ذاك . وعندما بدأت تكثر “ كراماته “ في بلدته ، نصحه شيخه بالخروج من زبيد والذهاب إلى الشيخ علي الأهدل . ويقول أبو الغيث في أيام نهايته : خرجت من عند ابن أفلح لؤلؤة عجماء فثقبني الأهدل . وتوفي عام 651 هـ ، وعمره يتجاوز التسعين عاما . أما محيي الدين ابن العربي ، فقد كان بالنسبة للجيلي هو الآخر بامتياز : شرح مؤلفاته ، ومنها “ رسالة الأنوار “ ، و “ مشكلات الفتوحات “ ، و “ التجليات “ ؛ واتفق معه في نتائج عديدة لا تكاد تحصى ؛ واختلف معه أيضا في مسائل معدودة . إذن ابن العربي هو المحاور الأول للجيلي من خارج تجربته الشخصية . يقول عنه في مقدمة شرحه لرسالة الأنوار : “ سيد هذه الطائفة وإمامها ، وخبير هذه الجماعة وعلاّمها ، الشيخ الإمام العارف ، وارث الأنبياء ، وخاتم الأولياء ، برهان الشريعة المحمدية ، وعماد الحقائق الإلهية ، بحر الندا ونجم الاهتدا . . صفوة أرباب المجاهدة وعمدة أصحاب المشاهدة . . . “ ، ثم يشهد له بأن أكثر أقوال الصوفية مستندة إليه ، لذلك كثر الإنكار عليه . وعلى الرغم من علّو هامة ابن عربي في أفق نظر الجيلي إلا أنه لم يملأ حدقة العين ، فظل الجيلي صاحب تجربة صوفية جديدة ، وشبه متخصصة بموضوع “ الإنسان الكامل “ ، وظل كل الآخرين بالنسبة إليه :

عدد الصفحات ٢٠

21 إما مرّبين لعبوا دورا على مستوى مجاهداته النفسية ورياضاته من أمثال شيخه الجبرتي ، وإما محاورين لتجربته ومرآة ينظر فيها ليرى ملامحه ؛ وهذا موقع ابن العربي . 4 - نهج الجيلي في الكتابة والتأويل تحفّظ المسلمون في استخدام لفظ “ تأويل “ ، لأن هذا اللفظ ورد في القرآن الكريم ، في سياق تفسير كلام اللّّ ومعرفة قصده سبحانه في خطابه ، على التحديد ، وهذا ممتنع . وفي المقابل لم يتحفظ الجيلي في استعماله للفظ “ تأويل “ ، ولكنه أطلقه على تلقي الكلام الإنساني وإرساله لا على الكلام الإلهي . وقدّم لنا - في كتابه غنية أرباب السماع - نظرية في التأويل ، تضاهي وتفوق في كثير من الجوانب ، ما يعتبره فلاسفة اللغة من مستجدات العصر ! وتتمحور نظريته اللغوية حول قطبين هما : اللفظ والمعنى. وعلى ضرورة ألا يقتصر المتلّقي على ظاهر الألفاظ بل يعبر منها إلى بواطن معانيها . يقول في “ غنية أرباب السماع “ منبها على وجوه الاستماع - أي وجوه التلقي والفهم - للنص الواحد : “ فإني لما رأيت قصور الفهوم من أطوار المعاني ، ووقوف العلوم من عوام أرباب السماع على ظاهر ألفاظ الأغاني ، أردت أن أفتح بابا لأهل السماع ، إلى حسن الاستماع ، وأكشف نقابا لأهل الأغاني ، عن مخدّرات المعاني ، المحجوبة عن أعين العامة ، بصور ألفاظ المعاني ، فاستخرت اللّّ تعالى . . . في وضع كتاب . . . حتى أذن لي في وضع هذا الكتاب ، المسمّى : غنية أرباب السماع ، في كشف القناع ، عن وجوه الاستماع “ . ويمكننا اختصار نظريته في أربع فقرات هي الآتية : أولا - رتبة المتّلقي وفهم المعنى إن اللفظ الواحد - عند الجيلي - يحرّك في الأفهام معان متعددة ، بقدر تعدد السامعين أو القراء والسبب في تعدّد المعاني والإفهام للفظ الواحد ، هو أن كل سامع للفظ يفهمه بحسب حاله ومقامه . فالمعنى يتحدد عند المتلّقي لا عند المرسل . المرسل يقول اللفظ ، والسامع يضع المعنى .

عدد الصفحات ٢١

22 يقول الجيلي في كتابه غنية أرباب السماع: “ . . . واعلم أن المستمعين ، وإن اشتركوا في سماع مجرد الألفاظ ، فقد تباينوا في سماع معانيها . فربّ كلمة موضوعة لمعنى القرب ، قد فهم منها معنى البعد ، وبالعكس على قدر المقام والمستمع ( . . . ) ثم أعلم أن اختلاف الفهوم فيما يسمع ، منوط بمقام السامع ، كما تقدّ م ذكره ، على قدر قابليته ، لا يحسن أن يتعدى مقامه ضرورة . ومن هنا وقع الخلاف بين سائر العالمين ، في جميع ما اختلفوا فيه ، لأن كلا يحمل المعنى على ما يقتضيه أمره . . . “ “ 1 “ . إذن ، لقد دلّ الجيلي على أن الصراع على المعنى ينشأ من اختلاف الفهوم العائد إلى اختلاف القابليات ومواقع الأقدام في المعرفة والسلوك . يقول الجيلي : “ . . . فأهل السماع مختلفون في حمل المعاني على قدرهم ، فما من يسمع في مقام التوبة ، كمن يسمع في مقام العبادة ؛ ولا من يسمع في مقام العبادة ، كمن يسمع في مقام الزهد ؛ ولا من يسمع في مقام التوكل ، كمن يسمع في مقام الرضى ؛ ولا من يسمع في مقام الرضى ، كمن يسمع في مقام المحبة ؛ ولا من يسمع في التلوين ، كمن يسمع في التمكين ؛ لأن الناس مختلفون في طلب اللّّ تعالى ( . . . ) وكل سامع من هؤلاء له فيما يسمعه تأويل يليق بحاله “ . ثانيا - تعدد الفهوم وسلم المعاني : بعد أن توقفنا مع الجيلي مدللا على دور “ مقام الشخص “ في فهم المعنى ؛ نجده في مكان آخر يلملم هذا الانتشار للمعنى في سلّم رباعي . فيقسّم أرباب الطريق الصوفي إلى أربع فئات متراتبة ، تضم أصناف الأحوال والمقامات . وهذه الأربعة هي : مرتبة النسك ، ومرتبة السلوك ، ومرتبة الحب ، والأخيرة هي مرتبة الجذب . يقول ، مبينا اندراج أهل المقامات في هذه المراتب الأربع : “ . . . وتجمع هذه الأصناف كلّها أربعة أجناس ؛ وهي : الناسك ، والسالك ، والمحبّ ، والمجذوب . لأن لفظة النسك تجمع العبّاد والزهّاد والمتوكلين وأمثالهم ، ولفظة السلوك تجمع أهل قصد المخالفات ، ولفظة الحب تجمع المريدين وسائر أهل الطلب للّّ ، ولفظة الجذب تجمع الواصل والعارف . . . “ . إذن ، كل لفظة تأخذ معناها من رتبة المتلّقي ، وتتعدّد المعاني ، لا إلى ما لا نهاية ، بل تنتهي إلى درجات أربع في سلّم معنوي . ويجعل الجيلي كتابه “ غنية أرباب السماع “ نموذجا يدلّ فيه القارئ على أسس السماع الصوفي ونماذج الجيلي على ثلاثة أشكال : الشكل الأول هو ألفاظ مفردة يتداولها البلغاء والفصحاء في الشعر والنثر ، والشكل الثاني هو قصائد ، والشكل الثالث المقامات والأحوال .

عدد الصفحات ٢٢

23 ونكتفي بأن نأخذ نحن نموذجا واحدا من هذه الأشكال الثلاثة لنبين تعدّد الفهوم في سلّم معاني رباعي الدرجات عند الجيلي . ونختار نموذجنا من الشكل الأول وهو الألفاظ المفردة . يورد الجيلي ، في الباب الأول من غنية أرباب السماع ، مائة لفظة مفردة متداولة في الشعر والنثر ، ويبين تدرج معانيها بحسب رتبة المتلّقي في الطريق الصوفي . ويهدف من وراء إيراد تاويلاته إلى بناء نهج خاص بالصوفية عامة ، وبه خاصّة ، في التأويل . يقول في تأويل لفظة “ الرياح “ المفردة : “ الرياح قد يؤولها الناسك بالبواعث والعزائم أيام الحركة الشديدة في العبادة . ويؤولها السالك بالنفحات الإلهية المقرّبة للطريق ، الموصلة للعبد إلى اللّّ تعالى . ويؤولها المحب بأنفاس المحبوب . ويؤولها المجذوب بأحوال آثار التجليات ، لأنها تمر كالريح ، فلا دوام للحال “ . وفي تأويل لفظ “ البان “ ، يقول الجيلي : “ البان : يسوغ تأويله للناسك ببيان الحق وظهوره على الباطل ، وقد يؤوله بالاستقامة على الطاعة ، لأن غصن البان إنما يشبّه غالبا باستقامة القامة أو باللين ؛ فإذا كان المراد من ذكره لين حركته ، فيؤوله الناسك حينئذ بميل النفوس تارة للطاعة ، وتارة للفترة . ويسوغ أن يؤوله السالك بالمخالفات نظرا إلى ميلان الغصن . . . ويسوغ أن يؤوله المحب بالمحبوب ، فإذا كان في الجانب الإلهي أوّله باسمه القائم والقيوم ، وأمثال ذلك ، لأن البان إنما يذكر غالبا كناية واستعارة عن القامة . ويؤوله المجذوب بالأحدية “ . هذا ، ولا يحصر الجيلي التأويلات بما أورد ، ولكنه يظهرها على سبيل المثال ، وبقصد إرساء نهج التأويل بمعزل عن الجزئيات . ثالثا - التأويل الإلهامي . . فتوح التأويل : يبني الصوفية معرفتهم اليقينية على الإلهام ، على النور الذي يقذف في الصدر ؛ والجيلي يجعل التأويل الصوفي نفسه نوعا من المعرفة الإلهامية والفتوح الرباني . وبذلك يختلف عن باقي التأويلات بمصدره اللدني ، وبضرورة خضوعه إلى معايير بعديّة . فالصوفي يصرف وجه قلبه ، عند استماع “ اللفظ “ أو قراءته ، لا إلى معاجم اللغة ومجازها ورموزها بل إلى اللّّ تعالى ، وينتظر أن يعلّمه ما لم يكن يعلم ، بمناسبة السماع أو القراءة . يقول الجيلي في كتابه غنية أرباب السماع ، ما نفهم منه أن التأويل نوع إلهام :

عدد الصفحات ٢٣

24 “إعلم أن جميع ما أشرنا إليه من تأويل هذه الألفاظ بمقصور ، ولا محصور على ذلك . بل لكل كلمة من هذه الكلمات تأويلات كثيرة تفجأ عباد اللّّ تعالى ، من غير تعمل ولا اجتلاب ، لأن أسماع قلوبهم مصروفة إلى باب خزائن جود اللّّ تعالى ومواهبه ، فتفجأهم تلك المعاني ،من غير سابقة علم بها ، فلا تتوهم أنهم يتعلّمون ذلك من حالة الواجد “ . إن تأويل النص وفهمه هما من جملة المواهب الإلهية التي تفجأ الإنسان ،لكأنهما يتنزّلان في قلبه . وهذا لا يعني أن الصوفي معفى من النظر في الأصول اللغوية والشرعية ، بل يعني ذلك أنه لم يستدل بالأصول لإنتاج معرفته التأويلية ، وإنما قامت هذه الأصول بدور الشاهد على التأويل ومشروعيته ، وأمدته - بعد حدوثه - بما يحتاجه من مبررات وحجج وبراهين . إذن ، الأصول - اللغوية والشرعية والعقائدية - تشّكل عند الجيلي ضوابط التأويل وشروط مشروعيته ، فلا يحق لإنسان أن يطلق عنان قلبه في قبول معان وتأويلات قبل أن يتقن علم العقيدة ويعرف ما يجوز إطلاقه على الجناب الإلهي وما هو ممنوع . . وينبّه الجيلي على الفروق الجوهرية بين التأويل وبين التشبيه والتمثيل وغيره ، موضحا أنه يحق للمتلّقي تأويل الألفاظ لتصبح دالة على اللّّ ، دون أن يقع في تشبيه الحق أو تمثيله أو تسميته باللفظ المؤول . . . يقول مبينا الفروق بين التأويل والتشبيه : “ الممنوع في الجناب الإلهي إنما هو التشبيه ، فلا يجوز أن تشبّه الحق بشيء ، ويجوز أن تأوّل الأشياء من حيث فهمك ، على قدر متعلقك به ؛ فإذا قال قائل : ما أحسن القمر ( . . ) مثلا : يجوز أن تأوّل ، من حيث فهمك القمر بالحق ، فتقول : ما أحسن جمال الحق تعالى ( . . . ) ، ولا يجوز أن يشبّه القمر بالحق ، لأنه يتعالى عن ذلك . فالسماع كلّه تأويل لا تشبيه “ . ويقول ، ما نفهم منه ضوابط التأويل وشروطه : “ ان التعمّلكن على شرط التنزيه ، وعدم الخروج عن قيود التشريع ، من غير تشبيه ، ولا تمثيل ، ولا تسمية للفظ مما يأول به ( . . . ) فإنك إذا لازمت على ذلك يفتح اللّّ لك ، حتى لا تمر بلفظة إلا ويرد عليك من فضل اللّّ تعالى ما يسوغ تأويله به “ . رابعا - كتابة الجيلي : إن “ الحقائق الوجودية “ التي تكشفت للجيلي ، ويريد أن يشاركنا بها ، ليست من

عدد الصفحات ٢٤

25 جنس المعاني التي تعبّر عنها اللغة الظاهرة وتبديها . لذلك اختار الجيلي- أسوة بغيره من الصوفية - لغة الرمز والإشارة ، مقّلبا بذلك الحقائق المراد توصيلها للأفهام بين طوري الإخفاء والإظهار . يقول في قصيدته العينية دالا على أسلوبه في الإظهار والإخفاء127 - 129 :] وها أنا ذا أخفي وأظهر تارة ..... لرمز الهوى ، ما السرّ عندي ذائع وإيّاك أعني فاسمعي جارتي ، فما ..... يصرّح إلاّ جاهل أو مخادع ولكنني آتيك بالبدر أبلجا ..... وأخفيه أخرى ، كي تصان الودائع ونتيجة لهذا الأسلوب في التعبير ، يقوم اللفظ الظاهر بدور فاعل في عملية التوصيل والكتابة ، فهو ليس حجابا وليس سدا ، وفي الوقت نفسه لا يتوجب تحطيمه للوصول إلى المعنى ، بل العكس اللفظ هو باب وستار خفيف يشف عما وراءه من المعنى . . يقول الجيلي في1 / ص79 : ] “لا تكتف بظاهر اللفظ بل اطلب ما وراء ذلك“. ويتبع الجيلي هذا الأسلوب في كافّة ما يكتب ، يقول عن كتابه الإنسان الكامل ،1 / ص80 “ : ]فجميع ما أبرزناه في هذا المسطور ( . . . ) إذ وضعنا جميعه بين رمز في عبارة وبين لغز في إشارة “ . فالرمز مفتوح على تعدّدية المعنى ، والإشارة لغز تحتاج إلى التفتيش في “ الذاكرة “ عن حل . وفي القصيدة العينية نماذج عديدة للرموز والإشارات : الرموز من أمثال “ وسرب من الغزلان “ فليراجع شرح المؤلفة13 . ] أما الإشارات فهي أكثر من أن تحصى ، ومعظمها يجد معناه بالرجوع إلى قصص “ حياة الأنبياء “ كما وردت في النص القرآني . . ويمكننا أن نستشف نظرية صوفية في الرمز والإشارة : فالرمز هو لفظ يأخذ معناه من نص كاتبه ، ويظل المعنى الذي يعطيه القارئ أو المتلّقي في نطاق الاحتمالات ، مثلا “ الغزلان [ “البيت رقم13 ] القصيدة ، ومن معرفتنا بتجربة الجيلي الصوفية أما الإشارة فهي معقودة بالألغاز ، وتلعب دورا هاما في التواصل ، لا من فرد إلى فرد ، بل في التواصل على مستوى الجماعة . ومعظم رجال الصوفية يستفيدون إشاراتهم من النص القرآني ، وفي أغلب الأحيان ، من حياة الأنبياء كما نصها القرآن . وهذا الرجوع إلى حياة الأنبياء إلى “ التاريخ المقدس للإنسان “ ، وتصوير التجربة الصوفية والمعاناة بلغة إشارة نبوية ، يشكّل وسيط فهم ولقاء بين أشخاص الجماعة ، ويخرج بالتجربة الصوفية في فرديتها إلى المساحة المشتركة بين ناسها .

عدد الصفحات ٢٥

26 5 - القصيدة العينية يقول الجيلي في الإنسان الكامل أنه ألّف قصيدة سمّاها “ البوادر الغيبية في النوادر العينية “ ، وهي : “ قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على كمّ الحقائق مثل طرازها ، ولم يسمح الدهر بفهمها لاعتزازها “. ونضع بين قوسين ، الانطباع الذي يحدث لدينا عند قراءة هذا الكلام ، لنفسح المجال أمام مساءلة القصيدة ومقارنتها وتحليلها ، لتكوين رأي موضوعي حول قيمتها العلمية في حقل التصوف . ونقسم عملنا حولها إلى عدة فقرات هي الآتية : أولا - فرادة القصيدة العينية : هل صحيح أن العينية - كما قال الجيلي - هي قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على كم الحقائق مثل طرازها ؟ جوابنا هو : نعم ولا . عندما كتب الجيلي قصيدته ، كان ابن الفارض قد فارق عالمنا بما يزيد على القرنين ، ولا نعلم إلى أي مدى يعرف الجيلي الشاعر الصوفي الكبير عمر بن الفارض ، المعاصر لابن عربي . فهو لم يكد يذكره فيما نعرفه من كتبه ، وهذا مستغرب . تضمن ديوان ابن الفارض قصيدة شهيرة ، حظيت بشروحات عديدة ، هي “ القصيدة التائية “ المسماة : “ نظم السلوك “ ، والتي تزيد أبياتها على سبعمائة ، ومطلعها : سقتني حميا الحب راحة مقلتي ..... وكأسي محيا من عن الحسن جلّت فأوهمت صحبي أنّ شرب شرابهم ..... به سرّ سرّي في انتشائي بنظرة وبالحدق استغنيت عن قدحي ومن ..... شمائلها لا من شمولي نشوتي ونستطيع أن نقول أنه لا يضاهي قصيدة الجيلي العينية في تاريخ الشعر الصوفي إلا قصيدة ابن الفارض التائية . بل لو قصدنا المقارنة لقلنا أن الجيلي استعاد في قصيدته جملة موضوعات صاغها ابن الفارض قبله ، وخاصّة فيما يتعلق بالمجاهدات والحب الإلهي ونظرية الجمال . فالقصيدتان تعبران بامتياز عن رؤية الصوفي للألوهية والوجود والإنسان ، وعن نمط حياته الموسوم بالمجاهدات والمعاناة . ولكن رغم هذا التماثل بين القصيدتين في أكثر من وجه ، إلا أن عينية الجيلي تتفرد بأمور تجعلها مميزة في تاريخ الشعر العربي عامة ، لا الشعر الصوفي فقط ، مما يصبح معه ادّعاء الجيلي ، بتفرّد قصيدته وانعدام طرازها في الزمان مقبولا . ومن هذه الأمور : 1 - إن القصيدة العربية متّهمة بالتفكك ، بحيث يشّكل البيت الواحد أحيانا معنى مكتم . وهنا نصدف قصيدة عربية تمتاز بوحدة الموضوع وتسلسل المعنى على امتداد ما يزيد على خمسمائة بيت من الشعر .

عدد الصفحات ٢٦

27 2 - تقول هذه القصيدة شعرا جماع ما يشتمل عليه النثر الصوفي من فكر ، فقدنظم الجيلي في قصيدته هذه أفكاره الصوفية عامة ؛ في وحدة الوجود والإنسان الكامل والحب والجمال والمجاهدات . . . إنها قصيدة تعبّر بالكامل : عن شخص منشئها وفكره ، وهذا نادر في الشعر العربي . 3 - نصف القصيدة تقريبا يروي فيه الجيلي سيرته الروحية ، فنراه منذ برزلمعة من النور الإلهي ، ثم ولد في الأرض ، وعشق ووحّد وتعبّد وجاهد . . وختاما ، تحقق بالمقام المحمدي وأصبح خليفة في الوجود . والقصائد التي تتضمن “ السيرة الشخصية للشاعر “ مفقودة - على حد علمنا - في الشعر العربي . 4 - يتسم خطاب الجيلي في قصيدته هذه بالجرأة والمباشرة وعدم التورية في أماكن عديدة درج الشاعر العربي على الالتفاف حولها ، واستخدام اللغة ليموّه المعنى . هذه المباشرة في القول نادرة في النص الصوفي ولا نكاد نجدها إلا في شطحات الصوفية . ثانيا - القصيدة العينية ومسألة الفهم : هل صحيح أن العينية - كما قال الجيلي - هي قصيدة لم يسمح الدهر بفهمها لاعتزازها ؟ جوابنا هو : نعم ولا . تصدى عبد الغني النابلسي وهو لا يزال يافعا إلى شرح القصيدة العينية ، وجاء شرحه على صيغة “ نص صوفي وضع على نص صوفي “ . مما جعل الشرح يحتاج أحيانا إلى شرح ، وإلى ترجمة من اللغة الصوفية إلى اللغة العامة . كما أن نهج النابلسي في الشرح - على أهميته وسبقه - اعتمد الإجمال ، فلم يتوقف عند كل بيت من القصيدة ليشرح مفرداته ومعانيه ، بل ضم الأبيات المتتابعة في موضوعات وعمد إلى شرحها على وجه الإجمال . مما أبقى الغموض واللافهم ساكنا في الألفاظ والمعاني . وعندما عزمت على شرح القصيدة العينية ، شعرت كمن يتهيأ ليقيم حوارا عبر الزمان . وذكرت الحكيم الترمذي الذي ترك أسئلة حول الولاية ، أجاب عليها ابن العربي في فتوحاته ، وحاوره على بعد قرون . . وحين لمست أن الحوار المرتقب ضروري للكشف عن طاقات الروح “ النائمة “ في تكوين إنسان هذا الزمان ، بدأت الكتابة - المغامرة . وانتهجت التفصيل في شرحي للقصيدة ، فكنت أتوقف عند ألفاظ كل بيت لأبيّن دلالاتها في معاجم اللغة ، وبعد ذلك أؤلف معاني الألفاظ في معنى كلّي للبيت الواحد . كما انتهجت البيان فحاولت ترجمة الرموز من المعجم الشخصي للشاعر إلى المعجم الشعري العام ، كما حرصت - قدر الاستطاعة - على تفكيك ألغاز الإشارات .

عدد الصفحات ٢٧

28 ولا يخفى ما في انتهاج التفصيل والبيان من التحدي والصعوبة ، إذ يستحيل معهما الالتفاف حول معنى أو المراوغة ، بل لابدّ من الدخول في ذرّ الموضوع واك تشاف المعنى . هل سمح الدهر بفهم القصيدة العينية ؟ ربما استطعت أن أقدّم فهما ، ولكن هذا الفهم لا أدّعي أنه يستقصي حدّ القصيدة ، و “ يطلع “ منها ، بل يحرص على أن يقدّم للقارئ نصا مفهوما على مستوى اللفظ والمعنى ، وفي الوقت نفسه لا يكون حجابا على غيره من الفهوم الممكنة ، بل العكس ربما يكون فاعلا في توليد معاني جديدة و “ مطالع “ جديرة بالتأمل . ثالثا - بنية القصيدة : تتألف القصيدة العينية من جملة أجزاء متلاحمة متلاحقة ، لكأن الجيلي عندما وضع الحرف الأول منها كان في أفق الرؤية عنده الحرف الأخير . لذلك سوف نتجرأ على وحدة النفس الشعري المتجلي في القصيدة ، ونقسمها إلى أقسام اعتبارية بحسب تسلسل الموضوعات . وغنيّ عن البيان ، أن هذا التقسيم ليس ثابتا ولا نهائيا بل يقبل التحرّك والتجزّوء . وسوف نكتفي نحن هنا بالخطوط الكبرى للقصيدة تاركين تشعب أفكارها ؛ إما للفقرة المخصصة لأفكار القصيدة ، وإما ليطالعها القارئ في ثنايا شرحنا المنشور . وفيما يأتي نورد أقسامها الكبرى : * من البيت ( 1 ) إلى البيت16 ) : بطاقة هوية يقدم الجيلي في هذه الأبيات بطاقة هوية يعرّف فيها القارئ عن نفسه . وقد يخيّل لمن يطالع القصيدة أن هذه الأبيات هي في النسيب الذي درج عليه شعراء العرب في مطالع قصائدهم . ولكن نظرة متفحصة تؤكد لنا أن الجيلي هنا يقدم بطاقة هوية يعلن فيها عن نفسه ، يقول : أنا عاشق سكران ، لن أصحو من سكر الغرام ، لأن الهوى خمر لن تفارق أضالعي أبدا . ونعرف أن هذا العاشق الوالع عاش زمن الرند يجر ذيول اللهو في ساحة اللقا ويجني ثمار القرب ؛ ولكن لابد من الخروج من الجنة ، ومفارقة بداية التاريخ وصفو العلاقة ، وذوق النار . * من البيت ( 17 ) إلى البيت29 ) : معاناة الشاعر في الحب وتعبيره بلغات الأنبياء . يصور الجيلي في هذه الأبيات ما يعانيه من شدة الحب وبعد الديار . وحتى يكسب حبّه ومعاناته سمة قدسية ، يرجع إلى التاريخ المقدّس المشترك ليتواصل عبره مع الجماعة ، فيعبر عن لوعته ووجده بالإشارة إلى مشاهد من حياة تسعة من الأنبياء ، هم : نوح

عدد الصفحات ٢٨

29 وأيوب وإبراهيم ويونس وشعيب وزكريا ويحيى ويوسف ويعقوب ، عليهم السلام أجمعين . * من البيت ( 30 ) إلى البيت69 ) : توجّه الشاعر إلى محبوبه ، بوصف حاله في العشق ومكانة معشوقه لديه . يظهر الشاعر تذلله للمحبوب وخضوعه وطاعته ، وتلفه وفناء روحه ، وتفرّده بغرام لا يقاس به غرام ، وبأنه لا مسامع في آذانه للملام . . ولا يكتفي الشاعر بتصوير مشاعره ، بل يبلّغ محبوبه بأن كل شيء في العالم الخارجي المحيط به لا يحجب المحبوب بل يشف عنه . . فالعاشق يسمعه في ريح الصبا وفي نغمة الطير ، ويتخيله في البرق والرعد ، ويبصره في كل ما يطالع . * من البيت ( 70 ) إلى البيت( 112 ) : أسرار الشريعة يفصّل الجيلي في هذه الأبيات أسرار العبادات ، التي هي أركان الإسلام . فيتكلّم على الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج . ونرى كيف يمارس العشاق عباداتهم ، وكيف يقوم الباطن في حضرة المعبود بموازاة الظاهر ، فيؤدي القلب حركة كلّما تحرك البدن . . وهذا القسم من القصيدة يعتبر من النصوص النادرة في تاريخ الفكر الصوفي ، ربما نجد - فيما سلف - إشارات متفرقة إلى أسرار العبادات ، ولكن لم يسبق أن رأينا صوفيا يأخذ كل عبادة بمفردها ويتتبع حركاتها حركة حركة ، في الظاهر والباطن معا . فلينظر في شرح القصيدة خاصة “ عبادة الحج “ إذ أوردها الجيلي - على تنوعها وكثرتها - بتمام تفاصيلها ( من البيت رقم 80 إلى البيت رقم112 ) . كما أورد الجيلي المعاني نفسها في كتابه الإنسان الكامل ج 2 / ص ص86 - 91 فلتراجع * من البيت ( 113 ) إلى البيت126 ) : المقامالمحمدي . بعد إتمام عبادة الحج ، يتوجه الحاجّ نحو المدينة المنورة لزيارة روض رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم ، وهذا العمل البدني يقابله في الباطن عزم على التحقق بالمقام المحمدي . . حمى درست رسومه ، وأوج منيع دونه البرق لامع ، ولكن الجيلي سرى على بازل يجوب الفلا جوب الصواعق وليس له دون المرام موانع . * من البيت ( 127 ) إلى البيت159 ) : وحدة الوجود يشرح الجيلي في هذه الأبيات رؤيته للألوهية وتجلي الحق عزّ وجلّ في الكائنات ، وعلاقة الحق بالخلق . وينتهي إلى القول بأنه ما ثمة شيء سوى اللّّ في الورى ، وأنه هو تعالى تجلى في الأشياء حين خلقها ، فهو موجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل ، وفي تجليه في الكائنات تسمّى بأسماء هن مطالع للحق . * من البيت ( 160 ) إلى البيت185 ) : نظرية الجيلي في الجمال : الجمال الإلهي والجمال الكوني .

عدد الصفحات ٢٩

30 يرى الجيلي بأن جمال الكائنات ليس ذاتيا بل هو انعكاس للجمال الأوحد الإلهي ويطالب القارئ بأن يوحّد الجمال ولا يشرك به أحدا من خلقه ، وفي الوقت نفسه لا ينحجب عنه لقبح بصورة ، بل يشاهده أينما ولّى وجهه . * من البيت ( 186 ) إلى البيت280 ) : وصايا صوفية يوجّه الجيلي القارئ - المريد إلى أن يبيع نفسه ، ويخلع أوصافه ، ويتشجع لينال قرب النوافل ، فيعمّ الحق قواه كلّها ، يكون يده ولسانه وسمعه . . ويوصيه بأن يغص في بحار التوحيد ، ويترك التشبيه والتنزيه ، فيشبهه في تنزيهه وينزهه في تشبيهه . ولا يطلب فيه الدليل ، ويكتفي بالإيمان وحسن التتبع . ثم في البيت رقم ( 218 ) ، يعلن بأنه ثمة أصول في الطريق الصوفي خاصة بأهله . وأبرزها : تسليك النفس وإقامة الحرب عليها ، مقاطعة من واصلنا أيام غفلة ، اللوذ بالأولياء ، إدامة ذكر الحبيب ، التسليم لشيخ بارع في الحقيقة إن ساعدنا القدر بلقائه . * من البيت ( 281 ) إلى البيت535 ) : الجيلي يروي سيرته الروحية بعد أن فصّل الجيلي لطالب السعادة أصول الطريق الصوفي ، ينصحه بالا يستبعد حصول ذلك له بل يثق بأن الوصول إلى عالي الرتب والرؤية ممكن ، وبين يدي هذه الثقة سوف يقص عليه قصته الشخصية منذ بدايته وبروزه لمعة من النور الإلهي ، إلى نحو انتهائه إنسانا كاملا ، خليفة في الأرض . رابعا - أهم أفكار القصيدة العينية : ضمّن الجيلي قصيدته العينية أمهات الأفكار التي نثرها في مؤلفاته الأخرى . وهذه الأفكار لم يبتدعها الجيلي في تاريخ التصوف ، بل يمكن القول أنها موضوعات وقضايا طرحت في الوسط الصوفي ، بعد القرن السادس الهجري ، للتأمل والتجربة العرفانية . وفيما يأتي نتطرق باختصار إلى هذه الأفكار ، بالإضافة إلى ما سبق تفصيله عند الكلام على بنية القصيدة أ - العشق الإلهي . اختلفت آراء المسلمين حول مسألة “ عشق اللّّ “ ، وأنكر فريق منهم أن تكون علاقة الإنسان بربه هي علاقة عشق وتعشّق ، ورأوا أن المسموح في هذا المجال ، هو ما ورد في النص الديني ، أي علاقة الحب لا العشق . ولكن ، بعد القرن الخامس الهجري ، شاع لفظ العشق ، وأصبح مقبولا لدى عامة الصوفية ، وتوالت نصوصهم في العشق واصفة أحوالهم . ونختصر رؤية الصوفية للحب والعشق ، بأن هذه العاطفة اللاملموسة ، غير معترف بها عندهم وليست صادقة ، ما لم يقم عليها شاهد ؛ وشاهد الحب والعشق هو : الفناء .

عدد الصفحات ٣٠

31 يفنى المحبّ ليبقى محبوبه ، تفنى مراداته لمصلحة مرادات حبيبه ، وتفنى أهواؤه ومطالبه وشهواته ليبقى بدلا منها ما يشاء محبوبه ويرضى . . وكلّما ازداد الحب ازداد الفناء . بحيث أنه لا يصدق الحب ويكمل حتى يقول المحبّ لمحبوبه : يا أنا . وقد استعصى حال الفناء العشقي على الدخول في لغة الكلام ، لذلك عبّر كل صوفي عن حالته العشقية بلغة يوحي ظاهرها بالاتحاد ، مع تحذيره القارئ من أن يتوهم بين الإنسان واللّّ اتحادا أو حلولا . . يقول الجيلي في القصيدة العينية التي ننشرها : تنزّه ربّي عن حلول بقدسه ..... وحاشاه ، ما بالإتّحاد مواقع ويرى الجيلي بأن البداية هي ميل الإرادة نحو الآخر ، والنهاية هي العشق وظهور العاشق بالصورتين . . وما بين الميل والعشق يقطع الإنسان مراتب سبع ، فيكون المجموع تسع . يقول الجيلي : “ واعلم أن الإرادة لها تسعة مظاهر في المخلوقات : المظهر الأول هو الميل وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه . فإذا قوي جدا سمي ولعا ،وهو المظهر الثاني للإرادة . ثم إذا اشتد وزاد سمي صبابة ، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحب فكأنه انصبّ كالماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب ، وهذا هو المظهر الثالث للإرادة . ثم إذا تفرّغ له بالكلية وتمكّن ذلك منه سمى شغفا ، وهو المظهر الرابع للإرادة . ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذ عن الأشياء سمّي هوى ، وهو المظهر الخامس . ثم إذا استوفى حكمه على الجسد سمى غراما ، وهو المظهر السادس للإرادة . ثم إذا نما وزالت العلل الموجبة للميل سمي حبا ، وهو المظهر السابع . ثم إذا هاج حتى يفنى المحب عن نفسه سمّي ودا ، وهو المظهر الثامن للإرادة . ثم إذا طفح حتى أفنى المحب والمحبوب سمى عشقا وفي هذا المقام يرى العاشق معشوقه فلا يعرفه (. ) وهذا آخر مقامات الوصول والقرب. فيه ينكر العارف معروفه فلا يبقى عارف ولا معروف ولا عاشق ولا معشوق ، ولا يبقى إلا العشق وحده . والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت رسم ولا اسم ولا نعت ولا وصف ، فهو - أعني العشق - في ابتداء ظهوره يفنى العاشق حتى لا يبقي له اسما ولا رسما ( . . . ) فإذا امتحق العاشق وانطمس أخذ العشق في فناء المعشوق والعاشق . فلا يزال يفنى منه الاسم ثم الوصف ثم الذات فلا يبقى عاشق ولا معشوق ، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ويتصف بالصفتين فيسمّى بالعاشق ويسمّى بالمعشوق . . . “ . ب - وحدة الوجود :

عدد الصفحات ٣١

32 عرفت البشرية نظرية وحدة الوجود على أنها التي تقول بأن اللّّ والإنسان من طبيعة واحدة ، مما يمكن معه أن يرجع الإنسان إلى اللّّ وي تحد به إتحادا ماهويا . وحيث أن الإسلام أكد على تنزيه اللّّ سبحانه عن مخلوقاته كافة ، وأنه ليس كمثله شيء ، وأنه لا يحلّ في مخلوق ، ولا يتّحد به مخلوق . . لذلك أصبح الكلام على وحدة الوجود محفوفا بالخطر . وقد ظهرت فكرة وحدة الوجود ، وفي صيغتها الإسلامية - في الحقل الصوفي - مع محيي الدين ابن العربي ، وانتشرت من بعده في أوساط الصوفية الأفراد . وهي لا تقول بأن اللّّ والإنسان من طبيعة واحدة ، بل هما من طبيعتين متغايرتين ، محافظة بذلك على التنزيه الإلهي . ورغم قولها باثنينية وجودية ، إلا أن الدارسين نسبوا أقوال الصوفية إلى الوحدة لأنهم حصروا الوجود الحقيقي باللّّ وحده عزّ وجلّ ، والمخلوقات كلّها “ ملحقة بالعدم “ ما شمت رائحة الوجود ، بل هي صور قائمة بتجلي الحق فيها . فاللّّ عز وجلّ يخلق المخلوقات ، يخرجها من عدمها إلى الوجود بتجليه فيها ، ولكن حيث أن حقيقتها العدم فليس فيها طاقة لاستقبال الوجود والاحتفاظ به ، لذلك تسقط في العدم مباشرة . . واللّّ سبحانه ، يجدّد خلقها باستمرار ، يتجلّى فيها بآثار أسمائه لتظل صورا منصوبة . فالوجود بأكمله مرآة تعكس وجود الحق ، فمن ينظر إلى الكائنات يشهد الحق فيها ، إنها “ مرائي “ الحبيب ، “ وفي كل مرأى للحبيب طلائع . . . “ . يقول الجيلي ( الإنسان الكامل ج 2 / ص87 ) ذاكرا سر كلمة الشهادة“ إعلم انه لما كان الوجود منقسما بين خلق حكمه السلب والانعدام والفناء ، وحقّ حكمه الإيجاد والوجود والبقاء ، كانت كلمة الشهادة مبنية على سلب وهي “ لا “ ، وإيجاب وهي “ إلا “ ، معناه : لا وجود لشيء إلا اللّّ “ . ج - الإنسان الكامل : ظهرت الكتابة بوضوح حول “ الإنسان الكامل “ ، حول شخصه وأدواره على مستوى خلق الأكوان ومدار وجود الإنسان ، مع محيي الدين ابن العربي . أما عبد الكريم الجيلي فهو صاحب الاختصاص في تاريخ التصوف الإسلامي بهذا الموضوع . وقد أوردت عبارة “ صاحب الاختصاص “ معرّفة لا نكرة ، لأن موقع الجيلي فرضها ، فهو أول من تخصّص ب “ الإنسان الكامل “ في الحقل الصوفي . . لقد وقف كتاباته كلّها تقريبا على التعريف به ، وهذا يعني أن علومه الصوفية ومشاهداته تمحورت حول هذه المسألة .

عدد الصفحات ٣٢