المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ١٦ من ١٧

241 ومنهم2 ]، وذلك أنه لما تجلّى عليه بالصفة الحياتية السارية في جميع الموجودات ذاق هذا العبد بقوة أحدية تلك الحياة جميع ما هي عليه الممكنات ، فحينئذ تجلت الذات عليه بالصفة العلمية فعلم العوالم بأجمعها ، على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد .... ومنهم3 ] . . . فكان بصر هذا العبد موضع علمه ، فما ثمّ علم يرجع إلى الحق ، وما ثم علم يرجع إلى الخلق ، إلا وبصر هذا العبد واقع عليه . فهو يبصر الموجودات كما هي عليه في غيب الغيب . والعجب كل العجب أنه يجهلها في الشهادة . ومنهم4 ] ، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات . . . ومنهم5 ]، فكانت الموجودات من كلام هذا العبد . . . ومنهم6 ]جلّى اللّّ عليه بالصفة الإرادية ، وكانت المخلوقات حسب إرادته . . . ومنهم7 ]، فتكونت الأشياء بقدرته في العالم الغيبي . ولنرجع إلى أبيات الجيلي لنراه يفصل لنا من البيت ( رقم 483 ) ، أي الرقم الذي نشرحه الآن ، إلى البيت ( رقم 520 ) ، تجليات الصفات الإلهية السبع عليه ؛ وهي : الحياة والعلم والبصر والسمع والكلام والإرادة والقدرة. ولعل اقتصار الجيلي هنا على الصفات السبع مرجعه إلى أن الجيلي يرى ؛ أسوة بالصوفية ؛ الإنسان على صورة الرحمن ، والرحمن اسم ينضوي تحته جميع الأسماء الإلهية النفسية وهي هذه السبع التي اقتصر عليها هنا1 / ص20 - 22 ] . وابتداء من هذا البيت سيرتفع الجيلي أمام أعيننا على قاعدة الكمال ، وسيدور متمه لنرى أوجه كماله ، ونرى ما حلاّه اللّّ به من جميل صفاته . وأولها صفة الحياة ، وقد أشار أيضا إلى تحليه بهذه الحياة في كتابه الإنسان الكامل فقال : “ وكنت في هذا التجلي مدة من الزمن أشهد حياة الموجودات فيّ ، وانظر القدر الذي لكل موجود من حياتي ، كل على ما اقتضاه ذاته ، وأنا في ذلك واحد الحياة غير منقسم بالذات ، إلى أن نقلتني يد العناية عن هذا التجلي إلى غيره .... “ فالجيلي إذن ، على ما قال في كتابه الإنسان الكامل ، وعلى ما نفهمه من قوله هنا ، قد حلاّه اللّّ الحيّ بصفته ، فشهد بأن كل عجيب في الكون هو من جماله ، وشهد أن كل غريب ظهر وشاع في الوجود فهو من كماله . لذلك قال : “ فكل عجيب من جمالي مشاهد ، وكل غريب من كمالي شائع . “

عدد الصفحات ٢٤١

242 أما سبب استخدام الجيلي للفظ عجيب مع الجمال فذلك لأن الجمال يدهش ، إذ كل جميل إذا طغى جماله أدهش وأعجب . وسبب استخدامه للفظ غريب مع الكمال ، لأن الكمال مستبعد عقلا ومستغرب في عالم يشارك النقص في بناء وجوده . ويقول الجيلي في2 ص12 “ : ]لا يدهشك الجمال ولا يرعشك الجلال ، ولا تستبعد استيعاب الكمال “ . ( 484 ) وكلّ الورى طرّا مظاهر طلعتي ..... مراء بها من حسن وجهي لامع المفردات : الورى : الخلق ، المخلوقات . طرا : كافة ، جميعا . مراء : جمع مرآة . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه فيقول : “ وكل الورى طرا مظاهر طلعتي “ ، أي ويظهر وجهي ، وأطلع في كل الكائنات . . . فكل الكائنات هي مرآء يلمع بها حسن وجهي . ( 485 ) ظهرت بأوصاف البريّة كلّها .....أجل في ذوات الكلّ نوري ساطع المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول ؛ إنه هو الذي يظهر في كل وصف ظهر به مخلوق ، وإن نوره هو الذي يسطع في ذات كلّ مخلوق . (486 ) تخلّقت بالّتحقيق في كلّ صورة ..... ففي كلّ شيء من جمالي لوامع المفردات : تخلقت : أصبحت خلقا . المعنى : يتابع الجيلي تفصيله صفة الحياة فيقول : “ تخلقت بالتحقيق في كل صورة “ ، أي تنوّعت صوري ، فكل صورة في الكون قد تخلّقت بها ، حين تحققت بها ... لذلك ففي كل شيء من جمالي لوامع ، بمعنى جمالي يلمع في كل شيء. (487 )وما الكوّن في التّمثال إلا كدحية تصوّر روحي فيه شكل مخادع المفردات : دحية : إشارة إلى دحية الكلبي ، وكان من أجمل الصحابة وجها ، وقد ورد في الخبر أن جبريل عليه السّلام كان يأتي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم في صورته . المعنى : يفصّل هنا الجيلي البيت السابق ، الذي يؤكد فيه على تخلقه في كل صورة ، مستندا إلى الخبر الذي ورد بأن جبريل عليه السّلام كان يأتي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم أحيانا

عدد الصفحات ٢٤٢

243 في صورة دحية الكلبي2 /107 بسند صحيح ، وأورده الحافظ في الإصابة 3 /191 عن النسائي ، وصحّح إسناده ] . وقد استخدم الجيلي هذا الحدث ليبين أن العالم كلّه هو في المثال كدحية ، أي أن العالم كله هو مجرد مظهر ، هو عبارة عن شكل يخدع الناظر ، بحيث أن الناظر ينحجب بهذا الشكل فلا يدرك الروح المتصوّرة فيه ، كما خدع الصحابة بدحية حتى أخبرهم النبي صلّى اللّّ عليه وسلم أنه جبريل ... والجيلي يقول هنا ؛ إن روحه هي التي تصوّرت في جسم الكون ، فكان الكون أو الوجود هو الشكل أو المظهر ، وكان الجيلي - الانسان الكامل - الذي تجلت فيه صفة الحياة هو الروح ، أي روح الكون أو روح الوجود ... ( 488 ) فصفني بأوصاف الأنام جميعها ..... فإنّي لذيّاك المحاسن جامع المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول للسامع ؛ صفني بكل وصف ، وذلك لأنني أجمع كل أوصاف الموجودات . (489 ) وعن كلّ تشبيه فإنّي منزّه ..... وفي كلّ تنزيه فإنّي مضارع المفردات : مضارع : مشابه أو مشبّه . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل صفة الحياة فيه ؛ فبعد أن طلب من السامع أن يصفه بكل أوصاف الوجود ، وأن يشهد كل جمال كوني من حسنه نابع ، يحذره هنا من أن ينحجب بالتشبيه أو التنزيه ، فيقول له : “ ومن كل تشبيه فإني منزه “، أي نزّهني عندما يصلك خبر يفيد التشبيه . ومن جهة ثانية ، يقول له : “ وفي كل تنزيه ، فإني مضارع “ ، أي وشبهني في التنزيه . فالجيلي يطلب من القارئ أو السامع أن لا ينسى حقه من التشبيه حين ينزّهه ، ولا ينسى حقّه من التنزيه حين يشبهّه .... وهذا يطرح للأذهان علم الكلام الصوفي ، الذي لم يمش مع التنزيه الإلهي إلى حد التعطيل الصفاتي ، ولم يمش مع التشبيه الإلهي إلى حد التجسيم . بل نزّه اللّّ تعالى في كل مشهد وفي كل تجل تشبيهي ، ولم ينس التشبيه الإلهي في كل مشهد تنزيهي . فالحقيقة - كما يراها الصوفي - تشبيه في تنزيه ، وتنزيه في تشبيه . ونحن لا نعرف اللّّ عزّ وجلّ إلا إذا نزّهناه حين تشبيهنا له ، وشبّهناه حين تنزيهنا له .

عدد الصفحات ٢٤٣

244 وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجيلي هنا ، وأسوة برجال الصوفية ، يرى أن الذات الإلهية منزّهة عن المعرفة البشرية ؛ وأن كل تنزيه نقار به فإنما هو محدث مثلنا ، واللّّ عزّ وجلّ منزّه عن تنزيهنا له . يقول الجيلي في1 ص32 “ : ]التنزيه عبارة عن انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته ، كما يستحقه من نفسه لنفسه ، بطريق الأصالة والتعالي . . . فليس بأيدينا من التنزيه إلا التنزيه المحدث ، والتحق به . . . “ ويقول أيضا في التشبيه : “ التشبيه الإلهي عبارة عن صورة الجمال ، لأن الجمال الإلهي له معان وهي الأسماء والأوصاف الإلهية ، وله صورة وهي تجليات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول . فالمحسوس كما في قوله : رأيت ربّي في صورة شاب أمرد ، والمعقول كقوله تعالى : “ أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء . . . “ ولا شك أن اللّّ تعالى في ظهوره بصورة جماله باق على ما استحقه من تنزيه ، فكما أعطيتكذلك أعطه من التشبيه الإلهي حقّه “ . . . هكذا إذن الأمر عند الصوفية ، تشبيه في تنزيه ، وتنزيه في تشبيه . ( 490 ) وجسمي للأرواح روح مدبّر ..... وفي ذرّة منه الأنام جوامع المعنى : يتابع الجيلي بيان تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول : “ وجسمي للأرواح روح مدبر “ ، وقبل أن نشرح هذا القول ، نتوقف عند رؤية الجيلي للعلاقة بين الروح والبدن في الإنسان . فالبدن أو الجسم هو صورة الإنسان ، والروح هو معناه . للإنسان بدن هو صورته ، وروح هي معناه . فإذا كان الأغلب على الإنسان مقتضيات البدن والجسم أي مقتضيات البشرية والشهوانية فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني ، وتتقيد في البدن سجينة العادة والطبيعة . أما إذا كان الأغلب على الإنسان الأمور الروحانية ، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والكلام ، فإن بدنه يكتسب اللطف الروحي ، فيخطو على الماء ويطير في الهواء2 /9 ] . ولسنا هنا في معرض بحث ترقّي الإنسان في مقاماته ، ولكن لنقول :

عدد الصفحات ٢٤٤

245 إن العلاقة بين البدن وبين الروح هي علاقة حميمة . فالإنسان مهما ترقّى في الروحية لا يفارق بدنه ، بل بدنه يتابعه في التنور والروحانية ؛ بكلام آخر يترقى الإنسان ببدنه وبروحه معا من بدايات البشرية إلى أعلى المراتب الروحية . وهذا الاتحاد في الإنسان بين بدنه وروحه يفسر لنا لماذا عندما يصل الإنسان إلى مقام قرب النوافل ، ويصبح الحق سمعه وبصره ويده ولسانه ، فإنه إذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص ، وكذا في بقية قواه وأوداتها . وعندما يقول الجيلي هنا ؛ بأن جسمه هو الروح المدبر لأرواح الوجود ، فهو يريد أن يقول إن جسمه الذي هو صورته قد أصبح هو المعنى والروح التي تمد أرواح الوجود بالحياة والرعاية والمراعاة والتدبير ؛ بكلام آخر إن جسمه هو روح أرواح الوجود . . . وقوله : “ وفي ذرة منه الأنام جوامع “ تعني أن كل الخلق والمخلوقات ، على كثرتهم ، وعلى تعدادهم ، تسعهم ذرة من جسم الجيلي وهي تكفيهم حتى يجتمعوا فيها . (491 ) ولو لم يكن في الحسن منّي لطيفة ..... لما كانت الأجفانفيّ تطالع المفردات : لطيفة : الأمر الدقيق اللطيف الروحاني في مقابل الكثيف البدني . الأجفان : العيون . تطالع : تنظر . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول : “ ولو لم يكن في الحسن مني لطيفة “ ، بمعنى ولو لم يكن في كل أمر جميل شيء لطيف مني ، لما رأت العيون الجمال في الجميل . بكلام آخر ؛ أنا السر اللطيف المودع في جمال كل جميل ، وأنت أيها الناظر تنظر في الواقع إلى جمالي اللطيف المودع في كل جميل ، ولولا وجود جمالي الإلهي. ( 492 ) ولولا لذاتي في الكمال محاسن ..... تلوح ، لما مالت إليها الطّبائع المفردات : تلوح : تظهر . الطبائع : جمع طبع . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول ؛ ولولا أن جمال ذاتي يظهر ويلوح في كل كامل ، لما انجذبت طباع البشر نحو الكمال. (493 )فهيكل شخصي كلّ فرد بسيطه ..... لجوهر أنواع المحاسن جامع المفردات :

عدد الصفحات ٢٤٥

246 فهيكل شخصي صورة شخصي ، جسمي . بسيطه : من البساطة والوحدة التي هي ضد التركيب والتعدد . فرد : مفرد ، وهو الوحدة التي قد تكون مبنية على التركيب . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل وجود العبد الذي تجلّت فيه صفة الحياة ، وهذا العبد هنا هو الجيلي ، وكيف أنه يصبح حياة العالم بأجمعه ، تسري حياته في الموجودات جميعها ، جسمها وروحها ، ويشهد كيفية سريان حياته في الموجودات ، ذوقا إلهيا كشفيا غيبيا عينيا1 /38 . ] ويعلمنا الجيلي هنا ؛ بأن بسيط كل مفرد في هيكل شخصه ، أي في جسمه ، يجمع جوهر أنواع المحاسن . (494 ) وإنّي على تنزيه ربّيلقائل ..... بأوصافه عنّي ، فحقّي صادع المفردات : حقي : هويتي الحقيقة . صادع : ظاهر ، بيّن . المعنى : بعد أن فصّل الجيلي ما يتصف به ، وقد تجلت على ذاته ذات الحق سبحانه وتعالى بصفة الحياة ، يقف منبها على قوله بالتنزيه . فالعبد ، وإن تجلت على ذاته ذات الحق بصفة من صفاته تعالى ، إلا أن صفات الحق سبحانه منزهة عن أوصاف العبد ، لذلك يقول الجيلي : “ وإني على تنزيه ربي - لقائل - بأوصافه عني “ ، أي وإني أقول بتنزيه أوصاف ربي عن أوصافي . أما قوله “ :فحقي صادع “ ، فتعني أن حقيقتي ظاهرة وبيّنة ؛ ويريد الجيلي هنا أن يقول ، إنه وعلى الرغم من قوله بالتنزيه ، فتحقق الصفات الإلهية في حقيقة ظاهر وبيّن .

عدد الصفحات ٢٤٦

247 تاسعا الأبيات من ( 495 ) إلى535 ) الجيلي يروي سيرته الروحية الجزء السادس (495) أنا الحقّ والتحقيق جامع خلقه ..... أنا الذّات والوصف الذي هو تابع (496) فأحوي بذاتي ما علمت حقيقة ..... ونوري فيما قد أضاء ، فلامع (497) ويسمع تسبيح الصّوامت مسمعي ..... وإنّي لأسرار الصّدور أطالع (498) وأعلم ما قد كان في زمن مضى ..... وحالا ، وأدري ما أراه مضارع (499) ولو خطرت في أسود اللّيل نملة ..... على صخرة صمّا فإنّي مطالع (500) أعدّ الثّرى رملا مثاقيل ذرّه ..... وأحصي عديد القطر وهو هوامع (501) وأحكم موج البحر وسط خفيّها .....عيارا ومقدارا كما هو واقع (502) وأنظر تحقيقا بعيني محقّقا ..... قصور جنان الخلد وهي قلائع (503) وأتقن علما بالإحاطة جملة ..... لأوراق أشجار هناك أيانع (504) وكلّ طباق في الجحيم عرفتها ..... وأعرف أهليها ، ومن ثمّ واقع (505 )وأنواع تعذيب هناك علمتها ..... وأهوالها طرّا ، وهنّ فظائع (506) وأملاكها حقّا عرفت ، ولم يكن ..... عليّ بخاف ما له أنا صانع (507) وكلّ عذاب ثمّ ذقت ولم أبل..... أأخشى وإني للمقامين جامع (508 )وكلّ نعيم إنّني لمنعّمبه ..... وهو لي ملك ، وما ثمّ رادع “ (509) وكلّ عظيم في البريّة إنّه ..... كقطرة ماء من بحاري دافع (510) وكلّ حكيم كان أو هو كائن ..... فمن نوري الوضّاح في الخلق لامع (511 )وكلّ عزيز بالتّجبّر قاهر ..... ببطش اقتداري للبريّة قامع (512) وكلّ هدى في العالمين فإنّه هداي ، وما لي في الوجود منازع (513) أصوّر مهما شئت من عدم ، كما ..... أقدّر مهما شئت ، فهو مطاوع (514) وأفني إذا شئت الأنام بلمحة..... وأحيي بلفظ من حوته البلاقع (515) وأجمع ذرّات الجسوم من الثّرى ..... وأنشي كما كانت ، وإنّي بادع (516) وفي البحر لو نادى باسمي حوتها ..... أجبت وإنّي للمناجين سامع (517 )وفي البرّ لو هبّت رياح على الثّرى ..... أحيط وأحصي ما حوته البقائع (518) وخلف معالي قاف لو يستغيث بي ..... مغاث فإنّي ثمّ للضّرّ دافع (519) وأقلب أعيان الجبال ، فلو أقل ..... لها : ذهبا كوني ، فهنّ فواقع (520 )وأجري إذا شئت السفائن في الثرّى ..... وفي البحر لو أبغي المطيّ سارع (521) وإنّ الطّباق السّبع تحت قوائمي ..... ورجلي على الكرسيّ ثمّة رافع (522) وبيتي سقف العرش حاشاي ليس لي.... مكان ومن فيضي خلقن المواضع (523) وأجري على لوح المقادير ما أشا ..... وبالقلم الأعلى فكفّي بارع (524) فسدرة أوج المنتهى لي موطن..... وغاية غايات الكمال مشارع (525) فكلّ معاش الخلق تجريه راحتي ..... لراحتهم جودا ، ولست أصانع (526) وفي كلّ جزء من تراكيب هيكلي ..... لوسعي ، فالكرسيّ والعرش ضائع

عدد الصفحات ٢٤٧

248 (527) فلا فلك إلاّ وتجريه قدرتي ..... ولا ملك إلاّ لحكمي طائع (528) وأمحو الذي باللّوح قد كان ثابتا ..... وأثبت إذا وقعت ثمّ وقائع (529) وإنّي على هذا ، عن الكلّ فارغوليس به لي همّة وتنازع (530) ووصفي حقّا فوق ما قد وصفته ..... وحاشاي من حصر ومالي قاطع (531) وإنّي علي مقدار فهمك واصف..... وإلا فلي من بعد ذاك بدائع (532) وثمّ أمور ليس يمكن كشفها ..... بها قلّدتني عقدهنّ الشرائع (533) قفوت بها آثار أحمد تابعا..... فأعجب لمتبوع وما هو تابع (534) نبيّ له فوق المكانة رتبة ..... ومن عينه للنّاهلين منابع (535)عليه سلام اللّّ منّي وإنّما ..... سلامي على نفسي النّفيسة واقع شرح الأبيات :- ( 495 ) أنا الحقّ والتحقيق جامع خلقه ..... أنا الذّات والوصفالّذي هو تابع المعنى : يكرر الجيلي هنا مقولة الحلاج “ أنا الحق “ ، هذه المقولة التي تسببت بهجوم العدوّ وبحرج الصديق . ونحن في صدد إعداد بحث عن الحلاّج وكلمته المشهورة “ أنا الحق “ ، ولنا في تفسيرها أقوال دافعة لكل شك وريبة ، لذلك لن نستبق الأمور هنا ونفصّ ل معاني مقولة “ أنا الحق “ . بل نكتفي بأن نقول : إن الصوفي عندما يقول " أنا الحق " ، فهو يكون قد وصل إلى مقام "أنا الحق ". ومقام “ أنا الحق “ لا يعني أبدا أن الإنسان أصبح هو اللّّ ، بل كلمة "حق" هنا تعني الثبات . فالعبد يظل يتقلب في أطوار المقامات حتى يصل إلى مقام لا ينتقل عنه ويثبت فيه ، فإذا وصل إلى هذا الثبات عبّر عنه بقوله :أنا الحق ، أي أنا الثابت الذي لا يتغير ، والذي لا يلحقه - بعد الآن - باطل من أي وجه من وجوهه . فالجيلي هنا أصبح حقا ثابتا في تحققه بجميع حقائق المخلوقات . وأصبح له ذات وهوية عندما تحلّى بالأوصاف الإلهية ، وهويته هي ذات ثابتة لا تتغير ، ويلحقها كل هذه الأوصاف التي يذكرها في الأبيات السابقة واللاحقة . (496 ) فأحوي بذاتي ما علمت حقيقة ..... ونوري فيما قد أضاء ، فلامع المعنى : ينتقل الجيلي الآن من تفصيل مقام العبد الذي تجلّت فيه صفة الحياة ودوره ، إلى القول بأنه بعد صفة الحياة قد تجلّت فيه صفة العلم ، ويقول عن هذا المقام في الكامل ج 1 / ص38 “ : ]ومنهم من تجلّى اللّّ عليه بالصفة العلمية ، وذلك أنه لما تجلى عليه بالصفة الحياتية السارية في جميع الموجودات ذاق هذا العبد بقوة أحدية تلك

عدد الصفحات ٢٤٨

249 الحياة جميع ما هي عليه الممكنات ، فحينئذ تجلّت الذات عليه بالصفة العلمية فعلم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد ، وعلم كل شيء كيف كان وكيف هو كائن وكيف يكون ، وعلم ما لم يكن ولم لا يكون ... كل ذلك علما أصليا حكميا كشفيا ذوقيا من ذاته ، لسريانه في المعلومات ... وهذا الكلام لا يفهمه الغرباء ولا يذوقه إلا الأمناء الأدباء “ ... وهكذا يعلمنا الجيلي في هذا البيت ، أن الذات الإلهية تجلّت عليه بالصفة العلمية بعد الصفة الحياتية ، فيقول : “ فأحوي بذاتي ما علمت حقيقة “ ، أي وذاتي تحوي كل معلوماتي ، أي كل ما هو كائن ... ويقول في الشطر الثاني ، “ ونوري فيما قد أضاء فلامع “ ، أي ونوري هو الذي يلمع في كل شيء مضيء . ( 497 ) ويسمع تسبيح الصّوامت مسمعي ..... وإنّي لأسرار الصّدور أطالع المفردات : الصوامت : ما هو صامت في حكم العادة والناس كالجمادات والنباتات الخ . . . مسمعي : أداة سمعي . المعنى : يشير الجيلي في هذا البيت إلى تجلي الذات الإلهية عليه بصفة السمع ، ويقول عن هذا المقام في1 ص39 “ : ]ومنهم من تجلّى اللّّ عليه بصفة السمع ، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات ، وكان البعيد عنه كالقريب ... وفي هذا التجلي سمعت القرآن . . . “وهنا يؤكد الجيلي على هذا التجلي وتحصيله فيه ، فيقول : “ ويسمع تسبيح الصوامت مسمعي “ ، أي أن مسمعي يسمع تسبيح كل ما هو صامت في عرف الناس ، فأسمع تسبيح الشجر والحجر والحيوانات . ونقول لا نستغرب شرعا أن تسبح هذه الصوامت اللّّ عزّ وجلّ ، لأن هذا منصوص عليه في القرآن الكريم بقوله عزّ وجلّ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاه يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء :44.] ونستأنس هنا بنص للجيلي يشير فيه إلى تسبيح كل شيء في الوجود ، فيقول : “ . . .كل شيء في الوجود يسبّح الحق من حيث كل اسم ؛ فتسبيح الموجودات للّّ من حيث اسمه الحي هو عين وجودها بحياته ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه ؛ وقولها له “ يا عالم “ ، هي كونها أعطته العلم من نفسها بأن حكم عليها أنها كذا وكذا ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه المريد هو تخصيصها بإرادته على ما هي عليه ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه السميع هو إسماعها له إياه كلامها وهو ما تستحقه حقائقها

عدد الصفحات ٢٤٩

250 بطريق الحال ، لكنها فيما بينها وبين اللّّ بطريق المقال ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه البصير هي تعينها تحت بصره بما تستحقه ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه المتكلم هي كونها موجودة عن كلمته ؛ وقس على ذلك باقي الأسماء “ . وهكذا كل مخلوق جامد صامت يسبّح ، وتسبيحه هو عين تكوينه وانفعاله للاسم الإلهي ، وهو ما يسميه الجيلي التسبيح بلسان الحال ، ولكن لسان الحال هذا هو لسان مقال فيما بين المسبّح الصامت وبين اللّّ ، يسمعه من كشف اللّّ عنه . . . أما قول الجيلي في الشطر الثاني ، “ وإني لأسرار الصدور أطالع “ فهذا يعني أنّ اللّّ عزّ وجلّ كشف له عما تخفي الصدور ، وذلك لأن من كان الحق عزّ وجلّ سمعه فه و يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما تخفي الصدور . ( 498 ) وأعلم ما قد كان في زمن مضى ..... وحالا ، وأدري ما أراه مضارع المعنى : يقول الجيلي ؛ “ وأعلم ما قد كان في زمن مضى حالا “ ، أي وأعلم الماضي وأعلم الحاضر . ويقول ؛ “ وأدري ما أراه مضارع “ ، أي وأرى المستقبل ، ولا يكفي أنني أراه بل أدريه . ونقف هنا عند قوله “ وأدري ما أراه “ في المستقبل ، لنقول إنّ الإنسان قد يكشف له في رؤيا أو في منام عما سيحدث في المستقبل ، ولكن الرؤية هنا حيث أنها لم تقع بعد فهي معرّضة للتبديل ومعرّضة للتفسير والتأويل ، لذلك أتى الجيلي بعبارة “ وأدري ما أراه “، ليخبرنا بأنه يعلم تأويل ما يرى في المستقبل . (499 ) ولو خطرت في أسود الليل نملة ..... على صخرة صمّا فإنّي مطالع المفردات : صخرة صما : الصماء من الصخور هي الممتلئة القاسية الصلبة ، وذلك لأن كل أجوف فهو رنان وكل ممتلئ فهو أصم لا يرجّع صوتا . المعنى : ينتقل الجيلي هنا من تجلي صفة العلم والسمع إلى تجلي صفة البصر ؛ فيقول : “ ولو خطرت في أسود الليل نملة “ ، أي لو مشت نملة سوداء في ليلة ظلماء ، وقد استخدم الجيلي في هذا الشطر كل ما يشعرنا بتمام الظلام والسكون ، فالنملة صغيرة تكاد لا ترى ، ولونها الأسود يضيع في سواد الليل ، وهذه النملة لا تمشي بل تخطر ، أي لا تكاد تلامس الأرض ، لأن فعل خطر هو فعل أدق وأرهف من فعل مشى وهو يستخدم للأطياف وقياسا للأجسام .... فيكون معنى هذا البيت على ما يريد الجيلي : أنه لو مشت نملة سوداء ، مشيا لطيفا دون حس ، وفي ليلة شديدة السواد ، وعلى صخرة صماء لا ترجّع صوتا ، فإنه يراها .

عدد الصفحات ٢٥٠

251 (500 )أعدّالثّرى رملا مثاقيل ذرّه ..... وأحصي عديد القطر وهو هوامع المفردات : مثاقيل : ج . مثقال . القطر : ج . قطرة . هوامع : هامع ، هابط . المعنى : يتابع الجيلي تصوير عطاء ربّه ، ويحدثنا بنعمته تعالى عليه فهو الآن وقد تجلت عليه الذات بصفة البصر ، ولا يخفى علاقة السمع والبصر بالعلم ، يقول : “ أعد الثرى رملا مثاقيل ذرة “ ، أي وأستطيع أن أعدّ حبات رمل الأرض كلها ، وليس فقط أعدّ حبات الرمل بل أعلم مثقال ذرات الرمل هذه ووزنها . . . ويتابع بقوله في الشطر الثاني : “ وأحصي عديد القطر وهو هوامع “ ، أي وأستطيع أن أعد قطرات الماء الموجودة في المطر وهو نازل هابط . وقوله “وهو هوامع “ أي وهو هابط ، ليبين لنا أن علمه هذا ليس مبنيا على الملاحظة والاختبار بل على الكشف والشهود . فالجيلي لم يعدّ قطرات الماء قطرة قطرة بل أعطاه اللّّ تعالى ذلك بطريق الكشف وأشهده إياه عيانا ، لذلك يستطيع معرفة عدد حبات المطر ، والمطر في حركة لم يتوقف حتى يعدّه . . . (501 ) وأحكم موج البحر وسط خفيّها ..... عيارا ومقدارا ، كما هو واقع المفردات : وسط خفيها : وسط لججها . المعنى : يتابع الجيلي ، فيقول ؛ “ وأحكم موج البحر وسط خفيها عيارا ومقدارا “ ، أي وإنني أعلم بإحكام عيار ومقدار موج البحر ، والبحر مائج وسط لججه . وقوله “ كما هو واقع “ ، أي وتكون هذه الأمواج على ما هي عليه في الواقع . ( 502 ) وأنظر تحقيقا بعيني محقّقا ..... قصور جنان الخلد وهي قلائع المفردات : قلائع : ج . قلعة ، بمعنى الممتنع والبعيد العالي . المعنى : يتابع الجيلي تجلّي صفة البصر في العبد ، فيقول : “ وانظر تحقيقا بعيني “ ، أي وأنظر بعيني حقيقة . ويكمل بقوله ؛ “ محققا قصور جنان الخلد ، وهي قلائع “ ، أي أتحقق من قصور الجنان ، وهي على ما هي عليه من الامتناع والبعد والعلو .

عدد الصفحات ٢٥١

252 فيكون المعنى العام ، أن الجيلي- وقد تجلى اللّّ عليه بصفة البصر - ينظر بعينيه حقيقة ليتحقق من قصور الجنة ، فيراها على الرغم من أنها كالقلعة المنيعة التي لا يعلمها أحد . ( 503 ) وأتقن علما بالإحاطة جملة ..... لأوراق أشجار هناك أيانع المفردات : هناك : أي في جنان الخلد . المعنى : يتابع الجيلي وصف تجلّي صفة البصر على ذاته ، فيخبرنا ؛ بأنه يعلم إحاطة وجملة عدد أوراق شجر الجنة . ( 504 ) وكلّ طباق في الجحيم عرفتها ..... وأعرف أهليها ، ومن ثمّ واقع المفردات : طباق : جمع طبقة . وأعرف أهلها : وأعرف أهل النار . ومن ثم واقع : من سيقع في النار . المعنى : يتابع الجيلي تجلّي صفة البصر ، فيقول ؛ وعرفت طبقات النار كلها ودركاتها وعرفت أهلها كذلك . كما إنني عرفت من هو الذي سيقع في النار من أهلها . وقول الجيلي هنا : “ ومن ثمّ واقع “ ، فيه إشارة إلى التبديل . وقد ورد في الصحاح أن النبي صلّى اللّّ عليه وسلم قال : “ إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّّ ملكا فيؤمر بأربع ، برزقه وأجله وشقي أو سعيد . فو اللّّ إن أحدكم - أو الرجل - يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع - أو ذراع - فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها “ . وقال رجل يسأل رسول الله صلّى اللّّ عليه وسلم : أيعرف أهل الجنة من أهل النار ؟ فقال صلّى اللّّ عليه وسلم : نعم . قال الرجل : فلم يعمل العاملون ؟ قال صلّى اللّّ عليه وسلم : كل يعمل لما خلق له . وفي حديث صحيح آخر عن الإمام علي رضي اللّّ عنه قال : “ كنا جلوسا مع النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ومعه عود ينكت في الأرض . وقال : ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة .فقال رجل من القوم : ألا نتكل يا رسول اللّّ ؟ قال صلّى اللّّ عليه وسلم :لا ، اعملوا ، فكل ميسر “ ، ويفهم من كلامه صلّى اللّّ عليه وسلم فائدة العمل ودوره في إمكانية التبديل ، وأن اللّّ سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت . .

عدد الصفحات ٢٥٢

253 ( 505 ) وأنواع تعذيب هناك علمتها ..... وأهوالها طرّا ، وهنّ فظائع المفردات : هناك : أي في طباق الجحيم . وأهوالها : جمع هول ، وهو الأمر الفظيع . طرا : جميعا . فظائع : جمع فظيعة وهي الأمر العظيم المفزع . المعنى : يتابع الجيلي تجلّي صفة البصر ، فيقول : “ وأنواع تعذيب هناك علمتها “، أي وعلمت أنواع التعذيب الموجودة في طباق الجحيم . ويقول : “ وأهوالها طرا “ ، أي وعلمت أهوال الجحيم جميعها . وقوله “ وهن فظائع “ ، أي وأؤكد لكم من معرفتي هذه ، أن أنواع التعذيب التي في طباق الجحيم والأهوال الموجودة هناك هي فظيعة ، وهذا الإخبار فيه الكثير من التعليم والترشيد . (506 ) وأملاكها حقّا عرفت ، ولم يكن ..... عليّ بخاف ما له أنا صانع المفردات : أملاكها : جمع ملك ، وهنا يقصد الملائكة المكلّفة بالعذاب في الجحيم . المعنى : يتابع الجيلي فوائد تجلّي صفة البصر ، فيقول : “ وأملاكها حقا عرفت “ ، أي وعرفت ملائكة الجحيم كلها . ويكمل بقوله ؛ “ ولم يكن عليّ بخاف ماله أنا صانع “ ، أي وكيف يخفى عليّ الجحيم ودركاته وهو من صنعي . ونقول هنا في تفسير كلام الجيلي ، إن الإنسان هو الذي ينزل نفسه في طباق الجحيم بذنوبه ، فالإنسان هو صانع جحيمه بما أتى من ذنوب قلبية وقالبية . وننبّه إلى الفرق بين الجنة والجحيم ، فالجنة قد يهبها اللّّ عزّ وجلّ منة منه وفضلا ودون سبب محدد إلى عبد من عباده ، ولكن اللّّ عزّ وجلّ لا يرمي بعبد من عباده في النار دون ذنب ودون سبب . فالجنة قد تكون فضلا من اللّّ ولكن الجحيم دائما هو بأعمال الإنسان ، لأن اللّّ سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد . فاللّّ عزّ وجلّ إن شاء غفر لعبده ذنوبه وأدخله الجنة ورقاه في مراتبها ، وإ ن شاء حاسب عبده بذنوبه وأذاقه أهوال جحيمه . ( 507 ) وكلّ عذاب ثمّ ذقت ولم أبل ..... أأخشى ، وإني للمقامين جامع المفردات : ولم أُبَل : أي ولم أبال . المعنى :

عدد الصفحات ٢٥٣

254 يقول الجيلي ؛“ وكل عذاب ثم ذقت ولم أبل “ ، أي ذقت كل أنواع العذاب ولم أبال بما أذوق من العذاب . وذلك لأنني لا أخاف العذاب إذ كيف أخاف “وإني للمقامين جامع “ ، أي وأنا أجمع المقامين ، مقام الجنة ومقام النار ... وهنا يشير الجيلي إلى أن المؤمن لا يخاف من عذاب النار لأنه مبشّر بالجنة . فكل مؤمن مآله إلى الجنة لذلك حين يرد النار ، وما من إنسان إلا ويردها كل بحسب أعماله ، فهو لا يخاف . وبما أن كل مؤمن هو مبشر بالجنة فهو حكما جامع للمقامين ، لمقام النار عند مروره فيها في البداية ، ولمقام الجنة حين إقامته فيها أبد الآباد ... لذلك الجيلي هنا لم يخف ، ولم يبال بالعذاب عند وروده الجحيم ، لأنه يعلم خاتمته في الجنة ، وأن هذا العذاب سينقلب إلى نعيم مقيم . ( 508 ) وكلّ نعيم إنّني لمنعّم ..... به ، وهو لي ملك ، وما ثمّرادع المفردات : رادع : مانع . المعنى : يتابع الجيلي وصف رؤيته للجنان ، فيقول ؛ “ وكل نعيم إنني لمنعم به “ ، أي وبعد أن ذقت الجحيم ، تنعّمت بكل نعيم . وهذا النعيم الذي أتنعم به هو ملكي لا يشاركني فيه أحد ولا يزول . كما أنه لا يقوم مانع من ذاتي ، أو من خارج ، يمنعني من التنعّم بملكي . . . وهكذا نعيم أهل الجنة ، يتنعمون دون أي رادع في ملكهم . ( 509 ) وكلّ عظيم في البريّة إنّه ..... كقطرة ماء من بحاري دافع المعنى : يتابع الجيلي وصف تجلّي الصفات الإلهية على ذات العبد ، فبعد صفة الحياة والعلم والسمع والبصر يصل إلى تجلي القدرة ، فيقول : “ وكل عظيم في البرية “ ، أي كل عظيم تراه عيناك من البشر . . “ كقطرة ماء من بحاري دافع “ ، أي فهذا العظيم الذي تراه وتكبّر عظمته ، فإن عظمته هي كنقطة ماء دفعتها بحاري . . . وما على القارئ إلا أن يتأمل المسافة التي بين نقطة الماء وبين البحر ، إنها هي عين المسافة التي بين عظمة كل عظيم وبين عظمة الجيلي. ( 510 ) وكلّ حكيم كان ، أو هو كائن ..... فمن نوري الوضّاح في الخلق لامع المفردات : الوضاح : الظاهر الجلي . لامع : يلمع .

عدد الصفحات ٢٥٤

255 المعنى : يقول الجيلي ؛ “ وكل حكيم كان ، أو هو كائن “ ، أي وكل حكيم من البشر موجود الآن ، أو سيوجد . . “ فمن نوري الوضاح في الخلق لامع “ ، أي فهذا الحكيم يلمع في الخلق بسبب نوري الظاهر فيه ... وإذا تأملنا العلاقة بين الحكمة وبين النور ، فربّ نجد الجواب في أن الحكمة لا ينالها الإنسان بالكسب ، بل هي وهب إلهي يؤتى للإنسان ، وكل وهب فهو نوراني “ ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . . . “ . ( 511 ) وكلّ عزيز بالتّجبّر قاهر .....ببطش اقتداري للبريّة قامع المعنى : يتابع الجيلي بيان تجلي صفة القدرة ، فيقول ؛ وكل عزيز تراه في الكون يقهر الناس بتجبره ، فهو في الواقع يقمع الناس ويقهرهم ببطش اقتداري أنا ، وليس ببطش اقتداره هو ، فلا قدرة له إلا قدرتي . ( 512 ) وكلّ هدى في العالمين فإنّه ..... هداي ، وما لي في الوجود منازع المعنى : يتابع الجيلي وصف تجلّي صفة القدرة عليه ، فيقول ؛ وكل هدى يهدى بداعية في الناس فإنه من هداي ، وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى :إِنه الْهُدى هُدَى اللّهِ [ عمران73 . . . ] ويقول في الشطر الثاني ؛ “ومالي في الوجود منازع “ ، أي إنني أفعل ما أريد في الوجود ، لا ينازع فعلي أحد . ( 513 ) أصوّر مهما شئت من عدم ، كما ..... أقدّر مهما شئت ، فهو مطاوع المفردات : فهو مطاوع : أي العدم مطاوع . المعنى : يتابع الجيلي تجلّي صفة القدرة الإلهية على ذات الإنسان ، فيقول وهو في هذا التجلي ؛ “ أصور مهما شئت من عدم “ ، أي أخلق من العدم ما أشاء ، فقدرتي توجد المعدوم وتصوره . . . ويتابع بقوله ؛ “ كما أقدّر مهما شئت ، فهو مطاوع “ ، أي أن قدرتي تسع المقدّر كذلك وليس فقط الموجود ، فأقدّر من العدم ما أشاء بعد أن أصور منه ما أشاء ، والعدم يطاوعني في تصوير الموجودات وتقديرها كما أشاء . والجدير بالذكر هنا ، أن الجيلي يرى أن القدرة هي قوة ذاتية لا تكون إلا اللّّ عزّ وجلّ ، وشأنها أن تبرز الموجودات من العدم إلى الوجود ، وهذه القدرة الإلهية هي عين

عدد الصفحات ٢٥٥

256 القدرة الموجودة في الكائنات ، ولكن في نسبتها إلى الخلق تسمى قدرة حادثة وفي نسبتها إلى الحق تعالى تسمى قدرة قديمة . والقدرة في نسبتها إلى الإنسان عاجزة عن الإختراعات من العدم ، أي عاجزة عن إيجاد المعدوم . . . فالإنسان حين يتجلى اللّّ عليه بصفة القدرة ينتفي عنه العجز وتتكون الأش ياء بقدرته ، ومن هذا التجلي تصرفات أهل الهمم ، ومنه أيضا عالم الخيال وما يتصور فيه من غرائب وعجائب ، ومنه أيضا المشي على الماء والطيران في الهواء إلى غير ذلك من الخوارق .... ( 514 ) وأفني إذا شئت الأنام بلمحة ..... وأحيي بلفظ من حوته البلاقع المفردات : البلاقع : جمع بلقع ، والبلقع أو البلقعة هي الأرض القفر التي لا شيء بها . المعنى : يتابع الجيلي تجلّيات صفة القدرة ، يقول ؛ “ وأفني إذا شئت الأنام بلمحة “ ، أي إذا شئت ففي قدرتي أن أفني الناس كلهم بلمحة واحدة ، وذلك لأنّ قدرتي هي من آثار تجليات القدرة الإلهية ، واللّّ عزّ وجلّ أمره كلمح البصر ، قال تعالى :وَما أَمْرُنا إِلاه واحِدَة كَ لَمْحٍ بِالْبَصَرِ50 . . . ] ويتابع الجيلي بقوله ؛“ وأحيي بلفظ من حوته البلاقع “ ، أي ليس في مقدوري فقط أن أفني الناس كلهم لو أشاء ، بل في قدرتي كذلك أن أحيي بلفظ ، والمقصود به هنا لفظ “ كن “ ، من حوته الأرض وكان مدفونا بها ، بكلام آخر إنه يحيى الميت بلفظ كن . . . فالعبد إذا تجلّى اللّّ عليه بصفة القدرة يقول للشيء كن فيكون . ( 515 ) وأجمع ذرّات الجسوم من الثّرى ..... وأنشي كما كانت ، وإنّي بادع المفردات : الجسوم : جمع جسم . بادع : مبدع ، خالق . المعنى : يتابع الجيلي تجلّيات صفة القدرة ، فيقول ؛ “ واجمع ذرات الجسوم من الثرى “ ، أي وبعد موت الناس وفنائهم وتبعثر ذرات جسومهم في الأرض فإنني أجمع ذرات جسومهم بعد تبعثرها . . . ويقول ، “ وأنشىء كما كانت “، أي وانشىء هذه الجسوم كما كانت أول مرة . . . وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى :قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الهذِي أَنْشَأَها أَوهلَ مَرهةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم 78 و79 . ] وينهي الجيلي هذا البيت بقوله ؛“ وإني بادع “ ، أي وإني قادر على أنواع الإبداع والخلق .

عدد الصفحات ٢٥٦