المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ١٧ من ١٧

257 (516 ) وفي البحر لو نادى باسمي حوتها.. أجبت ، وإنّي للمناجين سامع المعنى : يتابع الجيلي تجلّيات صفة القدرة ، ويتداخل معها من الصفات السابقة صفة السمع ، يقول ؛ “ وفي البحر لو نادى باسمي حوتها أجبت “ ، أي في البحر لو نادى باسمي من هو في بطن الحوت لأجبته . . . و “ حوتها “ هنا هي بدل اشتمال تعني من كان في بطن الحوت ، وهو وارد في اللغة ، قال تعالى :وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ : 82.] بمعنى إسأل أهل القرية . . . قوله“ وإني للمناجين سامع “ معناه ، لا يستطيع الناس أن يسروا نجواهم عني فإني أسمع السر والنجوى ..... ( 517 ) وفي البرّ لو هبّت رياح على الثّرى ..... أحيط وأحصي ما حوته البقائع المفردات : البقائع : جمع بقعة وبقاع . والبقيع من الأرض هو المكان المتسع ولا يسمى بقيعا إلا وفيه شجر . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّيات الصفات على ذاته ، فيقول ؛ “ وفي البر لو هبت رياح على الثرى “ ، أي كما في البحر كذلك في البر ، لو سارت الريح على رمال الأرض ، فإنني أحيط بما حوته الأرض وأحصي كل شيء عددا. (518 )وخلف معالي قاف لو يستغيث بي ..... مغاث فإني ثمّ للضّرّ دافع المفردات : معالي قاف : أعالي جبل قاف ، وجبل قاف هو في الرمز الصوفي يمثل الامتناع والبعد فكل بعيد ممتنع هو خلف جبل قاف . مغاث : مستغيث . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلي صفة القدرة ، وقوله : “ وخلف معالي قاف لو يستغيث بي مغاث “ ، معناه أنه لو قام جبل قاف على علوه بيني وبين إنسان ، وهذا الإنسان استغاث بي ، لسمعته . وقوله : “ فإني ثم للضر دافع “ ، معناه وإن هذا المستغيث رغم وجوده خارج الأرض ، وبينه وبين سكانها يرتفع جبل قاف ، واستغاث بي ، فليس فقط في قدرتي أن أسمعه ، بل وأدفع عنه الضر ، والأذى الذي يستجير منه . . . ونقول ، هذا مع العلم بأنه لا يكشف الضر إلا اللّّ عزّ وجلّ لقوله تعالى :وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاه هُوَ [نس107 ] ولكن هذا العبد الذي يسمع المستغيث ويكشف الضر ، فهو العبد الذي فني عن نقائصه البشرية وبقي بروحه القدسية في مراتب قرب الولاية ، يسمع بالحق ويرى بالحق

عدد الصفحات ٢٥٧

258 ويبطش بالحق ويكشف الضر بالحق ، فالقدرة للّّ عزّ وجلّ لا يشارك فيها ، يعطيها لمن يشاء من عبيده ، وسبحان من يعطي من يشاء من عبيده بغير حساب ... ( 519 ) وأقلب أعيان الجبال فلو أقل ..... لها : ذهبا كوني ، فهنّ فواقع المفردات : أعيان الجبال : جمع عين الجبل ، وعين الجبل هو مادته أي التراب . فهن فواقع : أي تصبح ذهبا أصفر فاقعا . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّيات صفة القدرة ، ويقول : إن في قدرته أن يقلب تراب الجبال ذهبا ، فلو قال لتراب الجبال : كن ذاهبا ، فإنه يكون ، وفي ذلك إشارة إلى كلمة التكوين “ كن “ . وليس هذا بمستبعد أي ليس بمستبعد أن يقلب اللّّ عزّ وجلّ تراب الجبال ذهبا لمن يريد من خلقه ، وهو تعالى قد أرسل جبريل إلى نبيه صلّى اللّّ عليه وسلم يسأله أن يجعل له جبل أحد ذهبا . . . ويجدر أن ننبه هنا إلى كل أدوات الشرط التي يستخدمها الجيلي ، كما في قوله في الأبيات السابقة “ لو نادى باسمي حوتها “ “ لو هبت رياح على الثرى “ ، “ لو يستغيث بي مغاث “ ، “ فلو أقول لها : ذهبا كوني “ وقوله في البيت اللاحق “ إذا شئت “ ، “ لو أبغي “ . . . فأدوات الشرط هذه تلمح إلى ما أعطى الحق عزّ وجلّ الجيلي من القدرة ، كما تبين أنه لم يفعل بقدرته شيئا ، وذلك لأنه لا يشاء إلا ما يشاء اللّّ عزّ وجلّ . ( 520 ) وأجري إذا شئت السفائن في الثّرى .... وفي البحر لو أبغي المطيّ تسارع المفردات : في الثرى : في التراب . المطي : ما يركب ويمتطى من الدواب . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل تجلّيات صفة القدرة وما يمنحه العبد من آثارها ، فيقول هنا : “ وأجري ، إذا شئت ، السفائن في الثرى “ ، أي ولو أشاء لسيّرت السفن على التراب ، وفي ذلك تأكيد على قدرة تمكّن السفن ، التي لا تجري إلا على الماء ، من الجريان على التراب . . وقوله : “ وفي البحر ، لو أبغي ، المطيّ تسارع “ ، معناه ، وكما أسيّر السفن في التراب كذلك لو أريد لجعلت الدواب تسارع في البحر . [ “أرض الحقيقة“ في فتوحات ابن العربي ، ج 1 / ص126 ،ص - 130 ].

عدد الصفحات ٢٥٨

259 (521 ) وإنّ الطّياق السّبع تحت قوائمي ..... ورجلي على الكرسيّ ثمّة رافع المفردات : الطباق السبع : المقصود هنا طبقات الجنة السبع . الكرسي : هي مظهر الاقتدار عند الجيليجع الإنسان الكامل ، 2 / ص5 . ] المعنى : بعد أن فصّل الجيلي قدراته وقد تجلت عليه الذات الإلهية بصفاتها ، ورأيناه يظهر بمظاهر الصفات من حياة وعلم وبصر وسمع وكلام وإرادة وقدرة ، ينتقل للكلام - في هذا البيت والأبيات اللاحقة - على مكانة الإنسان الكامل ، وهو محمد صلّى اللّّ عليه وسلم . ولكن نلاحظ أن الجيلي يتابع كلامه بصيغة المتكلم ، وهذا مألوف صوفيا ، إذ إنّ الصوفي ينقّل أقدامه من موطن إلى موطن ، وينقّل وجدانه من هوى إلى هوى ، كل ذلك والخطاب يتسلسل دون انقطاع ودون تصريح . والجيلي هنا ينتقل من الكلام على تجليات الصفات وأثرها على العبد ، إلى الكلام على مكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم الذي هو “ عين ذات كل فرد من أفراد الجنس البشري “ ، على ما يؤكد الجيليجع الإنسان الكامل ، ج 1 / ص78 . ] ويختتم الجيلي قصيدته بهذا الكلام الذي يعرفنا به على مكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم . وقوله هنا ، “ وإن الطباق السبع تحت قوائمي “ ، تشير إلى مقام النبي صلّى اللّّ عليه وسلم في طبقة فوق الجنان ، وهي التي تسمّى بالمقام المحمود . وذلك أن الجنان على ما يفصّلها الجيلي في1 / ص34 ] ثماني طبقات الطبقة الأولى تسمى جنة السلام وأيضا جنة المجازاة ، ويدخلها الناس بأعمالهم الصالحة . والطبقة الثانية هي فوق الأولى وأعلى منها وتسمى جنة الخلد وجنة المكاسب ، ويدخلها الناس نتيجة عقائدهم وظنونهم الحسنة باللّّ تعالى . والطبقة الثالثة تسمى جنة المواهب وهي أوسع الجنان ، وهي سر قوله تعالى :وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُله شَيْءٍ [ الأعراف : 156.] والطبقة الرابعة تسمى جنة الاستحقاق وجنة النعيم وجنة الفطرة ، وهي مختصة بمن خرج من الدنيا وروحه لا تزال باقية على فطرتها الأصلية التي خلقه اللّّ تعالى عليها أي على أحسن تقويم . والطبقة الخامسة تسمى بالفردوس وهي جنة المعارف أهلها هم شهداء الجمال والحسن الإلهي ، قتلوا في محبة اللّّ ت عالى بسيف الفناء عن نفوسهم ، فلا يشهدون إلا محبوبهم. والطبقة السادسة تسمى الفضيلة ، وأهلها هم الصديقون الذين أثنى اللّّ عليهم بأنهم عند مليك مقتدر .

عدد الصفحات ٢٥٩

260 والطبقة السابعة تسمى الدرجة الرفيعة ، وأرضها باطن العرش ، وأهلها يسمون أهل التحقق بالحقائق الإلهية ، وهم المقربون أهل الخلافة الإلهية . والطبقة الثامنة هي التي تسمى بالمقام المحمود ، أرضها سقف العرش ليس لأحد عليها طريق ، وكل من أهل الطبقة السابعة هو طالب للوصول إليها . ولكن هي لمحمد صلّى اللّّ عليه وسلم لقوله إن المقام المحمود أعلى مكانة في الجنة ، وإنها لا تكون إلا لرجل واحد ، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل ، ثم أخبر أن اللّّ تعالى وعده بها ، فلنؤمن ونصدق بما قاله فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . . . وهكذا في هذا البيت والذي يليه ، يتكلم الجيلي على المقام المحمود ، وأنه الطبقة الثامنة من الجنان ، لا يدخلها إلا واحد هو النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، وإن المقام المحمود الذي يقف النبي صلّى اللّّ عليه وسلم على أرضه يعلو الطباق السبع . وقول الجيلي : “ ورجل على الكرسي ثمة واقع “ ، معناه ، أن النبي صلّى اللّّ عليه وسلم المقيم في المقام المحمود “قد رفع رجله على الكرسي “ ، وهي عبارة رمزية تعني قد تحقق بالاقتدار ، وأن منه يبرز الأمر الإلهي إلى الوجود . لأن الكرسي ، على ما يقول الجيلي في [ الإنسان الكامل2 /5 ]، عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية ، وهو مظهر الاقتدار الإلهي ومحل الأمر والنهي ، ومركز الضر والنفع ، ومنه يبرز الأمر الإلهي في الوجود . . . ( 522 ) وبيتي سقف العرش حاشاي ليس لي .... مكان ومن فيضي خلقن المواضع المفردات : ليس لي مكان : لا يحدني مكان . المواضع : جمع موضع . المعنى : يقول الجيلي واضعا مقام النبي صلّى اللّّ عليه وسلم في درجته في الجنان ، فيقول ؛ “ وبيتي سقف العرش “ ، أي ومنزل محمد صلّى اللّّ عليه وسلم هو المقام المحمود الذي محله فوق العرش ، وأرضه سقف العرش كما مر معنا في البيت السابق . وقوله : “ حاشاي ليس لي مكان ومن فيضي خلقن المواضع “، أي وتحديد منزل النبي عليه الصلاة والسلام بالمقام المحمود هو حصر ينزّه النبي صلّى اللّّ عليه وسلم عنه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وإن كان منزله المقام المحمود إلا أنه يعلو عن أن يحصره مقام أو مكان أو منزل ، بل من فيض وجوده خلقت الأمكنة كلها . وفي ذلك إشارة إلى الحديث القدسي الذي يردده الصوفية كثيرا ، والذي معناه : إن أول ما خلق اللّّ عزّ وجلّ نور النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، ومن نوره خلق كل شيء ... ( 523 ) وأجري على لوح المقادير ما أشا ..... وبالقلم الأعلى فكفّي بارع

عدد الصفحات ٢٦٠

261 المعنى : يتابع الجيلي الكلام على مكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ودوره في بناء الكون ، وأنه هو الذي يمسك بأصابع كفه القلم ليكتب فيه على لوح المقادير ما يشاء ، ويكون الأمر في الوجود على حسب ما قضاه وقدّره . (524 ) فسدرة أوج المنتهى لي موطن ..... وغاية غايات الكمال مشارع المفردات : مشارع : المشرعة هي الموضع الذي ينحدر إلى الماء منه . المعنى : يتابع الجيلي الكلام على الإنسان الكامل أي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، ومكانته في الكون ، فيقول بلسان الحقيقة المحمدية : “ فسدرة أوج المنتهى لي موطن “ ، أي موطن النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ومنزله هو أعلى سدرة المنتهى . . وقوله : “ وغاية غايات الكمال مشارع “ ، معناه أن غاية الكمال هي طريق من أراد أن ينهل من منابعي . ( 525 ) فكلّ معاش الخلق تجريه راحتي ..... لراحتهم جودا ولست أصانع المفردات : راحتي لراحتهم : الراحة هي باطن اليد ، وهي مكان الأخذ والعطاء . جودا : كرما . أصانع : المصانعة هو أن تصنع شيئا لإنسان ليصنع لك في مقابله شيئا آخر . المعنى : يتابع الجيلي مكانة الإنسان الكامل ، أي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم من الكون ، فيقول : “ فكل معاش الخلق تجربه راحتي لراحتهم جودا “ ، بمعنى ها هي يد النبي صلّى اللّّ عليه وسلم مبسوطة بالعطاء ، وكل أرزاق العباد تجري من راحة يده عليه الصلاة والسلام لتقع في راحة أيدي البشر ... وقوله “ :ولست أصانع “ ، أي وهذا العطاء ، الذي يجري من راحة يد النبي صلّى اللّّ عليه وسلم إلى راحات البشر ، هو من باب الجود والكرم الصرف ، هو عطاء لا ينتظر معاوضة وعوضا . ( 526 ) وفي كلّ جزء من تراكيب هيكلي ..... لوسعي فالكرسيّ والعرشضائع المفردات : هكيلي : جسمي . المعنى :

عدد الصفحات ٢٦١

262 يتابع الجيلي وصف مكانة الإنسان الكامل الذي هو النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، وهو في كل ذلك مأخوذ الوجدان ، يتكلم - في حال توحّده - بلسان الإنسان الكامل ، ليخبر : بأن في كل جزء من تراكيب جسم الإنسان الكامل ، لإتساعه ، يضيع العرش والكرسي . وهذا يذكرنا بقول السيدة عائشة رضي اللّّ عنها ، أنها رأت النبي صلّى اللّّ عليه وسلم على حقيقته مرتين فقط ، ووصفت عظمة ما رأت في صورة بدنية. ويظهر حظ الجنس البشري من هذا الكمال في الحديث القدسي ، الذي يردده الصوفية كثيرا ، وذكره الغزالي في الأحياء3 / ص15 “ : ]ما وسعني أرضي و سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن “ فالإنسان في التصور الصوفي هو المخلوق الحادث الذي خلقه اللّّ عزّ وجل بعد أن خلق الكائنات كلها ، من عرش وكرسي وقلم ولوح وملائكة وأرض وسماء . . وجمع له في تكوينه كل ما تفرّ ق في العوالم المخلوقة . ( 527 ) فلا فلك إلاّ وتجريه قدرتي ..... ولا ملك إلاّ لحكمي طائع المفردات : فلك : مدار النجوم . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل مكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم - الإنسان الكامل - في الكون ، وهو الخليفة الذي يظهر بكل مظاهر الحق الذي استخلفه. فاللّّ عزّ وجلّ تجري الفلك بأمره وله الحكم وله الملك ، وكذلك من جعله في الأرض خليفة أعطاه قدرة تجري الفلك ، وأعطاه حكما يطيعه الملك . .. (528 ) وأمحو الذي باللّوح قد كان ثابتا ..... وأثبت إذا وقعت ثمّ وقائع المفردات : وقعت الوقائع : نزلت نوازل ، والواقعة هي الداهية النازلة من صروف الدهر . المعنى : يتابع الجيلي تفضيل مكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم - الإنسان الكامل - في الكون ، وكيف أن اللّّ عزّ وجلّ استخلفه في الأرض وأعطاه من قدرته ما يمكّن فيه استخلافه في الأرض ، وهنا يقول الجيلي عن الإنسان الخليفة ، بأنه يمحو ما هو مكتوب مثبت في اللوح ، وهو لا يمحو فقط بل يثبت أيضا النوازل المقضي بها على البشر ... فاللّّ عزّ وجلّ يمحو ما يشاء ويثبت ، وقد أذن تعالى لخليفته بأن يبرز بالقدرة في ظاهر الأكوان ، فيمحو ويثبت . (529 ) وإنّي على هذا عن الكلّ فارغ ، ..... وليس به لي همّة وتنازع

عدد الصفحات ٢٦٢

263 المفردات : تنازع : حنين واشتياق . المعنى : ينبّه الجيلي هنا على أن الإنسان - الخليفة ، وإن ظهر بكل هذه المظاهر من قدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر وكلام ، كذلك وإن كان موطنه أعلى سدرة المنتهى ويجري على لوح المقادير ما يشاء ، وإن كانت قدرته تجري الأفلاك وأحكامه تطيعها الأملاك ، فهو من كل ما تقدم فارغ الهمة ، ووجه قلبه غير ملتفت إلى شيء مما يظهر فيه أو عليه ، فيقول : “ وإني على هذا “، أي وإني - والمقصود النبي صلّى اللّّ عليه وسلم - على كل ما تقدم تعداده من مظاهر القدرة ، “ عن الكل فارغ “ أي غير مشغول بأي أمر من الأمور المتقدمة . وقوله : “ وليس به لي همة وتنازع “ ، أي ولا تنازعني نفسي إلى شيء من القدرة التي تظهر عليّ ، وإنني كذلك لا أهمّ بأي عمل أقوم به ، ويكون بذلك هذا الإنسان الخليفة وإن ظهر بكل مظاهر القدرة إلا أنه لا يشاء إلا ما يشاء اللّّ عزّ وجلّ ، وإنّ نفسه لا تنازعه إلى شيء ولا تهمّ بشيء . .. (530 )ووصفي حقّا فوق ما قد وصفته ..... وحاشاي من حصر ، ومالي قاطع المفردات : ومالي قاطع : ومالي حد . المعنى : بعد كل ما فصّل الجيلي من أوصاف الإنسان الخليفة يقول : “ ووصفي حقا فوق ما قد وصفته “ ، أي ومكانة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم وأوصافه ، هي أعلى في الحقيقة من كل كلام شرحته وفصلته ... وقوله : “ وحاشاي من حصر ومالي قاطع “ ، أي وكيف تحصر الأوصاف من هو مثلي ، والكلام هنا على لسان الحقيقة المحمدية ، فأنا فوق الحصر ولا حد يحدّني ولا تتناهى أوصافي . ويروي الجيلي في2 / ص15 ] قوله في المعنى نفسه ” ما زلت ارتع في ميادين الرضا ..... حتى بلغت مكانة لا توهب “. ( 531 ) وإنّي علي مقدار فهمك واصف ..... وإلا فلي من بعد ذاك بدائع المفردات : بدائع : جمع بديع ، وأبدع الشيء بمعنى أحدثه واخترعه لا على مثال . المعنى : يتابع الجيلي كلامه على أوصاف الإنسان الكامل ، وهو النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، يقول :

عدد الصفحات ٢٦٣

264 “ وإني على مقدار فهمك واصف“ ، بمعنى وإن كل ما أصف به الخليفة - الإنسان الكامل ، فإنما هو على قدر فهمك وليس على قدر حقيقته . وفي ذلك تأكيد على الموقف النبوي من حيث أنه يخاطب الناس على قدر عقولهم . وقوله “ :وإلا فلي من بعد ذاك بدائع “ ، معناه وإن كنت وصفت على مقدار فهمك ، إلا أن اللّّ عزّ وجلّ أعطاني ما ليس له في فهمك مثال . ( 532 ) وثمّ أمور ليس يمكن كشفها ..... بها قلّدتني عقدهنّ الشرائع المفردات : قلدتني : ألزمتني ، قلده الأمر بمعنى ألزمه إياه . عقدهن :العقد هو السر والعهد . ورد في430 “ : ]والعقد عقد السر ، وهو ما يعتقد العبد بقلبه بينه وبين اللّّ تعالى أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا ، قال اللّّ تعالى : يا أَي هَا الهذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [1 . “ ] المعنى : يقول الجيلي ؛ “ وثم أمور ليس يمكن كشفها “ ، أي وهناك أمور لا تقال ، ولا يمكن الكشف عنها بالعبارات . وقوله : “ بها قلدتني عقدهن الشرائع “ ، معناه ، وإنّ هذه الأمور التي لا تقال قد ألزمتني الشرائع بأن أدعها سرا . فالجيلي لا يكشف عن هذه الأمور ، لأنها من علوم الأسرار . (533) قفوت بها آثار أحمد تابعا ..... فأعجب لمتبوع وما هو تابع المفردات : فأعجب : عجبا . المعنى : يقول الجيلي ؛ “ قفوت بها آثار أحمد تابعا “ ، أي إنني عندما تركت هذه الأمور سرا ، فقد قفوت بذلك وتتبعت آثار النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينشر كل علومه على الناس ؛ فمن العلوم ما بلّغه للناس ، ومنها ما كتمه عن الناس ولم يؤمر بتبليغه . . . وقوله “ :فأعجب لمتبوع وما هو تابع “ ، أي ويا عجبا لنبيّ تبعته كل الخلائق ، ونتّبعه في كل فعل وترك ، وهو أول في الشريعة لم يتبع أحدا ، فهو أول غير تابع لأحد وإن كان متبوعا من كل مؤمن . ( 534 ) نبيّ له فوق المكانة رتبة .....ومن عينه للنّاهلين منابع المفردات : للناهلين : للشاربين . المعنى :

عدد الصفحات ٢٦٤

265 يقول الجيلي ؛“ نبي له فوق المكانة رتبة “ ، بمعنى أن رتبة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم لا تقاس بالمكانة ، بل هي فوق معيار الأمكنة والمقياس بها ؛ تماما كما نقول عن شيء نريد أن نعدّه إنه لا يقاس بالعدد لأنه فوق العدد ، وأجلّ من أن يكون معدودا بعدد . وقوله : “ ومن عينه للناهلين منابع “ ، أي ومن ذاته صلّى اللّّ عليه وسلم وشريعته تتعدد منابع المعرفة والسلوك لترضي وتروي جميع أصناف الشاربين . . . فكل عطشان وعلى أي صورة كان عطشه ، فإنه يرد حوضه صلّى اللّّ عليه وس لم ولا يلبث أن يرفع وجهه راضيا شكورا . ( 535 ) عليه سلام اللّّ منّي وإنّما ..... سلامي على نفسي النّفيسة واقع المعنى : يقول الجيلي ؛ “ عليه سلام اللّّ مني “ ، بمعنى ؛ اللهمّ سلّم على سيدنا محمد صلّى اللّّ عليه وسلم . . وقوله : “ وإنما سلامي على نفسي النفيسة واقع “ ، أي وإن سلامي على النبي صلّى اللّّ عليه وسلم يقع في الحقيقة على نفسي النفيسة . . . وهذا معناه أن النبي صلّى اللّّ عليه وسلم هو نفس الجيلي النفيسة ، ولا يحصر الجيلي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم بنفسه ، بل يقول في الإنسان الكامل ،1 / ص78 ] “الحقيقة المحمدية هي عين ذات كل فرد من أفراد الإنسان “ ؛ بكلام آخر ، إنّ النبي صلّى اللّّ عليه وسلم هو ذات كل فرد منا ، هو النفس النفيسة التي فينا . وتأكيد الجيلي على صفة النفيسة لتمييزها عن النفس الخسيسة الأمّارة في الإنسان . فالنبي هو نفسنا النفيسة التي نجاهد كل لحظة للوصول إليها . . . ولا ينبغي هنا أن يجفل القارئ عندما يسمع صوفيا يقول : إنّ النبي هو نفسه النفيسة ، بل يتروّى قليلا ، ويراجع الشرع ، فإنه يرى أن الشرع يأمرنا بأن نتأسّى به في كل شيء ، وما معنى أن نتأسّى به في كل شيء ، أليس هو بلغة الواقع أن ننطبع بصورته الصفاتية ، وأن نستبدل نفسنا الخسيسة الأمّارة بنفس نصيغها من اتباعه صلّى اللّّ عليه وسلم على مقدار طاقتنا . والمسلم الحق المتّبع للأوامر الإلهية بصدق ، هو من فكّك أعماقه وأعاد صياغتها على النموذج الإنساني المتجلي للناس في كينونة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم . . . أليس عندها : أنّ كل جزء نفيس في نفوسنا ، فهو منه عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. تم و الحمد لله رب العالمين * عبدالله المسافر بالله

عدد الصفحات ٢٦٥