225 يتابع الجيلي مسيرته في الفناء ، ويخبرناعما يجد بقوله ؛ حين فنيت عن نفسي وانتبهت من غفلتي ، فارقت رتبتي الكونية وحصّلت بقائي باللّّ ورتبتي القدسية ، عندها شاهدت نفسي على حقيقتها ، وعلمت أن جوهر وجودي هو :حق . ونقول إن كان المحاسبي يرى أن العقل هو جوهر الإنسان ، ويرى الصوفية عامة أن جوهر الإنسان إرادة ، فإن الجيلي يرى أن الحق هو جوهر الإنسان . يقول في الإنسان الكامل1 /70 “ : ]والحق عند العارفين . “ نتساءل ماذا يقصد الجيلي بقوله : “ إن الحق هو جوهر الإنسان الكامل “ . هل يريد أن يقول إن الإنسان في تدرجه إلى الكمال يقارب الاتحاد باللّّ وتنتفي إثينيّة الخالق والمخلوق ، أو أن الإنسان عند وصوله إلى الكمال يصير هو اللّّ ؟! كلا ، لأن هذا التفكير ينافي العقل ، على حد تعبير الإمام الغزالي ؛ وتتلخص رؤية الجيلي بأن الإنسان بعد أن يتجلى له اللّّ عزّ وجلّ ، يسحقه ويمحقه ثم يم حوه ويفنيه عن نفسه وعن كل شيء ، ولا يتركه الحق عزّ وجلّ مغيّبا في فنائه مستغرقا في العدم ، بل يقيم فيه لطيفة إلهية ، وهذا ما نسميه بمقام “ البقاء باللّّ “ . وهذه اللطيفة الإلهية التي تقوم في العبد نيابة عن وجوده السابق قد تكون ذاتية وقد تكون صفاتية ، وعليها تقع كل التجليات الإلهية ، من تجليات أسمائية أو صفاتية أو فعلية ... وإن كانت اللطيفة الإلهية المقامة في العبد الفاني ذاتية ، يصبح الهيكل الإنسانيّ لهذا العبد هو الفرد الكامل والغوث الجامع ، وعليه يدور أمر الوجود ، وهو الخليفة لا يحجب عنه شيء ويفعل ما يشاء بقدرته تعالى :[ راجع الإنسان الكامل ، ج 1 / ص 44 ]. (458 ) جلوت جمالي فاجتليت مراءتي .....ليطبع فيها للكمال مطابع المفردات : جلوت : أظهرت ، والجلوة ضد الخلوة . فاجتليت مراءتي : صقلت مراءتي وهيّأتها . مطابع : جمع مطبع بمعنى نقش . المعنى : وبعد أن شاهد الجيلي حقيقة وجوده ورأى أنه لطيفة إلهية قائمة بإقامة اللّّ لها ، وإنه ليس سوى مرآة تظهر عليها الكمالات الإلهية ، صقل هذه المرآة وجلاها حتى تظهر فيها نقوش الكمال على أكمل صورة وأتمها . والإنسان الكامل ، أي الفاني عن نفسه والباقي بالحق ، هو مرآة الاسم اللّّ ، الجامع للأسماء والصفاتجع الإنسان الكامل ، 1 /16 ].
عدد الصفحات ٢٢٥226 (459 ) فأوصافها وصفي ، وذاتي ذاتها ..... وأخلاقها لي في الجمال مطالع المفردات : فأوصافها : أي أوصاف الحضرة الإلهية . مطالع : جمع مطلع ، موضع الطلوع . المعنى : وحين نقشت الكمالات الإلهية على مرآة الجيلي تجلى التوحيد ساحقا كل شريك ، فما ثمة وصف في الوجود ولا ثمة ذات في الكائنات تدّعي البقاء أمام تجلّي الحق تعالى . فأوصاف الحضرة تسحق أوصاف العبد وتظهر على مرآته ، وذاته تفنى فلا يبقى إلا ذات الحضرة المتجلي ، ويظهر العبد بأخلاقها في كل حسن مرئي . لذلك قال الجيلي فأوصافها وصفي ، وذاتي ذاتها ، وأخلاقها لي في الجمال مطالع . ( 460 ) واسمي حقّا اسمها ، واسم ذاتها ..... لي اسم ، ولي تلك النّعوت توابع المفردات : واسمي حقا اسمها : أي ما يدل عليّ يدل على الحضرة ، لأن الاسم هو الدلالة على المسمى . واسم ذاتها : الدلالة على ذاتها . المعنى : يرى الجيلي أنّ اللّّ سبحانه خلق الإنسان على صورته تعالى ، حيا عليما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، وحلاّه بأوصافه وسمّاه بأسمائه ، فهو تعالى الحي والإنسان هو الحي وهكذا .... فانضاف إلى الإنسان جميع ما للحق ، ثم تفرد الحق بالكبرياء والعزة ، وانفرد الإنسان بالذل والعجز جع الإنسان الكامل ج1 - ص9 - 51 .] وتجدر هنا الإشارة إلى أنه ما كل إنسان يتمتع بالصورة التي يؤكد الصوفية على إبرازها والتحقق بها ، وذلك لأن الإنسان بعد خلقه في أحسن تقويم قد تطرأ عليه علل كونية تحط به من على تكوينه إلى حضيض حيوانيته ، كما أنه قد يرقى بالسلوك إلى رتبة قدسيته ويتحقق بكونه صورة الكمالات ومرآتها . (461) فشمسي في أفق الألوهة مشرق ..... وبدري في شرق الرّبوبة طالع المفردات : الألوهة : الألوهية هو اسم للمرتبة الجامعة لحقائق جميع الموجودات بما فيها الأضداد ، والتي تعطي كل ذي حق حقه من مراتب الوجود ، ولا يكون ذلك إلا لذات واجب الوجود تعالى وتقدسجع الإنسان الكامل ، ج1 23.]. مشرق ظاهر ، والشروق إشارة إلى الظهور كما أن الغروب هو إشارة إلى البطون . الربوبة : الربوبية هو اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلبها الموجودات ، فدخل تحتها الاسم العليم والسميع والبصير والقيوم والمريد وغير ذلك ، لأن كل واحد من
عدد الصفحات ٢٢٦227 هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقع عليه ، والربّ لغة هو المصلح المدبّر ، لذلك بالربوبية ينظر الرحمن إلى الموجوداتجع الإنسان الكامل ج1 :29 ]. المعنى : يقول الجيلي ؛ إنه بعد فنائه ، أشرقت شمسه وطلع بدره . وأشرقت شمسه بمعنى : أنه ظهر في أفق صفة الألوهة ، ونتج عن ذلك أنه أعطى كل ذي حق حقه من ذاته ... وطلع بدره بمعنى : أنه ظهر متصفا بصفات الربوبية ، ونتج عن ذلك أنه ينظر إلى الخلق بعين الرحمة والتواصل . ( 462 ) ونفسي بالتّحقيق يا صاح نفسها ..... وليس لتوحيدي من الشّرك رادع المعنى : يؤكد الجيلي هنا على المعنى الذي بدأه منذ البيت رقم (453 ) ، وهو فناؤه عن نفسه وبقاؤه بالحق ، هذا البقاء الذي تجلى على صورة توحيد خلّص شهود الجيلي من كل ظل أو شبهة يمكن أن تجرح نقاء التوحيد ، فلا نفس ولا صفة ولا اسم ولا رسم ولا أي شيء يقوم في الجيلي ويمنعه أو يردعه عن التوحيد التام الكامل .... ولنستمع إليه يقول في المعنى نفسهكامل ، 1 /53 ] : “ وكن أنت بلا أنت ولا أنت ، بل يكون اللّّ هو المدبّر لك كيفما شاء ، أعني كما تقضيه أوصافه والأسماء . فأرم بهذا القشر الساتر ، وكل اللباب الزاهر ، وافهم حقيقة وجهّت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . “ (463 ) فمن نظرتها عينه فهو ناظري ..... وتبصرها عين إليّ تطالع المعنى : يقول الجيلي : “ فمن نظرتها عينه فهو ناظري “ ، بمعنى أن من ينظر إلى الحضرة يره ... ومن جهة ثانية : “ تبصرها عين إليّ تطالع “ أي من ينظر إلى الجيلي ير الحضرة . فالإنسان هنا امّحت صفاته الشخصية ليصبح مرآة تظهر عليها الكمالات الإلهية ، لذلك إحدى صفات الولي كما ورد في الخبر أن تذكّر رؤيته باللّّ . ( 464 ) ويمدحها بالشّكر من هو مادحي ..... ويثني بحمدي من لها الحمد رافع المفردات : ويثني بحمدي : يقول الجيلي في الإنسان الكامل2 /83 ] : “ حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها “ ؛ بكلام آخر ، يعني أن يثني عبد على ربّه هو أن يتصف بما أثنى عليه به من
عدد الصفحات ٢٢٧228 صفة أو اسم ، فإن أراد مثلا أن يحمد اللّّ عزّ وجلّ باسمه الكريم فحقيقة حمده هي أن يتصف بالكرم وهكذا ... المعنى : يرى الجيلي إن من يمدحه ويثني عليه فهو في حقيقة الأمر يمدح الحضرة الإلهية ويثني عليها ... ومن يرفع الحمد إلى الحضرة فهو في الوقت نفسه يحمد الجيلي .... والواقع أن المدح والثناء من جهة والشكر والحمد من جهة ثانية معان متقاربة ، إلا أن المدح والثناء تستوجبهما صفات الممدوح نفسه ، لذلك لا نحصي ثناء على اللّّ عزّ وجلّ لأننا لا نحصي جميل صفاته ، فالثناء على اللّّ أو على الإنسان سببه الصفات الذاتية التي يتحلى بها المثنى عليه السلام . أما الحمد والشكر فتستوجبهما نعم اللّّ عزّ وجلّ ، نشكر ونحمد عند المنع والعطاء . باختصار ، وعلى الأغلب ، المدح والثناء يرتبطان بصفات الممدوح ، والشكر والحمد يرتبطان بما يصل من المشكور والمحمود من نعم. (465 )ويعبدني بالذّات عابدها كما ..... لها خضعت أحشاء من لي خاضع المعنى : قراءة أولى : يقول الجيلي : “ ويعبدني بالذات عابدها “ ، أي كل من عبد اللّّ فكأنما عبده . وهذه الجملة التي يستوقفنا الشطح الظاهر في ألفاظها ، وتتحفّز أعماقنا من تجرّوء مخلوق على قول هكذا عبارة ، نتوقف عندها لنرى لماذا قالها الجيلي ، ولنتكهن ماذا قصد بها ؟ . نبدأ بأن نقول إن المؤمن منا كلما تدفّق إيمانه وغمر مشاعره كلّها ، فإنه عندما يجد أمامه إنسانا يمجّد اللّّ يشعر بالإعزاز كأنما هو الذي يتمجّد ، وعندما يجد أمامه إنسانا ينكر اللّّ عزّ وجلّ يشعر بالعداء كأنّم ا هو الذي ينكر . فالمؤمن يشعر بالتوحّد الشعوري مع ما يؤمن به ، ويصبح لديه كل ثناء على ما يؤمن به كأنما هو ثناء عليه ، والعكس صحيح . . . ولكن مهما كانت مشاعرنا تجاه هذا العابد للّّ ، تبقى هذه العبارة شطحا غير مقبول ، ونحن هنا لن يأخذنا الشطح كذلك وننكر قصيدة الجيلي كلّها ، لأننا وجدنا فيها بعض عبارات شطحت عن حدّ العقل الشرعي ؛ بل نتمتّع ونستفيد من كل الأمور التعليمية التي أوردها في قصيدته ، ونقف عند شطحاته ، ولنا أن نتشدّد بها أو نتسامح كما يتناسب مع مزاجنا العقلي ؛ والجواهريّ الجيّد هو الذي عندما يجد كنزا لا يرمي به كلّه ويتلف جواهره بحجة أنه وجد فيه حصاة أو وجد فيه حجرا ينكره ، بل يأخذ ما يعرف من الجواهر ويترك جانبا ما لا يعلم منها ، لا يتعامل به . . .
عدد الصفحات ٢٢٨229 وهكذا نحن مع شطحات الصوفية نأخذ جواهر أقوالهم ، نستفيد من لآلىء تجاربهم ، نشحذ الهمم من تأجج عاطفتهم الدينية ، ونتوقف عندما نجهل ؛ فعندما يتعارض ما نعلم من الشرع مع ما نجهل من أقوالهم ، نأخذ ما نعلم ، وما يتفق مع الشرع ، ونترك ما نجهل . وقد لا نعترض عليهم تسمّحا ، ولكن لا بأس علينا إن لم تتحمل مشاعرنا هذا التسمّح ، واعترضنا . فالشرع أولى بالفهم - لديهم ولدينا من غريب أقوالهم ..... نسلّم لهم أقوالهم وغريب شطحاتهم ، ولكن ننبه إلى أنه يكفر كلّ من يرددها على وجه التقليد ، فلا يجوز مطلقا أن نقلّد على عدم معرفة بالوجه الشرعي فيما يتعارض ظاهره مع الشرع الواضح . والجيلي نفسه يقول في هذه القصيدة البيت ( رقم 271 )“ وسلّم له- أي للشيخ - مهما تراه ولم يكن على غير مشروع ، فثم مخادع “ أي نسلم لهم أفعالهم وأقوالهم لأننا ربما نخدع عن قصدهم بظاهر قولهم ، وغاية ما نستطيعه هو أن نسلّم لهم ، دون أن نقلّدهم . قراءة ثانية : لعل الجيلي عندما قال : “ ويعبدني بالذات عابدها “ ، أراد المعنى اللغوي للعبادة وهو الخضوع ، فيكون مراده : “ ويخضع لي بالذات من يخضع لها ] “ . ويؤكد الشطر الثاني هذه القراءة ، لأنه جاء متمما لفعل الخضوع. (466 )تجيب إذا نوديت باسمي ، وإنّني ..... مجيب إذا ناديتها لك فازع المفردات : لك فازع : فزع إليه بمعنى لجأ ، وفازع هنا بمعنى مسارع . المعنى : قول الجيلي : “ تجيب إذا نوديت باسمي “ ، معناه أنه إذا ناداه أحد باسمه وقال مثلا : يا جيلي . فالحضرة هي التي تجيب ، وهنا إشارة إلى فناء العبد ليس مجرد الفناء الشعوري بل “ فناء الاسم “ ؛ أي يفنى من الإنسان اسم العبد حين يتجلى عليه تعالى بالأسماء الإلهية ... وقوله “ :وإنني مجيب إذا ناديتها لك فازع “ ، معناه وإذا نادى القارئ أو السامع الحضرة ، فالجيلي يسارع إليه مجيبا ؛ وهنا إشارة إلى ترقّي العبد من مقام “فناء اسمه “ إلى مقام “ البقاء بعد الفناء . “ هذه المعاني نفسها نجدها في كتابه1 / ص16 وص35 .]
عدد الصفحات ٢٢٩230 يقول في ص16 : “واعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل هذا الاسمأي الاسم "اللّّ " مرآة للإنسان ، فإذا نظر بوجهه فيها علم حقيقة كان اللّّ ولا شيء معه ، وكشف له حينئذ أن سمعه هو سمع الحق ، وبصره هو بصر الحق ، وكلامه هو كلام الحق ... وقدرته هي قدرة اللّّ تعالى ، كل ذلك بطريق الأصالة . ويعلم حينئذ أن جميع ذلك إنما كان منسوبا إليه بطريق العارية والمجاز وهي للّّ بطريق الملك والتحقيق . قال اللّّ تعالى :وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [96 ].. ومن حصل له هذا الشهود أي من يشهد نفسه في مرآة الاسم“ اللّّ “كان مجيبا لمن دعا اللّّ ، فهو إذا مظهر لاسمه اللّّ . ثم إذا ترقّى وصفا من كدر العدم إلى العلم بوجود الواجب ، وزكّاه اللّّ بظهور القدم من خبث الحدث ، صار مرآة لاسمه اللّّ ؛ ومن حصل له هذا المشهد أي من صار مرآة لاسمه “ اللّّ “ كان اللّّ مجيبا لمن دعاه ، يغضب اللّّ لغضبه ويرضى لرضاه . . “ وأقول ، إننا نحاول أن نتصوّر بعقولنا ، كيف يحصّل الإنسان مشهدا يشهد فيه نفسه في مرآة الاسم “ اللّّ “ ، ثم لا يزال يترقّى ويتصفّى من العدم والحدث ، حتى يحصّل مشهدا يصبح فيه هو مرآة للاسم “ اللّّ “ ... أقول ، إن عقولنا تتعب ، وتكاد لا تستطيع إن تتصوّر هذه المراتب ؛ لذلك نتوقف في تصوراتنا عند حدود المتاح العقلي ، ونسلّم فيما تبقّى . نسلّم بأنّ اللّّ عزّ وج لّ فتح للإنسان آفاق كمال لم يفتحها لمخلوق غيره ؛ خلقه بيديه ، نفخ فيه من روحه ، كلّمه تكليما ، أرسل إليه رسله ، أنزل له موائد من السماء ، اختار منه سلالة أنبياء اصطفاهم وصفّاهم وطهّرهم وفضّلهم على بقية خلقه من الجنس البشري . ونسلّم كذلك بأنّه على قدم كلّ نبي توجد جماعة تتبعت الأثر حتى وصلت إلى دائرة القربى . . . اقتربت من النبي وقاربته دون أن تحصّل النبوة أبدا ، بل بقيت تترقّى في مراتب الولاية ، وتتنعّم بما ينعكس عليها من كمالات أنبيّائها ، وتتكرم بعلامات القرب الإلهي من علم وتصريف ، ونحن ننتظر في عالم غربتنا ويعدنا ، علّها ترجع إلينا من هاتيك الأماكن بقبس ينير معالم الطريق . ( 467 ) وقد محيت أوصافنا في ذواتنا ..... كما فنيت عنّي نعوت ضرائع المفردات : ضرائع : جمع ضارع أي مشابه . المعنى : عندما قال الجيلي هنا ؛ “ وقد محيت أوصافنا في ذواتنا “ فهو يشير بذلك إلى محو الصفة في الذات .
عدد الصفحات ٢٣٠231 والصفة كما يعرّفها الجيلي ، هي ما يوصّل إلى فهمنا حالة الموصوف ، وأنها هي التي تقرّبه من عقلنا ، وتوضّحه في فكرنا . ويرى الجيلي أن الصفة أساسا هي مجهولة ، وغير متناهية ؛ فمثلا الإنسان إنما يدرك منه ذاته أما ما فيه من صفات كالشجاعة والكرم والعلم مثلا فإنها لا تدرك بشهود ، وإنما تبرز لنا وتظهر شيئا فشيئا ، وعلى قدر محدد . إننا لا نرى الكرم في الكريم ولكن إذا ظهر كرمه مثلا في موقف معين ، وشوهد أثر هذه الصفة عليه ، حكم له بها وقيل عنه كريم ، وهكذا فالصفة لا ترى ولا تشاهد ولا تدرك ، وهي غير متناهية ؛ ولا نعلم منها إلا آثارها الظاهرة في الوجود . فالصفة في واقع الأمر كامنة في الذات تظهر آثارها في المناسبات ، ونعلم منها على قدر ظهورها . وهنا عندما قال الجيلي : “ وقد محيت أوصافنا في ذواتنا “ فهو يعلمنا بأنه وصل إلى التحقق بالحقيقة وغابت صفاته في ذاته . بمعنى آخر ، لقد وصل إلى مقام فناء الصفات ، وأن صفاته كلّها من شجاعة وكرم وغيرهما . . . قد غابت في ذاته ، ومحيت آثارها فلم يعد يظهر عنه أي أثر لصفة من صفاته . . . أما الشطر الثاني من البيت وهو قوله : “ كما فنيت عني نعوت ضرائع “ ، فيعني أن نعوته كذلك ضارعت صفاته في الفناء وشابهتها ، ففنيت وغابت ، واختفت آثارها في الوجود . . . ونقول إنّ الصفة والنعت تتشابه معانيها من حيث اللغة ، أما إذا دققنا في الحس اللغوي للمفرد نجد أن الصفة تنبع من الذات وتلتصق بها ، أما النعت فهو وصف يطلقه الغير على الذات لأنه يراه منه . فإنسان صفته الكرم هو كريم ، وإنسان ننعته بالكرم وقد لا تكون صفته الكرم البتة . . . فالنعت هو وصف يطلق من خارج على ذات لاحتمال اتّصافها به . . . باختصار النعت هو الوصف بصفة ، ويؤكد ذلك قوله تعالى :سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزهةِ عَمها يَصِفُونَ 180 ] . فالوصف إذا نعت من خارج يحتمل الصواب والخطأ . والصفة تنبع من داخل وتظهر آثارها للرائي وهي تشابه الاسم في دلالتها على الموصوف أو على المسمّى .والجيلي هنا عندما قال بفناء الصفات أتى بحرف الجر “ في “ ، وعندما قال بفناء النعوت أتى بحرف الجر “ عن “ ، فالصفة لنشوئها من الذات تعود وتفنى “في الذات “ ، والنعت لنشأته من الغير ، أي من الرائي والمشاهد ، يعود ويرتد إلى الغير ويفنى “ عن الذات “ ، فلا تعرف به . ( 468 ) فأفنيتها حتّى فنيت ، ولم تكن ..... ولكنّني بالوهم كنت أطالع المفردات :
عدد الصفحات ٢٣١232 فأفنيتها أي فأفنيت عرفاني بها ، أي أفنيت ما أعرفه عن الحضرة الإلهية . ولم تكن : أي ولم تكن هذه المعرفة موجودة حقيقة . أطالع : انظر . المعنى : يتابع الجيلي وصف فناء صفاته ، فيقول ؛ إنه أفنى كل ما يعرفه عن الحضرة الإلهية ، وذلك لأن كل معرفة هي نظرية ، وهو لا يريد الاهتداء إلى اللّّ تعالى بطريق النظر . . . أفنى الجيلي النظريات كلها ، وأفنى ما يعرفه عن الحضرة كله ، وأفنى التصورات التي كانت تتنزّل بالحضرة الإلهية من الغيب المطلق إلى التمثيل أو التشبيه ، أفنى كل ما يعرفه وكل ما يراه من آثار الحضرة في الكائنات . . . وبعد أن أفنى كل ما يعرفه عن الحضرة ، وجد أنه قد فني عن ذاته وعن معرفة ذاته . لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن فنيت عنه معرفته بربه فني عن معرفه نفسه . ويكمل الجيلي الكلام على معرفة الحق تعالى فيقول ، وهذه المعرفة باللّّ لم توجد عندنا في الحقيقة أبدا بل كانت دائما من نتاج تصوراتنا وعقولنا ، واللّّ عزّ وجلّ بخلافها لأنه تعالى ليس كمثله شيء ، ولا تحده تصوراتنا ولا تسعه معرفتنا . ويرى الجيلي أن الوهم هو الذي كان يصور لنا أن معرفتنا هذه باللّّ هي حقيقة الوجود الإلهي . باختصار ، إن كل معلوماتنا عن اللّّ عزّ وجلّ ، وكل معرفتنا به تعالى ، ما هي إلا تصورات عقلية ، يزين لنا الوهم أنها حقيقة ، واللّّ عزّ وجلّ بخلاف كل ذلك . ( 469 ) كذاالخلق فافهم ، إنّه متوهّم ، ..... وهذا فقشر ، كي يضلّ مخادع المفردات : متوهم : موجود في الوهم ، له وجود وهمي غير حقيقي . مخادع : مخدوع . المعنى : ولا يكتفي الجيلي بجعل معرفتنا باللّّ وهما إنسانيا ، بل ها هو ينظر إلى الخلق كله على أنه وهم ، ويقول ؛ “ كذا الخلق فافهم ، إنه متوهم “، أي وحقيقة المخلوقات أيضا هي وهم ، فافهمها أيها القارئ وأيها السامع ، ولا تدع الأوهام والظواهر تحجبك . فالمخلوقات لم تستقل أبدا بوجود حقيقي ، وهل أتى عليها يوم من الدهر ونعمت فيه بوجود ذاتي غير معار . . . فالمخلوقات إذن - كما يرى الجيلي - ليس لها من الوجود إلا الوهم ، ووهم الوجود هذا هو كالقشر الذي وضع قصدا على الحقيقة الواقعة ، ليضلّل المخدوع فلا يعلم بأن الموجودات لم توجد أبدا ، ولم تتمتع بالوجود الحقيقي أبدا (470 ) وها هي ما كانت سوى مخزن ولي ..... هناك من الحسن البديع بدائع المفردات :
عدد الصفحات ٢٣٢233 وها هيأي معرفة اللّّ التي توردها النصوص . ولي هناك : أي ولي في مخزن العلم . المعنى : يقول الجيلي : “ وها هي ، ما كانت سوى مخزن “ ، أي وها هي معرفتي الظاهرة عن اللّّ والتي استفدتها من قراءة النصوص الدينية ، وإن كانت وهما وتصورا إلا أنها حفظت الأسرار وخزنتها ، حتى لا ينالها إلاّ مستحق .... بكلام آخر ، إن المعرفة الحقيقية باللّّ عزّ وجلّ كامنة كالجوهر الم خزون في النصوص الظاهرة ، وهي لا تتكشّف من النصوص إلا لمن يستحقها . والجيلي هنا يباهي بأن له في مخزن الأسرار الكثير من العلوم المكنوزة ، وأن له هناك من الحسن البديع بدائع ..... ويرى في2 / ص89 ] يطلبها بالقول والكلام ، بل تتكشف لمن استحقها بحاله ، فيقول : أسرار اللّّ تعالى وديعة عند الولي لمن يستحقها ، لقوله تعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [6 ]. (471 ) فلمّا قبضت الإرث من مخزن الهوى .... تناقضعن جدرانه ، فهو واقع المفردات : تناقض عن جدرانه : انقضّ وتهدم . فهو واقع : غير قائم. المعنى : يتابع الجيلي صورة المخزن الذي يكنز أسرار الشريعة ، فيقول “ :ولما قبضت الإرث من مخزن الهوى “ ، أي ولما أخذت ما يخصني من الأسرار المخزونة في ظاهر الحروف والكلمات ، تناقض هذا المخزن عن جدرانه ، أي تناقضت جدران الكلمات ووقعت المظاهر أمام تجلي الحقائق الساطعة ... وقد استخدم الجيلي هنا لفظ “ الإرث “ ، وهذا الاستخدام يستحق التوقف ، فالجيلي يرى أنّ كل معرفة حقيقة ، وكل سر من الأسرار اختزنته الحروف الظاهرة فهو في الأصل للإنسان الكامل الواحد ، أي محمد صلّى اللّّ عليه وسلم ، ومنه إرثا لكل الأولياء التابعين ، فكل سر يعلمه وليّ أو مقرّب فهو من المعرفة الموروثة وليس من المعرفة المبتدعة . ( 472 ) فكانت كعنقا مغرب وصفت وما .....حوت غير ذاك الوصف منها البقائع المفردات : عنقاء مغرب : طائر موجود بالاسم فقط ولم يوجد في الواقع أبدا ، ويكني العرب بالعنقاء عن كل أمر مجهول أو مستحيل .... وقد استعار الصوفية عبارة “ عنقاء مغرب “ ليعبروا بها عن الشيء المعقول ، والموجود في الذهن وفي الاسم فقط ، والذي لم يوجد في الحسّ أبدا ، ويعرفه الجيلي
عدد الصفحات ٢٣٣234 بقوله هو “ اسم وضع على معنى ، ليحفظ رتبته في الوجود “ . البقائع : جمع بقعة من الأرض . المعنى : يستخدم الجيلي في هذا البيت رمز عنقاء مغرب ، هذا الطائر الأسطوري الذي لم يوجد إلا في الاسم ، ويقول عن العنقاء بأنها “ وصفت وما حوت غير الوصف منها البقائع “ ، أي نعرف من العنقاء أوصافها فقط ، لأن الأرض لم تحو منها إلا هذه الأوصاف . ثم يستفيد الجيلي من غياب العنقاء في الحقيقة ، وبقائها في الاسم ، ليشتكي من إفلاس الإنسان ومن تقصير معرفته باللّّ عزّ وجلّ . فالجيلي ، وكل إنسان ، لا يعرف من اللّّ عزّ وجلّ ولا يملك منه تعالى ، إلا أسماء سمّى بها نفسه تعالى في كتابه الكريم . فالاسم هو الذي بيدنا فقط من المسمى ، وهو دليلنا الوحيد إليه .... يقول الجيلي في1 ص16 ] اللّّ عزّ وجلّ وفي العنقاء “ إن مسمّى عنقاء في نفسه عدم محض ، فكذلك مسمّى اللّّ تعالى في نفسه وجود محض ، فهوبار أن لا وصول إلى مسمّاه إلا به . . فكذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق أسمائه وصفاته" ( 473 ) هي الذّات طاحت إن عرفت إشارتي ..... نجوت وإلاّ فالجهالة خادع المفردات : طاحت : فاضت ، عمّت . المعنى : بعد أن اشتكى الجيلي من تقصير المعرفة الإنسانية باللّّ ، ومن أننا لا نملك منه تعالى إلا أسماء سمّى بها نفسه ، يقول : “ هي الذات طاحت “، أي إن هي إلا الذات الإلهية قد طاحت وعمّت ، فغمرت الأسماء والصفات كلها ، واستهلكتها في أحديتها . وذلك لأن الأسماء والصفات الإلهية ، وإن كانت معاني يدركها الإنسان ويفهمها ، إلا أنه لا وجود لها مستقل ومغاير عن وجود الذات الإلهية ؛ ففي الواقع أن الذات الإلهية عمّت فغمرت ، ولم تبق لاسم أو لصفة وجودا ..... ثم يتابع الجيلي بقوله : “ إن عرفت إشارتي نجوت ، وإلا فالجهالة خادع “ ، أي إن عرفت ما أشرت إليه هنا من استهلاك الأسماء والصفات في أحدية الذات نجوت من حجب المظاهر ، وإن لم تفهم إشاراتي خدعك الجهل وخدعت ، لجهلك بأن الذات تغمر بأحديتها الصفات والأسماء كلها ، وإنه لا وجود لسواها . ( 474 ) وهاك حديث المنحنى غير أنّه ..... على الورد من قشر الكمام قمائع
عدد الصفحات ٢٣٤235 المفردات : قمائع : حجب تقمع الرؤية . المعنى : بعد أن بيّن الجيلي أن الإنسان لا يملك من معرفته باللّّ إلا أسماء وأوصافا ، وأن هذه الأسماء وهذه الأوصاف لا وجود لها مستقلا عن الذات ، يتابع الكلام على علاقة الذات بالأسماء والصفات ، فيقول ؛ وسأحدثك الآن على علاقة الذات بالأسماء والصفات ، غير أن حديثي سيكون بالمثال والتشبيهات قمعا للحقائق وحجبا لها وصيانة . ( 475 ) غزال لها عينان بالسّحر كحّ .....فواحدة فقعا وأخرى فواقع المفردات : فقعاء : بارزة اللون . فواقع : جمع فقعاء . المعنى : يستخدم الجيلي هنا رمز الغزال وعينيه ليدل على الحقيقة وتجلّياتها . فالحقيقة أو الذات هي المرموز إليها بالغزال . والعينان هما التجلّيان : العين الأولى ترمز إلى التجلي في الوحدة ، والعين الثانية ترمز إلى التجلي في الكثرة . ( 476 ) كثوب له طول ولكنّ لونه ..... حكى ورق الرّيحان اخضر يانع المفردات : الريحان : كل بقل طيب النبت واحدته ريحانه . المعنى : يستخدم الجيلي هنا رموز أخرى إضافة إلى الغزال وعينيه ، وهي الثواب ولونه وطوله ؛ ليمثّل العلاقة بين الذات والأسماء والصفات . فالثوب في التشبيه كالذات ، واللون والطول هما كالصفات في علاقتهما بالذات . فالثوب له طول وله لون ، وهو أيضا لا يظهر في الواقع إلا متجلّيا في صفاته . (477 ) فما الطّول إلا الثوب واللون عينه ..... إذ الحكم للمحكوم في الأمر تابع المعنى : يتابع الجيلي صورة الثوب وطوله ولونه ، فيقول : “ فما الطول إلا الثوب واللون عينه “ بمعنى إن الطول لا يوجد وحده مستقلا عن الثوب ، بل الطول هو طول الثوب ، واللون كذلك لا يوجد وحده مستقلا بل اللون هو لون الثوب . وهذا يقود الجيلي للمقولة التالية ، “ إذ الحكم للمحكوم في الأمر تابع “ ، بمعنى إن الحكم الذي نطلقه على الثوب فنقول طويل أو أخضر إنما هو في حقيقة الأمر حكم يتبع المحكوم أي الثوب ، فنقول
عدد الصفحات ٢٣٥236 ثوب طويل وثوب أخضر ؛ فالحكم يرجع إلى الذات ، إلى الثوب ، والصفة تتبع الموصوف ولا تستقل بذاتها. (478 )وما الثّوب طولا ولا الّلون ذاته ..... وما ثمّ إلا الثوّب تلك المجامع المفردات : المجامع : مجموع الكل ، مجموع الذات والصفات . المعنى : يتابع الجيلي صورة الثوب وطوله ولونه ، فيقول ؛ “ وما الثوب طولا ، ولا اللون ذاته “ بمعنى وليس الثوب هو الطول وحده ، أو اللون وحده ، بل يمكن القول إنّ الثوب هو المجامع أي مجموع الكل . فالذات هي الجامعة لكل صفاتها . ( 479 ) زرعت لك المعنى بلفظي فاجن ما..... منحتك من أثمار ما أنا زارع المعنى : ينهي الجيلي صوره التشبيهية ورموزه ، التي تمثّل العلاقة بين الذات والصفات ، بحثّ القارئ على جني ثمارها ، فيقول : “ زرعت لك المعنى بلفظي فاجن “ ، أي جعلت لك المعاني كالزروعات ، وزرعتها لك في أرض الألفاظ وشجرها ، وما عليك أيها القارئ إلا أن تمد يدك إلى ثمار الحقائق الدانية قطوفها على شجر الألفاظ . ( 480 ) فإنّي لمّا أن تبدّت هويّتي ..... خفيت ، وإن تغرب فإنّي طالع المفردات : تبدت : ظهرت . تغرب : تغيب ، تختفي ، تفنى . المعنى : بعد أن وصل الجيلي إلى مقام الفناء وشهد بقاءه بعد الفناء ، رأى أن لا وجود حقيقي له ولا لأي شيء في الكون . فالخلق متوهم لأن الذات الإلهية تسحق بأحديّتها كل صفة وكل أثر لصفة ... فآثار الصفات التي هي الأوصاف قد فنيت في الصفات ، والصفات فنيت في الذات ؛ وما هي إلا الذات طاحت وعمت كل شيء . . . وقد دافع الجيلي عن فكرته بالصور التمثيلية السابقة ، وهنا يعود الجيلي لتصوير بقائه بعد الفناء ، وتصوير هوية هذا البقاء ، الذي هو بقاء كل واصل إلى قرب الولاية ، فيقول : “ فإني لما أن تبدّت هويتي خفيت ، وإن تغرب فإني طالع “ ، بمعنى فإنني أفنى وأختفي ما أن تتبدّى أحكام الحضرة الإلهية على أنها هويتي ، وإن تغيب أحكام الحضرة الإلهية عن الظهور فيّ ، فإنني أعود للظهور بحقيقتي الإنسانية الخلقية .
عدد الصفحات ٢٣٦237 وهكذا تقوم علاقة جدلية ، على أرض ذات الإنسان الواصل إلى البقاء باللّّ ، بين أحكام الحضرة الإلهية وبين أحكام الحضرة الإنسانية الخلقية .فتارة تظهر على ذات هذا الإنسان أحكام الحضرة الإلهية ، وهذا مقام قرب النوافل الذي يتحقق فيه العبد بأن الحق تعالى هو سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ... وتارة أخرى تظهر على أرض ذاته كل أحكام الحضرة الخلقية الكونية ، فيتحقق العبد بالذل والافتقار والعجز .. يقول الجيلي ،2 ص49 وما بعد الساعة الكبرى واشراطها وبين علامات قيامها في كل فرد من أفراد الإنسان : “ . . . فكما أن من إمارات الساعة الكبرى أن تلد الأمة ربّتها ، وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ، كذلك الإنسان علامة قيام ساعته الخاصة به ظهور ربوبيته سبحانه وتعالى في ذاته ، فذات الإنسان هي الأمة ، والولادة هي ظهور الأمر الخفي من باطنه إلى ظاهره ، لأن الولد محله البطن ، والولادة بروز إلى ظاهر الحس ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول ، وهذا الوجود باطن فإذا ظهر بأحكامه وتحقق العبد بحقيقة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ظهر الحق تعالى في وجود هذا الإنسان ، فتمكن من التصرف في عالم الأكوان .. " كما يقول أيضا في المعنى نفسه في1 ص19 ] : “ فالأمر في الإنسان دوري ، بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز ، وبين أنه على صورة الرحمن فله الكمال والعز . . . [ الإنسان] الجامع لوصفيّ النقص والكمال ، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال “ (481 )وليست سواي لا ، ولست بغيرها ..... ومن بيننا تاء المخاطبضائع المعنى : يتابع الجيلي الكلام على كيفية بقائه باللّّ بعد فنائه عن كل شيء ، ويصور بالكلمة وجوده هذا في حال البقاء ، فيقول ؛ “ وليست سواي ، لا ولست بغيرها “ ، بمعنى وليست الحضرة الإلهية سواي وأنا لست غيرها . وبما أنه لم يعد هناك غير فقد انتفت الحاجة للكلام “ بأنا وأنت “ ، أي ارتفع ضمير المخاطب ولم يعد يداخل الكلام والنجوى بين العابد والمعبود ، بين العاشق والمعشوق ... يقول السراج في461 - 463 “ : ]لا يبلغ المتحابان حقيقة المحبة حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا . ويقول أبو يزيد البسطامي : ألبسني أنانيتك حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك ، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك “ .
عدد الصفحات ٢٣٧238 ويعلق السراج على قول أبي يزيد قائ“ فهذا وأشباه ذلك تصف فناءه يزيد النوافل . “ وهكذا يعلمنا الصوفية بأنهم تدرجوا في مراتب القرب ، تعبّدوا اللّّ بالفرائض وتقرّبوا إليه بالنوافل حتى أحبّهم ، وصار سمعهم وبصرهم وكل قواهم ... ولكن مهما فني الإنسان وسحق ومحق تحت تجليّات الحق يبقى عبدا مخلوقا . يقول الجيلي في [1 ص21 “ : ]واعلم أن إدراك الذات العلية هو أن تعلم بطريق الكشف الإلهي أنك إيّاه وهو إيّاك ، وأن لا اتحاد ولا حلول ، وأن العبد عبد والرب رب ، ولا يصير العبد ربا ولا الرب عبدا ، فإذا عرفت هذا القدر بطريق الذوق والكشف الإلهي الذي هو فوق العلم والعيان ، ولا يكون ذلك إلا بعد السحق والمحق الذاتي ، وعلامة هذا الكشف أن يفنى أولا عن نفسه بظهور ربّه ، ثم يفنى عن ربّه بظهور سر الربوبية ، ثم يفنى ثالثا عن متعلقات صفاته بمتحققات ذاته . “ . . . ويقول في ذلك شعرا في [1 ص25 : ] قلبي بكم متصلب ... ..... متسكن متقلب وخيال حبكم به ... ..... ... أبدا يجيء ويذهب ما أنتم مني سوى ..... ... نفسي فأين المهرب ألقيت نفسي فاغتدت ... ...... مما لكم أتقلب وتركتني فوجدتني ... ..... لا أم ثم ولا أب وجحدت ما قبلي وما ...... بعدي ولا أتريب ونفيت عني الاختصاص ...... بوجهه يتقرّب أنا ذلك القدوس في ...... قدس العماء محجب أنا ذلك الفرد الذي ... ....... فيه الكمال الأعجب أنا قطب دائرة الرحى ..... ... وأنا العلا المستوعب وأنا العجيب ومن به ....... ... مما حوى ذا المعجب فلك المحاسن فيه شمس ...... مشرق ولا مغرب لي في العلا فوق المكان ....... مكانة لا تقرب في كل منبت شعره ....... ... مني كمال معرب وبكل صوت طائر ... ...... ... في كل غصن يطرب وبكل مرأى صورتي ..... ... تبدو وقد تتحجب حزت الكمال بأسره ....... فلأجل ذا أتقلب وأقول إني خلقه ... ...... والحق ذاتي فاعجبوا نفسي أنزّه عن مقا ...... لتي التي لا تكذب اللَّ أهل للعلا ... ...... ... وبروق خلقي خلب أنا لم كن هو لم يزل ...... فلأي شيء أُطنِّب
عدد الصفحات ٢٣٨239 ضاع الكلام فلا آلا ... ....... ... م ولا سكوت معجب جمعت محاسني العلا ..... ... أنا غافر والمذنب (482 )فإنّي إيّاها بغير تأوّل ..... كما أنّها إيّاي ، والحقّ واسع المفردات : تأول : تأويل . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل شهوده لذاته في مقام البقاء باللّّ ، فيقول ؛ “ فإني إياها بغير تأول “ ، بمعنى : شهدت أنني أنا هي ، أي الحضرة ، وشهودي هذا لا تطلبوا مني تأويله بالعقل لأنه شهود بغير تأول وتأويل. بكلام آخر ، اقبلوا مني هذا الشهود من غير تأويل ، كما قبلته أنا دون أن ألجأ إلى العقل في محاولة تصنيف أو تأويل ، كأن أقول عنه مثلا إنه اتحاد بين ذاتين ، أو إنه حلول للحق في ذات العبد . فالجيلي هنا شهد أنه الحضرة ، وقبل شهوده دون أن يحاول ترجمته إلى مقولة عقلية . ومن ناحية ثانية ، شهد الجيلي بأن الحضرة هي ذاته دون تحديد أيضا ، فيقول ؛ “ كما أنها إيّاي والحق واسع “ ، أي وإن كانت الحضرة هي ذاتي ، إلا أنها لا تنحصر في مشهد دون مشهد ، أو في تجل دون تجل ، فالحق واسع يسع كل المظاهر لا يحدّه مظهر دون مظهر . ( 483 ) فكلّ عجيب من جمالي مشاهد ..... وكلّ غريب من كمالي شائع المعنى : نلاحظ أن الجيلي بدأ منذ البيت ( رقم 445 ) يروي علينا ما أنعم اللّّ به عليه من القرب ، وما منحه من نعم المقربين ، والبيت ( رقم 445 ) أشعرنا ببداية تنعّم الجيلي في القرب ، لقوله : “ ولما مضى ليلي وولّت نجومه وأشرق شمسي في الألوهة ساطع “ ، فليله إذن قد ولّى ، وها هي شمسه تسطع في مراتب القرب . هذا القرب الذي سيفصّل مظاهره هنا ، والذي نجده إذا رجعنا إلى كتابه الإنسان الكامل . في بداية كتاب1 ص34 وما بعدة لما يمكن أن يمنحه إنسان من نعم القرب والولاية . ونقول ، إن الإنسان عند وصوله إلى ذرى القرب تخلع عليه الصفات الإلهية خلعها ، فنراه يسمع بسمع جديد ويبصر ببصر جديد ، وكذلك في قواه ، يفنى عن قوته السابقة ليبقى بقوة جديدة أعلى وأعظم .
عدد الصفحات ٢٣٩240 وهذا ما غاب على معظم المقلّدين للصوفية ، إذ عندما وجدوا نصا يحدّث عن الفناء والغيبة قلّدوا النصّ وغابوا عن الحضور في عالمهم ، وغاب عنهم أن غيبة الواصل ، وفناءه هي سبب لحضور أعظم ، ولبقاء أعظم وأعلى . فالإنسان الفاني يبقى باللّّ عزّ وجلّ ، واللّّ عزّ وجلّ حضور كامل شامل لكل مكان وأوان . حضور للجزء والكل ، للغيب والشهود . ويشرح الجيلي في مقدمة الإنسان الكامل التجليات الإلهية على الإنسان الواصل إلى مقام البقاء ، وتتدرج هذه التجليات من تجليات الأفعال إلى تجليات الأسماء وصولا إلى تجليات الصفات . ففي المرتبة الأولى يتجلى الحق سبحانه وتعالى في أفعاله على العبد ، وهذا التجلي عبارة عن مشهد يرى فيه العبد جريان القدرة الإلهية في الأشياء ، فيشهده سبحانه وتعالى محرّك الأشياء ومسكّنها ، بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق . والعبد في هذا المشهد ، أي في مشهد تجلي الأفعال ، مسلوب الحول والقوة والإرادة . وبعد تجلي الأفعال يتجلى اللّّ تعالى على عبده بالأسماء الإلهية 1 /35 - 36 ] أنوار ذلك الاسم ؛ فمتى نادى إنسان الحق تعالى بذلك الاسم أجابه العبد لوقوع ذلك الاسم عليه ؛ وكلما تجلى اللّّ تعالى في اسم من أسمائه ، كاسمه اللّّ أو الرحمن أو الرب ، فإنه يصبح أعز مما قبله في الترتيب ، وذلك لأن تجلي الحق في التفصيل أعز من تجليه في الإجمال ؛ فظهوره لعبده في اسمه الرحمن تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه اللّّ وهكذا ... وقد عبّر الجيلي في قصيدته عن تجليات الأسماء ( من البيت 453 وما بعد ، حتى البيت رقم 466 ) ، فلتراجع . وبعد تجلي الأسماء ينتقل العبد ، إذا قوّاه اللّّ ، إلى تجليات الصفات ، ويشرح الجيلي تجلّي الصفات في1 ص37 - 38 ] الحق سبحانه وتعالى على عبد ، بصفة من صفاتها ، سبح العبد في فلك تلك الصفة إلى أن يبلغ حدّها بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل .فإذا سبح العبد في فلك تلك الصفة وامتلكها بحكم الإجمال استوى على عرش تلك الصفة فكان موصوفا بها ، فحينئذ تتلقاه صفة أخرى ، فلا يزال كذلك إلى أن يستكمل الصفات جميعها .... ولسنا هنا في مجال عرض نظرية الجيلي كاملة بل نأخذ منها قدر ما تستلزم هذه القصيدة التي نشرحها ؛ والقدر الذي تستلزمه الأبيات القادمة هو التوقف عند سبعة من أهل تجليات الصفات . فمنهم1 ] فكان هذا العبد حياة العالم بأجمعه يرى سريان حياته في الموجودات جميعها ؛ جسمها وروحها ....
عدد الصفحات ٢٤٠