المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ١٤ من ١٧

209 الملموس في العالم . وللحق ، علم الحق في الحكم ،تابع : أي أن علم الحق يتبع الحق عزّ وجلّ في الحكم . وهنا يخالف الجيلي جزئيا موقف ابن عربي الذي يرى أن العلم يتبع المعلوم . المعنى : حين شهد الجيلي أن وجوده يرجع إلى الحق ، عاين أنّه ماهية ومعنى ثابت في العلم الإلهي . وبما أن الإنسان صفته الثبوت في العلم الإلهي فهو لا يملك ذاته ملكية ذاتية ، بل يعود بوجوده إلى اللّّ ، لأن العلم يتبع العالم . ( 417 ) وبالعلم فالمعلوم أيضا فملحق ،. وليس لهذا الحكم في العقل رادع المفردات : فالمعلوم أيضا فملحق : المعلوم يلحق أيضا العلم ، أي أن المعلوم يظهر في العالم على الحال التي كان عليها ثابتا في العلم الإلهي . في العقل رادع : ما يمنعه العقل . المعنى : بعد أن شاهد الجيلي تبعيّة العلم الإلهي للّّ ، يرى هنا أن المعلوم ملحق بالعلم . . . وليس هناك من مانع عقلي يمنع الجيلي من اعتقاد هذا الشهود الذي ملخصه : إن المعلوم - وهو هنا المخلوق - يتبع العلم الإلهي ، والعلم الإلهي بدوره يتبع الحق فكل شيء إذن للحق تابع . ( 418 ) فحينئذ حقّقت أنّي نفحة ..... من الطّيب ، طيب اللّّ في الخلق ضائع المفردات : فحينئذ : حين عاينت ثبوتي في العلم الإلهي وتبعيّتي في الظهور لهذا العلم . ضائع : منتشر . المعنى : حين عاين الجيلي ثبوته في العلم الإلهي ، وتحقق أنه في ظهوره تابع لهذا الثبوت ، تأكد لديه أنه نفحة من الطيب الإلهي المنتشر في المخلوقات . ( 419 ) وما النّشر غير المسك فافهم إشارتي ..... بعيشك ، فالتّصريح للسّر ذائع المفردات : النشر : رائحة المسك . بعيشك : قسم بمعنى أحلّفك بعيشك . للسر ذائع : يذيع السر . المعنى : يخاطب الجيلي السامع بقوله ؛ وهل رائحة المسك غير المسك ؟ !افهم أيها السامع إشاراتي هذه ، فإنها من الأسرار . وأنا لن أصرح لك بالقول ، لأن التصريح يذيع الأسرار .

عدد الصفحات ٢٠٩

210 (420 ) فشاهدت ليلى في مرآةقيسها ..... وعاينت بشرا في بثينة ساطع المفردات : ليلى ، بثينة : رمز المحبوبة المعشوقة . قيس ، بشر : رمز المحب العاشق . ساطع : ظاهر . المعنى : وحين تحقق الجيلي من أن رائحة المسك ليست غير المسك ، شاهد المحبوب في مرآة المحبّ ، وعاين المحبّ ظاهرا في المحبوب . (421 ) ولا حظت في فعلي قضاء مرادها ..... وأبصرت صنعي أنّها هي صانع المفردات : في فعلي : في جميع أفعالي . قضاء مرادها : إني أنفذ الإرادة الإلهية . أنها هي صانع : إن الحق هو الصانع الحقيقي والفاعل الحقيقي من خلف حجاب الكائنات . المعنى : ولاحظ الجيلي أنه في جميع أفعاله إنما هو ينفذ مراد الإرادة الإلهية . . . وأبصر أن الحقّ تعالى هو الصانع وهو الفاعل الحقيقي من خلف حجاب فعل الكائنات . ( 422 ) تحرّكني مستورة بأنيّتي ..... وما سترها إلاّ لما فيّ مانع المفردات : تحركني : أي الإرادة الإلهية . مستورة بأنيتي : من خلف حجاب وجودي الملموس . مانع : أي ما يمنع الإرادة الإلهية من الظهور للعيان . المعنى : ويرى الجيلي أن الإرادة الإلهية هي التي تحركه من خلف حجاب وجوده الملموس .... وما انحجابها عن الظهور للعيان إلا لأشياء - أو لأمور - به منعتها من الظهور وحجبتها . ( 423 ) فسلّمت نفسي حيث أسلمني القضا ..... وما لي مع فعل الحبيب تنازع المفردات : تنازع : لا أنازع أفعال الحق ، أي لا فعل لي . المعنى : يتابع الجيلي كلامه في وحدة الإرادة في الكون ، فيقول ؛ سلمت نفسي للقضاء الإلهي ليقضي فيّ بما يشاء . . . فأنا لا أنازع الحبيب أفعاله ، وليس لي فعل مع فعل اللّّ تعالى . ( 424 ) فطورا تراني في المساجد عاكفا .....وأنّي طورا في الكنائس راتع

عدد الصفحات ٢١٠

211 المفردات : المساجد : يرمز الجيلي هنا بالمساجد إلى أماكن العبادة الشرعية الإسلامية ، فالمسجد رمز الطاعة والعبادة والعمل للآخرة . الكنائس : يرمز الجيلي هنا بالكنائس : إما إلى أماكن عبادة المسيحيين الشرعية ، وإنه على الرغم من أنه لا يحق للمسلم مشاركتهم عباداتهم الشرعية ، إلا أنه كلّما ذكر اللّّ أمامه ، وإن كان الذاكر واحدا من أهل الكتاب ، فإنه يتنّعم بذكر اللّّ . وإما يرمز الجيلي بالكنائس هنا إلى التنعّم بالملاهي والرتع في الدنيا . المعنى : يقول الجيلي إنه طورا يعتكف في المساجد يتعبد اللّّ عزّ وجلّ ، وطورا يتنعم في الكنائس بذكر اللّّ عزّ وجلّ ، لأن المذكور واحد وإن تعددت اللغات . أو لعله يقصد أنه يتنعم في الكنائس بحمد اللّّ عزّ وجلّ على نعمة ا لإسلام وسلامة العقيدة . وهنا يلامس الجيلي قضية هامة ، فالمسلم لا يستطيع أن يتعبد اللّّ عزّ وجلّ إلا بشريعة محمد صلّى اللّّ عليه وسلم ، إلا أنه كمؤمن باللّّ عزّ وجلّ وبكتبه وبرسله ، يمكن أن يتنّعم بذكره تعالى كلّما ذكره الذاكرون على اختلاف شرائعهم الإلهية المنزلة ، وعلى تنوّع أماكن وجودهم ، أي يتنعّم المؤمن بذكر اللّّ عزّ وجلّ أيّا كان الذاكر وأينما كان الذكر. (425 )أراني كآلالات وهو محرّكي ..... أنا قلم والاقتدار الأصابع المفردات : وهو : أي الحق عزّ وجلّ . الاقتدار : القدرة الإلهية . المعنى : يخبرنا الجيلي بأنه للحبيب ، يفعل به ما يشاء ، ويجعله حيث يشاء ، حتى صار يرى نفسه كآلة يحركها الحق عزّ وجلّ ، أو كقلم ولكنه ممسوك بأصابع القدرة الإلهية تكتب به ما تشاء . ( 426 ) ولست بجبري ولكن مشاهد .....فعال مريد ما له من يدافع المفردات : ولست بجبري : لا أعتقد كما يعتقد اتباع الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن الإنسان مجبر في كل أفعاله ولا قدرة له أصلا ، والذين يتهمهم الصوفية بأنهم بذلك يحملون الإرادة الإلهية عبء ووزر أفعالهم الإنسانية . مشاهد فعال مريد : أطلعني الحق عزّ وجلّ وأشهدني مراد إرادته ق بل وقوع هذا المراد في عالم الظاهر والشهادة . ما له من يدافع : أفعاله عزّ وجلّ لا يدفعها دافع ولا يمنعها مانع ، قال تعالى : إِنهما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [82 . ]

عدد الصفحات ٢١١

212 المعنى : ينبهنا الجيلي إلى أنه لا يحب أن يتبادر إلى ذهننا من كلامه أنه من أتباع الفرقة الجبرية ، بل هو صاحب إرادة ويتمتع بإرادة ، إلا أنه كشف عن عين بصيرته فشاهد أن أفعال المريد عزّ وجلّ نافذة في الخلق جميعا لا يمنعها مانع ، فسكن أمام هذا الشهود واستسلم لإرادة المريد عزّ وجلّ . ( 427 ( فآونة يقضى عليّبطاعة ..... وحينا بما عنه نهتنا الشّرائع المفردات : يقضي عليّ : يلمّح الجيلي هنا إلى أن طاعة اللّّ عزّ وجلّ ومعصيته إنما هما بقضاء إلهي . المعنى : فأحيانا يقضي اللّّ عزّ وجلّ على الجيلي بالموافقة والطاعة ، وحينا يكون قضاؤه تعالى المعصية والمخالفة … والجدير بالإنتباه هنا أن الجيلي لا يربط المعصية بالإرادة الإلهية ، فاللّّ عزّ وجلّ لا يريد معصية عبده ولكن قد يقضي عليه بمعصية . . . والقضاء بلاء وامتحان إلهي للعبد ، وعلى العبد أن يعرف كيف يتحمل البلاء على ضوء الشريعة الإلهية ، فيشكر في النعم والطاعة ويستغفر في المحن والمعصية ، حتى يبدّل اللّّ عزّ وجلّ الحال إلى أحسن الحال . (428 ) لذاك تراني كنت أترك أمره ..... وآتي الذي ينهاه والجفن دامع المفردات : أترك أمره : التكليفي ، أي الأوامر الشرعية . وآتي الذي ينهاه : أي النواهي الشرعية ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن أقطاب الصوفية أمثال الجيلي ينظرون أحيانا إلى المباحات على أنها ذنوب وسيئات وكثيرا ما يرددون هذه المقولة الصوفية : “ حسنات الأبرار سيئات المقربين “ . المعنى : وحين كان يبتلي الحق عزّ وجلّ الجيلي ويقضي عليه بمعصية ( كأن يتخلف مثلا عن وقت صلاة أو غيرها ) ، كان يترك الطاعة ويأتي المعصية وجفنه يدمع . وهذه الدموع هي علامة على أن قلب الجيلي لا يستهتر بالذنب بل هو حزين لأن الحق عزّ وجلّ جعله محلا للذنب ، وعلامة أيضا على أن قلب الجيلي لا يلتفت إلى الذنب متلذذا به بل العكس يلتفت من ظلمة الذنب إلى الغفار يطلب المغفرة والعفو ويطلب تبديل الحال . ( 429 ) ولي نكتة غرّا ، هنا سأقولها ..... وحقّ لها أن ترعويها المسامع المفردات :

عدد الصفحات ٢١٢

213 نكتة غرا إشارة غراء . وحق لها : يحق لها وتستحق . ترعويها : ارعوى عن القبيح بمعنى انزجر عنه وتركه ، وحيث أن المعنى هنا لا ينسجم مع الانزجار والترك فلعل الجيلي قد نحت لفظا من كلمتين دمجهما معا ، وهاتان الكلمتان هما الفعلان : “ رعى “ و “ وعى “ ، فأصبحت ترعويها بمعنى : ترعاها وتعيها . المعنى : عندما تكلم الجيلي عن الذنب الذي يصيب الولي يقول للقارئ ؛ وأريد هنا أن أنبهك إلى قضية أو إلى إشارة وعليك أن ترعاها وتعيها. (430 )هي الفرق ما بين الوليّ وفاسق ..... تنبّه له ، فالأمر فيه بدائع المفردات : هي الفرق : هذه النكتة أو هذه الإشارة هي التي تفرّق . وفاسق :يجد الجيلي أن الفسق معناه الفساد ، فيقال فسقت البيضة إذا فسدت ولم تصلح للتفريح . بدائع : معان مبتدعة ومبتكرة . المعنى : يكمل الجيلي هنا حديثه مع القارئ ، وبعد أن قال له في البيت السابق أريد أن أنبهك إلى قضية هامة وعليك أن تعيها ، يقول له هنا ؛ إن هذه القضية الهامة هي التي تفرّق بين إنسان هو ولي من أولياء اللّّ وبين آخر هو فاسق من الفسّاق . فتنبّه إلى هذه الإشارة لأنني سآتيك بمعان مبتكرة مبتدعة لم ينبّه عليها قبلي إنسان . وهذه الإشارة سيفصّلها الجيلي في الأبيات اللاحقة . ونستأنس هنا بما قاله في كتابه الإنسان الكامل عن الموضوع نفسه ، لنقول ؛ إنّ الجيلي يؤكد على ظاهر الفعل في الإنسان ولا يقبل أبدا أن يحتجّ الفاعل للمعصية بأنه مسلوب الحول والقوة والإرادة . بل يقول صراحة إنه لو أتى إنسان فعلا يخالف الأمر والنهي الإلهي ومهما كانت رتبة هذا الإنسان ، فليس لنا أن ننظر في صدقه مع اللّّ أو كذبه على الناس ، بل يلزم علينا أن نقيم عليه الحد إن افترض فعله إقامة الحد .وطبعا إقامة الحد على العاصي لا تتنافى مع تسليمنا بصدقه إن كان صادقا ، ولكن اعتقادنا بصدقه لا يسقط عنه الحد [جع الإنسان الكامل ج 1 / ص43 ،ص 35] ( 431 )وما هو إلاّ أنّه قبل وقعه ..... يخبّر قلبي بالّذي هو واقع المفردات : قبل وقعه : قبل وقوع الأمر في عالم الشهادة . يخبر قلبي : يعلم قلبي أو يلهم ، أو يشاهد بطريق الإخبار الإلهي . بالذي هو واقع : بما سيقع . المعنى :

عدد الصفحات ٢١٣

214 والفرق بين الولي والفاسق ، أن الولي قبل أن تقع منه المعصية أو الذنب في عالم الشهادة الظاهر ، يخبّر قلبه بأنه سينزل به بلاء الذنب ، فيتحضّر بالمناسب الشرعي لوقوع القضاء عليه ...... فالولي لا يخرج عن الشريعة الإلهية سواء أكان محلا لطاعة أو لمعصية ، لأنه في الطاعة يكون شكورا وفي المعصية يكون مستغفرا تائبا . ( 432 ) فأجني الّذي يقضيه فيّ مرادها ..... وعيني له قبل الفعال تطالع المفردات : فأجني : فيصيبني . مرادها : مراد الإرادة الإلهية . وعيني له : للّّ عزّ وجلّ . المعنى : وحين كان يخبّر قلب الجيلي بما سينزل به من بلاء المعصية ، كان لا يملك إلا أن يتلقى قضاء الإرادة الإلهية ، وعينه قبل وقوع القضاء تنظر إلى القاضي به عزّ وجلّ . ( 433 ) وكنت أرى منها الإرادة قبل ما ..... أرى الفعل منّي والأسير مطاوع المفردات : أرى منها الإرادة : أرى توجه الإرادة الإلهية إلى طلب الفعل . قبل ما أرى الفعل مني : قبل وقوع الفعل مني . المعنى : يرى الجيلي مراد قضاء الإرادة الإلهية به ، وذلك قبل أن يحدث منه الفعل ، أي قبل نفاذ القضاء فيه .... وحاله هو حال الأسير الذي يطيع أوامر سيده ، وهنا السيد هو القضاء . (434 ) فآتي الّذي تهواه منّي ، ومهجتي ..... لذلك في نار حوتها الأضالع المفردات : تهواه : تطلبه وتقضيه الإرادة الإلهية . لذلك : لذلك الفعل . المعنى : وكان الجيلي يفعل ما تقضيه فيه الإرادة الإلهية ، وقلبه يحترق بالنار المشتعلة بين الأضالع لأنه آت هذه الأفعال .... وهذا الفرق بين الفاسق وبين الولي ، فالفاسق يتملّص من مسؤولية فعل المعصية بقوله مثلا :هذه إرادة اللّّ ، أما الولي فإنه يشتعل نارا وهو يرى أنه م حل للمعصية ويعمل على تبديلها بالتوبة والاستغفار وطلب الطاعات . ( 435 ) وإن كنت في حكم الشّريعة عاصيا ..... فإنّي في حكم الحقيقة طائع المفردات :

عدد الصفحات ٢١٤

215 إن كنت في حكم الشريعة عاصيا إذا نظر الناظر إلى ظاهر أفعالي وحكم علي بأحكام الشريعة فسيجدني عاصيا . فإني في حكم الحقيقة : إذا دقق الناظر نظره في فعلي فسيجدني طائعا للأمر الإلهي ، لأنني أتقبل نزول البلاء والقضاء بالمناسب الشرعي ، فأصبر عند البلاء وأشكر عند العافية . المعنى : يقول الجيلي بأنه إن نظر ناظر إلى ظاهر فعله يحكم عليه بأنه عاص ، ولكن إن دقّق النظر في فعله وتحقق من باطنه وجوهره فسيجده طائعا .... وهنا أبدع الجيلي حين خرج عن الحوار القائم حول الشريعة والحقيقة . ففي الواقع ليس ثمة قانونين يعيش في ظلالهما الإنسان المسلم : قانون الشريعة الظاهر ، وقانون الحقيقة الباطن . بل هو قانون واحد في الإسلام وهو الشريعة ، ولكن الظاهر والباطن هما للفعل الإنساني وليس للقانون الإلهي . إذا نظرنا - مثلا - إلى ظاهر فعل الإنسان فقد نحكم عليه بأنه عاص ، وإن نظرنا إلى باطن فعله وتحققنا منه فقد نغيّر حكمنا عليه ونرى أنه طائع للّّ . ولذلك قال رسول اللّّ صلّى اللّّ عليه وسلم : الحكم بالظاهر واللّّ أعلم بالسرائر . . . ومن هنا ينتقد الملامتيون الذين يتخذون من هدم الظاهر وسيلة وسبيلا لحفظ الباطن وصيانته ، وليس الظاهر هنا بمعنى الشريعة ، إذ لا يملك مسلم أن يهدم الشريعة ، بل يهدمون ظاهر أفعالهم ويحطمون صورتهم في أعين الناس حتى يسلموا من الأنانية وحظوظ النفس . (436 ) وكم ركبت نفسي من الهول مركبا ..... فيا درّها للّ كيف تصادع المفردات : فيا درها : للّّ درها ، دعاء بمعنى : أفاض اللّّ عليها الخير . كيف تصادع : كيف تصدع للأمر ، كيف تسارع إلى طاعة الأمر . المعنى : يشكر الجيلي نفسه ويثني عليها ، فيقول ؛ جزى اللّّ نفسي كل خير ، كيف أنها تركب الأهوال ، وتصدع للأمر الإلهي حتى يتم فيها تنفيذ القضاء. (437 )وكانت إذا قد هال أمر وعاينت ..... إرادة من تهوى ، أتته تسارع المفردات : قد هال أمر : أخافها أمر . أتته تسارع : أسرعت طاعة للإرادة الإلهية . المعنى : يفصّل الجيلي أوصاف نفسه التي استحقت الشكر فيقول ؛ وكانت نفسي إذا أخافها أمر ، لم تنظر إلى ما يخيفها بل تنظر إلى إرادة القاضي به ، وهو الحبيب ، فتأتيه طائعة .

عدد الصفحات ٢١٥

216 (438 ) وكم جرّدوا للحرب فاستسلمت لها ..... إرادته ، حتّى ازدرتها الوقائع المفردات : فاستسلمت لها : فاستسلمت للإرادة الإلهية . إرادته : إرادة السالك . ازدرتها : احتقرتها . الوقائع : الأحداث. المعنى : يتابع الجيلي تصوير مواقف نفسه التي استحقت الشكر فيقول ؛ وكم تعرّضت هذه النفس لحرب الحياة .... فكانت دائما تستسلم إرادة السالك لإرادة الحق تعالى . . . حتى احتقرتها الأحداث ، لأنها لا تجابه ولا تخوض المعارك وتجاهدها . ( 439 ) وكم داسها نعل على أمّ رأسها ..... فلما تولّت ، أقبلت وهي خاضع المفردات : داسها : داس النفس . فلما تولت : أعرضت ، أي أعرضت النفس عن عالم المخلوقات . أقبلت : أي على الحق . وهي خاضع : أي خاضعة . المعنى : وكم داس نعل نفس الجيلي على أمّ رأسها ، أي بمعنى ؛ وكم تعرّضت نفسه للذل حتى أعرضت عن عالم المخلوقات وتخلصت من النظر إليه ، وأقبلت على الحق طائعة مطهّرة من الخلق ومن النظر إليهم ..... والإشارة هنا إلى أن ذل النفس ، وتذليلها الذي يخوض غماره الصوفية ، إن هو إلا ذلّ منهجي والغرض منه تحويل نظر النفس من الخلق إلى الحق . ( 440 ) وكم كان صدري للنّبال عريضة ، ..... وعرضي لسهم الطّاعنين مواقع المفردات : للنبال : إشارة إلى كل أنواع التهم والتجريح . عريضة : معرّضا . المعنى : يفصّل الجيلي أنواع ذل نفسه يقول ؛ وكم كنت معرّضا لكل أنواع التهم والتجريح من الآخرين ...... حتى وصلت النبال وجرّحت عرضي وشرفي ، الذي لم يسلم هو الآخر من الطعن . ( 441 ) وكم كنت أيضا للمراد مجرّدا ..... من الغمد سيفا للدّما ، وهو ناشع المفردات : الغمد : بيت السيف . سيفا للدما : سيفا صنع لسفك الدماء . وهو ناشع : وهو مرمي . المعنى :

عدد الصفحات ٢١٦

217 يوضح الجيلي أنّ تحمّله الهوان ليس عن ضعف منه وإنما عن قوة ؛ استقوى على نفسه القوية وأسكتها ، يقول ؛ تحمّلت ألوان الذل والهوان ، ليس عن جبن أو عن ضعف ، إذ إنني كنت أملك سيفا مهيّأ لسفك الدماء ، ولكنني منعته القتال ورميته . ( 442 ) وكم هجت نارا للوغى بين عترتي ..... وبيني وبين الغير والأمر شائع المفردات : وكم هجت نارا بين عترتي : وكم كان استسلامي وخضوعي سببا لهياج أهلي وعشيرتي . والأمر شائع : شاع أمري بين الجميع . المعنى : وكم كان استسلام الجيلي للأحداث ، وخضوعه للذل والهوان ، سببا في هياج نار أهله وعشيرته وصحبه كذلك ...... حتى أصبح أمره شائعا بين الكل ، فالكل يتحدّث والكل يلوم . ( 443 ) وكم قبّلت رجلي فم فضربتها ، ..... به عامدا إضرارها ومقاطع المفردات : فضربتها : فضربت الأفواه . إضرارها : إضرار الأفواه . المعنى : قديما ، قبل هذا الرضوخ للذل والهوان كم قبّلت فم رجل الجيلي ، وهذا يدلنا على قيمته الماضية ومكانته وما يرجوه الناس من منفعته ..... فضربت رجله هذه الأفواه متعمدة بهذا الضرب الإضرار بالأفواه والمقاطعة لها. (444 )وكلّ الّذي آتيه ، آتيه ناظرا ..... لمثبته في اللوح، إنّي تابع المفردات : وكل الذي آتيه : كل أفعالي . إني تابع : تابع للأمر الإلهي . المعنى : والجيلي وإن فعل فإنه لا يفعل عن أمره ، يقول ؛ وكل الذي آتيه من أفعال ، آتيه وأنا أنظر إلى الحق فهو الذي يمحو ما يشاء ويثبت في اللوح المحفوظ .... وذلك أنني في وجودي تابع للأمر الإلهي المثبت في اللوح (445 ) ولمّا مضى ليلي وولّت نجومه ..... وأشرق شمسي في الألوهة ساطع المفردات : ليلي : إشارة إلى الرياضات والمجاهدات . شمسي : إشارة إلى المقامات والمراتب . المعنى :

عدد الصفحات ٢١٧

218 في هذا البيت يشير الجيلي إلى وصوله ، فبعد أن تخطى ليل السعي إلى المحبوب مهتديا بالنجوم ، أشرقت شمس حقيقته ساطعة ، وبرزت مكانته وهويته الإنسانية أمام اللّّ عزّ وجلّ . ( 446 ) سلبت إرادتي وحولي وقوّتي .....وكلّ وجودي والحيا والمجامع المفردات : وحولي : وقدرتي على التصرف . وكل وجودي : كل أنواع وجوده ، والمراد أن الجيلي فقد الشعور بوجوده على كافة المستويات من بدنية ونفسية وروحية .... والحيا : والحياة ، والمراد أن الجيلي فقد إحساسه بأحداث الحياة الدنيا أي سلب دنياه . والمجامع : جمع. مجمع . والمجمع مكان أو موضع الاجتماع والتجمع ، والمراد هنا كل مراكز التجمع في الكيان الإنساني للجيلي . ومراكز التجمع في الإنسان هي المراكز التي تنسّق وتوحّد كل نشاط من أنشطة الإنسان كالإحساس أو التفكير أو الخيال أو الحب أو الحركة .... المعنى : بعد أن اجتاز الجيلي ليل السعي وأشرقت شمس حقيقته ، بدأ الفناء يجتاح كينونته وكيانه وإمكاناته .... ففنيت إرادته وقدرته وقوته ، بل فني كل وجوده وحياته ومكامن توحّد إنسانه . ( 447 ) فنيت بها عنّي فما لي أنيّة ، ..... هويّة ليلى للأنيّات قامع المفردات : فنيت بها : بالحضرة الإلهية . عني : عن إحساسي بذاتي وبوجودي . فما لي أنية : فما لي إحساس “ بالأنا “ . هوية ليلى : ليلى كناية عن الحضرة الإلهية . للأنيات قامع : تقمع أنيات المخلوقات في حال الفناء وتمنعها من الظهور . المعنى : يبدأ الجيلي بوصف الفناء ، يقول ؛ فنيت بالحضرة الإلهية عن إحساسي بذاتي وبوجودي ، فلم أعد أشعر بوجود “ أنا “ تخصني ... ومن يفن بالحضرة الإلهية يذهب ، لأن هوية الحضرة ، تسحقها ، تمحقها في الفناء ، وتحول بينها وبين الظهور . ( 448 ) وكنت كما إن لم أكن ، وهو أنّه ..... كما لم يزل ، فرد وللكلّ جامع المفردات : وكنت كما إن لم أكن : أي أن كينونتي في الأصل هي عدم الكينونة ، وأنا الآن كأنني غير موجود . وهو أنه كما لم يزل : والحق لا يزال ، كما هو دائما ، موجودا دائم الوجود ....

عدد الصفحات ٢١٨

219 فرد وللكل جامع واحد يفني الكل . المعنى : يتابع الجيلي وصف فنائه ، يقول ؛ وبعد فنائي وسحق أنيتي تحت سطوة تجليات الحضرة كنت موجودا غير موجود ، والحق عزّ وجلّ لا يزال الآن كما هو منذ الأزل سرمدي الوجود .... إنّه واحد فرد إذا تجلى أفنى الكل ، وجمعهم فلا يحسّون تفرقة ولا فرقا .

عدد الصفحات ٢١٩

220 تاسعا الأبيات من ( 449 ) إلى494 ) الجيلي يروي سيرته الروحية الجزء الخامس (449) وغيّبت عن تلك المشاهد كلّها .....وعنّي وعن غيبوبتي أنا زامع (450) فلا أنا إن حدّثت يوما مخاطب ، ..... وإن أسمعوني القول ما أنا سامع (451 )ولا أنا إن كلّمتهم متكلّم ..... ولا أنا إن هم نازعوني منازع (452) فلمّا فنى منّي وجود هويّتي ..... وباع البقا بالموت من هو بائع (453) خبتني فكانت فيّ عنّي نيابة ..... أجل عوضا ، بل عين ما أنا واقع (454 )فكنت أنا هي وهي كانت أنا وما ..... لها في وجود مفرد من ينازع (455) بقيت بها فيها ولا تاء بيننا ..... وحالي بها ماض كذا ومضارع (456 )ولكن رفعت النّفس فارتفع الحجا ..... ونبّهت من نومي فما أنا هاجع (457) وشاهدتني حقّا بعين حقيقتي .....فلي في جبين الحسن تلك الطلائع (458) جلوت جمالي فاجتليت مراءتي..... ليطبع فيها للكمال مطابع (459) فأوصافها وصفي ، وذاتي ذاتها ..... وأخلاقها لي في الجمال مطالع (460) واسمي حقّا اسمها ، واسم ذاتها ..... لي اسم ولي تلك النّعوت توابع (461 )فشمسي في أفق الألوهة مشرق ..... وبدري في شرق الرّبوبة طالع (462) ونفسي بالتّحقيق يا صاح نفسها ..... وليس لتوحيدي من الشّرك رادع (463) فمن نظرتها عينه فهو ناظري ، وتبصرها عين إليّ تطالع (464) ويمدحها بالشّكر من هو مادحي..... ويثني بحمدي من لها الحمد رافع (465) ويعبدني بالذّات عابدها ، كما ..... لها خضعت أحشاء من لي خاضع (466) تجيب إذا نوديت باسمي ، وإنّني ..... مجيب إذا ناديتها ، لك فازع (467) وقد محيت أوصافنا في ذواتنا ..... كما فنيت عنّي نعوت ضرائع (468) فأفنيتها حتّى فنيت ولم .....ولكنّني بالوهم كنت أطالع (469) كذا الخلق فافهم ، إنّه متوهّم ..... وهذا فقشر كي يضلّ مخادع (470) وها هي ما كانت سوى مخزن ولي .....هناك من الحسن البديع بدائع (471) فلمّا قبضت الإرث من مخزن الهوى ..... تناقض عن جدرانه ، فهو واقع (472) فكانت كعنقا مغرب وصفت وما ..... حوت غير ذاك الوصف منها البقائع (473) هي الذّات طاحت إن عرفت إشارتي ..... نجوت وإلاّ فالجهالة خادع (474) وهاك حديث المنحنى غير أنّه ..... على الورد من قشر الكمام قمائع (475) غزال لها عينان بالسّحر كحّلا ..... فواحدة فقعا وأخرى فواقع (476) كثوب له طول ولكنّ لونه ..... حكى ورق الرّيحان اخضر يانع (477) فما الطّول إلا الثوب واللون عينه ..... إذ الحكم للمحكوم في الأمر تابع (478) وما الثّوب طو لا ، ولا الّلون ذاته ..... وما ثمّ إلا الثّوب تلك المجامع (479) زرعت لك المعنى بلفظي فاجن ما ..... منحتك من أثمار ما أنا زارع (480) فإنّي لمّا أن تبدّت هويّتي ..... خفيت ، وإن تغرب فإنّي طالع

عدد الصفحات ٢٢٠

221 (481) وليست سواي ولست بغيرها..... ومن بيننا تاء المخاطب ضائع (482) فإنّي إيّاها بغير تأوّل ..... كما أنّها إيّاي ، والحقّ واسع (483) فكلّ عجيب من جمالي مشاهد..... وكلّ غريب من كمالي شائع (484) وكلّ الورى طرّا مظاهر طلعتي ..... مراء بها من حسن وجهي لامع (485) ظهرت بأوصاف البريّة كلّها ..... أجل في الكلّ نوري ساطع (486) تخلّقت بالتّحقيق في كلّ صورة ، ..... ففي كلّ شيء من جمالي لوامع (487) وما الكوّن في التّمثال إلا كدحية .....تصوّر روحي فيه شكل مخادع (488) فصفني بأوصاف الأنام جميعها..... فإنّي لذيّاك المحاسن جامع (489) وعن كلّ تشبيه فإنّي منزّه ، ..... وفي كلّ تنزيه فإنّي مضارع (490) وجسمي للأرواح روح مدبّر..... وفي ذرّة منه الأنام جوامع (491) ولو لم يكن في الحسن منّي لطيفة .....لما كانت الأجفان فيّ تطالع (492) ولولا لذاتي في الكمال محاسن .....تلوح لما مالت إليها الطّبائع (493) فهيكل شخصي كلّ فرد بسيطه ..... لجوهر أنواع المحاسن جامع (494) إنّي على تنزيه ربّي لقائل..... بأوصافه عنّي فحقّي صادع شرح الأبيات :- ( 449 ) وغيّبت عن تلك المشاهد كلّها ..... وعنّي وعن غيبوبتي أنا زامع المفردات : وغيبت : وذهبت عن الإحساس . المشاهد : جمع مشهد ، وهو ما يشاهد السالك في عالم الحس من معان معقولة وروحانية . أنا زامع : أنا غائب ، ذاهل . المعنى : يخبرنا الجيلي عن شهوده وذهوله في مواطن الشهود ، يقول ؛ وغبت عن مشاهدة فنائي وجمعي . . . حتى أنني عني وعن غيبوبتي أنا غائب ، ذاهل. (450 )فلا أنا إنحدّثت يوما مخاطب ، ..... وإن أسمعوني القول ما أنا سامع المفردات : فلا أنا إن حدثت يوما مخاطب : إن حدثت الناس يوما ، فلست أنا الذي أخاطبهم . ما أنا سامع : لا أسمعهم . المعنى : يخبرنا الجيلي هنا أنه حاضر لمحبوبه فقط ، وظاهره يتعامل مع الناس بما يناسب ، فيقول ؛ إن حدّثت الناس فلست أنا الذي يتكلم معهم ويخاطبهم ، ولو اسمعوني القول لا أسمعهم . وهذا الفصل بين البدن والقلب ، بحيث ينتسب البدن إلى عالم الناس ، وينتسب القلب إلى المحبوب وتسكن الأنا فيه ، مألوف لدى عشاق الصوفية .

عدد الصفحات ٢٢١

222 وهذه سيدة العشق رابعة تقول : فالجسم مني للجليس مؤانس ، وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي ... فالعاشق وإن غاب وجدا في مشاهدة معشوقه ، فإن بدنه يستمر في تأدية وظيفته الحياتية والاجتماعية. (451 )ولا أنا إن كلّمتهم متكلّم ..... ولا أنا إن هم نازعوني منازع المفردات : ولا أنا إن كلمتهم متكلم : حتى لو كلمت الناس فلست أنا المتكلم . نازعوني : خاصموني . منازع : مخاصم . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل حضوره للّّ ، وأن الأنا التي تخصه لا تشعر بحضور الناس وإن كانت تتعامل معهم ، يقول ؛ حتى لو كلمت الناس ، فالناظر يراني أكلمهم ، ولكنني غائب عن كوني متكلما ..... وكذلك فإن خاصموني أو جادلوني ، فقد يراني الناظر أجادلهم وأنازعهم ، ولكنني غائب عن كوني مجادلا لهم ومنازعا . ( 452 ) فلمّا فنى منّي وجود هويّتي ..... وباع البقا بالموت من هو بائع المفردات : فلما فنى مني وجود هويتي : إشارة إلى فناء الهوية . وباع البقا بالموت : وكان الموت هو ثمن البقاء ، بمعنى اشترى الجيلي البقاء باللّّ ودفع موته ثمنا لذلك . المعنى : يقول الجيلي ؛ ولما فنيت هويتي ، اشتريت بقائي باللّّ ، ودفعت موتي ثمنا لهذا البقاء . ونلاحظ هنا أن العبد بعد فنائه سيترقى في مراتب البقاء ، وبقاء العبد هو بقاء مظهري يتلقى تجليات الحق تعالى ، تجليات الأفعال والأسماء والصفات ؛ وهذا ما سيفصّله الجيلي في الأبيات اللاحقة حيث نرى العبد في قمة فنائه وذهاب هويته قد أصبح محلا للتجليات الإلهية ، ففارق بذلك مرتبته الكونية وتحقق بمرتبته القدسية ... ( 453 ) خبتني فكانت فيّ عنّي نيابة .....أجل عوضا ، بل عين ما أنا واقع المفردات : خبتني : خبّأتني ، أي سترتني وأخفتني . فكانت فيّ عني نيابة : كانت الحضرة الإلهية قائمة فيّ ، نائبة عني . أجل عوضا : بدلا مني . بل عين ما أنا واقع : بل عين الأنا التي تخصني ، عين ذاتي . المعنى :

عدد الصفحات ٢٢٢

223 أخفت الحضرة الإلهية الجيلي وسترته ، وتجلّت نيابة عنه ، عوضا وبدلا منه . . . بل تجلّت به وكانت عين ذاته . يقول الجيلي في1 / ص37 ] “فإذا تجلى الحقّ لعبده من حيث اسمه اللّّ ، فني العبد عن نفسه ، وكان اللّّ عوضا عنه له فيه ، فخلّص هيكله من رقّ الحدثان ، وفكّ قيده من قيد الأكوان ، فهو أحديّ الذات وأحديّ الصفات ، لا يعرف الآباء والأمهات . فمن ذكر اللّّ فقد ذكره ، ومن نظر اللّّ فقد نظره ، وحينئذ أنشد لسان حاله بغريب عجيب مقاله :خبتني فكانت فيّ عني نيابة ( . . . ) واسمي حقا اسمها واسم ذاتها “ ) . . . ( ويورد الجيلي في هذا النص من كتابه الإنسان الكامل الأبيات كاملة من رقم 453 إلى رقم460 . (454 ) فكنت أنا هي ، وهي كانت أنا وما ..... لها من وجود مفرد من ينازع المفردات : هي : الإشارة إلى الحضرة الإلهية . المعنى : يفصّل الجيلي هنا معنى بقاء العبد باللّّ ، ويبين كينونة الإنسان الفاني حين يتجلى عليه الحق تعالى باسمه اللّّ . وهي كينونة خاصة ، يبقى فيها العبد باللّّ بعد فناء أنيته وهويته . فالعبد هنا فان ، وهو في فنائه يذهب ، ولا يبقى إلا الحق ؛ لذلك يقول الجيلي : “ أنا هي “ ، لأن “الأنا “ لا وجود لها بل فنيت في “ هي “ ؛ و “ هي “ أي الحضرة ، هي التي تقوم نيابة عن العبد الفاني ؛ لذلك يقول : “ وهي كانت أنا . . . “. باختصار ، حين يتجلى الحق على عبد فالفناء للعبد والبقاء للحق عزّ وجلّ ، وليس له تعالى من ذات العبد منازعا ينازعه الوجود . ( 455 ) بقيت بها فيها ولا تاء بيننا ..... وحالي بها ماض كذا ومضارع المفردات : بها : بالحضرة الإلهية . فيها : في الحضرة الإلهية . ولا تاء بيننا : ارتفع من بيننا الخطاب ، فلا يخاطب أحدنا الآخر مناديا إياه ب “ يا “ ، أو يستخدم ضمير المخاطب وهو التاء فيقول أكلت وشربت . . . وحالي بها ماض كذا ومضارع : وحالي الحاضر هو كما كان في الماضي وكما سيبقى في المستقبل ، إنه هو هو . المعنى : يخبرنا الجيلي عن بقائه بعد الفناء ، يقول ؛ بقيت بعد فنائي بإبقاء الحق لي ، بقيت بالصفات الإلهية ، مستهلكا في حضرة الحق لا وجود لي خارجها . .

عدد الصفحات ٢٢٣

224 ولكنه بقاء لا تعبّر عنه أثنينيّة المخاطِب والمخاطَب[ورد في اللمع للطوسي ص 461 ،463 ]من شطحات أبي يزيد“ لا يبلغ المتحابان حقيقة المحبة حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا . ويقول أبو يزيد : ألبسني أنانيتك حتى إذا رآني خلقك قالوا :رأيناك ، فتكون أنت ذاك ، ولا أكون أنا هناك “ . . .. ويعلق الطوسي بقوله ؛ "هذا وأشباه ذلك يصف فناء الصوفي ، وفناءه عن فنائه ، وقيام الحق عن نفسه بالوحدانية ، وكل ذلك في حديث قرب النوافل " . ( 456 ) ولكن رفعت النّفس فارتفع الحجا ..... ونبّهت من نومي فما أنا هاجع المفردات : رفعت النفس : أزلت النفس ورفعت حكمها . الحجا : العقل . فما أنا هاجع : لن أهجع ، فما أنا غافل . المعنى : يتابع الجيلي تفصيل فنائه ، ويعلّمنا هنا من تجربته الشخصية أن نفوسنا البشرية هي حجاب يحجبنا بالهوى عن رؤية الحق ، وأنها أيضا تستخدم العقل وحججه ليزين الباطل بوهم الصواب ، فيقول ؛ “ ولكن رفعت النفس فارتفع الحجا “ بمعنى أنه حين قهر نفسه ورفع أحكامها ولم يبق لها حكما ينفذ في الحياة ، وجد أن حكم العقل قد ارتفع معها . والسبب الذي جعل الجيلي يربط بين النفس وبين الحجج العقلية هو أنه حين تكون النفس أمارة بالسوء فإنها تستخدم العقل وحججه لإنفاذ أهوائها . والعقل في مقدوره أن يقارب بحجة منطقية بين مطالب النفس وبين مذاهب الشريعة . باختصار ، إن العقل في استطاعته أن يشرّع الهوى ، ويبرّر الأحقاد . ولكن عندما تطمئن النفس وتسكن إلى الحق لا تأمر بهوى ، لذلك تنتفي أهمية المجادلة العقلية ، وتتجلى الشريعة ساطعة لا ينازعها عقل ولا نفس . وحين تتجلى الشريعة ساطعة فكأنما الجيلي كان نائما وانتبه ، والناس - على ما ورد في الحديث الشريف - نيام إذا ماتوا انتبهوا . والجيلي هنا يخبرنا أنه بعد موت نفسه وموت مطالبها انتبه من غفلته وحضر مع اللّّ عزّ وجلّ ، وأنه بعد هذا الانتباه وال حضور لن يغفل ثانية أبدا . ( 457 ) وشاهدتني حقّا بعين حقيقتي ..... فلي في جبين الحسن تلك الطلائع المفردات : شاهدتني : شاهدت نفسي . حقا : إنني حق . بعين حقيقتي : في حقيقة وجودي . الطلائع : جمع طلعة . المعنى :

عدد الصفحات ٢٢٤