المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم

غير معروف

صفحة ١٣ من ١٧

193 المفردات : وكم مرّ بي : أي الآن بعد اتصافي بشنائع الهوى عند الآخرين . من كنت أرفع قدره : من كان يتقرّب مني ليرفع قدره بين الناس ... المعنى : يتأسف الجيلي على سطحية العلاقات الإنسانية ، فأكثر الناس تعاشر لمصلحة وغرض ، وقليل منهم هو الذي يبحث في ذات الآخر عن إنسان ليقيم معه علاقة ذاتية حقيقية تسقط فيها كل الصفات والأوصاف والمصالح والأغراض ، فيقول ؛ كان بعض الناس يتقرب مني ، لا لذاتي ، بل لأن قيمتي ومكانتي ترفع قدر المعاشرين لي والمقربين مني ؛ وكم من إنسان يمرّ بي الآن وبعد أن أسقطت شنائع الهوى قدري ، يتحاشاني مبتعدا عني كأني سأحط من قدره ، من بعد ما كنت لقدره رافعا . (374 ) وينكف أن ألقاه ، بي متطيّرا ..... وما هو إن حيّيته لي سامع المفردات : وينكف أن ألقاه : يتجنب لقائي . متطيرا : متشائما . لي سامع : لا يسمع تحيتي ، يتجاهل سماع تحيتي . المعنى : يكمّل الجيلي الترنّم بأسفه على العلاقات السطحية وغير المتجّذرة في كينونة الناس ، فيقول ؛ بعد أن أسقط قدري في الهوى شنعة الهوى ، كأن بعض الناس يتجنّ ب لقائي تشاؤما وتطيّرا .... وإن ألقيت على بعضهم تحية فإنه لا يسمع تحيتي . . . وهنا نكتة شرعية لطيفة أتى بها الجيلي ، فهذا الصاحب لا يشيح بوجهه عن الجيلي رافضا ردّ التحية ، لأنه بذلك يأثم شرعا ، فالتحية والسلام حق المسلم على المسلم شرعا . لذلك هذا الصاحب يتصرف بشكل يمكّنه من ألا يسمع تحيّة الجيلي ، حتى لا يضطر إلى ردّها . ( 375 ) فما لي في الأحياء ما عشت صاحب ..... وما لي حقّا لو أموت مشايع المفردات : مشايع : من يشيعني إلى القبر . المعنى : يتابع الجيلي وصف معاشريه وسطحية رؤيتهم له ، يقول ؛ وها أنا أعيش عيشة المنبوذين لا صاحب لي من بين الأحياء وأنا حي ، وإن أمت لا أجد لي مشايعا يشيّعني إلى مثواي الأخير .

عدد الصفحات ١٩٣

194 (376 ) وما لي إن حدّثتهم من مجاوب .....ولا إن دهاني الخطب فيهم مدافع المفردات : إن دهاني الخطب : إن أصابتني مصيبة. المعنى : يكمل وصف ما صارت إليه حمية معاشريه ، إن حدّثهم لن يجاويه أحد . . .وإن أصابته مصيبة لن يجد بينهم من يدافع عنه . ( 377 ) كأن لم أكن في الحيّ أرفع أهله ..... مكانا وقدري في المكانة مانع المفردات : مكانا : مكانة وقدرا . وقدري في المكانة مانع : قدري عظيم المنعة ، ويحمي أهل الحي جميعا . المعنى : ويذكّر الجيلي الناس - من صحبه ومعارفه - بقيمته السالفة ومكانته ، يقول ؛ لقد نسي الناس رفعة مكانتي وقدري السابق ، فكأني لم أكن بينهم فيما سلف أرفع أهل الحي قدرا ومكانة . . . حتى أن مكانتي كانت هي المنعة لأهل الحي جميعا . ( 378 ) ذللت إلى أن خلت أنّي لم أزل ..... أذلّهم قدرا ، فها أنا خاضع المفردات : أذلهم : أذل أهل الحي . فها أنا خاضع : راض بهذا الذل . المعنى : يصف الجيلي ما صار إليه من ذلة ، وأنه لا يريد تغيير مشاعر المحيطين به ، وذلك لأن الإنسان منا إن شعر بأن من يحبّه فإنما يحبّه لمصلحة ، فلن يحرص على متابعة هذه المحبة أو هذه الصحبة . يقول ؛ بعد أن كنت أرفع أهل الحيّ مكانة وقدرا ذللت حتى أظن أنني أصبحت أذلّهم قدرا . . .وها أنا راض بهذا الذلّ ، لا أشكو ولا أتذمر ولا أحاول تغييرا. (379 ) وأحسب أنّ الأرض تنكف أن ترى .... ولي في ثراها مذهب ومشارع المفردات : تنكف : ترفض وتستحي . في ثراها : على أرضها ، على ترابها . مذهب ومشارع : ذهاب وإياب وطرقات . المعنى : وأخال أن الأرض نفسها ترفض وتستحي من أن يراها مخلوق ، وهي تسمح لعاشق مثلي ذليل بأن يسير عليها ، وله فيها ذهاب وإياب وطرقات.

عدد الصفحات ١٩٤

195 ( 380 ) رعى اللّّ إخوانا رعين مودّتي ..... فهنّ لقلبي ، حيث كان ، توابع المفردات : إخوانا : الأخوة في اللّّ مقولة صوفية ، وهي درجة متقدمة من الصحبة وقد افتنّ المتصوفون في استنباط حقوقها . حيث كان : أي أينما حلّ في ذل أو رفعة . توابع : تابعين ، متبعين . المعنى : يسأل الجيلي هنا ربّه أن يرعى إخوانا صدقوا في صحبتهم له ورعوا مودته ، وظلوا أوفياء لعهد الأخوة والصحبة ، فتتبعوا قلبه أينما حل سواء أكان في ذل أو في رفعة . (381 ) نعم وسقى وجدا مدى الدهر مؤنسي ..... فكم لك يا وجدي عليّ صنائع المفردات : وسقى وجدا : الجيلي هنا يطلب السقاية لوجده . مدى الدهر مؤنسي : هذا الوجد هو مؤنسي مدى الدهر . صنائع : ج . صنيع ، وهو الجميل والمعروف . المعنى : بعد أن طلب الجيلي في البيت السابق الرعاية لإخوانه الحقيقين ، يطلب هنا السقاية لوجده الذي هو مؤنسه مدى الدهر ، وفي الدعاء يؤثر القول : رعيا وسقيا . . . ويرى الجيلي أن للوجد عليه صنائع وأفضال كثيرة لأنه كان السبب في كل ما وصل إليه. ( 382 ) ويا زفراتي فاصعدي وتنفّسي ..... فقد هبطت من جفن عيني المدامع المفردات : فاصعدي : فانطلقي . وتنفّسي : تحرري . المدامع : مكامن الدمع . المعنى : يصف الجيلي حاله في البكاء الذي لا ينقطع ، يقول ؛ يا زفراتي انطلقي ، تنفّسي وتحرّري . . . فدموعي لم تزل تهبط ، حتى هبطت مدامعي نفسها من جفني عيني . . ( 383 ) ويا كبدي في الحبّ ذوبي صبابة ..... ويا كمدي دم إنّني لك تابع المفردات : ويا كمدي دم : يطلب دوام كمده وحزنه . إنني لك تابع : إن وجودي تابع لوجودك. المعنى : يطلب الجيلي من كبده أن يذوب حبّا وعشقا ، ويطلب من حزنه وكمده أن يدوم ؛ وذلك لأنه يرى بأن وجوده مرتبط بوجود حزنه . فالحزن هو الذي جعل منه ذاك الإنسان الموجود والرفيع القدر والمنزلة عند اللّّ ، ومتى ذهب حزنه ذهب هو ومكانته .

عدد الصفحات ١٩٥

196 ( 384 ) ويا جسدي هل فيك من رمق فما ..... أراك سوى بالوهم عندي مطالع المفردات : من رمق : من بقية حياة . بالوهم : بالقوة الوهمية في الإنسان ، بالتوهم . المعنى : بدأت الحياة تنسحب من أطراف جسد الجيلي حتى أنه ليسائل جسده : هل فيك من رمق وبقية حياة ؟ . . ولكن لا ، إن هذا الرمق الذي يطالعه في بدنه ما هو إلا وهم ومظهر وخيال . وقد استخدم الجيلي هنا لفظ “الجسد “ ، الذي يوحي ببدن ميت إذا تتبعنا إيحاءات المفرد القرآني ، بدلا عن لفظ البدن أو الجسم ، ليدلّ ويؤكد على بداية مفارقة الحياة لبدنه. (385 ) ويا مهجتي والرّسم منك فدارس ..... ويا طلل الأحشاء فجعك صادع المفردات : والرسم منك : وأثرك ، وصورتك . فدارس : فذاهب . ويا طلل الأحشاء : والأحشاء أطلال . فجعك : فجيعتي فيك . صادع : ظاهر . المعنى : يلتفت الجيلي إلى فؤاده وأعماقه مناديا ؛ يا فؤادي ها قد تصدّعت وذهب رسمك ، ويا أحشائي ها قد تداعيت طللا مفجوعا . ( 386 ) ويا جفنيّ المقروح قد فني الدّما ..... ويا قلبي المجروح هل أنت فازع المفردات : قد فني الدما : قد نفذت الدماء . المعنى : يقول الجيلي إنه ظل يذرف الدمع حتى نفذت دموعه فذرف الدماء . والآن فنيت دماؤه فلم تعد لتجري في مدامعه ، ولم تعد لتتساقط من جفنه المقروح . . . ويسأل قلبه المجروح هل يفزع ويرتدّ عن حبه بما رأى من تصدّع وأطلال ودماء . ( 387 ) ويا ذاتي المعدوم هل لك بعثة ..... ويا صبري الموهوم هل أنت راجع المفردات : هل لك بعثة : أي من العدم . المعنى : يخاطب الجيلي ذاته وصبره ، يستنجدهما العودة إلى الحضور والفاعلية ، ليشدّا أزره في الحب ، فيقول ؛ وأنت يا ذاتي التي أفناها وأعدمها العشق هل تبعثين من العدم ؟! وأنت يا صبر ، إن كان عن المحبوب صبر ، هل ترجع ولو بالوهم لتطفىء يأس الحرمان ؟!.

عدد الصفحات ١٩٦

197 (388 ) ويا خفقانالقلب زدني كآبة ..... ويا نار وجدي قد ، جفتني الأضالع المفردات : قد : فعل أمر من أوقد بمعنى زد اشتعالا . المعنى : إن الكآبة التي تجتاح نفس العاشق ترتبط بخفقان قلبه ، فكلما ازداد خفقان قلبه وحنينه لمحبوبه ازدادت كآبته وانقباض صدره . والجيلي هنا يغري قلبه بالخفقان حنينا لتزداد كآبته . . . ولا يكتفي بذلك بل يطلب أيضا من نار الوجد أن “ تولع “ الحنين في الأضلاع وتزيده اشتعالا . ( 389 ) ويا نفسي الحرّاء موتي تلهّفا ..... فما لك في دين المحبّة شافع المفردات : دين المحبة : إشارة إلى قول ابن عربي : “ أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني “ . وقصيدة الجيلي بكاملها تبين مناهج محبي اللّّ عزّ وجلّ في عباداتهم ومجاهداتهم . المعنى : يخاطب الجيلي نفسه لا ليطمئنها على الحياة رغم لهفتها ونارها بل العكس ليعدها بالموت ، يقول ؛ ويا نفسي المحرورة الملهوفة موتي ، فلن تجدي لك شافعا ؛ لأن دين المحبة يشرّع قتل المحب . ( 390 ) ويا روحي المتعوب صبرا على البلا .... ويا عقلي المسلوب هل أنت قالع المفردات : على البلا : البلاء هو الالآم التي تصيب الأبدان والأرواح ليمتحن اللّّ بها قلوب عباده للتقوى22 . ] المعنى : يتابع الجيلي مطالبة تكويناته الشخصية بالمزيد من السير في عشق المحبوب ، فيقول لروحه ولعقله ؛ ويا روحي مهما أتعبك البلاء فصبرا . . . ويا عقلي ، مهما سلبك العشق وأذهبك ، لا تتوقف عن الولع والصبابة . ( 391 ) ويا ما بقي في الوهم منّي وجوده ..... عدمتك شيئا وقعه متمانع المفردات : عدمتك : دعاء بمعنى ، أفقدني اللّّ إياك . وقعه : وقوعه ، وحصوله . متمانع : ممتنع الوجود . المعنى :

عدد الصفحات ١٩٧

198 ينادي الجيلي هنا ما تبقّى من وجوده ، بل ما بقي في الوهم من وجوده . . . ويطلب أن يزول هذا الوجود الباقي الموهوم ، لأنه وجود ممتنع الحصول . . . فالجيلي يطلب هنا فناء وجوده الفردي ، ليبقى موجودا بوجود الواحد الأحد ، الباقي بعد فناء خلقه . ( 392 ) ويا سقمي زدني أسى وتبدّدا .....فليس لضري غير سقمي نافع المفردات : لضري : لما أعانيه من الضرر . المعنى : يطلب الجيلي من الأسقام أن تزيد في تبدّده وفنائه ، لأنه لا أنفع لفناء الوجود الإنساني من منازلة الأسقام والآلام . ( 393 ) ويا عاذلي كرّر ، فإنّي وإنّ أكنّ ..... إلى العذل لا أصغي ، فللذّكر سامع المفردات : كرر : أعد على مسمعي عذلك ولومك . إلى العذل لا أصغي : لا أهتم لمعاني اللوم . للذكر سامع : فإني سامع لذكر المحبوب ومستمتع به ، عندما يرد على لسانك . المعنى : يخاطب الجيلي من يلومه في العشق ، ويقول ؛ يا عاذلي كرر على مسمعي عذلك ولومك . فإني وإن كنت لا أهتم لمعاني لومك أو أصغي لها ، إلا إنني أطرب كلما ورد اسم المحبوب على لسانك . (394 ) ويا قاضيا في الحبّ يقضى بعدله ..... تحكّم بجور إنّني لك طائع المفردات : بجور : بظلم . المعنى : ويخاطب الجيلي هنا قاضي المحبة الذي يقضي بين المحبين بشرع المحبة قائلا ؛ وأنت يا من تحكم وتقضي عليّ في الحب ، تتوخى العدل . . . لا تعدل بل أظلمني ، وأحكم بقهري تحت طغيان محبوبي ، فستجدني لكل ما تقضي به من جور طائعا . ( 395 ) جعلت وجودي فانيا في بقائها... ألا فاقض ما تقضي ، فما أنا جازع المفردات : في بقائها : في بقاء الحضرة الإلهية . ألا فاقض : الخطاب هنا للقاضي في الحب . جازع : خائف ، قلق . المعنى :

عدد الصفحات ١٩٨

199 يكمل الجيلي خطابه لقاضي المحبة ، قائلا ؛ وكيف أطلب العدل في الحب بيني وبين المحبوب ، وأنا قد جعلت وجودي فانيا في بقاء محبوبي . . .فاقض أيها القاضي في الحب بما تقضي فإنني غير قلق ولا خائف . ( 396 ) وحقّقت أنّي في وجودي قائم ..... بها ، ووجودي مكرة ومخادع المفردات : وحققت : علمت يقينا . قائم بها : قائم بالحضرة الإلهية ، فالحق عزّ وجلّ هو القيوم في صور الموجودات . مكرة : من المكر . مخادع : ج . مخدع ، أي خداعة وخداع . المعنى : ويستنكر الجيلي أن يطلب العدل في الحب بينه وبين محبوبه ، لأنه لا وجود له والوجود كله لمحبوبه ، أي للّّ ، يقول ؛ وتحققت يقينا من أنّ وجودي قائم بالوجود الإلهي ؛ فالحق تعالى هو الوجود على الحقيقة والموجودات قائمة به ، معدومة بذاتها ، فكل الموجودات وجودها خيال ووهم وخداع ومكر ، والوجود الحقيقي هو للّّ القائم الظاهر في كل موجود . (397 ) فمن مصر أرضي قد خرجت لمدين ..... لعلّشعيب القلب فيه صدائع المفردات : مدين : مدينة ، قيل تقع تجاه تبوك ، نزل فيها موسى عليه السّلام حيث استقى لبنات شعيب عليه السّلام ، وقد ورد في القرآن الكريم :وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [ 85 . ] أما خروج الجيلي إلى مدين ففيه استعارة من خروج موسى عليه السّلام إلى مدين . قال تعالى :وَلَمها تَوَجههَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السهبِيلِ [ 22 . ] المعنى : يبدأ الجيلي هنا باستعارة المخزون الرمزي الحيّ والمودع في قصة موسى عليه السّلام ، ليرسم بالإشارة إليه سلوكه الروحي ومسيرته الشخصية. وحياة نبي اللّّ موسى عليه السّلام غنية بالأحداث المحمّلة بالدلالات : فاللّّ عزّ وجلّ كلّمه تكليما ، وتكوينه مرّ بمراحل شتى ، بدأ نشأته في بلاط ملك فرعون ، وعومل معاملة الملوك واكتسب عاداتها وطبائعها ، ثم خرج إلى مدين وكان لقاؤه بشعيب ، وقد استفاد كثيرا من السنوات العشر التي أمضاها عنده ، ثم قصته مع الخضر وما استفاده من أوجه العلم الإلهي .... باختصار تضمّن القرآن الكريم أكثر من خمسماية آية فيها إشارة أو تورية أو إخبار عن موسى عليه السّلام . والجيلي هنا يشير إلى خروجه من مصر أرضه ، أي من عالم بشريته وبدنيته ، إلى مدين المجاهدات والرياضات والترقي ، حتى ينصدع القلب ويتحضرّ للتلقّي .

عدد الصفحات ١٩٩

200 (398 ) فلاقيت بنتي عادتي وطبيعتي ..... تذودان أغنامي ومائي نابع المفردات : فلاقيت : فلقيت في مدين . بنتي : الإشارة إلى بنتي شعيب ؛ قال تعالى :وَلَمها وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمهةً مِنَ النهاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [ القصص23 . ] ويرمز الجيلي هنا بالبنتين إلى العادة والطبيعة . . . . تذودان : تحميان . أغنامي : إشارة إلى جميع الحواس . ومائي نابع : إشارة ترمز إلى الواردات المتدفقة . المعنى : سوف يبدأ الجيلي بتصوير مجاهداته ووارداته بالرمز الموسوي ، ويخبرنا أنه لقي في مدين المجاهدات “ بنتيه “ ، وهما رمزا : عادته وطبيعته . والعادة والطبيعة في “ النفس الأمارة “ توجّهان حواس الإنسان إلى المحرمات ، على حين أنهما في “ النفس المطمئنة “ يحميان الحواس من كل التفات إلى محرم أو محظور . والجيلي هنا ، صاحب النفس المطمئنة ، لقي في مدين المجاهدات عادته وطبيعته يحميان جميع حواسه من كل التفات إلى محرم . . . ولقي كذلك رزقه من الواردات الإلهية يتدفّق وينبع . ( 399 ) فسقّيت من ماء اليقين غنائمي ..... ومن رعى زهر العلم هنّ شوابع المفردات : غنائمي : حواسي . زهر العلم : زهر علم اليقين . المعنى : عندما حمت العادة والطبيعة حواس الجيلي عن المحرمات ، وتدفقت الواردات باليقين ... شربت وارتوت حواسه جميعها من ماء اليقين ، وشبعت من رعي زهر علم اليقين .... فالحواس عندما تفطم عن المحرمات تطعم وتسقى من عين اليقين . ( 400 ) وجاءت على استحياء ذاتي بربّها ..... بتوحيدها ، إحداهما وتسارع المعنى : يكمل الجيلي استعارته من الرموز الموسوية المخبؤة في قصة موسى مع بنتي شعيب ، ويستلهم الآية الكريمة :فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنه أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [25 . ]

عدد الصفحات ٢٠٠

201 فالجيلي بعد أن فطم حواسه عن المحرمات ، وارتوى وشبع من علم اليقين ، جاءته الدعوة ليسارع إلى نيل الجزاء على فعله هذا ومجاهداته . ( 401 ) فلمّا تزوّجت الحقيقة صنتها ..... وأمهرها مني الحماة الشرائع المفردات : تزوجت الحقيقة : الرمز إلى حدث زواج موسى عليه السّلام بإحدى بنتي شعيب عليه السّلام . أمهرها مني الحماة : الإشارة إلى شعيب حين طلب المهر من موسى بقوله :أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيه هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [ 27 ] . المعنى : وكان جزاء مجاهدات الجيلي ورياضته هو وصوله إلى الحقيقة وزواجه بها أي وتحققه بها . وبعد أن تحقق بالحقيقة صانها صون الرجل لأهل بيته ، ودفع مهرها بالشرائع الإلهية ، وذلك أن مهر الحقيقة هو القيام بالشريعة وصيانتها . ( 402 ) صعدت معالي طور قلبي مناجيالربّي حتّى إن بدت لي لوامع المفردات : صعدت معالي طور قلبي : الرمز من قصة موسى عليه السّلام الواردة في قوله تعالى :فَلَمها قَضى مُوسَى الأَْجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الط ورِ ناراً [ : 29 .] مناجيا لربه المناجاة شكل من أشكال الخطاب الإلهي للعبد . وفي ذلك إشارة إلى مناجاة موسى ، قال تعالى :وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الط ورِ الأَْيْمَنِ وَقَرهبْناهُ نَجِيًّا [52 ] . لوامع الإشارة إلى النار التي رآها موسى عليه السّلام . المعنى : بعد أن قضي الجيلي المهر الشرعي بدأت مظاهر القرب والتقريب الإلهي تظهر عليه ، وها هو هنا يصعد “ طور قلبه “ ويستعدّ للمناجاة والنجوى ، والإقتباس من الأنوار . وقد رمز الجيلي بالقلب إلى مكان التجلّي الإلهي ، فهو الطور والجبل ، وهو الذي يسع تجلّي الرحمن .

عدد الصفحات ٢٠١

202 تاسعا الأبيات من ( 403 ) إلى448 ) الجيلي يروي سيرته الروحية الجزء الرابع (403) وخلّفت أهلي ، وهي نفسي تركتها ..... وجئت إلى النّور الّذي هو ساطع (404) فناداني التّوحيد : نعليك دعهما ..... فها أنا ذا للرّوح والجسم خالع (405) وكلّمني التّحقيق من شجر الحشا ..... بأنّي بالوادي المقدّس راتع (406) فسرت بعقلي من فناء وجوده..... إلى مجمع البحرين ، والعقل تابع (407 )هناك نسيت الحوت وهو أنيّتي ..... فسبّح في بحر الحقيقة شارع (408)على أثري ارتدّيت حتّى لقيت من ..... هو الأصل ، إذ نقش أنا وهو طابع (409) فلمّا تعارفنا ولم تبق نكرة ..... طلبت اتّباعا كي يفوز متابع (410) فأغرق في بحر الإله سفينتي ..... وخرّ غلام الشّرك إذ هو خادع (411) وجاز بلاد اللّّ قرية غربة..... وفيها لقلبي منحنى وأجارع (412) أردنا إضافات ، أبوا أن يضيّفوا ..... لتسدل في وجه البدور براقع (413) هناك جدار الشّرع خضري أقامه ..... لئلاّ ترى بالعين تلك الشّرائع (414) فإن فهمت أحشاك ما قلت مجملا ، ..... وإلاّ فبالتّفصيل ما أنا صادع (415) رأيت قيامي راجعا نحو ربّه ..... فقهقرت منّي للحبيب مراجع (416) فعاينت أنّي كنت في العلم ثابتا .....وللحقّ علم الحقّ في الحكم تابع (417) وبالعلم فالمعلوم أيضا فملحقوليس لهذا الحكم في العقل رادع (418) فحينئذ حقّقت أنّي نفحة..... من الطّيب ، طيب اللّّ في الخلق ضائع (419) وما النّشر غير المسك فافهم إشارتي..... بعيشك ، فالتّصريح للسّر ذائع (420) فشاهدت ليلى في مرآة قيسها .....وعاينت بشرا في بثينة ساطع (421) و حظت في فعلي قضاء مرادها..... وأبصرت صنعي أنّها هي صانع (422) تحرّكني مستورة بأنيّتي ..... وما سترها إلاّ لما فيّ مانع (423) وسلّمت نفسي حيث أسلمني القضا..... وما لي مع فعل الحبيب تنازع (424) فطورا تراني في المساجد عاكفا .....وأنّي طورا في الكنائس راتع (425) أراني كآلالات وهو محرّكي ..... أنا قلم والاقتدار أصابع (426) ولست بجبري ولكن مشاهد ..... فعال مريد ما له من يدافع (427 )فآونة يقضى عليّ بطاعة ..... وحينا بما عنه نهتنا الشّرائع (428) لذاك تراني كنت أترك أمره ..... وآتي الذي ينهاه والجفن دامع (429) ولي نكتة غرّا ، هنا سأقولها..... وحقّ لها أن ترعويها المسامع (430 )هي الفرق ما بين الوليّ وفاسق ..... تنبّه له ، فالسر فيه فظائع (431) وما هو إلاّ أنّه قبل وقعه ..... يخبّر قلبي بالّذي هو واقع (432) فأجني الّذي يقضيه فيّ مرادها ..... وعيني له قبل الفعال تطالع (433) وكنت أرى منها الإرادة قبل ما .....أرى الفعل منّي ، والأسير مطاوع (434) فآتي الّذي تهواه منّي ، ومهجتي ..... لذلك في نار حوتها الأضالع

عدد الصفحات ٢٠٢

203 (435) وإن كنتفي حكم الشّريعة عاصيا ..... فإنّي في حكم الحقيقة طائع (436) وكم ركبت نفسي من الهول مركبا ..... فيا درّها للّ كيف تصادع (437) وكانت إذا قد هال أمر وعاينت ..... إرادة من تهوى ، أتته تسارع (438) وكم جرّدوا للحرب فاستسلمت لها..... إرادته ، حتّى ازدرتها الوقائع (439 )وكم داسها نعل على أمّ رأسها ..... فلما تولّت ، أقبلت“وهي خاضع (440) وكم كان صدري للنّبال عريضة..... وعرضي لسهم الطّاعنين مواقع (441) وكم كنت أيضا للمراد مجرّدا ..... من الغمد سيفا للدّما وهو ناشع (442) وكمّ هجت ناراللوغى بين عترتي..... وبيني وبين الغير والأمر شائع (443) وكم قبّلت رجلي فم فضربتها ..... به عامدا إضرارها ومقاطع (444) وكلّ الّذي آتيه ، آتيه ناظرا ..... لمثبته في اللوح ، إنّي تابع (445) ولمّا مضى ليلي وولّت نجومه ..... وأشرق شمسي في الألوهة ساطع (446 )سلبت إرادتي وحولي وقوّتي ..... وكلّ وجودي والحيا والمجامع (447) فنيت بها عنّي فما لي أنيّة ..... هويّة ليلى للأنيّات قامع (448) وكنت كما إن لم أكن وهو أنّه..... كما لم يزل ، فرد وللكلّ جامع شرح الأبيات :- ( 403 ) وخلّفت أهلي وهي نفسي تركتها ..... وجئت إلى النّور الّذي هو ساطع المفردات : وخلّفت أهلي : تركتهم ورائي . وفي ذلك إشارة إلى موسى عليه السّلام قال تعالى :قالَ لأَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ [29 . ] إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لأَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النهارِ هُدىً [10 . ] وهي نفسي الأهل هم رمز النفس ، فالجيلي هنا يترك نفسه قبل أن يندفع إلى النور الذي هو ساطع المعنى : لما صعد الجيلي طور قلبه وبدت له لوامع النور الإلهي ، ترك نفسه واندفع بكليته للنور الذي هو ساطع . (404 ) فناداني التّوحيد نعليك دعهما ..... فها أنا ذا للرّوح والجسم خالع المفردات : نعليك : النعلان هنا كناية عن الروح والجسم ، ويقابلهما في قصة موسى عليه السّلام قوله تعالى :فَلَمها أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ..... إِنِّي أَنَا رَب كَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنهكَ بِالْوادِ الْمُقَدهسِ طُوىً [ طه11 و12 . ]خالع تارك . المعنى :

عدد الصفحات ٢٠٣

204 إن توحيد اللّّ عند الجيلي يفرض عليه ويناديه أن يترك روحه وجسمه ، وذلك حتى يصبح موحّدا حقيقيا . فالموحد هو الذي يخلع عنه وجود روحه ووجود جسمه ليصبح وجودا صرفا للّّ . بعد أن ترك الجيلي نفسه في البيت السابق وسارع إلى النور الساطع ، إذا بنداء التوحيد يدعوه إلى خلع روحه وجسمه أيضا ، فيسارع الجيلي إلى تركهما حتى يدخل الوادي المقدس مبرّأ عن النفس والروح والجسم . (405 ) وكلّمني التّحقيق من شجر الحشا ..... بأنّي بالوادي المقدّس راتع المفردات : وكلمني التحقيق : التحقيق إشارة إلى تحقق الجيلي بالتوحيد ، حيث أصبح موحدا للّّ تاركا لنفسه ولبدنه ولروحه . . . ويقابله في قصة موسى قوله تعالى :وَكَلهمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً [164 . ] من شجر الحشا الشجر موجود في الآفاق ، والحشا هو الأعماق . ففي عطفهما يكون تكليم التحقيق للجيلي إما من داخل الحشا أي من جانب الروح ، وإما أن الحشا شجر أمام ناظريّ الجيلي . . . ويقابل شجر الحشا شجرة موسى في قوله تعالى :فَلَمها أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الأَْيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشهجَرَةِ أَنْ يا مُ وسى إِنِّي أَنَا اللّهُ رَب الْعالَمِينَ [ القصص :30.] المعنى : بعد أن تحقق الجيلي بالتوحيد وأصبح موحّدا مخلّصا من شوائب النفس والروح والجسم ، كلّمه التحقيق من جانب الروح وعرّفه بأنّه الآن في الوادي المقدس يتنعم ..... واد تقدّس أن تدوسه “ أنا “ ، سواء تمثلت في نفس أو في روح أو في بدن . (406 ) فسرت بعقلي من فناء وجوده ..... إلى مجمع البحرين والعقل تابع المفردات : إلى مجمع البحرين : مجمع البحرين إشارة إلى بحري العلوم الكشفية والعلوم الكسبية أو العلم العقلي والعلم اللدني . . . والترميز من قصة موسى عليه السّلام ، يقول تعالى :وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتهى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [60 ] والعقل تابع المعرفة العقلية تابعة للمعرفة اللدنية . المعنى : بعد أن وحّد الجيلي ربّه وترك للتوحيد نفسا وروحا وجسما ، سار بعقله من فناء العلوم العقلية إلى مجمع بحريّ العلوم العقلية والعلوم الكشفية . . .

عدد الصفحات ٢٠٤

205 والعقل في الواقع هو تابع يتتبّع استدلالاته المنطقية في البداية ، وحين تتضح له وتتكشف معاني العلوم اللدنية لا يملك لها إلا اتباعا ، كما في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام ، ففي البداية تتبّع موسى عليه السلام استدلالات تفكيره العقلي ، وحين كشف له الخضر عليه السّلام عن أسرار هذه المظاهر ، سكت العقل واتّبع . ( 407 ) هناك نسيت الحوت وهو أنيّتي ..... فسبّح في بحر الحقيقة شارع المفردات : الحوت : الحوت في قصة موسى وفتاه هو بقية سمكة كانت طعامهما . أنيتي : وجودي المحسوس العيني . فسبح : من السباحة ، والإشارة هنا إلى قصة موسى عليه السّلام ، التي وردت في قوله تعالى :فَلَمها بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتهخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً [ الكهف61 . ] المعنى : وكما كان نسيان الحوت عند مجمع البحرين علامة لموسى فرجع إلى حيث التقى بالخضر . كذلك كان نسيان الأنية الذوقية والعلوم الكسبية العقلية هو علامة ليرجع إلى مجمع البحرين الذي هو مكان اللقاء الموعود . ( 408 ) على أثري ارتدّيت حتّى لقيت من ..... هو الأصل إذ نقشأنا وهو طابع المفردات : على أثري ارتديت : رجع الجيلي إلى حيث نسي أنيته في مجمع البحرين ، والترميز من قصة موسى عليه السّلام التي وردت في قوله تعالى :قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصهخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاه الشهيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتهخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ..... قالَ ذلِكَ ما كُنها نَبْغِ فَارْتَدها عَلى آثارِهِما قَصَصاً [63 و64 . ] حتى لقيت من هو الأصل إشارة إلى لقاء الجيلي بالإنسان الكامل أي النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، والذي على صورته الصفاتية والخلقية ينتقش كل كامل كالجيلي وغيره . والاستفهام من قصة موسى عند لقائه الخضر قال تعالى :فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلهمْناهُ مِنْ لَدُنها عِلْماً [65 ] المعنى : بعد أن نسي الجيلي أنيّته عند مجمع البحرين ، وكان هذا النسيان هو علامة اللقاء الموعود ، رجع إلى مجمع البحرين إلى حيث نسي الأنية.

عدد الصفحات ٢٠٥

206 وهناك لقي الجيلي من هو أصل وجوده الروحي الكامل وأصل الوجود الديني لكل مسلم . وهو الأصل الذي على صورته الصفاتية والخلقية طبع الجيلي وكل كامل في الإسلام . . . هذا الأصل هو الكامل الأول ، الكامل بالذات الممد بالكمال الصفاتي لكل تابع ، وهو النبي صاحب الشريعة صلّى اللّّ عليه وسلم (409 ) فلمّا تعارفنا ولم تبق نكرة ..... طلبت اتّباعا كي يفوز متابع المفردات : طلبت اتباعا : طلب الجيلي اتباع النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، ويقابله طلب موسى متابعة الخضر :قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتهبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمها عُلِّمْتَ رُشْداً [ 66 ] . كي يفوز متابع تأكيد على أن العلم الإلهي ينال بالإتّباع والتعليم وليس بالإستنباط العقلي . المعنى : فلما توضحت المراتب وتميز المتبوع من التابع ، طلب الجيلي اتباع النبي صلّى اللّّ عليه وسلم . . . وذلك أن الإنسان لا يفوز بالعلم اللدني إلا بالاتباع النبوي لأنه علم لا يستنبط بالتفكير العقلي والإستدلال والاستقراء بل هو رزق إلهي يقسمه اللّّ عزّ وجلّ للعبد المتقي ،وَاتهقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [282 ]. والتقوى اتباع نبوي ، فالبشر لا يعلمون مراد اللّّ عزّ وجلّ منهم إلا بإعلام النبي لهم ، ولا يصلون إلى رضى الحق عزّ وجلّ ومحبته إلا باتباع النبي صلّى اللّّ عليه وسلم .قُ لْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِب ونَ اللّهَ فَاتهبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [ : 31..] ( 410 ) فأغرق في بحر الإله سفينتي ..... وخرّ غلام الشّرك إذ هو خادع المفردات : فأغرق في بحر الإله سفينتي : فأغرق النبي صلّى اللّّ عليه وسلم - الأصل الطابع - في بحر الإله سفينة الجيلي . والمرجعية الرمزية هي قصة موسى وخرق الخضر للسفينة . قال تعالى :فَانْطَلَقا حَتهى إِذا رَكِبا فِي السهفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. [71 ]. وخرّ غلام الشرك : الإشارة إلى قتل الخضر للغلام :فَانْطَلَقا حَتهى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيهةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [ :74.] المعنى :

عدد الصفحات ٢٠٦

207 فأغرق النبي صلّى اللّّ عليه وسلم في بحر الإله سفينة الجيلي ، وهذا الفعل الرمزي هو تعليم للجيلي بألا يطلب السلامة في بحر الحب الإلهي هذا من ناحية . ومن ناحية ثانية إن خرق السفينة هو رمز لخرق الأسباب وبالتالي تعليم للجيلي بألاّ يتوكل على الأسباب فقط ، بل يداخل بين المشيئة الإلهية والأسباب البشرية . أما غلام الشرك فهو إشارة إلى الوجود الإنساني ؛ فعندما يسلّم الإنسان وجوده للإرادة الإلهية يكون بذلك قد قتل غلام الشرك في أعماقه ، ولم يبق فيه وجود يشارك اللّّ وينازعه الإرادة والمشيئة . وفي كل الأحوال يظن الإنسان - وهو مخدوع - بأن في الوجود إرادتين ومشيئتين ، ويغيب عن معنى قوله تعالى :وَما تَشاؤُنَ إِلاه أَنْ يَشاءَ اللّهُ [30 ]. ( 411 )وجاز بلاد اللّّ قرية غربة ..... وفيها لقلبي منحنى وأجارع المفردات : وجاز بلاد اللّّ قربة غربة : الإشارة إلى قصة موسى والخضر الواردة في قوله تعالى :فَانْطَلَقا حَتهى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضه فَأَقامَهُ [ الكهف77 . ] المعنى : بعد أن قطع الجيلي حبل الأسباب ، وقتل في أعماقه غلام الشرك بدأت مسيرته في بلاد اللّّ . (412 ) أردنا إضافات ، أبوا أن يضيّفوا ..... لتسدل في وجه البدور براقع المفردات : أبوا : أبى أهل القرية . المعنى : بعد أن جاز الجيلي بلاد اللّّ بصحبة النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، أتيا قرية واستطعما أهلها فأبى أهل القرية أن يضيفوا الجيلي . . . حدث رمزي يجد تفسيره في أن الحقائق لا تقال ، تعلم ولا تقال . فما من متحقق وأصل يضيّف سالكا ويطعمه من أقوال الحقيقة . . . وهكذا تظل بدور الحقائق مستترة في الوجدان تتكشف للبيان من خلف ستور الألفاظ الشرعية . ( 413 ) هناك جدار الشّرع خضري أقامه ..... لئلاّ ترى بالعين تلك الشّرائع المفردات : جدار الشرع خضري أقامه : إقامة جدار الشرع على كنوز الشريعة يقابله إقامة الخضر عليه السّلام للجدار . خضري : خضر الجيلي هو النبي صلّى اللّّ عليه وسلم ، فكأنه يريد أن يقول : نبيي . المعنى :

عدد الصفحات ٢٠٧

208 كما أن الكنز الذي أقام عليه الخضر الجدار كان يخص قصارا أراد اللّّ عزّ وجلّ أن يبلغا أشدّهما قبل ظهوره . كذلك فإن الشرائع كنوز لن يستطيع الإنسان الاستفادة منها وصيانتها إلا إذا بلغ أشدّه . لذلك ، فالنبي صلّى اللّّ عليه وسلم أقام جدار الشرع على كنوز الشريعة ، حتى يبلغ الإنسان العابد العامل أشدّه ويتنعّم بكنوز الشريعة ... وكثيرا ما دافع الصوفية عن مقولة أن العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج ، وإن كانت في البداية تكليفا وعبئا ومشقة ، إلا أن الإنسان إذا بلغ أشدّه في العبادات ، تمتّع بها وسقط عنه الإحساس بأنها عبء وتكليف ومشقة وأصبحت لديه قرّة عين وتنّعم ونعيم . ( 414 ) فإن فهمت أحشاك ما قلت مجملا ، ..... وإلاّ فبالتّفصيل ما أنا صادع المفردات : مجملا : الإجمال ، هو جمع المعاني المتعددة في قول واحد ، جمعا يكون أقرب إلى الرموز والإشارات منه إلى البيان . ما أنا صادع : ما أنا قائل . المعنى : هنا أنهى الجيلي رموزه الموسوية : لقاؤه بشعيب ، تدريبه وإعداده ، ثم تقريبه وتكليمه ، ثم لقاؤه بالخضر وتكشف العلم اللدني ... لذلك يطلب من القارئ أن يفتح مغاليق الألفاظ ، ولا يطمع من الجيلي بالتفصيل والتصريح في القول . ( 415 ) رأيت قيامي راجعا نحو ربّه.. فقهقرت منّي للحبيب مراجع المفردات : قيامي : وجودي ، الموجود القائم . فقهقرت مراجع : رجعت القهقرى . المعنى : بعد التحضير والتكوين ، والتقريب ، والتكليم ، والتفهيم ، والتعليم ، يتقدم الجيلي ليعلم مقامه في مراتب الوجود ويشاهده ، فيرى ويشهد أن وجوده وقيامه يعود إلى الحق عزّ وجلّ ... فيتراجع عن وجوده ، ويتقهقر أمام الوجود الإلهي القاهر الذي يفني خلقه . ( 416 ) فعاينت أنّي كنت في العلم ثابتا ..... وللحقّ ، علم الحقّ في الحكم ، تابع المفردات : فعاينت : رأيت بالعين . في العلم : في العلم الإلهي . ثابتا : حكم الوجود الإنساني في العلم الإلهي هو الثبوت ، وهو نوع من وجود ماهوي في مقابل وجودنا العيني

عدد الصفحات ٢٠٨