177 المعنى : وتحلل هذا الحبّ أي الرز الذي تناوله أبوا الجيلي في جسم الأبوين ، وتحوّل إلى مادة ، ثم إلى كيموس ، ثم إلى دم ونجائع. (326 )فلمّا دنا آن البروز تجامعا ..... بعقد حلال ، نعم ذاك التّجامع المفردات : دنا آن البروز : اقترب موعد بروز الجيلي وظهوره في العالم . تجامعا : تجامع أبوا الجيلي ، تزوجا . بعقد حلال : بزواج شرعي . نعم ذاك التجامع : يثني هنا الجيلي على لقاء وزواج أمه بأبيه . المعنى : فلما حان بروز الجيلي وظهوره في عالم الشهادة ، تزوج أبواه بعقد زواج شرعي ، ونعم هذا التجامع ! (327 )ولمّا تلاقى منه ماء بمائها ..... وابدع بالتّركيب نشوي بادع المفردات : منه : من أبي ، أي من والد الجيلي . بمائها : بماء أمي ، أي أم الجيلي . نشوي : نشأتي وتسويتي ، وفي ذلك إشارة إلى ترتيب النشأة البشرية في رحم الأم .....تكون مضغة ثم علقة الخ .… وذلك قبل نفخ الروح فيها . بادع : اللّّ هو المبدع الخالق للإنسان في رحم أمه . المعنى : لما تلاقى ماء أبيه بماء أمه ، بدأت نشأة الجيلي . ثم أخذت هذه النشأة تتقلّب في أطوار التكوين الجنيني . ويذكّر الجيلي هنا ، بأن هذا التقلّب للنشأة الإنسانية لا يكون لها من ذاتها بل إن اللّّ عزّ وجلّ هو الذي يبدعها في رحم الأم . ( 328 ) وكان اقتضاء النّشو أنّي روحه ..... وتعبير نفخ الرّوح عن ذآك واقع المفردات : وكان اقتضاء النشو أني روحه : اقتضت هذه النشأة البدنية أن أكون أنا - أي الجيلي - روحها . وتعبير النفخ عن ذاك : عبّر القرآن الكريم عن ذاك الاقتضاء ، بمعنى نفخ الروح . قال تعالى :فَإِذا سَوهيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ :29.] واقع أي واقع في القرآن الكريم . المعنى :
عدد الصفحات ١٧٧178 يرى الجيلي أن كل نشأة بدنية تقتضي تخصيصها بروح مستقلة . وقد اقتضت نشأته البدنية أن يكون هو بالذات روحها . وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا التلازم بين النشأة والروح ، بأنه حين تتم تسوية النشأة تنفخ فيها الروح . يقول تعالى :فَإِذا سَوهيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر29 ]. (329 ) فصوّر شخصي باليدين مصوّري ..... لتطبع بالضّدّين فيّ طبائع المفردات : فصوّر شخصي : إشارة إلى قوله تعالى :وَصَوهرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [64 . ] باليدين إشارة إلى خلق الإنسان باليدين ، قال تعالى :ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيه [75 ] . مصوري خالقي . لتطبع بالضدين فيّ طبائع : التصوير باليدين إشارة إلى انطباع الإنسان بالضدين . المعنى : بعد أن أبدع الحق تعالى تركيب نشأة الجيلي ونفخ فيه الروح ، صور شخصه بيديه تعالى ، ونلاحظ هنا كأن كل إنسان هو آدم ، وكل مولود هو استمرار لآدم ، جنس خلقه اللّّ بيديه .... وبما أنّ الجيلي يرى في اليدين إشارة إلى الضدين ، فكل إنسان مخلوق باليدين هو مطبوع بالضدين بالقابليتين ، مفتوح على الفجور والتقوى ، قال تعالى :وَنَفْسٍ وَما سَوهاها .....فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [7 و8 ]. (330 ) وأخرجني من بعد تكميل هيكلي ..... إلى العالم الأرضيّ من هو صانع المفردات : وأخرجني : إشارة إلى ولادة الجيلي وخروجه إلى عالم الدنيا . من بعد تكميل هيكلي : أي بعد تكوينه في رحم والدته ، وبعد تصويره ، وبعد نفخ روحه . من هو صانع : أي اللّّ عزّ وجلّ ، لقوله تعالى : هُوَ الهذِي خَلَقَكُمْ [67 ، التغابن : 2 . ] المعنى : أكمل الحق تعالى تكوين الجيلي في رحم والدته .... أتمّ تصويره ، ونفخ فيه من روحه ، وألهم نفسه فجورها وتقواها . ومن بعد ذلك كله أخرجه إلى الدنيا . ( 331 ) ففي أوّل الشّهر المحرّم حرمة ..... ظهوري بالسّعد العطارد طالع المفردات : ففي أول الشهر المحرم حرمة : في الأول من شهر محرم .
عدد الصفحات ١٧٨179 ظهوري بالسعد العطارد طالع وكان برجي عطارد ، وطالعي السعد . المعنى : حدثت ولادة الجيلي في أول محرم ، وكان برجه عطارد ، وطالعه السعد. ( 332 ) لستّين مع سبع إلى سبعماية ..... من الهجرة الغرّا سقتني المراضع المعنى : ولادة الجيلي عام 767 من الهجرة. ( 333 ) ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلّبي ..... وتأنف نفسي كلّ ما هو واضع المفردات : تطلبي : مطلبي . وتأنف نفسي : ترفض وتترفع . واضع : وضيع ، حقير . المعنى : ومنذ كان الجيلي طفلا ، تطلب نفسه المعالي ، وتأنف من كل ما هو وضيع . ( 334 ) ولي همّة كانت وها هي لم تزل ..... على أن لي فوق الطّباق مواضع المفردات : ولي همة : الهمة هي صورة عالية من صور الإرادة في الفكر الصوفي ، وهي قوة عظمى كامنة في الإنسان تنوّله كل مطلوب ، وتغيّر له كل الوقائع والأحداث . الطباق : السماوات السبع الطباق . مواضع : جمع موضع ، أي رتبة ومكانة . المعنى : يخبرنا الجيلي أنه منذ بدايات حياته يملك همة عالية . . . ويبلغ من اقتدارها أنه في وسعها أن تحمله إلى رتبة ومكانة تعلو السماوات السبع الطباق . ( 335 ) وقد كنت جمّاحا إلى كلّ هيئة ..... فخضت بحارا دونهنّ فجائع المفردات : جمّاحا : مسرعا لا يرد عني شيء . هيئة : كل ما يتهيأ لي عظيما مهيبا . بحارا : البحار هي رمز الصعوبات التي تعترض السالك . فجائع : جمع فجيعة وهي المصيبة . المعنى :
عدد الصفحات ١٧٩180 ويتابع الجيلي تصوير شخصيته منذ البداية ، وبعد الهمة العالية يكلمنا على شجاعته ، فيقول ؛ وقد كنت انطلق مسرعا إلى كل عظيم مهيب ، لا يخيفني هول ولا يرد عني طيف مصيبة .... وقد خضت بحار المجاهدات والرياضات ؛ ويا لها من بحار دونها أهوال عظام ! ( 336 ) وكلّ الأماني نلتها وهي إن علت ..... بها بعد نيل القصد ما أنا قانع المفردات : بعد نيل القصد : بعد نيل المراد ، والأماني ، ما أنا قانع : لا أقنع بها. المعنى : يتابع الجيلي روايته ، وإن همّته أوصلته إلى كل ما تمنى ، ولكن كل ما وصل إليه بجهده ونشاطه لم يرضه ، يقول ؛ وقد نلت كل ما تمنيت ، وكل ما سعيت إلى طلبه . ولكن هذه الأماني وإن كانت عالية ، فإنها لم تشبع همتي ، ولم توصلني إلى الاكتفاء بها ، والركون إليها ، والبقاء فيها . ( 337 ) إلى أن اتتني من قديم عناية ..... أياد لها مذ كنت عندي صنائع المفردات : أياد لها عندي صنائع : أياد لها فضل علي ، أياد بمعنى ألطاف . مذ كنت : منذ وجدت . المعنى : وبينما كان يخالط نفس الجيلي شعور بالنقصان ، حيث أنه نال كل ما تمنّى ، ولم يطمئن ولم يركن.... أتته ألطاف العناية الإلهية التي لها أفضال عليه منذ وجد في العوالم . ( 338 )وهبّ نسيم الجود من ذلك الحمى .....وصبّ سحاب بالتّعطّف هامع المفردات : الجود : الكرم الإلهي . الحمى : المكان المحمي ، وهنا المقصود من عند ربّ العالمين . هامع : هاطل . المعنى : وهبّ على الجيلي نسيم الكرم الإلهي من عند رب العالمين الكريم ، وصبّ سحاب العطف والرحمة على فؤاده المتوتر من عدم نوال ما يرضيه .
عدد الصفحات ١٨٠181 ( 339 ) وأحيا الحيا أرض الفؤاد فاعشبت ..... وغنّت على عود الوصال سواجع المفردات : الحيا : السحاب الممطر . فأعشبت : فأنبتت وأزهرت . . الوصال : القرب والوصل . سواجع : طيور تسجع . المعنى : وأحيا السحاب الممطر تعطفا ، أرض فؤاد الجيلي الجرداء ، فأخضرّت وأزهرت ، وعلت فيها غصون القرب والوصال ، وسمع غناء الطيور السواجع على عودها . ( 340 ) فهمت من المعنى معاني أحبّتي ..... فهمت معنّى بالصّبابة والع المفردات : فهمت : من الفهم ، بمعنى أدركت وعلمت . من المعنى : من معنى الغناء . فَهِّمتُ : من هام يهيم هياما . مُعَنّى : متعبا . المعنى : عندما غنت الطيور السواجع على غصون الوصال في فؤاد الجيلي ؛ أدرك وفهم من معاني الغناء صفات محبوبه ، فخرج عن ذاته ، وهام متعبا والعا صبابة وعشقا . ( 341 ) أتيت إليها راغبا في مرادها ..... وما لي في شيء سواها مطامع المفردات : أتيت إليها : توجهت إلى الحضرة الإلهية . راغبا في مرادها : راضيا بما ترضى . المعنى : عندما فهم الجيلي من سجع الطيور صفات محبوبه وهو الحق تعالى ، توجه إليه تعالى راضيا بما يرضى ، غير طامع بشيء سواه . ( 342 ) وفرّغت مشغول الفؤاد عن السوّى ..... فما أنا في غير المحبّ مطالع المفردات : مشغول الفؤاد : ما يشغل من الفؤاد ، وهو وجه القلب وتوجّه نظره . عن السوى : عن كل ما سوى اللّّ . مطالع : ناظر . المعنى : يخبرنا الجيلي هنا بأنه أزاح عن وجه قلبه كل الآخرين ، أي كل ما سوى اللّّ عزّ وجلّ ، فلم يعد قلبه ينظر إلى غير المحبوب .
عدد الصفحات ١٨١182 (343 ) فلمّا أضاءت في الحشا جذوة الهوى ..... وأومض من سفح المحبّة لامع المفردات : وأومض : ولمع . لامع : برق لامع . المعنى : بعد أن فرّغ الجيلي قلبه عن كل ما سوى الحق عزّ وجلّ ، أضاءت جذوة الهوى في الأحشاء ، والتمع من المحبة بوارق ولوامع . ( 344 ) سقاني الهوى كأس الغرام ولم يكن ..... على ساحة الوجدان للكرم مانع المفردات : ولم يكن على ساحة الوجدان : ولم يكن في وجداني . للكرم : أي لما ينتج الكرم ، وهو الخمر . مانع : ما يمنع الخمر من احتلالها ساحة الوجدان . المعنى : بعد أن فرّغ الجيلي قلبه عن كل ما سوى اللّّ عزّ وجلّ ، وأضاءت جذوة الهوى في الحشا ، بدأ في الشرب ، وسقاه الحبّ كأس الغرام ؛ فاحتلت الخمر ساحة وجدانه ، واختالت فيه لا يمنعها مانع . ( 345 ) فقاطعت ندماني وواصلت لوعتي ..... وهاجرت أوطاني فبانت مرابع المفردات : ندماني : ج . نديم وهو الجليس . فبانت مرابع : فظهرت مرابع القرب الإلهي . المعنى : يخبرنا الجيلي أنه بعد أن احتلت الخمر ساحة وجدانه ، انقطع عن جلاّسه وصحبه كلهم ، وجالس غرامه وصحب لوعته ، ثم هجر مكانه ، وترك كل ما حوله ، ومن حوله ، فظهرت له عندها مرابع القرب الإلهي وتجلّت بيّنة. (346 ) تركت لها الأسباب شغلا بحبّها ..... ووجدا بنار قد حوتها الأضالع المفردات : تركت لها : للحضرة الإلهية . الأسباب : الدنيا . بحبها : بالحب الإلهي . المعنى : يتابع الجيلي قصة تقرّبه ، ويخبرنا أنه بعد أن تجلت له مرابع القرب الإلهي ، ترك الدنيا انشغالا بحبه للحضرة الإلهية ، ووجدا بالنار المشتعلة في أضالعه .
عدد الصفحات ١٨٢183 (347 ) وأشغلني شغلي بها عن شواغلي ..... وفيها فإنّي للعذار مخالع المفردات : شغلي بها : شغلي بحب الحضرة الإلهية . شواغلي : عما يشغلني من الدنيا . للعذار مخالع : خلع العذار في الحب هو تعبير شعري وصوفي ، يقال حين يلتهب سلوك الصبّ بنار وجد الأعماق ، ويخرج بالتالي عن القيد العقلي والاجتماعي . المعنى : يتابع الجيلي وصف حاله في العشق فيقول ؛ وأشغلني حبي للحضرة الإلهية عن كل شواغل الدنيا والتهب وجد أعماقي فخلعت العذار ، وخرجت بحبها على كل ما هو مألوف ومعقول عند الناس . (348 ) خلعت عذاري في الهوى وزهدت في ..... مكاني وإمكاني وما أنا جامع المفردات : وزهدت في مكاني : الزهد في المرتبة . وإمكاني : الزهد في القدرات والممتلكات . وما أنا جامع : وما يمكن أن أجمع من أسباب الدنيا . المعنى : يتابع الجيلي وصف عشقه الذي أخرجه عن كل ما يهتم به الناس ؛ ويخبرنا هنا عن زهده في كل شيء ، في الماضي والمستقبل ، يقول ؛ تركت في الحب كل مقوماتي الشخصية .... زهدت في رتبتي ومرتبتي أمام الناس ، زهدت في قدراتي الباطنة وفي ممتلكاتي الظاهرة ، وفي كل ما يمكن أن أجمع من أسباب الدنيا وزينتها . ( 349 ) وألقيت إنساني فألفيت منيتي ..... وجافيت نومي بل جفتني المضاجع المفردات : وألقيت إنساني : رميت إنساني . وعندما يشير الواحد منا إلى إنسانه فكأنما يقول : الأنا التي تعيش في أعماقه . فألفيت : فوجدت . منيتي : موتي . بل جفتني : بل هجرتني . المضاجع : جمع مضجع ، وهو المرقد . المعنى : بعد أن بيّن لنا الجيلي زهده في كل ما سوى محبوبه ، يبدأ الآن ببيان موقعه من محبوبه ، وبيان خضوعه وذلته ، يقول ؛ ألقيت إنسان وجودي ورميته في بحر الحب الإلهي ، فلقيت موتي.... وهجرت النوم ، لا بل إن المضاجع هي التي هجرتني .
عدد الصفحات ١٨٣184 (350 ) وسلّمت نفسي للصّبابة راضيا ..... بحكم الهوى تحت المذلّة خاضع المفردات : وسلمت نفسي للصبابة : إشارة إلى تسليم العاشق للعشق الإلهي ؛ والتسليم من مقولات الصوفيين الأساسية التي تقضي بأن يسلّم العبد لمولاه ، في كل أمر وقضاء ، ويرضى بما يقضي اللّّ عليه . بحكم الهوى : بما يحكم الهوى . المعنى : يتابع الجيلي تصوير مكانته من محبوبه ، وخضوعه ، يقول ؛ لقد خرجت عن كل ما تطلبه نفسي وتريده ، وسلّمتها راضيا للعشق الإلهي ؛ يتحكم بها الحب وهي خاضعة لكل ما يحكم ، حتى لو كان مذلة . (351 ) وفوّضت في أمري هواها توكّلا ..... ليقطع في حكمي بما هو قاطع المفردات : وفوضت في أمري هواها : أسلمت لحكم هواها جميع أموري . المعنى : إن قصيدة الجيلي هذه غنية بأمور دقيقة ، لا يقولها إلاّ من كابد التجربة الصوفية في قمة إبداعها وإنسانيتها . وهنا نرى إحدى هذه الإرشادات المبدعة . فقد ربط الجيلي التسليم بالتوكل ، وهما مقولتان تتداخلان لتسكّن إحداهما قلق الأخرى وخوفها . وذلك لأن التسليم من شروطه الرضى بكل ما يحكم المحبوب . والتوكل يفترض أن يراعي الموكّل إرادة موكله ، بكلام آخر عندما أسلّم أموري إلى اللّّ عزّ وجلّ أرضى بما يرضى لي وهذا هو التسليم . ولكن عندما أتوكل عليه تعالى انتظر أن يجد لي مخرجا ، لأن من توكل عليه فهو حسبه .فالتوكل يشعر بمطلب وإرادة يريد الموكل تحقيقها ، والتسليم يشعر بفناء إرادة المسلّم فهو لا يطلب شيئا ، ويرضى بكل ما يقضيه محبوبه .... والجيلي هنا عندما تكلم أولا على التسليم أتبعه بالتوكل ، حتى يسكّن خوف عشقه من حدوث ما يكره . ففي جمع التسليم مع التوكل في مقولة واحدة إمكانية أكبر لحدوث ما يحب العاشق ، وبالتالي ليرضى بحدوث ما يحب وهو مسلّم ..... وبعد أن قدّمنا بهذا الربط بين التسليم والتوكل ، يصبح كلام الجيلي واضحا ، يقول ، وأسلمت جميع أموري للحب الإلهي ، وتوكلت على محبوبي ، ومن توكل عليه كفاه ، فليقض عليّ بما يريد من أحكام ..... باختصار كأن الجيلي يخاطب محبوبه قائلا : أنت القاضي بما تريد على عبدك ، وأنت الوكيل عنه . . . أنت القاضي والوكيل .
عدد الصفحات ١٨٤185 (352 ) وأنزلني من أوج عزّي ذلّة ..... فلي بعد ذاك الاقتدار تواضع المفردات : وأنزلني : أنزلني الهوى والحب الإلهي . ذاك الاقتدار : تلك الرفعة والمكانة . تواضع : ضعة . المعنى : يتابع الجيلي وصف موقعه من محبوبه ، يقول ؛ أنزلني العشق الإلهي من أوج عزّي الماضي إلى ذلي الحاضر ، فأنا الآن وضيع ذليل بعدما كان لي من اقتدار .... والاقتدار الذي يشير إليه الجيلي هنا هو ما سبق أن أخبرنا عليه في بداياته ، فهو منذ كان طفلا ومطلبه المعالي ، وله همة تحمله إلى ما فوق السماوات السبع ، وكان جمّاحا إلى الصعاب . ( راجع الأبيات 333 ، 334،335 ..) والآن ، ومن بعد كل هذا الاقتدار ، نزل من أوج عزّه تذللا لمحبوبه ، فهو بعد أن كان زاهيا مفتخرا بالهمة والاقتدار مباهيا الناس بذلك ، يستكين أمام محبوبه ذليلا . ( 353 ) غنيت ، فأغناني غناي بحبّها ..... وعندي افتقار نحوها وضرائع المفردات : غنيت : استغنيت عن كل ما سواها . فأغناني : أغناني من الآخرين . غناي بحبها : كوني غنيا بالحب الإلهي . وضرائع : تضرّع . المعنى : يتابع الجيلي متحديا المستنكر لتذلله في العشق ، قائلا :استغنيت عن كل ما سوى حبي للّّ عزّ وجلّ ، فأغناني هذا الاستغناء عن كل الآخرين . . . فلا افتقر إلا إليه ، ولا أتضرّع إلاّ له تعالى . (354 ) طرحت على أرض الهوان رياستي ..... لها نعمة ، طرحا لقدري رافع المفردات : طرحت : ألقيت . الهوان : الذل . رياستي : مركزي ومكانتي عند الناس . طرحا لقدري رافع : هذا الطرح للرياسة يرفع قدري عند اللّّ . المعنى : يخبرنا الجيلي بأنه على الرغم من اقتداره ومن عزّه الماضي ، فقد طرح مركزه وعزّه أمام محبوبه على أرض المذلة والهوان ...
عدد الصفحات ١٨٥186 وليس هذا الطرح استهتارا منه بالمركز والعز لأنهما من النعم الإلهية ، ولكن من تواضع للّّ رفعه ، وكذلك الجيلي تذلل للّّ عزّ وجلّ فارتفع قدره ع نده تعالى. (355 ) لبست لباس الوجد فيها خلاعة ..... لباس الهوى في الحبّ ما أنا خالع المفردات : لباس الوجد : الوجد عند الصوفي يظهر في صورة الخلاعة ، لأن الواجد يخرج عن امتلاكه لسلوكه الإرادي . ما أنا خالع : لن أخلع لباس الهوى . المعنى : يتابع الجيلي وصف وجده في الهوى ، قائلا ؛ أظهرني العشق والوجد يمظهر الخليع في أعين الآخرين ؛ وذلك أنهما أخرجاني عن امتلاك سلوكي الإرادي ، فاندفع يتمايل مني البدن ، وكلما ذكر المحبوب اهتاج كسكران أخرجه السكر عن صحو العاقلين ، ولا يظنن أحد أنني سأترك لباس الهوى وأخلعه مهما تزايد الوجد في الأعماق واشتعل ، ومهما تمكّن مني مظهر الخلاعة وعليّ اقتدار. ( 356 ) ومذ أودعتني تربة الذّل والشّقا ..... فروحي وروحي راحل وموادع المفردات : أودعتني تربة : دفنتني في تربة . والشقا : والشقاء . فروحي : الروح ، طيب الرائحة . وهنا المراد نفسي الطيب . راحل وموادع : ذاهب. المعنى : يخاطب الجيلي محبوبه وهو مدفون في تربة الذل والشقاء ، قائلا ؛ ومنذ دفنتني وديعة في تربة الذل والشقاء ، وهما ذل العشاق وشقاء المحرومين ، رحل عني طيب أنفاسي ، وودعني روحي .
عدد الصفحات ١٨٦187 تاسعا الأبيات من ( 357 ) إلى402 ) الجيلي يروي سيرته الروحية الجزء الثالث (357) ولي في هواها هتكة وتبدّد ..... على أنّه لي من نواها مصارع (358) جعلت افتقاري في الغرام وسيلتي..... ويا ضعف مشفوع له الفقر شافع (359) وجئت إليها راغبا ، لا مثوبة ..... ولكن لها منّي إليها أسارع (360) سكنت الفلا مستوحشا من أنيسها .....ومستأنسا بالوحش وهي رواتع (361) أنوح فيشجيني حمام سواجع..... وأبكي فيحكيني غمام هوامع (362) ولي ، إن عوى ذئب على فقد إلفه ..... زفير ، له في الخافقين صدائع (363) وإن غرّدت قمريّة فوق أيكة ..... تجاوب قمريّا على البان ساجع (364) فإنّ لأنّاتي وتأويه لوعتي..... بتلك الفيافي في الظّلام تراجع (365) وبي من مريض الجفن سقم مبرّح ..... ولي في عصيّ القلب دمع مطاوع (366) نحلت من الآلام حتّى كأنّني .....مقدّر مفروض ، وما هو واقع (367) فلو نقط الخطّاط حرفا كهيكلي .....على سطح لوح ما رآه مطالع (368) فجسمي وأسقامي محال وواجب ..... ودمعي وخدّي أحمر وفواقع (369 )أسائل من لاقيت والدّمع سائل ..... عن الجزع“والسّكّان والقلب جازع (370) تحارب صبري والكرى فتفانيا..... وسالم قلبي الحزن فهو مبايع (371) وقد قيّدت بالنّجم أهداب مقلتي ..... كما أطلقت عن قيدهنّ المدامع (372) وأسقط قدري في الهوى شنعة الهوى ..... وعندي أنّ العزّ تلك الشّنائع (373) وكم مرّ بي من كنت أرفع قدره ..... كأنّي له من بعد ذلك واضع (374) وينكف أن ألقاه بي متطّيرا ..... وما هو إن حيّيته لي سامع (375) فما لي في الأحياء ما عشت صاحب .....وما لي حقّا لو أموت مشايع (376) وما لي إن حدّثتهم من مجاوب ..... ولا إن دهاني الخطب فيهم مدافع (377) كأن لم أكن في الحيّ أرفع أهله ..... مكانا وقدري في المكانة مانع (378) ذللت إلى أن خلت أنّي لم أزل ..... أذلّهم قدرا ، فها أنا خاضع (379) وأحسب أنّ الأرض تنكف أن ترى ..... ولي في ثراها مذهب ومشارع (380) رعى اللّّ إخوانا رعين مودّتي..... فهنّ لقلبي ، حيث كان توابع (381) نعم وسقى وجدا مدى الدهر مؤنسي ..... فكم لك يا وجدي عليّ صنائع (382) ويا زفراتي فاصعدي وتنفّسي ..... فقد هبطت من جفن عيني المدامع (383) ويا كبدي في الحبّ ذوبي صبابة ..... ويا كمدي دم ، إنّني لك تابع (384) ويا جسدي هل فيك من رمق ، فما .....أراك سوى بالوهم عندي مطالع (385) ويا مهجتي والرّسم منك فدارس..... ويا طلل الأحشاء فجعك صادع (386) ويا جفني المقروح قد فني الدّما ..... ويا قلبي المجروح هل أنت فازع (387) ويا ذاتي المعدوم هل لك بعثة..... ويا صبري الموهوم هل أنت راجع
عدد الصفحات ١٨٧188 (388) ويا خفقان القلب زدني كآبة .....ويا نار وجدي قد ، جفتني الأضالع (389) ويانفسي الحرّاء موتي تلهّفا ..... فما لك في دين المحبّة شافع (390) ويا روحي المتعوب صبرا على البلا..... ويا عقلي المسلوب هل أنت والع (391) ويا ما بقي في الوهم منّي وجوده .....عدمتك شيئا وقعه متمانع (392) ويا سقمي زدني أسى وتبدّدا..... فليس لضري غير سقمي نافع (393) ويا عاذلي كرّر ، فإنّي وإنّ أكنّ ..... إلى العذل لا أصغي فللذّكر سامع (394) ويا قاضيا في الحبّ يقضى بعدله ..... تحكّم بجور إنّني لك طائع (395) جعلت وجودي فانيا في بقائها .....ألا فاقض ما تقضي ، فما أنا جازع (396) وحقّقت أنّي في وجودي قائم ..... بها ، ووجودي مكرة ومخادع (397) فمن مصر أرضي قد خرجت لمدين ..... لعلّ شعيب القلب فيه صدائع (398) فلاقيت بنتي عادتي وطبيعتي..... تذودان أغنامي ومائي نابع (399) فسقّيت من الماء اليقين غنائمي ..... ومن رعي زهر العلم هنّ شوابع (400) وجاءت على استحياء ذاتي بربّها بتوحيدها ، إحداهما وتسارع (401) فلمّا تزوّجت الحقيقة صنتها ..... وأمهرها مني الحماة الشرائع (402) صعدت معالي طور قلبي مناجيا ..... لربّي حتّى إن بدت لي لوامع شرح الأبيات :- ( 357 ) ولي في هواها هتكة وتبدّد .....على أنّه لي من نواها مصارع المفردات : هتكة وتبدد : تمزّق وتشتّت ، وهنا إشارة إلى الفناء الصوفي . من نواها : من هجرها . مصارع : جمع مصرع ، أي مقتل . المعنى : يخبرنا الجيلي أن حبّه للحضرة الإلهية يمزّق صحوه ، ويشتت رصانته ، ويفني حضوره ، فيهيم وجدا ويغيب عن شهود ذاته وعن الإحساس بها . . .ولكن ، وإن كان الحب يمزّقه ويبدده ، فإنه لا غنى له عنه ، لأن البعد يقتله ويصرعه . ( 358 ) جعلتافتقاري في الغرام وسيلتي ..... فيا ضعف مشفوع له الفقر شافع المفردات : وسيلتي : وسيلتي إليها وشافعي لديها . فيا ضعف : وما أضعف ، ومن أضعف من ... المعنى : يقول الجيلي مغنيا ضعفه ، توسلت وتشفعت في غرامي بافتقاري إليها . . . ومن أضعف من إنسان يشفع له الفقر ، ويتشفع بالفقر ؟ !
عدد الصفحات ١٨٨189 ( 359 ) وجئت إليها راغبا لا مثوبة ..... ولكن لها منّي إليها أسارع المفردات : راغبا : طالبا لها بالذات . لا مثوبة : لا رغبة بثواب ، بمعنى : لم أطلبك يا رب طمعا . المعنى : يوضح الجيلي أنه طلب الحضرة الإلهية لذاتها لا لثواب ، وكأنه هنا يرجع أقوال السيدة رابعة : “ ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، ولكنك أهل للعبادة فعبدتك “ ... وقولها أيضا : “ أحبّك حبّين : حب الهوى ، وحبا لأنك أهل لذاك . . . “ ويضيف الجيلي هنا بأن طلبه للحضرة الإلهية هو طلب عفويّ ، تسارع إليه أعماقه ، دون قصد أو تعمّل ، دون رياضة أو مجاهدة ... أعماق عاشقة أخرجها الحب عن ذاتها إلى محبوبها . ( 360 ) سكنت الفلا مستوحشا من أنيسها .....ومستأنسا بالوحش وهي رواتع المفردات : الفلا : الفلاة ، الصحراء . من أنيسها : من أنيس الدنيا ، أي من ناس الدنيا . بالوحش : جماعة الوحوش . رواتع : ترتع في الفلاة . المعنى : يغنّي الجيلي وحشته بين الناس ، وأنسه في خلوة الفلاة ، يقول ؛ سكنت البراري والصحارى مستوحشا من ناس الدنيا ، ومستأنسا بوحش الفلاة الذي يرتع من حولي . ( 361 ) أنوح فيشجيني حمام سواجع ..... وأبكي فيحكيني غمام هوامع المفردات : فيشجيني : فيواسيني . حمام سواجع : سجع الحمام . فيحكيني : فيقلدني . غمام هوامع : سحاب ممطر . المعنى : يفصّل الجيلي أنسه في الفلاة بالطير والمطر ، يقول ؛ أنوح ويعلو صوت بكائي فيواسيني سجع الحمام . . . وأبكي ، تنهمر دموعي فيقلدني سحاب ممطر ..... وهكذا في الفلاة ينوح الجيلي فينوح لنوحه الحمام ، ويبكي فيبكي لبكائه السحاب . . . وهذا هو الأنس الحقيقي ، فالأعماق لا تسكن وتأنس إلى من يشاركها المكان بل إلى من يشاركها الهمّ والأشجان . ( 362 ) ولي إن عوى ذئب على فقد إلفه ..... زفير ، له في الخافقين صدائع المفردات : في الخافقين : في الآفاق . صدائع : ترجيع وصدى قوي .
عدد الصفحات ١٨٩190 المعنى : يكمّل الجيلي تصوير استئناسه بجماعة الوحوش ، فيقول ؛ إن سمعت عواء ذئب على فقد إليفه تذكّرت غرامي ، فتنهدت بزفير دوّى في الآفاق صداه ورجعه . ( 363 ) وإن غرّدت قمريّة فوق أيكة ..... تجاوب قمريا على الآيكساجع المفردات : قمرية : طائر يشبه الحمام القمر الأبيض . أيكة : نوع من الشجر . البان : شجر يسمو ويطول . المعنى : وإن تجاوب قمري وقمرية في السجع والتغريد .... ( 364 ) فإنّ لأنّاتي وتأويه لوعتي ..... بتلك الفيافي في الظّلام تراجع المفردات : لأناتي : جمع أنّة ، والأنّة والأنين بمعنى واحد . تراجع : صدى . المعنى : إن تجاوب قمري وقمرية في السجع والتغريد ، يرجّع صدى تغريدهما في تلك الفيافي صوت أنين الجيلي وتأوهاته . ( 365 ) وبي من مريض الجفن سقم مبرّح .... ولي في عصيّ القلب دمع مطاوع المفردات : من مريض الجفن : إنني أشبه مريض الجفن بمرضه الشديد ، والصورة ليعبر الجيلي بها عن أوجاع أجفانه . دمع مطاوع : والدمع يطاوع باستمرار على الرغم من أوجاع أجفاني . المعنى : ومن كثرة البكاء حلّت بأجفان الجيلي آلام مبرحة فأشبه مريض الجفن . . . ومحبوبه عصيّ القلب لا يطاوع ، ولا يطاوعه إلا دمعه ، فها هو لا يزال ينهمر باستمرار على الرغم من أوجاع أجفانه . ( 366 ) نحلت من الآلام حتّى كأنّني ..... مقدّر مفروض ، وما هو واقع المفردات : نحلت : أصبحت نحيل الجسم . كأنني مقدر مفروض : كأنني لشدة نحولي فارقت عالم الواقع الملموس وأصبحت كالأمور المفروضة أو المقدرة . المعنى :
عدد الصفحات ١٩٠191 ولكثرة ما يلاقي . الجيلي من آلام الوجدان نحل جسمه ، ولشدة نحوله يشعر كأنه فارق عالم الأمور الواقعة الملموسة ، وأصبح ينتسب إلى عالم الأمور المقدّرة أو المفروضة . ( 367 ) فلو نقط الخطّاط حرفا كهيكلي ..... على سطح لوح ، ما رآه مطالع المفردات : حرفا كهيكلي : حرفا حجمه بحجم جسمي . ما رآه مطالع : لا يراه الناظر لضآلته ونحوله . المعنى : ولشدة نحول الجيلي من الغرام ، يقول إنه ، لو حاول خطاط أن ينقط حرفا بحجم هيكله على سطح لوح ، لما رأى ناظر هذا الحرف لصغره وضآلته . . . فكأن بدن الجيلي صار أصغر من نقطة . ( 368 ) فجسمي وأسقامي ، محال وواجب ..... ودمعي وخدّي : أحمر وفواقع المفردات : ودمعي أحمر : بمعنى أبكي دما . وخدي فواقع : أي وخدي أصفر فاقع . المعنى : يتابع الجيلي وصف آثار الغرام على بدنه ، بدن شديد النحول لا يفارقه وجع الغرام . . وقد أشبه بدنه المحال - وهو الذي يستحيل أن يوجد - لشدة نحوله ، وقارب الواجب - وهو الذي يجب وجوده - في دوام أوجاعه . (369 ) أسائل من لاقيت والدّمع سائل ..... عن الجزع والسّكّان والقلب جازع المفردات : أسائل : أسأل . الجزع : منحنى الوادي ، وهنا بمعن أسأل عن المكان . جازع : خائف ، قلق ، غير صابر . المعنى : يسأل الجيلي كل من يلتقي به ودمعه جار على خدّيه ، يسأل بالحال لا بالكلام ، عن المكان والسكان . . . وقلبه قلق جازع من الإجابة . . . ولا يخفى الجناس الوارد في هذا البيت بين “ أسائل “ بمعنى استفهم و “ سائل “بمعنى جار . . . وبين “ الجزع “ بمعنى المكان ، و “ الجازع “ بمعنى الخائف القلق. (370 ) تحارب صبري والكرى فتفانيا ، ..... وسالم قلبي الحزن فهو مبايع المفردات :
عدد الصفحات ١٩١192 تحارب صبري والكرى هي حرب بين صبري والنوم . فتفانيا : لم يغلب أحدهما الآخر ، فكان أن أفنى كل منهما الآخر في هذه المحاربة . فهو مبايع : بايع قلبي الحزن ، والحزن من أحوال الصوفية . المعنى : قامت حرب بين صبر الجيلي في الحب وبين نومه ، فلم يغلب أحدهما الآخر ، بل أفنى أحدهما الآخر . . . وبعد فناء النوم والصبر ، سالم قلبه الحزن وهادنه وبايعه . ( 371 ) وقد قيّدت بالنّجم أهداب مقلتي ..... كما أطلقت عن قيدهنّ المدامع المفردات : لقد قيدت بالنجم أهداب مقلتي : صورة رائعة وجديدة أتى بها الجيلي . فهو هنا لا ينام أبدا ، إذ كيف بإمكانه أن يطبق أجفانه وها هي أهدابه مقيدة مشدودة بقيود إلى فوق ، إلى النجوم ؟ ! المدامع : مكامن الدمع . المعنى : يقول الجيلي إنه لا ينام أبدا ، ليس لأن القلق والأرق وصورة المحبوب يسهرانه ، بل لأن أهدابه المقيدة إلى أعلى ، إلى النجوم ، تمنعه من أن يطبق أجفانه ..... وكما قيّد أهدابه ليمنع أجفانه من الانطباق ، كذلك أطلق مدامعه لتذرف الدمع دون قيد أو حدود . . . أهداب مقيدة بالنجم إذن عينان مفتّحتان ، ومدامع مطلقة أي ودموع لا تتوقف . ( 372 ) وأسقط قدري في الهوى شنعة الهوى .....وعندي أنّ العزّ تلك الشّنائع المفردات : شنعة الهوى : كل مظاهر الذل والهوان والخلاعة . المعنى : بعد وصف آلامه ، يبدأ الجيلي ببيان ذلّه وهوانه على الناس ، فيخبرنا أن كل مظاهر الهوى من ذل وهوان ودموع ونحول وخلاعة هي شنعة الهوى في نظر الآخرين ، وإنه هو كعاشق تجلّت فيه كل هذه الشنائع فأسقطت قدره عند الناس . . . أما عنده ، فالعز الحقيقي هو في ظهور هذه الشنائع عليه . وهنا الفرق بين العارفين والعشاق من الصوفيين . فالعارف يتجلى بمظهر الصاحي الساكن المتمكّن المقتدر ، الظاهر على حال عشقه ، وبالتالي فهو في رفعة وعزّ في أعين الآخرين ، على حين أن العاشق يتجلّى بمظهر محروم لا يوصل ، عطشان لا يروى ، ملهوف لا يغاث ، أطاش عرفانه لبّه ؛ وكثيرا ما يعبّر بدن العاشق عن هيجان وجدانه فيدور ويتمايل كالسكران أو المجنون ، وبالتالي فهو في ضعة وذل في أعين الآخرين . ( 373 ) وكم مرّ بي من كنت أرفع قدره ..... كأنّي له من بعد ذلك واضع
عدد الصفحات ١٩٢