145 لذلك يبيّن الجيلي للسالك مغبّة التصريح فيقول له ؛ إن العشق يحبّ التلميح والإسرار فحافظ عليه مخبوءا في طيّات حروف لم تقل ، وفي شغاف وجدان فتّته الكتمان . . . وإياك أن تخرج العشق من دائرة الأسرار وتحدّه بألفاظ ، وتصرح عنه بصور وعبارات ، لأن كل تصريح في العشق يمنعك من الوصول إلى معشوقك . (253 ) وإنّي لمن في الحبّ يهدي بهديه ..... بأنّك لا تهدي من أحببت قانع المفردات : لمن في الحب يهدي بهديه : لمن يحاول أن يهدي النفس إلى الحب الإلهي . بأنك لا تهدي من أحببت : بأن أنبهه إلى قوله تعالى :إِنهكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنه اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ 56 ] . قانع : مقتنع المعنى : يحاول البعض أن يدعو الناس إلى الحب الإلهي ، ولكن غاب عنهم أن العشق لا يوقد ناره إنسان في قلب إنسان ، وإن اللّّ وحده عزّ وجلّ هو الذي يجعل محبّته نارا دائمة الإشتعال في قلب عبده . . . والجيلي هنا يكتفي بأن يذكّر الدعاة إلى العشق الإلهي بقوله تعالى :إِنهكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنه اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ :56.] ( 254 ) ودع عنك دعوى القول في نكتة الهوى .... فراحلة الألفاظ في السّير ضالع المفردات : دعوى القول : الإدّعاء بالأقوال . فراحلة الألفاظ : الكلام . في السير ضالع : جاد في السير لا يتوقف ، والمراد هنا يرحل ويزول ولا يثبت . المعنى : إن العشق فعل وتفاعل وليس مجرد أقوال وادعاءات ، لذلك ينصح الجيلي السالك بأن يترك الإدعاءات والكلام ، فيقول ؛ دع عنك الأقوال ، لأن الكلام يرحل ولا يثبت أمام هجمات البلاء . ( 255 ) ومندون هذا الاستماع مهالك ..... وما كلّ أذن فيه تلك المسامع المفردات : هذا الاستماع : أي الاستماع إلى الهوى . المعنى : إن الفهم من أنغام العشق عزيز ، لذلك ينبّه الجيلي السالك على صعوبته ، فيقول ؛ ولا تظن أن استماعك إلى أسرار العشق الإلهي سهل وهيّن ، بل دون ذلك مصاعب ومهالك . . .
عدد الصفحات ١٤٥146 ثم من ناحية ثانية ، ليست كل أذن مهيّأة ومؤهلة لإلتقاط هذه النغمات . (256 ) وسر في الهوىبالروح واصغ إلى الهوى ...لتسمع منه سرّ ما أنت سامع المفردات : بالروح : أي سر بروحك في الهوى ولا تهتم بالأقوال وسماعها . واصغ إلى الهوى : واصغ إلى واردات الهوى . المعنى : يتابع الجيلي نصائحه في أصول العشق الإلهي فيقول للسالك ؛ إترك كل الأقوال ، وسر بروحك في العشق ، ولا تنصت إلاّ إلى أنغام العشق الإلهي ، لتسمع منها أسرار العشق . ( 257 ) وشمّر ولذ بالأولياء فإنّهم ..... لهم من كتاب اللّّ تلك الوقائع المفردات : شمر : استعد للمجاهدة . ولذ بالأولياء : الجأ إليهم ؛ والأولياء ج . ولي ؛ والولي أو ولي اللّّ هو موضوع شغل الفكر الصوفي منذ البدايات ، وعرّف كل متصوف مفهوم الولاية بحسب رؤيته ونظامه الصوفي . لذلك تتنوع هذه التعريفات ، فالولي أحيانا هو العارف ، أو المقرّب ، أو ا لمجاب الدعوة ، أو الفاني في التوحيد ، أو الواصل الموصّل ، أو صاحب التصريف والكرامة وهكذا . . المعنى : يبدأ الجيلي الآن بإفهام السالك معنى الولاية ومكانة الولي ودوره في حياة السالكين ، فيقول ؛ استعدّ للمجاهدة إذا أردت الاستماع إلى نغمات الهوى ، والجأ إلى الأولياء ، لأن اللّّ عزّ وجلّ أعطاهم “ علما من الكتاب “ فيه لهم وقائع وتصريف . . . ونفهم كلام الجيلي هنا على ضوء قول آصف بن برخيا لسليمان عليه السّلام :أَنَا آتِيكَ بِهِ "أي بالعرش" قَبْلَ أَنْ يَرْتَده إِلَيْكَ طَرْفُكَ. وآصف هو الذي وصفه اللّّ عزّ وجلّ بأنّه :عِنْدَهُ عِلْم مِنَ الْكِتابِ40 . . ] (258 ) هم الذّخر للملهوف والكنز للرّجا ،..... ومنهم ينال الصّبّ ما هو طامع المفردات : الكنز للرجا : أي هم كنز الرجاء . الصب : العاشقجع “صبابة " شروحات البيت رقم 4 . ]ما هو طامع : ما يطمع فيه . المعنى :
عدد الصفحات ١٤٦147 إن الأولياء هم نجدة الملهوف ، وفيهم خبّأ اللّّ تعالى الرجاء وكنزه . . . ومنهم ينال كل صبّ عاشق مطلبه . ( 259 ) بهم يهتدي للعين من ضلّ في العمى ..... بهم تجذب العشّاق والربع شاسع المفردات : بهم : بالأولياء . للعين : للحق . بهم تجذب العشاق : هم مركز جاذبية لعشاق الحضرة الإلهية ، وقد أوضح الجيلي بذلك دور الأولياء ، فبهم يجذب العشّاق إلى اللّّ عزّ وجلّ ، وليس إلى مركز ذواتهم . المعنى : يتابع الجيلي تعليم السالك معنى الولاية ودور الأولياء في حياة الجماعة الدينية ، يقول ؛ إن ضلّ سالك طريقه إلى اللّّ ، وقطعته بحار الحيرة فالولي هو الذي يقوّم له مساره . . . وكلام الجيلي هنا لا يناقض كلامه السابق الذي أكّد فيه أنه ليس في استطاعة إنسان أن يهدي إنسانا آخر إلى الحب الإلهي ، لأن الهداية التي يتعرّض لها هنا تنحصر في تصحيح مسار ، فهي هداية طريق ، ولا تحقق نقلة من الكفر إلى الإيمان أو من عدم الحب إلى الحب . فالولي إذن هو الذي يصحح مسار السالكين . . . ثم إن للأولياء دورا آخر ، ففي هذه الدنيا الشاسعة التي تترامى بشرا وحجرا ، يبرز الولي كمركز جاذبية يجذب العشّاق الإلهيين . ولذلك نجد حول الأولياء تجمّعات من الأشخاص الذين يحبّون اللّّ ويطلبونه . وهذا طبيعي جدا لأن الولي يذكر اللّّ عزّ وجلّ وذكر اللّّ لا يفارقه لحظة ، والعاشق ينجذب ليعيش حول من يذّكّره بمحبوبه . . . وفي الحديث الشريف أن الولي هو الذي تذّكّر رؤيته باللّّ . ( 260 ) هم السّؤل والمطلوب والقصد والمنى ..... واسمهم للصّبّ في الحبّ نافع المفردات : السؤل : ما يسأل . واسمهم : أي وذكر اسمهم ينفع العاشق . المعنى : يتابع الجيلي إفهام السالك أهمية الأولياء في حياة المؤمن السالك العاشق ، يقول ؛ الأولياء في هذه الدنيا هم كل من يسأل ويطلب ويقصد ويتمنى . . .
عدد الصفحات ١٤٧148 بل أكثر من ذلك ، إن غابوا فذكر اسمهم فقط ينفع العاشق في حبّه ، لأن ذكرهم يوقظ الهمم ويحيى موات العادات . ( 261 ) هم الناس فالزم إن عرفت طريقهم .....ففيهم لضرّ العالمين منافع المفردات : هم الناس : الأولياء على درجات مراتبهم هم فقط الناس . فالزم طريقهم : اتبعه . المعنى : يتابع الجيلي تعليمه في الأولياء والولاية ، فيرى أن الأولياء هم فقط الذين استحقوا اسم الناس في هذه الدنيا . ويقول للسالك ؛ فإن وفّقت إلى معرفتهم فلازمهم بالخدمة والصحبة . لأن الأولياء هم وحدهم النافعون حين يتنزّل القضاء بضر على العالمين . . ( 262 ) وإن جهلوا ، فانظر بحسن عقيدة ..... إلى كلّ من تلقاه بالفقر صادع المفردات : وإن جهلوا : وإن لم تعرف الأولياء ، وكانوا مجهولين لديك . بحسن عقيدة : حسّن اعتقادك . صادع : ظاهر . المعنى : يخاطب الجيلي السالك ناصحا ، وإن لم يسعفك الحظ بلقاء الأولياء ومعرفتهم ، فحسّن اعتقادك بكل من تراه ظاهرا بالزهد والصلاح . ( 263 ) وحافظ مواثيق الإرادة قائما ..... بشرع الهوى ، إن أنت في الحبّ شارع المفردات : مواثيق : ج . ميثاق وهو العهد ، وهنا الإشارة إلى العهد الذي يأخذه الشيخ المربي على مريده ، أو إلى العهد الذي يقطعه العبد على نفسه .بشرع الهوى : بما تمليه شريعة الهوى ، من حفظ القلب عن غير المحبوب ، ودوام ذكره ، والتفاني في طلبه . . . . شارع : بادىء . المعنى : يتابع الجيلي إرشاده السلوكي ، فيعلّم السالك كيف يجنّد كل طاقاته الإنسانية ليصل إلى مطلوبه . يقول ؛ حين طلبت الحقّ عزّ وجلّ تعهّدت إرادتك بمجاهدات
عدد الصفحات ١٤٨149 ورياضات ، فحافظ على هذه المواثيق . ثم أكثر من ذلك ، علّم نفسك وجاهدها وروّضها على شرع الهوى ، لأنك بذلك تضمن وفاءها بعهودها . والسبب أن وفاء العاشق بعهوده أيسر من وفاء الصالح المجاهد الملتزم . ( 264 ) وداوم على شرطين :ذكر أحبّة ..... وتسليك نفس بالخلاف تسارع المعنى : يحدد الجيلي للسالك شرطي الطريق الصوفي في حال فقدان المربي ، وهذان الشرطان يبينان كيف أن الجيلي يدمج طريقين كان التصوف قبله يفصلهما ، وهما : طريق المجاهدة وطريق العشق . يقول للسالك ؛ إن لم تجد وليا يربّيك فداوم على شرطين ، أولهما أن تذكر اللّّ عزّ وجلّ ذكر عاشق واله ، وثانيهما أن تجاهد نفسك وتسلّكها في دروب المشاق ، لأن طبيعتها المسارعة إلى المخالفة والأمر بالسوء إذا غفلت عن مجاهدتها لحظة . ( 265 ) ولا تهملن ذكر الأحبّة لمحة ..... وداوم خلاف النّفس فهي تتابع المفردات : ذكر الأحبة : ذكر اللّّ عزّ وجلّ . وداوم خلاف النفس : تابع مخالفة نفسك . فهي تتابع : أي أن النفس تتابع في الأمر بالسوء والحضّ عليه . المعنى : يؤكد الجيلي هنا معنى البيت السابق ، وينصح السالك بأن يداوم على ذكر اللّّ عزّ وجلّ في كل الأوقات ، وبأن لا يغفل لمحة عن نفسه لأنها تتابع مسيرتها في الأمر بالسوء والحض عليه . ( 266 ) وقم واستقم في الحبّ لا تخش ضلّة ..... فميل الفتى عمّا يحاول رادع المفردات : ضلة : ضلالا . فميل الفتى : انحرافه . عما يحاول : عن محاولته الإستقامة . رادع : مانع . المعنى : يتابع الجيلي تشجيع السالك على طريقي المجاهدة والعشق ، يقول ؛ قم بحق المجاهدات ، واستقم في عشقك لا تخف ضلالا أو حيرة . واحرص على مداومة مجاهدتك وعشقك ، لأنك إن انحرفت عن هذه المداومة لا تصل إلى محبوبك أبدا .
عدد الصفحات ١٤٩150 ( 267 ) فإن ساعد المقدور أو ساقك القضا ..... إلى شيخ حقّ في الحقيقة بارع المفردات : شيخ حق : شيخ محقق ومتحقق بأنواع الكمالات . في الحقيقة بارع : متضلع في علم الحقيقة . المعنى : الجيلي ربيب الطرق الصوفية ؛ ونجم القرن الثامن الهجري ، العصر الذهبي للطرق في نقاوتها قبل زمن التقليد أو الشعوذة ، يؤكد على أهمية الشيخ في حياة السالك المريد ، فيقول للسالك ؛ فإن ساعدك القدر ، ووضعك القضاء أمام شيخ محقّق ومتحقّق بكمالات المقامات الصوفية ، ومتضلّع في علوم الحقائق ، وطرق الوصول إليها . ( 268 ) فقم في رضاه واتّبع لمراده .....ودع كلّ ما من قبل كنت تصانع المفردات : تصانع : تصنع ، تداوي ( تأتي بأحد المعنيين ) . المعنى : يتابع الجيلي معنى البيت السابق فيقول ؛ إن ساعدك القدر والتقيت بشيخ محقق ، فاترك كلّ ما كنت تقوم به من مجاهدات وأذكار ، وقم في مرضاة الشيخ ، واتّبع لما يريده منك . لأن السالك إن ترك ما كان قد اختاره لنفسه من مجاهدات واتبع أوامر شيخه ، يكون قد خرج عن مراد نفسه ، إلى مراد مربيّ ه ومرشده في طريق القوم . ( 269 ) وكن عنده كالميت عند مغسّل ، ..... يقلّبه ما شاء ، وهو مطاوع المفردات : عنده : عند الشيخ . كالميت عند مغسّل : كما يكون حال الميت بين يدي مغسله ، وهذا التشبيه متعارف عليه ومقبول عند أبناء الطرق الصوفية . ويكفي أن نلقي نظرة على كتب الصوفية التي تفرد فيها فصول كاملة للكلام على “ أدب المريد مع شيخه “ لنعرف مكانة الشيخ . المعنى : يعلّم الجيلي السالك أدب المريد مع الشيخ ، فيقول ؛ كن بين يدي شيخك ، كما يكون الميت بين يديّ غاسله ، لا حول له ولا قوة ، لا مراد ولا مطلب ، لا حركة ولا نزوع . . .
عدد الصفحات ١٥٠151 يقلّب أعماقك بين أصابع رؤيته ، وتطاوع أعماقك فتتشكّل على وقع حركته . وكل ذلك لأن شرط العهد الذي بين المريد وشيخه ينصّ على أن يوصّل الشيخ مريده إلى أعلى مقامات القلب الإنساني الكسبية ، بحيث يتحلّى بالصبر والتوكل والتوبة والمراقبة شرط أن يترك المريد كل اختيار وإرادة شخصية ويتّبع إرادة شيخه . . . وترك المريد لإرادته وإتّباعه لإرادة مربّيه وشيخه هو منهجيّة صوفية بنيت على رؤية تقول بأن النفس لا تسلم أبدا من الأمر بالسوء ، لذلك من الأسلم للإنسان أن يسلّم مقاليد أمره إلى آخر خبر أحوال القلب ومقاماته ، حتى يخلّصه من النفس الأمّارة بالسوء ، ويوصله إلى أعلى مراتب استقامة القلب بالشرع المحمدي . (270 ) و تعترض فيما جهلت من أمره ..... عليه ، فإنّ الاعتراض تنازع المفردات : ولا تعترض : تحذير من الاعتراض على الشيخ . وهذا التحذير لا يكاد يخلو منه كتاب ألّف بعد القرن السابع الهجري . فيما جهلت من أمره : يرى الجيلي هنا أن الاعتراض على الشيخ هو في الواقع جهل وعدم معرفة ، والمريد المعترض على أمر يراه من شيخه ، هو في الواقع جاهل لأمر شيخه . لأن الشيخ الحقّ لا يخرج على الأمور الشرعية أبدا ، ظاهرا وباطنا . تنازع :نزاع ومخالفة ، والخلاف يؤدي إلى الفراق . المعنى : ينبّه الجيلي السالك من الاعتراض على ما لا يفهم من أحوال مربيه ، فيقول ؛ لا تعترض على ما تراه من أفعال شيخك مخالفا في الظاهر للشرع . لأن اعتراضك ينبع من جهلك لحقيقة أمره ، ولا تظن يوما أن الشيخ الحق يخالف الشريعة أبدا ، لا في ظاهر أفعاله ولا في باطنها . واحذر من الاعتراض ، لأن الاعتراض هو في الحقيقة تنازع إرادتين ، وأنت عاهدت على ترك إرادتك حين عاهدت الشيخ على مجاهدة نفسك وتحصيل مقامات قلبك . (271 ) وسلّم له مهما تراه ولم يكن ..... على غير مشروع ، فثمّ مخادع المفردات : وسلّم له : التسليم للشيخ من المقولات التي انتشرت في أوساط الطرق الصوفية ، ويقدّم الجيلي جديدا في قضية التسليم للشيخ إذ يرى أن التسليم ضروري ، إلا أن إتّباع الشيخ وتقليده في فعله على غير معرفة بالوجه الشرعيّ منها هو أمر مرفوض بتاتا . فالمفروض أن نسلّم للشيخ أفعاله دون أن نتّبعها إلا إذا رأينا الوجه الشرعيّ منها . مهما تراه : مهما ظهر لك من أفعاله . على غير مشروع : على غير ما ورد في الشرع ، مخالفا للشريعة . فثم مخادع : فثمّة مظاهر خادعة .
عدد الصفحات ١٥١152 المعنى : إذا رأيت من شيخك أفعالا ، وتراءى لك أنها غير شرعية ، فإيّاك أن تظنّ أن شيخك يخالف الشريعة ؛ بل تذكّر دائما أن المظاهر خدّاعة ، وتذكّر قصة الخضر الكريم مع موسى عليه السّلام . . . ولكن هنا نكتة لطيفة نحب أن نوضّحها للقارئ ؛ فالسالك يسلّم للشيخ أفعاله ، بمعنى أنه لا يظنّ به إلا خيرا ، وفي الوقت نفسه لا يرخّص له تقليد شيخه في أفعاله ، إلاّ فيما يفهم وجه الشرع منها ، أو فيما أمره الشيخ بفعله . فأفعال المريد تنحصر إما في تنفيذ أوامر الشيخ ، أو في تقليده في الواضح الشرعي . والفاسق وحده أو الجاهل هو الذي يقلّد ظاهر أفعال دون أن يعلم وجه الشرع فيها . وحجته أنه رأى شيخه يقوم بها ، وهو في أغلب الأحيان لم يناقش شيخه حقيقة الفعل لأنه من المقلّدين المتأدبين بأدب جهلة الصوفية ، الذين لا يفرقون بين استفهام الشيخ وبين الاعتراض عليه . ( 272 ) ففي قصّة الخضر الكريم كفاية.... بقتل غلام والكليم يدافع المفردات : كفاية : دليل كاف . بقتل غلام : الإشارة إلى الغلام الذي قتله الخضر عليه السّلام . والكليم : موسى عليه السّلام . يدافع : يعترض . المعنى : يعطي الجيلي الدليل على أن الاعتراض يسبب القطيعة ، يقول ؛ والدليل على أقوالي هو ما ورد في قصة الخضر وموسى . فأولهما علّمه اللّّ عزّ وجلّ من لدنه علما والثاني كلمه اللّّ تكليما ، ورغم ذلك فإن اعتراض الكليم على الخضر عليه السّلام أدّى إلى فراق . (273 ) فلمّا أضاء الصّبح عن ليل سره ..... وسلّ حساما للمحاجج قاطع المفردات : فلما أضاء الصبح عن ليل سره : تعبير بمعنى ، لمّا كشف الخضر لموسى عليه السّلام عن أسرار أفعاله . للمحاجج قاطع : يقطع حجج المعترض . المعنى : يتابع الجيلي الاستفادة من رموز قصة موسى والخضر ليبيّن فكرته في الشرع المخبوء خلف حجب الأفعال الظاهرة فيقول ؛ لما كشف الخضر لموسى عليهما السلام ، عن
عدد الصفحات ١٥٢153 صبح المعاني المخبوءة في ليل الأسرار ، وأحاطه خبرا بما ظهر له من أفعال ، قطع كلّ اعتراض وحجة . ( 274 ) أقامله العذر الكليم ، وإنّه ..... كذلك علم القوم فيه بدائع المفردات : أقام له العذر : عذره . علم القوم : علم الصوفية . المعنى : يتابع الجيلي استدلاله بقصة موسى والخضر عليهما السلام . فيقول ؛ بعد أن كشف الخضر لموسى عن معاني أفعاله ، عذره موسى عليه السّلام . . .وكذلك أيها السالك عليك ألاّ تنخدع بالمظاهر ، وتعلّم من القوم ألا تحكم على مظهر قبل أن تتضح لك منه بيّنة . وتعلّم أن تسلّم لمن اتصف بالصلاح وإن لم تر وجه الشرع في فعله ، تسليما ينافي الإنكار ، ولا يتنافى مع الاستفهام والاستفسار . ( 275 ) وواظب شهود العلم فيك ، فإنّه ..... هو الحقّ ، والأنوار فيك سواطع المفردات : شهود العلم فيك : ينصحه بأن يداوم على مشاهدة العلم في ذاته ، وهنا إشارة إلى الآية الكريمة :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآْفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتهى يَتَبَيهنَ لَهُمْ أَنههُ الْ حَق 53 ]. المعنى : ينصح الجيلي السالك بأن يأخذ العلم من ذاته ويترك التقليد ، وأن يراقب أعماقه منتظرا سطوع أنوار الحق فيها . . . (276 ) ورقّ مقام القلب من نجم ربّه ..... إلى قمر الرّحمن إذ هو طالع المفردات : من نجم ربه : من مرتبة الربوبية ، والمراد هنا بالربوبية كل اسم من الأسماء الإلهية في ربوبيته لعبيده . ومن العبيد من هو عبد للمنعم ، ومنهم من هو عبد للمنتقم ، ومنهم من هو عبد الغنيّ وهكذا . . . إلى قمر الرحمن : إلى المرتبة الرحمانية ، والمراد هنا بالرحمن هو الاسم الجامع للأسماء الإلهية ، لقوله تعالى :قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرهحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَْسْماءُ الْحُسْنى :110.] المعنى :
عدد الصفحات ١٥٣154 يحث الجيلي السالك على الترقي قائلا ؛ وارق بقلبك من مقام نجم الربوبية إلى مرتبة قمر الرحمن . . . بمعنى آخر ، عندما يطلع قمر الرحمن وتتجلّى رحمته الشاملة في وجود الكائنات ، فانظر إليه في تجلي صنعته ولا تحصر قلبك بالنظر إلى نجم الأسماء . ( 277 ) إلى شمس تحقيق الألوهة رافعا ..... إلى ذاته للقدر إن أنت رافع المفردات : إلى شمس تحقيق الألوهة : أي إلى مقام الألوهيّة ، واللّّ هو الاسم الجامع للأسماء جميعا ، وينظر إليه الصوفيون على أنه اسم علم للذات ، فلا اسم يطلق على الحق عزّ وجلّ أشمل وأبعد عن الوصف من اسم “ اللّّ “ إلاّ اسم “ الذات “ . رافعا إلى ذاته : إلى مقام الذات . والذات هو أعلى الأسماء الإلهية تجريدا . للقدر : أي للقدر الذي تستطيعه ؛ على قدر استطاعتك . إن أنت رافع : إن أنت شرعت في رفع مقام القلب ، وترقيته . المعنى : يشجع الجيلي السالك على اقتحام الترقي ، ويقول ؛ بعد أن ترقى من مقام نجم الربوبية إلى مرتبة قمر الرحمن ، لا تتوقف بل ارق إلى شهود الألوهية الشاملة لكل الأسماء الإلهية حتى اسم الرحمن . . . ومن هذا الشهود إلى الذات العلية . . . وهذا الترقي الذي ينصح به الجيلي تفسيره ، هو أن يكون الإنسان في بدايته عبدا للّّ عزّ وجلّ من حيث اسم من أسمائه تعالى . ثم يرتقي في عبوديته ليكون عبدا للرحمن . ثم يرتقي في عبوديته ويتخلص من كل طلب للّّ في اسم أو صفة ليكون عبدا للّّ خالص العبودية دون أي مطلب صفاتي ، وهذه هي العبودية الخالصة التي أشارت إليها رابعة بقولها “ ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل عبدتك لأنك أهل للعبادة . . . “ فالعبادة رهبة ورغبة هي عبادة للّّ عزّ وجلّ من حيث اسم من أسمائه تعالى . ومن هذه العبادة يرتقي الإنسان ليكون عبدا خالصا للّّ دون تحرّك إرادته برغبة أو رهبة . ثم يرتقي إلى أن يكون عبدا للذات الإلهية ، وهنا يكون عبدا منزّها عن كل رغبة ورهبة ، بل منزها عن النظر إلى ذاته ، فانيا عن كل حظوظ نفسه ، باقيا في شهوده لربّه . ( 278 ) فللّّ خلف الاسم والوصف مظهر ..... وعنه عيون العالمين هواجع المفردات : العالمين : الكائنات . هواجع : غافلة ، نائمة . المعنى :
عدد الصفحات ١٥٤155 إن للألوهية مظهر وتجل ، خلف حجب الأسماء والصفات ، ولكن عيون الكائنات غافلة عن هذا الشهود . ( 279 ) فليس يرى الرّحمن إلا بعينه ..... وذلك حكم في الحقيقة واقع المفردات : إلا بعينه : إلا بعين الرحمن ، وهنا الإشارة إلى وصول العبد إلى مقام قرب النوافل الوارد في الحديث : “ لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي . . . “ . المعنى : ينبه الجيلي السالك على صحة العقيدة في أعلى مقامات القرب ، فيقول ؛ ولا تظن أنك تستطيع أن تصل إلى شهود تجليات الرحمن بعينك أنت . . . لا ، إنك لا تصل إلى هذا الشهود إلا حين تتخلل قواك قوى الحق عزّ وجلّ ، أي تصل إلى مقام قرب النوافل ، بحيث يكون الحق عزّ وجلّ هو سمعك وبصرك ، ويدك . . . عندها ترى تجلّيات الرحمن . ( 280 ) وإيّاك لا تستبعد الأمر ، إنّه ..... قريب على من فيه للحق تابع المفردات : لا تستبعد الأمر : لا تستبعد حصول هذا الأمر . من فيه للحق تابع : من لديه قلب أو روح تابعة للحق عزّ وجلّ . المعنى : يحارب الصوفية تخاذل الإنسان ، ويشجعونه دائما على اقتحام العوالي ، وعلى ألاّ يستبعد عطاء إلهيا لأنه تعالى يعطي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وهنا يقول الجيلي للسالك ؛ وإياك أن تستبعد وصولك إلى مقام قرب النوافل ، وتخلّل الحقّ لقواك جميعا . . . فهذا الأمر قريب على من فيه روح تابعة للحق عزّ وجلّ . ( 281 ) وها أنذا أنبيك عن سبل الهدى ..... وأفصح عمّا قد حوته المشارع المفردات : أُنبيك : أخبرك . المشارع : الشرائع ، ج . شريعة . المعنى :
عدد الصفحات ١٥٥156 يطمئن الجيلي السالك بأنه سيدلّه على الطريق الذييوصله إلى مقام قرب النوافل ، فيقول ؛ وفيما يلي من قصيدتي سأخبرك عن السبل التي تهديك وتوصلك إلى هذا المقام ، كما أفصح لك عما تحتويه الشرائع من أسرار
عدد الصفحات ١٥٦157 تاسعا الأبيات من ( 282 ) إلى319 ) الجيلي يروي سيرته الروحية الجزء الأول (282) أقصّ حديثا تمّ لي من بدايتي ..... لنحو انتهائي علّه لك نافع (283) برزت من النّور الإلهيّ لمعة ..... بحكمة ترتيب قضتها البدائع (284) إلى سقف عرش اللّّ في أفق العلا ..... ومنه إلى الكرسيّ جئت أسارع (285) إلى القلم الأعلى ، ولي منه برزة ..... إلى اللوح ، لوح الأمر للخلق واسع (286) إلى الهبأ السّامي ، وقيل مكرّما ..... نزلت الهيولى ، وهو للخلق جامع (287) هناك تلقّتني العناصر حكمة ..... ومنها أحلّتني حلاها الطّبائع (288) وأنزلني المقدور في أوج أطلس ..... هو الفلك العالي الذرى وهو تاسع (289) ومنه هبوطي للمكوكب نازلا ..... على فلك ، كيوان ثمّة سابع (290) فلمّا نزلت المشتري وهو سادس ..... سماء به للسّعد في الكون تابع (291) أتيت سما بهرام من بعد هابطا ..... على فلك للشمس والشّمس رابع (292) وفي كرة الزهراء أعني سماءها ..... حثثت مطيّ السير والدار شاسع (293) إلى كاتب الأفلاك وهو عطارد ..... نزلت وكانت لي هناك مراتع (294 )وبالقمر الباهي نزلت وشرّعت ..... على الفلك النّاري الأثير ، شرائع (295) ومنه هوى للأمر في فلك الهوا ..... ركائب عزم ما لهنّ موانع (296 )وبالكرة المائيّة العين إذ سرت ..... أضافت ركاب العزم فيها البلاقع (297) وهذا نزول الجسم من عند ربّه ..... وللرّوح تنزيل مجازا متابع (298) وذلك أنّ الرّوح في المركز الّذي ..... لها هو روح الحقّ فافهم أسامع (299) فليس لها فيه هبوط منزّل ..... وليس لها فيه صعود مرافع (300) ولكنّ في تعيينها بمخصّص ..... تنزّل عن حكم بأن هو شائع (301) وذلك للأرواح خلق حقيقة ..... وذلك تنزيل لها وقواطع (302) ففي المثل المفروض منه ترتّبت ..... مراتبه حتّى بدا متناوع (303) فيبرز في حكم المرآة للورى ..... على الجرم والمقدار إذ ذاك طالع (304) فتنويعها ذاك التّجلّي هو الّذي ..... نسمّيه روحا ، وهو بالنّفخ واقع (305) وإلاّ فلا اسم له غير ربّنا ..... وليس له إلاّ الصّفات مواضع (306) تنزّه ربّي عن حلول بقدسه وحاشاه ، ما بالإتّحاد مواقع (307) ومهما تحلّ الرّوح جسما فإنّها ..... لتصوير ذاك الجسم في الصّور تابع (308) ويتبعها في نصبها وارتفاعها ..... وتتبعه إن جرّ يوما طبائع (309) فإن قويت بالتّزكيات رقت به ..... إلى المركز العالي الّذي هو رافع (310) وإن ضعفت واستقوت النّفس والهوى ..... تكن تبعا للجسم إذ قام مانع
عدد الصفحات ١٥٧158 (311) فتشقى به في سجن طبع وإن رقت ..... به كان مسعودا وفي العزّ راتع (312) وإنّ نزول الجسم للخلق في الثّرى ..... سواء ، ولكن بعد ذاك تناوع (313) فمن سبقت للّ فيه عناية ..... فغير مكوث في التّراب ، مسارع (314) ومن أبعدته السّابقات فإنّه ..... له بين نبت والتراب تراجع (315) فقد يك عشبا ثم ترعاه دابة ..... ويترب إذ يفنى فيخضرّ ضارع (316) على قدر تكرار التردّد بعده .....لتنسى عهود بالحمى ووقائع (317) وعند مرور النّفس في كلّ منزل ..... سينقش فيها منه طبعا طبائع (318 )فتظهر نفس المرء كاملة البها ..... ومن نسخة الأكوان فيها خلائع (319) لتذكر بالمشهود غابر أمرها ..... فيرجع للأوطان من هو راجع شرح الأبيات :- (282 )أقصّ حديثا تمّ لي من بدايتي ..... لنحو انتهائي علّه لك نافع المعنى : ابتداء من هذا البيت رقم ( 282 ) وإلى آخر القصيدة ، أي إلى البيت رقم535 ) ، سيروي لنا الجيلي قصته الكاملة : قصة خلقه وتكوينه في العوالم وظهوره على الأرض ومجاهداته وترقيه في المقامات ووصوله إلى مقام الخلافة والبقاء ، ثم سيبين لنا مظاهر مقام الخلافة من قدرة وتصريف. . . باختصار سيقص علينا الجيلي هنا حديث رحلته ، منذ بدايتها إلى نهايتها ، وقد أوردنا في المقدمة الفائدة من روايته هذه ، فلتراجع . (283 ) برزت من النّور الإلهيّ لمعة ..... بحكمة ترتيب قضتها البدائع المفردات : لمعة : في رؤية الجيلي أن الكائن الإنساني هو لمعة من النور الإلهي . والمقصود بالنور هو العلم بحكمة : يشير الجيلي هنا إلى أن العالم الذي يعيش فيه الإنسان ، هو عالم بني قانونه على الحكمة ؛ بمعنى أنه عالم بني على ربط الأسباب بمسبباتها . فعالمنا هو عالم أسباب وحكمة ، في مقابل عوالم قانونها ونظامها هو القدرة الإلهية كأرض السمسمة أو كعالم الخيال كما وصفه الجيلي ، ومن قبله محيي الدين بن عربي . ترتيب : هذا الظهور ليس دفعة واحدة ، وإنما ترتّب متسلسلا ؛ خلق من بعد خلق ، وعالم من بعد عالم ، وكون من بعد كون . المعنى : يرى الجيلي أنه برز - شأنه شأن كل مخلوق - لمعة من النور الإلهي ، بمعنى من العلم الإلهي . وهذا الظهور لحكمة أرادها اللّّ عزّ وجلّ ، وبترتيب اقتضاه الإبداع الإلهي .
عدد الصفحات ١٥٨159 (284 ) إلى سقف عرش اللّّ في أفق الع .....ومنه إلى الكرسيّ جئت أسارع المفردات : عرش اللّّ : إن العرش هو الفلك المحيط بجميع الأفلاك المعنوية والصورية ، وهو مطلق الوجود عينيا كان أو حكميا . ولهذا الفلك ظاهر وباطن ، فباطنه عالم القدس وهو عالم أسماء الحق سبحانه ، وظاهره عالم الأنس ، وهو محل التشبيه والتجسيم والتصوير2 /4 - 5 ] . الكرسي هو مظهر الاقتدار الإلهي ومحل نفوذ الأمر والنهي ، وفي الكرسي أول توجّه الرقائق الحقيقية إلى إبراز الحقائق الخلقية ، ومنه يبرز الأمر الإلهي في الوجود2 /5 . ] المعنى : بعد أن برز الجيلي ، شأن كل إنسان ، من العلم الإلهي لمعة ، يتنزّل في الأكوان هابطا إلى الأرض . ولكن تنزّله يتمّ في عالم بعد عالم ، ويتطور في خلق بعد خلق . وأول تنزّل هو إلى سقف عرش اللّّ . والمقصود إن الإنسان يتنزّل من كونه لمعة نور غير محددة الصورة ، إلى التجسيم والتصوير في العرش ... وبعد التجسيم والتصوير تتنزّل لمعة النور إلى الكرسي ، أي يتوجه هذا الأمر الإلهي إلى التنفيذ والبروز في عالم الخلق . ( 285 ) إلى القلم الأعلى ، ولي منه برزة ....إلى اللوح ، لوح الأمر للخلق واسع المفردات : القلم الأعلى : “ القلم الأعلى عبارة عن أول تعينات الحق في المظاهر الخلقية على التمييز “ . ويقصد الجيلي بقوله “ على التمييز “ ، إن الخلق له تعين إبهامي أولا في العلم الإلهي ، ثم له وجود مجمل حكمي في العرش ، ثم له ظهور تفصيلي في الكرسي ، ثم له ظهور على التمييز في القلم الأعلى ، لأن وجود الإنسان في تلك المجالي الأول جميعها قبل القلم الأعلى هو غيب ، ووجوده في القلم وجود عيني مميزجع الإنسان الكامل ، 2 /5 ] للوحاللوح المحفوظ . لوح الأمر : اللوح المحفوظ ؛ ينقش القلم الأعلى كل ما يقتضي وجوده في اللوح المحفوظ ، ففيه صور الوجود جميعها منقوشة ، بحيث لا تظهر صورة في العالم إلا إن كانت منقوشة ومنطبعة في اللوح المحفوظ. للخلق واسع : يسع المخلوقات . المعنى : بعد أن تنزّل الجيلي ، وكل إنسان ، إلى التجسيم والتصوير في العرش ، ومن ثمّ إلى التنفيذ في الكرسي ، تنزل هذا الأمر الإلهي - أي الإنسان - إلى التعيين والتمييز في وجود مستقل في القلم الأعلى ، ثم انتقش هذا الوجود العيني المميز في صورة حواها اللوح المحفوظ .
عدد الصفحات ١٥٩160 (286 ) إلى الهبأ السّامي وقيل : مكرّما ..... نزلت الهيولى ، وهو للخلق جامع المفردات : الهبأ السامي : الهباء هو المادة المحدثة التي خلق اللّّ فيها صور العالم ، أي هو الجسم القابل للتشكل .مادة “ هباء ] “وهو ما يسميه الفلاسفة بالهيولى . وهي للخلق جامع :الهباء يجمع المخلوقات . المعنى : بعد أن طبعت صورة الجيلي في اللوح المحفوظ ، تتنزّل إلى الهباء لتتشكل في الجسم . ( 287 ) هناك تلقّتني العناصر حكمة ..... ومنها أحلّتني حلاها الطّبائع المفردات : هناك : في الهيولى . تلقتني : استقبلتني . العناصر : إشارة إلى العناصر الأربعة المكوّنة للهيولي وهي : الماء والهواء والنار والتراب. حكمة : إن استقبال العناصر الأربعة للوجود الإنساني هو حكمة إلهية ، لأنه يتضمن الإشارة بأن الإنسان سيكون من عالم العناصر ويكون أيضا محكوما للعناصر . أحلّتني حلاها : أعطتني صفاتها . الطبائع : إشارة إلى الطبائع الأربعة وهي الحرارة واليبوسة والرطوبة والبرودة . المعنى : استقبلت الجيلي ، كما كل إنسان ، حين وصوله الهيولى العناصر الأربعة وهي الماء والهواء والنار والتراب . ونفهم من استقبال العناصر للإنسان في طور تخلّقه وتنزّله إلى الظهور في الأرض ، حكمة مفادها أن الإنسان سيكون في ظهوره من عالم العناصر . . . ومن العناصر اتصف بصفات الطبائع الأربعة أي الحرارة واليبوسة والرطوبة والبرودة . ( 288 ) وأنزلني المقدور في أوج أطلس... هو الفلك العالي الذري وهو تاسع المفردات : المقدور : التقدير الإلهي . أطلس : الفلك الأطلس هو الفلك التاسع ، وهو الفلك الكبير سطحه هو الكرسي الأعلى ، وعرضه سدرة المنتهى .[ را جع الإنسان الكامل ، 2 / 66 ]. المعنى :
عدد الصفحات ١٦٠