129 يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية, وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه, تأثراً وتأثيراً, ثم الريجمة لمؤلفه. ولابـد مــن الاعـرياف بأن ذلــك المـنهج الــذي أصَّـلته مدرســة دار الكتـب المصــرية للمحققــين العـــرب, قـــد تأثـــر إلى حـــد مـــا بمنـــاهج المستشـــرقين الـــذين شحـــغلوا برياثنـــا, ونشـــطوا لإذاعتـــه ونشره, منذ القرن الثامن عشر الميلادي أو قبله بقليل. المكتبة الزكية: وكان صاحب الفضل في مد الجسور بين مصر وأوروبا - فيما يتصل بنشـر الـرياث - أحمـد زكي باشا, الذي اتصل بعلماء الاستشراق, ومثَّ ل مصر في مؤتمراتهم. وهـذا أحمـد زكـي باشـا رجــل مــن رجــ ال مصــر الأفــذاذ, كــان مــن كبــار الكحتَّــاب والخطبــاء, ولــد بالإســكندرية عــام 1867م. وتخـــــرج بمدرســـــة الحقـــــوق بالقـــــاهرة, وأتقـــــن الفرنســـــية, وكـــــان يفهـــــم الإنجليزيـــــة والإيطاليــة, وقــام بفكــرة إحيــاء الكتــب العربيــة, وأحكــم صــلته برجــالات العــرب في جميــع أقطارهم. وكان شديد الحب للعربية, ولقب نفسه بشـيخ العروبـة, وسمَّـى داره بيـت العروبـة, وجمع مكتبة في نحو عشرة آلاف كتاب, و وقفها, فنح قلت بعـد وفاتـه إلى دار الكتـب وسمح يـت فيها: المكتبة الزكية, توفي سنة 1934م يقــول عنــه شــيخي عبــد الســلام هــارون رحمــه الله: «ولعــل أول نافــخ في بــوق إحيــاء الــرياث العـربي, علـى المــنهج الحـديث في مصــر, هـو المغفــور لـه أحمـد زكــي باشـا, الــذي قـام بتحقيــق كتاب «أنساب الخيل»لابن الكلبي, و«الأصنام»له أيضاً, وقـدطح بعـا في المطبعـة الأميريـة - مطبعة بولاق - سنة 1914م باسم لجنة إحياء الآداب العربية التي عحرفت فيمـا بعـد دار الكتاب المصرية باسم القسم الأدبي, ولعل هذين الكتابين مع كتاب «التاج»للجـاحظ الــــذي حققــــه أيضــــاً في الســــنة نفســــها, مــــن أوائــــل الكتــــب الــــتي كح تــــب في صــــدورها كلمــــة «بتحقيـــق»كمـــا أن تلـــك الكتـــب قـــد حظيـــت بإخراجهـــا علـــى أحـــدث المنـــاهج العلميـــة للتحقيق, مع استكمال المكملات الحديثة, من تقديم النص إلى القراء ومن إلحـاق الفهـارس التحليلية. ويضاف إلى ذلك أنه أول من أشاع إدخال علامات الريقـيم الحديثـة في المطبوعـات العربيـة,
عدد الصفحات ١٢٩130 وألــــف في ذلــــك كتــــاباً, سمَّــــاه«الريقــــيم في اللغــــة العربيــــة»طحبــــع في مطبعــــة بــــولاق, ســــنة 1903م. ومما حققه شيخ العروبة أيضاً كتاب«نَكْت اله مْياننحكَت العميـان»لصـلاح الدين الصفدي. ونشـره بمطبعـة الجماليـة سـنة 1911م, ثم قدمـه إلى أعضـاء المـؤتمر الـدو, الرابع لتحسين حالة العميان. وعلى وقع خطوات أحمد زكي باشا, وبهدي من توجيهه وإرشاده, تكوَّن القسم الأدبي بدار الكتب المصرية, امتداداً للجنة إحياء الآداب العربية التي أسسها شيخ العروبة, وطبع تحت شعارها «أنساب الخيل»و«الأصنام»وقد قام هذا القسم الأدبي بعبء ضخم حين نشر عيوناً مما تركه أهل العلم من آبائنا الأولين. ولقــد كــان هــذا القســم مدرســة كــبرى في القــدوة المثاليــة للمحققــين المعاصــرين, وكــان يضــم مشيخة جليلة من العلماء الكرام البررة, الـذين أخلصـوا لله فيمـا أسـند إلـيهم, أذكـر مـنهم: أحمد زكي العدوي, و الشاعرين أحمد الزين وأحمـد نسـيم, وعبـد الـرحيم محمـود, ومحمـد عبـد الجــواد الأصــمعي, ومحمــد عبــد رب الرســول, والعــالم الجزائــري الشــيخ إبــراهيم أطفــيش. وممــا يحستطرف ذكـره هنـا أن الشـيخ محمـد الخضـر حسـين, العـالم التونسـي الجليـل قـد عمـل زمـاناً مصححاً بدار الكتب المصرية. وهــذا الشــيخ الخضــر حســين التونســي المولــد والنشــأة قــد تــولى مشــيخة الأزهــر, أول قيــام الثورة المصرية. وهذا من أكبر الدلائل على أن مصر لا تعرف التعصُّ ب. عناية بالرياث: وقــد بــدأ القســم الأدبي نشــاطه في إذاعــة الــرياث ونشــره مــن خــلال مطبعــة بــولاق الكــبرى, وكـــان مـــن ذلـــك موســـوعة «صـــب. الأعشـــى» للقلقشـــندي الـــذي ظهـــر14 مجلـــداً ســـنة 1920م باســم دار الكتــب المصــرية, ثم أنشــأت الــدار مطبعــة خاصــة بهــا, جمعــت لهــا كــل أســباب الجــودة والإتقــان, فخــرج الكتــاب الرياثــي مــن هــذه المطبعــة في أبهــى حلــة وفي أنقــى صورة, وتستطيع أن تقول في اطمئنان أنها أول مرة تحظى كتب الرياث بتلك العناية الفائقة, وافَت.ْ جزءاً من كتاب «الأغا»أو«تفسـير القـرط»واعجَـبْ مـا شـئتَ لهـذا السـخاء
عدد الصفحات ١٣٠131 جمال الحرف وتنسيق السطور واتساع حواشي الصفحات, ثم دقـة التصـحي. والمراجـع, و يكاد يشبه مطبوعات الدار هـذه إلاَّ مطبوعـات لجنـة التـأليف والريجمـة النشـر, مثـل: «سمـط الــلآ,»و«إمتــاع الأسمــاع »للمقريــزي, و«شــرح الحماســة »للمرزوقــي, ومطبوعــات دار المعارف في أيامها الأولى. ولعــل أول كتــاب صــدر عــن القســم الأدبي عــن مطبعــة الــدار هــو «نهايــة الأرب»للنــويري الذي بدأت طبعـه محققـاً سـنة 1923م, وقـد كانـت الصـيحة المدويـة لـدار الكتـب المصـرية تبنّ يهـــا لطبـــع كتـــاب «الأغـــا»لأبي الفـــرج الأصـــبهاني, بعـــد طبعـــات ســـابقة في مصـــر و أوروبا, وقد تكفَّ ل بنفقات طبعه رجل من أعيان مصر هو «السيد على راتب»المتـوفى سـنة 1955م. وصدر الجزء الأول منه سنة1927م, وحظي بعناية كاملة, في إعداد الأصـول ودقة التصحي., وصنع الفهارس التحليلية, في نهاية كل جزء من أجزائه. وفي مطبعـــة دار الكتـــب المصـــرية, وعلـــى منهجهـــا القـــويم, خرجـــت هـــذه النفـــائس: تفســـير القرطبي (عشرين جزءاً), والنجـوم الزاهـرة في أخبـار مصـر والقـاهرة لابـن تغـري بـردي (12 جــزءاً), وكــان صــاحب الفضــل في نشــر هــذا الكتــاب, عبــد الخــالق ثــروت باشــا رئــيس وزراء مصر, سنة 1922م, فهو الـذي أشـار علـى الـدار بطبـع الكتـاب, وكـان لهـذا الـوزير عنايـة بالعلـــم ونشـــره, فقـــد كـــان عضـــواً في تلـــك الجمعيـــة الخيريـــة الـــتي قامـــت علـــى نشـــر كتـــاب «المخصص»لابن سيده, سنة1902م ومن إصدارات دار الكتب في ذلك الزمان: شروح سقط الزنـد, لأبي العـلاء المعـري (خمسـة أجزاء), والتعريف بآثار أبي العلاء (مجلد ضخم), وعيون الأخبار لابن قتيبة (أربعة أجـزاء), والطــراز المتضــمن لأســرار البلاغــة وعلــوم حقــائق الإعجــاز ليحــيى بــن حمــزة العلــوي (ثلاثــة أجزاء), وأساس البلاغة للزمخشري (جزءان) والفاضل للمـبرد والمعـرَّب للجـواليقي, ومعجـم ألفا القرآن الكريم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي, رحمه الله رحمة سابغة. ومن دواوين الشعر: ديوان الهذليين (ثلاثة أجزاء), ودواوين: مهيار الديلمي (أربعة أجزاء), وزهــير بــن أبي ســلمى, وابنــه كعــب, وحميــد بــن ثــور, وســحيم عبــد بــني الحســحاس, وج ــران
عدد الصفحات ١٣١132 العَوْد, ونابغـة بـ شـيبان, وتمـيم بـن المعـز لـدين الله الفـاطمي. ومـن الموسـوعات الـتي بـدأت الدار طبعها ولم تتمه: مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري, والمنهـل الصـافي لابـن تغـري بردي. وتدور الأيام, وتضعف العـزائم بضـعف الرجـال, ويـدعو الـداعي إلى شـيء نحكحـر, وهـو إلغـاء القسم الأدبي, يقول شيخنا عبد السلام هارون, رحمه الله: «ثم ضعفت العناية بهـذا القسـم إلى أن تــولى الأســتاذ أمــين مرســي قنــديل إدارة دار الكتــب, فقــام بمجهــود ضــخم جــدّاً, إذ حاول أن ينقذ هـذا القسـم مـن الفنـاء, فـدبَّت الحركـة فيـه, ولكـن الظـروف لم تسـعفه بتنفيـذ فكرتـــه النشـــيطة, وكـــاد القســـم الأدبي في عهـــده يرتقـــي القمـــة في نشـــر موســـوعات الـــرياث, ولكــن أطاحــت بــذلك فكــرة خاطئــة مغرضــة, تــزعم أن لــيس مــن وظــائف دور الكتـــب في أوروبا أن تضــــطلع بنشــــر الــــرياث, وكأننــــا في جميــــع خطواتنــــا إنمــــا نريســــم أوروبا, في حقهــــا وباطلها» قلت: وحين تولى الأستاذ محمـد أبـو الفضـل إبـراهيم أشـلاء هـذا القسـم المـذبوح, حـاول أن ينفخ فيه, فصدر في أيامه: إنبـاه الـرواة علـى أنبـاه النحـاة للقفطـي, والخصـائص لابـن جـني, ومعاني القرآن للفراء, والمعارف لابن قتيبة. وفي منتصــف الســتينات أراد القــائمون علــى دار الكتــب إعــادة القســم الأدبي, فيمــا سمَّــوه: «مركز تحقيق الرياث »وتكون غايته نشر أعمال تراثية, ثم إعداد جيـل يتلقـى فـن التحقيـق بوجــه عملــي, علــى يــد بقيــة شــيوخه وأعلامــه, في رحــاب دار الكتــب حيــث تتــوفر المراجــع: مخطوطة ومطبوعة. وقد وحفّ ق هذا المركز في نشر بعـض الكتـب بتحقيـق علمـاء لهـم في تحقيـق النصوص سابقة, ومعاونة نفـر مـن الشـباب أحريـد تـدريبهم علـى تحقيـق النصـوص. ومـن هـذه الكتب: ديوان ابـن الرومـي (سـتة أجـزاء), ومقدمـة ابـن الصـلاح في علـوم الحـديث, وكتـاب الموسيقى الكبير للفارابي, والمذكر والمؤنث للمبرد, ولأبي البركات الأنبـاري, وكتـاب الجـواهر وصفاتها ليحيى بن ماسـويه, ولا يـزال هـذا المركـز قائمـاً, ولكـن نشـاطه قـلَّ بصـورة واضـحة, ولعل الله يهيئ له من يقيل عثرته.
عدد الصفحات ١٣٢133 وقد أفسحت مطبعة دار الكتب المصرية مكاناً للهيئات العلميـة مـن خـارج مصـر, فطبعـت لحساب دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد - الهند, كتابين جليلين, أحدهما: «معرفـة علـوم الحديث»للحـاكم النيسـابوري, سـنة1937م, وثانيهمـا كتـاب: «إعـراب ثلاثـين سـورة مـن القرآن الكريم»لابن خالويه, سنة1941م وبعد ... إن لدار الكتب المصرية تاريخاً عريقاً في نشـر الكتـاب العـربي, ولكـن عوامـل كثـيرة مــن الاســتلاب والمســخ والتشــويه تحجــب هــذا التــاريخ أو تطمســه. لكــن القضــية أكــبر مــن ذلك: إن تاريخ مصر يحغتال, وإن صفحات رجالها تطوى, وإن أيامها تـحغَيَّب. وكل ذلك يتم بأيدينا وأيدي غيرنا, ثم نقول: إن هذا الجيل ضعيف الانتمـاء لمصـر! واللَّهحـمَّ لا؛ إن في هـذا الجيل خيراً كثيراً, لكن الـذين يعرضـون عليـه أمجـاد مصـر يقفـون بـه أحيـاناً عنـد مظـاهر هينـة جداً من تاريخ الأيام والرجال, ويذرون وراءهـم أيامـاً عظيمـة ورجـالاً كبـاراً. وإن مـن أوجـب الواجبات أن تح نشَـر أمـام هـذا الجيـل صـفحاتنا المضـيئة, ومـن أهمهـا تاريخنـا وجهـادنا في طبـع الكتــاب العــربي والإســلامي, فقــد غــبر زمــان وجــاء زمــان ولــيس بــين أيــدي النــاس - عــرباً وعجماً - من جياد الكتب إلا ما طح بع بمصر. ثم جاء الزمان النكد, ودارت آلات الطباعة الغاصـبة (الأوفسـت) تأكـل تاريـخ مصـر أكـلاً وتغتــال أيام الرجــال اغتيــالاً, فتنــزع مــن فــوق الأغلفــة ومــن خــواتيم الكتــب زمــان ومكــان الطبع, ثم تمادت فأسقطت أسماء المصححين والمحققـين, ليقـال بعـد ذلـك إن الحركـة الثقافيـة قد انتقلت من مصر إلى البلد الفلاني والبلد الفلاني, ثم ليقال أيضاً: كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا ويعلم الله ... إنها ليست عصبية البلد تحملنا على ما نقول, ولكنها العصبية للحق المهـدر, والغصب للتاريخ المهان, وربك يفعل ما يشاء. * * *
عدد الصفحات ١٣٣134 لسان العرب لابن منظور (1) خرج من مصر - تأليفاً وطباعة - أضخم معجمين في تاريخ المعاجم العربيـة: لسـان العـرب لابن منظور المتوفى 711 هـ, وتاج العروس من جواهر القاموس للمرتضـى الزبيـدي المتـو في ســنة 1205 هـــ, ومــع أن تاج العــروس هــو أغَــزر المعــاجم اللغويــة مــادة وأكثرهــا شمــولاً فإن لسان العرب قد ذهب بالشهرة كلها: لأسباب ودواع يأتيك حديثها. وابــن منظــور: هــو أبــو الفضــل جمــال الــدين محمــد بــن مكــرَّم بــن علــي الأنصــاري الإفريقــي المصــري, ينتهــي نســبة إلى الصــحابي الجليــل رحوَيْفــع بــن ثابــت رضــي الله عنــه, وقــد ذكــر ابــن منظور هذا النسب في مادة (جرب) من اللسان. ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة 630 هـ, ونشأ بها وتعلم وصنّف, وتـوفي سـنة 711 هــ ودفن بقرافتها. و «الإفريقي»في نسبه معناها التونسي, فقد كانت إفريقيـة في ذلـك الزمـان يراد بها تونس الآن. وقد وحلد جد ابن منظور «علي»في تونس, ثم غادرها إلى القاهرة, وبها ولد ابنه «مكرَّم»والد ابن منظور, ثم ولد هـذا وإخوتـه بهـا. وقـد ذهـب بعضـهم إلى أن ابـن منظور وحلد بتونس, وذهب آخرون إلى أنه ولد بطرابلس الغرب. يقـــول الـــدكتور إحســـان عبـــاس: «وقـــد ثار في الســـنوات الأخـــيرة جـــدل حـــولمنتمـــى ابـــن منظور, أملته النظرة الإقليمية, أهو إفريقي أم مصري ... ولو تأملت هذا الكلام من جميع هؤلاء الدارسين لتملكـك العجـب, ودهشـت لهـذا الـذي يجـري في الدراسـات والتحقيقـات, من استنامة إلى السهول والتساهل, مع أن الأدفوي يقول في البدر السافر: محمد بن مكرَّم الإفريقي المح تد القاهري المولد. وهذا ابن سعيد يروي نقلاً عن ا لمكرَّم نفسه والد محمد, أنـه أي المكرَّم - ولد بالقاهرة. فإذا كان الأب نفسـه ولـد بالقـاهرة فبـأي حـق يفـتش الدارسـون عن عبقرية إفريقية (تونسية) ولدى ابن منظور؟» ومهمــا يكــن مــن أمــر فقــد عــرف ابــن منظــور بالاشــتغال بالأدب, نظمــاً ونثــراً, مــع معرفــة بالنحو واللغة والتاريخ, و تولى كتابة الإنشاء بالد ولة, وكان كثير النسخ, ذا خط حسن, قـد (1) مجلة«الهلال»مارس1992م
عدد الصفحات ١٣٤135 اشتهر باختصار الكتب التصنيف والتدوين: ومــع هــذا النشــاط الظــاهر في الاشــتغال بعلــوم العربيــة واختصــار مصــنفاتها, فمــا عــرف ابــن منظور وما شهر إلا بكتابه العظيم: لسان العرب. وقد جاء ابن منظور بعدما استقر التأليف المعجمـي, واتضـحت طرائقـه ومدارسـه. وقـد بـدأ التصــنيف - كمــا هــو معــروف - مــوازياً للتــدوين في علــوم العربيــة, في النصــف الأول مــن القرن الثاني, وتمثل ذلك في تلكم الرسائل الصغيرة التي تناولت موضوعات بعينهـا, مثـل مـا كح تب في خَلْق الإنسان والبهائم والحشرات, والإبل والخيل والنخل والنبـات والمطـر واللـ , ومـــا كح تـــب في نـــوادر الأبنيـــة, ثم مـــا كح تـــب في غريـــب القـــرآن والحـــديث. قـــام بهـــذا اللغويـــون الأوائـــل, مثـــل أبي خـــيرة الأعـــرابي, وأبي عمـــرو بـــن العـــلاء وأبي مالـــك الأعـــرابي, وأبي زيـــد, والأصمعي, وأبي عبيدة معمر بن المثنى, وأبي عحبيد القاسم بن سلاّم. وفي ذلك الزمان أيضاً قام الخليل بن أحمد بتصنيف أول معجم متكامل, وهو المعجم الرائد «الع»الذي رتبه على مخارج الحروف. وبجانب هذا التأليف المعجمي الخالص الـذي بـدأه الخليـــل قـــام العلمـــاء مـــن النحـــاة واللغـــويين بصـــنع دواويـــن الشـــعراء وشـــرحها, مـــن أمثـــال الأصـــــمعي وتلميـــــذه أبي نصـــــر البـــــاهلي, وأبي عمـــــرو الشـــــيباني وابـــــن الســـــكّ يت وثعلـــــب والســكري. وقــد قــدَّ م هــؤلاء مــادة لغويــة غزيــرة مــن خــلال شــرح مــا صــنعوه ومــا جمعــوه مــن شعر. هذا إلى اهتمام علمـاء كـل فـن وعلـم باللغـة, يقـدمونها أمـام كـل بحـث, ويـحعْنـَـوْن بهـا قبـل كـل كــلام. ولا عجــب في هــذا, فاللغــة هــي المــدخل الحقيقــي لمعرفــة علومنــا كلهــا وتاريخنــا كلــه, والاســتهانة بهــا والتفــريط في قواعــدها ورســومها إنمــا هــي اســتهانة وتفــريط بمعارفنــا وعلومنــا كلها. وقــد انتهــى إلى ابــن منظــور حصــاد طيــب في التصــنيف المعجمــي, نظــر فيــه واستصــفى منــه خمســة كتــب بــنى عليهــا معجمــه, وهــذه الكتــب بحســب ذكــره لهــ ا: تهــذيب اللغــة للأزهــري (370 هــــ), المحكـــم لابـــن ســـيده458 هــــ), والصَّـــحاح للجـــوهري (حـــدود400 هــــ والحواشي عليه لابن بـَرَّي المصري (582 هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما
عدد الصفحات ١٣٥136 وقع في الصَّحاح. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأث606 هـ وتمثــل هــذه المراجــع الخمســة ثــلاث مــدارس في التــأليف المعجمــي: المدرســة الأولى, مدرســة ترتيب المـواد اللغويـة وفـق مخـارج الحـروف, وهـي مدرسـة الخليـل بـن أحمـد, ويمثلهـا مـن هـذه الكتب: التهذيب والمحكـم. والمدرسـة الثانيـة: الـتي ترتـب المـواد علـى الجـذور اللغويـة (أصـل الاشـــتقاق) واعتبـــار الحـــرف الأخـــير منهـــا باباً, والحـــرف الأول فصـــلاً, مـــع مراعـــاة الريتيـــب الأل فبائي فيما بين حرفي الباب والفصل. ويمثـــل هـــذه المدرســـة الصَّـــحاح وحواشـــيه. والمدرســـة الثالثـــة: الـــتي ترتـــب المـــواد وفـــق الأول والثاني والثالث. ويمثلها النهاية. وقد ارتضى ابـن منظـور مـن منـاهج هـذه المـدارس مـنهج المدرسـة الثانيـة, مدرسـة الصَّـحاح, ورتب كتابه على أساسها, وأخضـع المدرسـتين الأخـريين لهـا. وقـد صـدَّر ابـن منظـور معجمـة بمقدمة أبان فيها عن منهجه, وأنبأنا أنه تغيَّا من تأليفه هذا غايات ثلاثاً: الغايــة الأولى تعليميــة, وتمثلــت في نقــده لطريقــة ترتيــب المــواد وفــق المخــارج, و يصــف ذلــك بقوله: إنه «مطلب عسر المهلك, ومنهل وعسر المسـلك, وكـأن واضـعه شـرع للنـاس مـورداً عذباً وحلأَّهم عنه » غيرته على العربية والغايــة الثانيــة غايــة دينيــة, يقــول: «إنــني لم أقصــد ســوى حفــظ أصــول هــذه اللغــة النبويــة وضبط فضلها, إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية» وتأتي الغايـــة الثالثـــة, ويمكـــن أن نســـميها غايـــة قوميـــة وطنيـــة, باعثهـــا الغـــيرة علـــى العربيـــة والعصــبية لهــا, بعــد أن اطــرح النــاس الحــديث بالعربيــة, وهجروهــا إلى اللغــة الأعجميــة وهــي الريكية في ذلك الزمـان - يقـول ابـن منظـور: «وذلـك لمـا رأيتـه قـد غلـب في هـذا الأوان مـن اخــتلاف الألســنة والألــوان, حــتى لقــد أصــب. اللحــن في الكــلام يح عــد لحنــاً مــردوداً, وصــار النطــــق بالعربيــــة مــــن المعايــــب معــــدوداً, وتنــــافس النــــاس في تصــــانيف الريجمــــانات في اللغــــة الأعجمية, وتفاصحوا في غـير اللغـة العربيـة, فجمعـت هـذا الكتـاب في زمـن أهلـه بغـير لغتـه يفخرون, وصنعته كما صنع نوح الفحلك وقومه منه يسخرون» هذا ما قاله ابن منظور منذ سبعمائة عام عن حال اللغة العربيـة بإزاء اللغـة الأجنبيـة, فمـاذا
عدد الصفحات ١٣٦137 نحن قائلون الآن؟ ويصـــرّح ابـــن منظـــور في مقدمتـــه بأن عملـــه في معجمـــه لم يخـــرج عـــن حـــدود مـــا في مراج ع ـــه الخمســة, فيقــول: «ولــيس , في هــذا الكتــاب فضــيلةأمحــتّ بهــا ولا وســيلة أمســك بســببها ســوى ســوى أني جمعــت فيــه مــا تفــرق في تلــك الكتــب مــن العلــوم ... فمــن وقــف فيــه علــى صـواب أو زلـل أو صـحة أو خلـل فعهـده علـى المصـنف الأول, وحمـده وذمـه لأصـله الــذي عليه المعول؛ لأنني نقلت من كل أصل مضمونه, ولم أبدّل منه شيئاً فيقال: «فإنما إثمـه علـى الذين يبدلونه» وقد أغرى هذا الكلام كثيراً من الباحثين, وثبت لديهم أن لـيس لابـن منظـور في «اللسـان» إلا الجمــع والريتيــب. والحقيقــة أن هــذا الكــلام جــرى علــى لســان ابــن منظــور علــى ســبيل التواضع وهضم النفس, وهو نمط من الكلام معهود عند كثير من أهل العلـم فينـا الـذين لا يذهبون عن أنفسـهم, ولا يتعلقـون بالباطـل فيضـعون أنفسـهم فـوق هامـات السـابقين, وإنمـا يظهر الك برَ ويفشوا العحجْب بالنفس عندما تضعف العزائم وتصغر النفوس. فــابن منظــور لم يقــف عنــد هــذه الكتــب الخمســة وحــدها, فقــد اســتطرد إلى ذكــر فوائــد مــن قراءاتــه وسماعاتــه, وحكــى عــن معاصــريه مــن العلمــاء, ونقــل نقــد العلمــاء لمــا بــين يديــه مــن موارد. هذا وقد ضمّ «اللسان»قدراً هائلاً من المواد اللغوية, ممزوجـة بمعـارف أخـرى اسـتمدها مـن مراجعه الخمسة المذكرة بمناهجها واهتماماتها المختلفـة: فقـد أخـذ مـن تهـذيب الأزهـري هـذا القــدر الضــخم مــن الأبنيــة والمريادفــات والمشــريك اللفظــي, وشــاهد القــرآن الكــريم والحــديث الشــــريف, وأشــــعار العــــرب وأقوالهــــا وأمثالهــــا, إلى جانــــب ذلــــك الاهتمــــام المبكَّــــر بالناحيــــة البلدانيــة الجغرافيــة الــتي اســتوعب بهــا الأزهــري التعريــف بكثــير مــن بلــدان ومواضــع وميــاه الجزيرة العربية, مما كان أساساً للجغرافيين العرب من بعد, مثل أبي عبيد البكري في «معجم ما استعجم»وياقوت«معجمالبلدان»وللغويين الذين اهتموا بالمواضع والبلدان, من أمثال الفيروز آبادي في «القاموس المحيط»والزبيدي«تاج العروس» ثم أخـذ عــن الجــوهري وابـن ســيده مــا ضـمناه معجميهمــا مــن التوجيهـات النحويــة والصــرفية وقضايا الاشتقاق.
عدد الصفحات ١٣٧138 ومن ابن بـري أخـذ عنايتـه الفائقـة بتصـحي. الشـواهد الشـعرية وتحريرهـا ونسـبتها. ومـن ابـن الأثــير شــرحه لغريــب أحاديــث رســول الله صــلى الله عليــه وســلم, وكــلام الصــحابة والتــابعين رضي الله عنهم أجمعين. الأدب سبيل المعرفة: أخذ ابن منظور هذا كله, وأضاف إليه قر اءاتـه ومسـموعاته, وأحسـن جمعـه وترتيبتـه, وأجـاد عرضه, وأعانـه علـى ذلـك اشـتغاله بالأدب. وقـد كـان الأدب ولا يـزال خـير سـبيل لإيصـال المعرفــة, وســرعة انصــبابها إلى الســمع, واســتيلائها علــى الــنفس, والبليــغ يضــع لســانه حيــث أراد, ويمهّـــد لنفســـه طريقـــاً إلى كـــل قلـــب, وإنـــك لتجـــد كثـــيراً مـــن الدراســـات قـــد جمعـــت فأوعت, لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعحسْرها وتُافيها عن الأدب. وبذلك أصب. «لسان العرب»كتاب العربية, يجد فيه طالبه كل ما يريد وأصـبحت قراءتـه متعة تح طلَ ب لذاتها, إذ سلم من جفاف المعاجم التي تقف عند حـدود الدلالـة وشـرح اللفـ ظ المفرد أو الريكيب المعزول عن سياقه, وكم عرفنا من أدباء وعلماء يـديمون قـراءة «اللسـان» كما يقرأ أحدهم كتاباً للشافعي أو الجاحظ أو أبي حيان وقد أخـبرني شـيخي محمـود محمـد شـاكر - حفظـه الله - أنـه قـرأ «لسـان العـرب»كلـه وهـو تلميـذ بالثـانوي, ثم أخــبرني أيضـاً أن أمـير الشــعراء أحمـد شـوقي قــرأ «اللسـان»كلـه. قلــت ولعل هـذا يفسـر لنـا «معجـم شـوقي الشـعري»- والنثـري أيضـاً في أسـواق الـذهب- هـذا المعجم الذي يدهشنا بهذه الألفا والرياكيب الضاربة في الفصاحة بعروقها. ومــا أحــرانا أن نــدفع أبنــاءنا في كليــات الدراســات العربيــة والإســلامية, إلى قــراء ة المعــاجم, وكثرة التفتيش فيها والصبر عليها, بدلاً من وقوفنا بهم عند حدود تلك الدراسات النظرية, التي تتنـاول نشـأة المعجـم ومدارسـها, ثم تنتقـل إلى ذكـر عيـوب المعجـم العـربي. ولـئن سـلّمنا بــبعض هــذه العيــوب فإنهــا ممــا لا ينبغــي أن تعــرض علــى طالــب العلــم في مراحلــه الأولى, بــل يؤجــل ذلــك وأشــباهه إلى مراحــل الدراســات العليــا, لأنــه لا يصــ. بحــال أن نكشــف لصــغار الطلبة - وهم في هذه المرحلة الجامعية الأولى - عـن أبـواب النقـد هـذه, وأن نـدلهم عليهـا, فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة, فضلاً عما يحدثه ذلك في نفوسـهم مـن زلزلة وبلبلة قد تزهّ دهم في العلم كله.
عدد الصفحات ١٣٨139 ومن آدابنا في ذلك ما ذكره أبو داود في رسالته إلى أهل مكة, قال«إنه ضرر على العامـة أن يح كشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى مـن عيـوب الحـديث: لأن علـم العامـة يقصــر عــن مثــل هــذا»قــال الحــافظ ابــن رجــب الحنبلــي «وهــذا كمــا قــال أبــو داود, فــإن العامة تقصر أفهـامهم عـن مثـل ذلـك, وربمـا سـاء ظـنهم بالحـديث جملـة إذا سمعـوا ذلـك»- شرح علل الريمذي ص 534. طبعات اللسان كان من حظ كثير من آثارنا الكـبرى أن تطبـع في ذلـك الزمـان الرخـيّ المهنـئ, حيـث كانـت مصـــر تحشـــع علمـــاً وحضـــارة, فعلماؤهـــا مســـتقرون, ومكتباتهـــا زاخـــرة, ومجـــالس العلـــم بهـــا مشهودة, واحريام العربية باسط سلطانه, والحياء عاصم, والنقد بالمرصاد. وكانــت مطبعــة بــولاق الكــبرى في ذلــك الزمــان منــارة علــم باذخ, ومركــز ضــوء باهــر, وقــد طبعـت مــن أصـول العلــم وكبــار الكتـب مــا أخــرج النـاس مــن الظلمــات إلى النـور. وكــان مــن أجلّ مطبوعاتهـا «لسـان العـرب»مـا بـين سـن1300 هــ- 1307هــ, وقـد اجتمـع لهـذه الطبعـــة مــــن آيات الإتقــــان والكمــــال مــــا لم يجتمـــع في كتــــاب: فالنح سَــــخ المخطوطــــة جيــــدة, والضبط كامل تغلب عليه السـلامة, والتصـحي. دقيـق, حيـث كـان يتـولى التصـحي. بمطبعـة بولاق مشيخة جليلة من علماء الأزهر الشريف. وقد جاءت هذه الطبعة في عشـرين مجلـداً من القطع الكبير, متوسط كل مجلد 450 صفحة ثم كانــت النشــرة الثانيــة للكتــاب بــدار صــادر ببــيروت ســنة 1955 م65 جــزءاً صــغيراً جحعلت بعد ذلـك في 15 مجلـداً, ويقـول عـن هـذه النشـرة شـيخنا عبـد السـلام هـارون رحمـه الله: «وكان من المتوقع أن تسلم هذه النشرة من كثير من أخطـاء النشـرة الأولى, ولكـن مـن المؤســف أن الأخطــاء والتحريفــات الــتي وردت في النشــرة الأولى, أي طبعــة بــولاق, قــد زيــد عليهـا كثــير مــن أمثالهــا, وإن كــان مــن الحــق أن بعـض الأخطــاء القديمــة قــد عــولج فيهــا بنســبة ضئيلة جداً »- تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب ص4 ,5. وفي الســنوات الأخــيرة أصــدرت دار المعــارف بمصــر طبعــة ثالثــة مــن اللســان بعــد أن غــيرت ترتيبــه مــن نظــام التقفيــة (البــاب والفصــل) إلى الريتيــب علــى الحــرف الأول والثــاني والثالــث, كمــا رتــب الزمخشــري معجمــه «أســاس البلاغــة»والفيــومي معجمــه«المصــباح»وإن كــان
عدد الصفحات ١٣٩140 هذا الريتيب أقدم من الزشري والفيومي, وتفصيل ذلك في غير هذا المكان. عمل غير صالح! وهــذا الــذي أقــدمت عليــه دار المعــارف, في نظــري عمــل غــير صــالح؛ لأن فيــه جــرأة علــى أعمال السابقين, وقـد قـال أصـحاب دار صـادر في نشـرتهم للسـان: «وأشـير علينـا أن نغـيرّ ترتيب «اللسان»ولكنا آثرنا أن يبقى على حاله حفظاً للأثر من أن يـحغَيرَّ »وهذا هو الحـق والصــواب, فــإن ابــن منظــور - ومــن قبلــه الجــوهري - قــد رتّــب معجمــه علــى اعتبــار آخــر الكلمة وأولها بعد تُريدها من الزوائد, لأسباب اقتضت ذلك, ومن أهم هـذه الأسـباب أن آخـــر الكلمـــة ثابـــت تصـــريفاً واشـــتقاقاً, وإنمـــا تطـــرأ الـــزيادة والتغيـــير علـــى الأول والحشـــو (الوسط). وإعادة ترتيب المادة المعجمية علـى الأول والثـاني يـنقض ذلـك فضـلاً عمـا يحدثـه مــن تعــريض مــنهج المؤلــف للاضــطراب, مــن حيــث اخــتلال الإحــالات والإرشــادات تقــديماً وتأخيراً, فالمؤلف يقول وفق منهجه: تقدم ذلـك, أو: سـيأتي, ولا يسـتقيم هـذا علـى المـنهج المقلوب, فقد يكون المقدم آتياً, والآتي مقدماً. ويـرتبط بتلـك الـدعوة دعـوة أخـرى خطـيرة, وهــي ترتيـب المـادة اللغويـة داخـل المعجـم علــى ظاهر اللفظ, دون رعاية للتجريد والزيادة. وفي هذا إضاعة لعلم كبير من علومنـا, هـو علـم الصــرف والاشــتقاق. وممــا ينبغــي التنبيــه عليــه هنــا: أن بعــض علمائنــا الأقــدمين قــد ذكــر في معجمه بعض الألفا على ظاهر لفظها لشيوع الكلمة بشكلها هذا, لكنه كان ينبّ ه في كـل مرة إلى أن أصل الكلمة هو كذا. ومن هؤلاء العلماء ابن الأثير المتوفى سنة 606 هـ في معجمـه«النهايـة في غريـب الحـديث والأثـر»وهــو مـن المعــاجم المتخصصـة الــتي رتبـت المــادة علـى الأول والثــاني والثالـث, فقــد ذكر في باب الحاء والدال والهاء حديث: «فجعلتهح في قبر على حدة»ثم قال«أصلها مـن الواو, فحذفت من أولها وعوّض منهـا الهـاء في آخرهـا, كعـدة وزنـة مـن الوعـد والـوزن, وإنمـا ذكرناها هنا لأجل لفظها» لكننــا إذا رتبنــا معاجمنــا كلهــ ا علــى هــذا المــنهج, ونبهــا في كــل مــرة علــى الأصــل الاشــتقاقي تضخمت تلك المعاجم جداً فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته.
عدد الصفحات ١٤٠141 أما ما يقال عن التيسير والتسهيل فهو كلام مـن يظـن أن أبنـاء العربيـة كلهـم صـاروا تلاميـذ في مرحلة التعليم الثانوي أو ما هو دونه, وأننا قد تحولنا جميعاً إلى طبقة من العوام لا تقـوى علــى المنـــاهج الموروثـــة, ولا تطـــول يـــدها الكتـــب الكبـــار, واللهـــم لا ! ولا ينبغـــي أن يكـــون التيسير والتسهيل سبيلاً إلى طمس المعالم وهدم الحدود. ومن وراء ذلك كله فـإن السـالك هـذا السـبيل لا يأمـن العثـرة بعـد العثـرة, والزلـة إثـر الزلـة, ومـا أريـد أن أطيـل بـذكر الأمثلـة والشـواهد, لكنــني أشـير هنـا إلى عملـين تـراثيين سـلكا هــذا المســلك, ومــا كــان ينبغــي لهمــا ذلــك, أولهمــا: كتــاب «معجــم مــا اســتعجم مــن أسمــاء الــبلاد والمواضــع»لأبي عبيــد البكــري الأندلســي المتــو487 هـــ, وقــد نشــره الأســتاذ مصــطفى السقا رحمه الله سنة 1945م. والكتاب في أصل وضعه مرتـب علـى ا لأبجديـة المغربيـة الـتي تخــالف الأبجديــة المشــرقية في ترتيــب الحــروف, وحــين نشــره الأســتاذ الســقا أعــاد ترتيبــه علــى أبجديتنا المشرقية المعروفة, وقد أدى هذا إلى اختلال في إحالات المؤلف تقديماً وتأخيراً. قد تربــك القــارئ الــذي لم يقــرأ مقدمــة الأســتاذ المحقــق. ثم إنــه رحمــه الله قــد تصــرف في الكتــاب تصرفاً آخر أشار إليه في مقدمته. ومــن العجيــب حقــاً أن الناشــر الأول للكتــاب, هــو المستشــرق الألمــاني «وســتنفلد»حــافظ على ترتيب المؤلف للكتاب, وذلك في نشرته التي صدرت بجوتنجن بألمانيـا سـنة 1876م ثم أضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف, فأحسن كل الإحسان. والمثــال الثــاني: كتــاب «الاســتيعاب في معرفــة الأصــحاب»- الصــحابة رضــي الله عــنهم- لابن عبد الـبر القـرطبي المتـوفى 463 ه,. وقـد رتـب كتابـه هـذا أيضـاً علـى ترتيـب الحـروف عند المغاربة, فجاء ناشره الأستاذ علي محمـد البجـاوي رحمـه الله, وقلـب هـذا الريتيـب ورده إلى الريتيــب المشــرقي, وقــد أدى ذلــك إلى ســقوط بعــض الــرياجم الــتي اســتدركها الناشــر في آخر طبعته. فالحق والصـواب أن تحـريك الكتـب كمـا وضـعها مؤلفوهـا, ثم يح لجـأ إلى الفهـارس والكشـافات تيسيراً وتسهيلاً, كمـا فعـل «وسـتنفلد»في نشـرته لكتـاب البكـري, وكمـا صـنع شـ يخنا عبـد السلام هارون رحمه الله في فهارس «تهـذيب اللغـة»للأزهـري, ومـن الطريـف هنـا أن شـيخي محمــود محمــد شــاكر حفظــه الله لا يــزال حريصــاً علــى ترتيــب مــواد اللغــة علــى طريقــة البــاب
عدد الصفحات ١٤١142 والفصل (أصل الاشتقاق إنَّ البرّ بـرياث الآباء والأجـداد, واحـريام التـاريخ, يقتضـينا أن نأخـذ بأيـدي أبنائنـا إلى ذلـك الموروث, موض بهم لجحَ جَ ه, ونسلك معهم دروبه, ونفت. لهم مقفله, وهكذا تتواصل أجيـال المعرفة, فيحرص اللاحق على إرث السابق, ويصونه كمـا يصـون كـرام الأبنـاء ودائـع الآباء. أمــا إذا لجــأنا إلى إعــادة الريتيــب والاختصــار ومــا أشــبههما فإننــا نباعــد بيــنهم و بــين تاريخهــم, ونريكهم كالذي لا يعرف من النهر الكبير إلا ما يأتيه به الجدول الصغير. * * *
عدد الصفحات ١٤٢143 الشيخ مصطفى إسماعيل وقرَّاء مصر (1) كانت نفحة عطرة, تلك ال نشرها قلم الشـاعر الناقـد (السـمّ يع) الأسـتاذ كمـال النجمـي - أطال الله في النعمة بقاءه - وذلك في كتابـه «الشـيخ مصـطفى إسماعيـل - حياتـه في ظـل القرآن» والحـديث عـن الشــيخ مصـطفى إسماعيــل, رحمـه الله, يسـتدعي تاريخــاً عريضـاً ممتــداً عـن إقــراء القرآن وقراءته بمصر, وهو تاريخ حافل بكل عجيبة وغريبـة. ولقـد سمعنـا مـن أهـل العلـم في ديارنا وغير ديارنا هذه الكلمة المأثورة: «القرآن الكرنـزل بمكـة وقحـرئ في مصـر وكح تـب في استانبول»وهي كلمة حكيمة يصدقها التاريخ ويؤكدها الواقع, ولولا ضيق المقام لكـان فيها تفسير وبيان. ولقد أثَّ رت طريقة أداء القرَّاء المصريين في قرَّاء الدنيا شرقاً وغرباً, وخاصة بعد شـيوع آلات الإيصــال الحديثــة مــن المــذياع والأســطوانات والأشــرطة, ولقــد أذكــر أني دح عيــت إلى مــؤتمر علمــي في الموصــل بالعــراق ســنة 1982م, وذات يــوم كنــا نتجــول في شــوارع الموصــل تلــك المدينـة صـاحبة التـاريخ, فـانتهى إلى سمعـي صــوت الشـيخ عبـد الباسـط عبـد الصـمد يجلجــل من بعـض المحـلات التجاريـة, فقلـت بصـوت مسـموع: الشـيخ عبـد الباسـط هنـ ا ! فـرد علـي العالم العراقي الكبير الدكتور حسين علـي محفـو : «يا أخـي, نحـن العـراقيين كانـت لنـا لحـون خاصة وأداء خاص للقرآن الكريم حتى كان عام 1948م وتوفيـت الملكـة«عاليـة»وجـاء قــارئان مــن مصــر لإحيــاء ليــا, المــأتم: الشــيخ عبــد الفتــاح الشعشــاعي, والشــيخ أبــو العينــين شعيشــع, فأح عج ــ ب النــاس بهــا إعجــاباً شــديداً اســتحال إلى محاكــاة وتقليــد لــلأداء المصــري وهجر القرَّاء العراقيون طريقتهم «المأثورة» وفي سنة1971م كنت في زيارة لمدينة «أدرنة»بشمال تركيا, وفي مسـجد السـلطان سـليم استقبلنا مقيم الشعائر بالمسجد, وما أن علم أننا مصـريون حـتى هـش وبـش وقـال بالحـرف: ما شاء الله, مصر, أزهر شريف, أنا الشيخ يوسف, سلموا على الشـيخ مصـطفى إسماعيـل, (1) مجلة«الهلال»يوليه1992م
عدد الصفحات ١٤٣144 فأنا أحبه كثيراً, لقد جاء إلينا وقرأ في هذا المسجد, ثم انطلـق يـردد بصـوت عـال آيات مـن سورة آل عمران جهد أن يقلد فيها صوت الشيخ مصطفى. واستمع إلى قرَّاء القرآن الآن في الباكستان والهند والصين, وبلاد جنـوب شـرقي آسـيا, تُـد لهذا الذي ذكرتح ه من التـأثير المصـري أشـباهاً ونظـائر, بـل إن التسـجيلات الـتي مـلأت مصـر الآن لقـــرَّاء الحـــرمين الشـــريفين, والـــتي يعجـــب بهـــا النـــاس إعجـــاباً شـــديداً, للمشـــايخ: علـــي الحذيفي, وإبراهيم الأخضر, وعلي باجابر, وعبد الرحمن السديس, إنما يظهر الأثر المصري فيهــا واضــحاً جــداً لمــن يعرفــون الأصــوات وتاريــخ الشــعوب في قــراءة القــرآن القرآن للذ كر17.] لكـن الأمـر كـاد يخلـص لمصـر في القـرنين الأخــيرين, فريبـع قراؤهـا علـى عـرش الإقـراء: روايــة ودرايــة, وصــارت الرحلــة إلــيهم مــن الشــرق والغــرب, ويرجــع ذلــك إلى أســباب كثــيرة: منهــا بروز الأزهر الشريف قوة كبرى مؤثرة بعد الحملة الفرنسية, وتأثير رجاله على الحياة العامة: سياســيّاً واجتماعيّــاً, ومنهــا اســتقرار الأوضــاع و ازدهــار الحيــاة بمصــر أيام محمــد علــي وذريتــه, ومنهــا - وهــو الأهــم - إنشــاء مطبعــة بــو لاق والمطــابع الأهليــة الأخــرى, وفي هــذه المطــابع خرجــت منظومــات علــم القــراءات ومتونــه: كالشــاطبية وشــروحها, وطيبــة النشــر, والمقدمــة الجزرية, وغير ذلك مما لا يحصى الآن. ثم كان أبقى أثر وأخلده هو «مصحف الملك فؤاد» الذي طحبـع بمصـر سـنة 1337 هــ وقـد قـام بتصـحيحه ومراجعتـه علـىأمهـات كتـب الرسـم والضـــبط والقـــراءات: الشـــيخ محمـــد بـــن علـــي بـــن خلـــف الحســـيني, وحفـــني بـــك ناصـــف, والمشايخ مصطفى عناني, وأحمد الإسكندري, ونصر العاد,, وهذه الطبعة هي أصـ. طبعـة للقرآن الكريم بشهادة أهل العلم والخبرة. ثم كانت الوثبة الكبرى في طريق علم القراءات بمصر هي إنشا ء معهد خاص للقراءات تابع لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف عام 1943م, وفي هـذا المعهـد تخرجـت أجيـال حافظـة للقرآن ضابطة لقراءاته وعلومه. ويــذكر التــاريخ أسمــاء عظيمــة لمعــت في سمــاء مصــر في القــرنين الأخــيرين, وخــدمت كتــاب الله
عدد الصفحات ١٤٤