113 وإنــه لواجــب علينــا إذا أردنا الخــير لهــذا الجيــل أن نحيــي فــيهم مهــارات الحفــظ, ونقــدم لهــم قواعد العربية من خلال النصوص الرياثية الموثقة. ولقـــد جـــاءني ابـــني بكتـــاب القـــراءة والنصـــوص الأدبيـــة للصـــف الثالـــث الإعـــدادي للعـــام الدراســي 1990م- 1991م, وفي ص13 منــه جــاء هــذا الســؤال: (اخــري الصــواب ممــا بـــين كـــل قوســـين: مقابـــل غضـــب (رضـــا - ســـرور - ســـكون) وطلـــب مـــني ابـــني الجـــواب الصـحي., فقلــت لــه (رضــا) وقــال هــو (ســرور) وأصــر علــى رأيــه, لأنــه لم يستســغ أن يكــون «الرضــا»مقابــل الغضــب ولأن أســتاذه قــال ذلــك أيضــاً والأســتاذ لا يخطــئ ولم يقتنــع حــتى ذكرت له حديث عبد الله بن عمرو بـن العـاص رضـي الله عنهمـا الـذي أخرجـه أبـو داود في سننه 3 /318, والحاكم في مستدركه 1 /105, أنه قال«يا رسـول الله, أكتـب مـا أسمـع منك؟ قال: «نعم»قلت: عند الغضب وعنـد الرضـا؟ قـال: نعـم إنـه لا ينبغـي , أن أقـول إلا حقاً » وهنا انفرجت أسارير ابني, ونظ ر إ,ّ (نظرة الرضا لا الغضب). فهذا السؤال الذي جاء في ذلك الكتاب المدرسي سؤال جيـد, لأنـه يزيـد المحصـول اللغـوي عند التلميذ لا محالة. ولكنه ينبغي أن يكون مؤسساً على نصوص محفوظة للتلميذ بهـا أنـس ومعرفة سـابقة. وأنىَّ لتلميـذ في هـذه السـن أن يختـار بـين هـذه الكلمـات ال قريبـة المعـاني دون نص يشهد وحفـظ يؤيـد, فـالحفظ وسـيلة ضـبط وإتقـان ينبغـي أن تراعـى مـن أول درجـة مـن درجات سلم التعليم, ولا تشفقوا على الصغار والناشئة, فإن فـيهم خـيراً كثـيراً, وانظـروا إلى هؤلاء الصغار الذين يظهـرون علـى شاشـة التلفزيـون مـن أعضـاء «المسـلم الصـغ»وتأملـوا حلاوة الأداء وسلامة مخـارج الحـروف, ثم حفـظ نصـوص القـرآن والحـديث عـن ظهـر قلـب. ومن وراء ذلك كله فالحفظ عاصم من التخليط في أبنية الأسماء والأفعال. وإذا كــان القــرآن الكــريم كتــاب هدايــة وإرشــاد, فإنــه أيضــاً كتــاب عربيــة وبيــان, ويجــب أشــد الوجوب أن نشد أبناءنا إليه في كل مراح ل تعليم العربية. وأن يكون اختيارنا لآياته في مقرر (القـــراءة والنصـــوص) قائمـــاً علـــى تلـــك الآيات الـــتي تنمـــي الحـــس اللغـــوي والنحـــوي عنـــد التلاميــذ, ولا ســيما تلــك الآيات الــتي تأتي فيهــا الأفعــال مضــبوطة علــى وجههــا الصــحي., وقد لاحظت أن كثيراً من أبنية الأفعال التي مطئ نحن الكبـار أيضـاً في ضـبطها, أو ننطقهـا علــى وجــه مــن الوجــوه الضــعيفة غــير الفصــيحة, جــاءت علــى وجههــا الصــحي. في الكتــاب
عدد الصفحات ١١٣114 العزيز, وأكتفي هنا ببعض الأمثلة أمثلة من القرآن: يقول الناس في كلامهم: «كبر الولد يك»فيضمون الباء في الماضي والمستقبل, والصواب بالكســـر في الماضـــي, وبالفـــت. في المســـتقبل: «كـــبر يكـــبرَ»وهـــذا يكـــون في الســـن والعمـــر يقــال: كــبر الرجــل يكــبر كــبراً فهــو كبــير, أي طعــن في الســن, ومنــه قولــه تعــالى عــن أمــوال اليتامى والنهي عن أكلها6]«ك يكبر»بالضم في الحالتين, فليس من السن, وإنما هـو بمعـنى عظـم, ضـد صـغر, وشـواهده في الكتــاب العزيــز كثــيرة, منهــا قولــه تعــا3 }) [3]50) أو خلقًـا ممـا يكـ صدروكم 50 ,51]كـذا- أي عبتـه وكرهتـه - فيكسرون القاف في «نقمت»والأفص. الفت.: نقمت, وهـذا الفعـل مـن باب ضـرب, و لغــة مــن باب تعــب, والأولى هــي الأفصــ., قــال ابــن الســكيت: «وقــد نقمــت عليــه أنقــم والكســر لغــة - أي في الماضــي - والفــت. الكــلام»قلــت: وبــه جــاء التنزيــل, قــال تعــا {لا أن أغنــاهم الله ورســوله مــن فضــله74] {8)[ }8] أسماؤه59 .] ويقولـــون: فــــلان يحنقصــــني حقــــي, ويحــــنقص في الميــــزان, فيضــــمون ياء المضــــارعة, والأفصــــ. والأكثر فتحها, يَ نقصني, ويَ نقص, وهذا الفعل ثلاثي: يستوي فيـه الـلازم والمتعـدي, يقـال: نقص الشيء, نقصته أنا, ونقصه هو. وفي لغة: أَنقَصَهح ونـَقَصَـهح, معـدّ ى بالهمـزة والتضـعيف, لكنها لغة ضعيفة, ولم تأت في كلام فصي., وشواه د ذلـك مـن القـرآن المتلـو المحفـو تنقصوا المكيال والميزان84] أطرافهــا41] [4] وجـل غير منقوص (109[ })109.] ويقولون: حرص فلان على كـذا, وحرصـت علـى كـذا, فيكسـرون الـراء, والأفصـ. فتحهـا
عدد الصفحات ١١٤115 حـــرص وحرصـــت, وبالفـــت. جـــاء التنزيـــل, قـــال ســـبحانه وبحمـــده حصرت بمؤمنين (103[ })103]طيعوا أن تعـدلوا بين النساء ولو حرصتم129.] ويقولون: صل. حا,, وصل. أمري, فيضمون اللام, والأفص. فتحهـا: صـلَ., قـال تعـا {23] تقدَّست أسماؤه صل. مـن آبائهـم وأزواجهـم وذرياتهم8] مـــن حديثـــه الطويـــل«ألا وإن في الجســـد مضـــغة إذا صـــلحت صـــل. الجســـد كلـــه »قـــال الحــافظ ابــن حجــر بعــد أن ذكــر فــت. العــين في «صــل»«وحكــى الفــراء الضــم في ماضــي صل.»وهذا بالفعل من باب قعد: صل. يصل., وذكر ابن دريد أن ضم اللام في الماضي ليس بثبت. وهكذا تكون النصوص الرياثية - وأعلاها كلام ربنا عز وجـل - وسـيلة ضـبط وإتقـان, إذا اعتنينا بها قراءة وحفظاً. ويبقــى أمــر لا بــد مــن إثارتــه, لأنــه يتصــل بموضــوعنا هــذا بنســب وثيــق, وإن كــان في الظــاهر دخيلاً عليه وبعيداً عنه, ولأنه أيضاً يتصل بالثقافة العامة وتنمية وجدان الأمة: وذلـك أنـك كنت تُـد - في الزمـان القريـب - مـن أوسـاط النـاس وعـوامهم مـن يأنـس للكـلام الفصـي. ويــرتاح لــه, ويحفــظ منــه الشــيء بعــد الشــيء, وذلــك مــن خــلال مــا يســمعونه مــن خطيــب الجمعة, العالم المتمكن, من نصوص القرآن العزيز والحديث الشريف, والأدعية المأثورة. أما الآن فتكاد خطب الجمعة - ولا سيما علـى ألسـنة الشـبان المتحمسـين - تتحـول إلى ثرثـرة وكـــلام عـــام مـــبهم عـــن «مدرســـة محمـــد صـــلى الله عليـــه وســـلم»و«الإســـلام في خطـــر»و «الإســلام هــو الحــل»وهــذا وهــذان ممــا يصــرف عــن الاستشــهاد بالقــرآن والحــديث وكــلام العرب, وإذا أتاك شيء من ذلك فهو يأتيك في معظمه ملحوناً ومزالاً عن جهته. وكــل هــذا إنمــا جــاء مــن مقــولات مضــللة, وهــي أن «خطــب الجمعــة لا بــد أن تتفاعــل مــع الأحداث المعاصرة, وأن تشارك في صنع القرار»إلى آخر ما تعرف وليتنــا نعــود إلى خطبــة الجمعــة المكتوبــة علــى الــورق الأصــفر, والــتي كــان الخطيــب يــدعو في
عدد الصفحات ١١٥116 آخرهــا للســلطان بالنصــر- ونســتغفر الله ممــا ســخرنا مــن هــذه الخطــب - فمــن خــلال هــذه الخطب المكتوبة حفظنا كثيراً من النصوص, وضبطنا كثيراً مـن أبنيـة الأسمـاء والأفعـال. وربنـا المستعان على ما يصفون. * * *
عدد الصفحات ١١٦117 حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع (1) كان إنجازاً حضارياًّ كبيراً ظهور المطبعة في القرن الخـامس عشـر المـيلادي, علـى يـد جـوتنبرج الألماني (1397م- 1468م ولـئن كانـت الغايـة مـن الطباعـة هـي تكثـير عـدد نحسـخ الكتـاب لكـي تحتـاح قراءتـه لكثـير مـن النــاس, فقــد تحققــت هــذه الغايــة بصــورة محــدودة عنــد العــرب قــديماً, بمــا تمثــل في كثــرة نســخ الكتـــاب المخطوطـــة, ورواج صـــنعة الوراقـــة والنســـاخة. ويـــذكر الجـــاحظ أن يحـــيى بـــن خالـــد البرمكــي لم يكــن في خزانــة كتبــ ه كتــاب إلا ولــه وثــلاث نســخ, ويــذكر المقريــزي أنــه كــان في خزانــة العزيــز بالله ثلاثــون نســخة مــن كتــاب «العــ»للخليــل بــنأحمــد, ومائــة نســخة مــن «الجمهـــرة»لابـــن دريـــد, وأنـــه كـــان في خزانـــة الفـــاطميين مائتـــان وألـــف نســـخة مـــن «تاريـــخ الطبري» والمشتغلون بعلم المخطوطات يعلمون أن هنـاك كتبـاً ذوات عـدد, كثـرت نسـخها كثرة ظاهرة, بحيث لا تكاد تخلو منها مكتبة من مكتبات العالم. وكأنما كان هذا الاخرياع العجيـب - اخـرياع الطباعـة - مـن أجـل فكـرنا وتراثنـا نحـن العـرب دون غيرنا من الأمم. فقد دارت المطابع شرقاً وغـرباً لإخـراج علمنـا مـن مخطوطـات محـدودة إلى أسفار مطبوعة, بدأت بالمئين ثم انتهت إلى ما فوق الآلاف. ففي الغرب كان مهد الطباعـة العربيـة في إيطاليـا - كمـا هـو معـروف - ومـن أوائـل مـا طح بـع هنــاك مــ «الكفايــة»في النحــو, لابــن الحاجــب ســنة1592م. و«القــانون»في الطــب لابن سينا, سنة 1593م. ثم تعددت المطـابع العربيـة في أوروبا, وطحبـع فيهـا مئـات الكتـاب العربية وأكثرها في لندن وباريس وليبزج وليدن و جـوتنجن ورومـا وفيينـا وبـرلين وبطر سـبورج . ومن أشهر هذه المطابع الأوروبيـة مطبعـة بريـل بمدينـة ليـدن بهولنـدة, وهـذه المطبعـة تشـبه في شــهرتها مطبعــة بــولاق بمصــر, لكــن مــا يؤخــذ علــى هــذه المطــابع الأوروبيــة أنهــا كانــت تطبــع نسخاً محدودة من الكتب العربية, وكأنهم كانوا يطبعون لأنفسهم. أشهر المطابع: (1) مجلة«ال»إبريل 1991م
عدد الصفحات ١١٧118 وفي الشــرق كانــت ا ســتانة (اســتانبول) عاصــمة الخلافــة العثمانيــة أســبق مــدن الشــرق إلى الطباعـــة. وكـــان مـــن أشـــهر مطابعهـــا مطبعـــة الجوائـــب الـــتي أنشـــأها أحمـــد فـــارس الشـــدياق (1804م- 1887م) ونشـــر فيهـــا طائفـــة صـــالحة مـــن الكتـــب. ثم المطبعـــة العـــامرة الـــتي نشـــرت كتبـــاً ذوات عـــدد, منهـــا شـــرح «كافيـــة ابـــن الحاجـــب»للرضـــي الاســـرياباذي, ســـنة 1275 هـ, و«الكليات»لأبي البقاء الكفوي, سنة1287هـ ثم كانــت الصــيحة المدويــة في طبــع الكتــاب العــربي, في مطبعــة بــولاق بمصــر, أو كمــا تحســمّى أحياناً «المطبعـة الأميريـة»وهـي قلعـة ضـخمة مـن قـلاع المعرفـة. لقـد أخرجـت هـذه المطبعـة مئات الكتب في التفسير والحديث, والأصلين: أصول الدين وأصول الفقـه, واللغـة والنحـو والصــرف, والبلاغــة والأدب, والتــاريخ والطــب والرياضــة والطبيعــة والفنــون الحربيــة, وغــير ذلــك مــن أصــناف العلــوم ... إلى ألــف ليلــة وليلــة, ورجــوع الشــيخ إلى صــباه ... فــأيُّ علــم كان في ذلك الزمان! وإلى جانــب مطبعـــة بـــولاق ظهــرت المطـــابع الأهليـــة, مثـــل مطبعــة جمعيـــة المعـــارف, والخيريـــة والعثمانية والأزهريـة والشـرفية أو الكاسـتلية والرحمانيـة والجماليـة والمنـار والمنيريـة وكردسـتان العلميــة وهنديــة والســعادة والتجاريــة وصــبي. ثم المطبعــة الميمنيــة الــتي كانــت أساســاً للحلــبي بفرعيه: مصطفى البابي, ومحمد. ومطبعة دار الكتب المصرية, ولجنة التأليف والري جمة والنشر. وقد خرج من هذه المطـابع آلاف الكتـب في كـل علـم وفـن, ممـا لم تعرفـه أمـة مـن الأمـم, ولم تشهده ثقافة من الثقافات. خمسة كتب في كتاب واحد: وقد شاعت ظاهرة غريبة جداً في طبع الكتب تلك الأيام. فقد جرى كثير من المطابع علـى طبع كتاب أو أكثر بهـامش الكتـاب الأصـلي, أو بآخـره لصـلة ذلـك بالكتـاب. وكـأن القـوم كانوا في سباق لنشر الفكر العربي وإذاعته ... وهـذه الظـاهرة لم تعـرف إلا في مطـابع مصـر واســتنابول. ومــن أطــرف مــا يحــذكر هنــا أنَّ هنــاك خمســة كتــب مطبوعــة في كتــاب واحــد, وفي صفحة واحدة اجتمعـت الكتـب الخمسـة, في الصـلب والهـامش, مفصـولة بجـداول, دون أن يخــتلط بعضــها بــبعض, وذلــك هــو الكتــاب المســمَّى: «شــروح التلخــيص »في علــوم البلاغــة
عدد الصفحات ١١٨119 ويشتمل على 1- شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح, للخطيب القزوي 2- مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي. 3- عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح, لبهاء الدين السبكي 4- الإيضاح, للخطيب القزوي 5- حاشية الدسوقي على شرح السعد والثلاثـة الأولى طح بعـت في صـلب الكتـاب, والاثنـان الآخــران بهامشـه, وهـذا مـا جعـل بعــض إخواننا الظرفاء يقول: لا بد من فض الاشتباك بين هذه الكتاب. ثم تــوالى طبــع الكتــاب العــربي في بــلاد أخــرى خــارج مصــر, مثــل الهنــد. ومــن أشــهر مراكــز النشر فيها تلك الدار الكبرى «دائرة المعارف العثمانيـة بحيـدر آباد الـدكن »ولهـذه الـدائرة نشــاط ظــاهر في نشــر علــوم الحــديث ومتونــه وتاريــخ رجالــه, إلى مجلــدات ضــخمة في علــو م أخــرى, مثــل كتــاب «الحــاوي في الطــب»لأبي بكــر الــرازي23 جــزءاً, ونظــم الــدرر تناسب الآيات والسور للبقاعي في 20 جزءاً, ومـن قبـل ذلـك فللهنـد تاريـخ قـديم في نشـر الكتــاب العــربي, فقــد طح بــع بهــا «كتــاب ســيبويه» بمدينــة كلكتــا ســنة 1887م, و«مغــازي الواقدي»سنة1855مو «حماسة أبي تمـام»سـنة1856م, و«تلقـي. فهـوم أهـل الأثـر في عيون التاريخ والسَّير»لابن الجوزي, بمدينة دلهي سنة1286 هـ وكذلك تعددت المطابع في المغرب العربي, والعراق وبلاد الشام, وأخرجت قدراً ضخماً من علومنـــا ومعارفنـــا, وفي الســـنوات الأخـــيرة دخلـــت الـــدول العربيـــة الغنيـــة الميـــدان, فأنشـــأت المراكز الرياثية التي جمعت صور المخطوطات, وأنفقت بسخاء على تحقيق الكتـب ونشـرها. وتعدت دور النشر الصغيرة والكبيرة في جميع البلدان العربية. الوفاء لرياثنا: إذن نحن أمام قدر هائل من المطبوع العربي ملأ السـ هل والجبـل في كـل علـم وفـن, فهـل يحـ ق لقائــــل أن يقــــول: «امــــتلأ الحــــوض وقــــال قطــــ»أي حســــبي, ولســــنا في حاجــــة إلى جمــــع المخطوطات والبحث عنها وتحقيقها ثم نشرها, فإن ما في يدنا من مطبوع الرياث فيه مقنع وبلاغ, وبارك الله فيما رزق.
عدد الصفحات ١١٩120 ونعــم ... كــان حســبنا هــذا وكافينــا لــو ظــل تعاملنــا مــع تراثنــا كمــا هــو الآن: حَسْــوة الطــائر وقـَبْســة العجــلان, تأخــذ حاجتــك وتمضــي لا تلــوي علــى شــيء. ولــيس الطريــق هنالــك! إن أكبر الآفات عندنا اليوم أننا نتعامل مع كتبنـا تعامـل المراجـع, علـى قـدر الحاجـة لـيس غـير, وكأنها تحَ لة القسم أو إبرار اليمين, وقلَّ من يقرأ منا كتاباً بأكمله. ومن هنا نقنع باليسير, وتظل الصورة الحقة لتاريخنا وفكرنا مغيّبة عنا تماماً. إن الوفــاء لرياثنــا والكشــف عنـــه ومعرفتــه يقتضــي نفضــه كلـــه ومفاتشــته كلــه, وكمــا يصـــنع الورثــة الــذين يبــذلون أقصــى الســعة والطاقــة لمعرفــة مــا دقّ وجــلّ مــن تركــة مــورَّثهم حــتى لا تفوتهم منه فائتة, ولا يسـقط علـيهم منـه شـيء, كـذلك ينبغـ ي أن يكـون بحثنـا عمـا اسـتودعه أهل العلم من أمّتنا بطون الكتب والدفاتر. وفي هذا المجـال ينبغـي أن نسـتبعد مـن منهجنـا مـا يشـيع في بعـض الدراسـات الحديثـة مـن أن كتب الرياث ذات الموضوع الواحد تتشابه فيما بينها, وأن غاية اللاحق أن يدخل علـى مـا تركه السابق, يـدور حولـه ويـردد مباحثـه وقضـاياه, ثم أفضـى ذلـك الـزعم إلى دعـوة صـاخبة تنادي بغربلة الرياث وتصفيته, بالإبقاء على النافع المفيد, وترك ما عداه قابعاً في المتاحف, كموميــاء الفراعنــة, يــذكّ ر بتطــور الخطــوط وقواعــد الرســم والكتابــة وتاريــخ صــناعة الــورق. وســوف نقــول وقتهــا: إننــا نحــافظ علــى تراثنــا مــن عوامــل البلــى والفنــاء, ونتعهــده بالمبيــدات والكيماويات الحافظـة, فنؤكـد بـذلك انتمـاء كـاذباً وولاء مـدخولاً, ونكـون كالـذين يحتفظـون في بيوتهم بصحي. البخاري التماساً للبركة وطرداً للعفاريت والأرواح الشريرة. وفي هــذا المجــال أيضــاً ينبغــي أن نســتبعد مــن منهجنــا نظريــة تقســيم عصــور الفكــر العــربي إلى عصــــور علــــو وانحطــــاط, وألا ننظــــر إلى كتــــب المتــــأخرين وأصــــحاب المختصــــرات والــــذيول والحواشــي علــى أنهــا مــن الفضــول والحشــو. فلــو لم يكــن في تصــانيف الســيوطي والبغــدادي والخفاجي والمحبي والشوكاني إلا أنها حفظت لنـا كثـيرًا مـن علـم الأوائـل الـذي اغتالتـه غوائـل الناس والأيام, لكان ذلك من أكبر الدواعي إلى حفظها والعناية بها. على أن تراثنا لم يأخـذ مكانـــه - عنـــد التأمـــل والإنصـــاف - إلا بمـــا صـــنفه الأوائـــل, مضـــافاً إليـــه تلـــك الشـــروح والمختصرات والذيول والصلات والحواشي والتقريرات. وهذا حديث طويل.
عدد الصفحات ١٢٠121 وليســت المختصــرات عنــد علمائنــا كمــ ا هــي في تصــورنا هــذه الأيام: إيجــازاً وضــغطاً للكتــاب الكبــير, بحــذف الأســانيد والمكــرر ... ونعــم إنهــا قــد تكــون كــذلك, لكــن مــع الرؤيــة الخاصــة للمختصر, بإضافته أو نقده, وإليك مثالاً واحداً علـى ذلـك: كتـاب «الأغـا»لأبي الفـرج الأصبهاني, اختصره ابن منظور صاحب «لسان العـرب»فيمـا سمَّـاه: «مختـار الأغـا»و الجزء الثالث من هذا «المختار»نجد ترجمة موسعة جداً لأبي نواس, تضمنت أخباراً وأشـعاراً لأبي نواس, لا تُدهما في الأصل «الأغا»وكـذلك صـنع ابـن منظـور في ترجمـة «جميـل بـن معمر»حيث أورد له بعض أشعار وأخبار لم ترد«الأغا» أية المكتبة العربية: وفي هــذا المجــال - ثالثًــا - ينبغــي أن ننظــر إلى المكتبــة العربيــة نظرتنــا إلى الكتــاب الواحــد. وذلــك لأن كتــب أهــل العلــم عنــدنا متشــابكة الأطــراف, متداخلــة الأســباب, فمــع الإقــرار بنظرية التخصص في الإطار العام للتأليف, فإنك قل أن تُد كتاباً من هـذه الكتـب مقتصـراً علــــى الفــــن الــــذي يعالجــــه, دون الولــــوج إلى بعــــض الفنــــون الأخــــرى لــــدواعي الاســــتطراد والمناسبة, وهذا يؤدي لا محالة إلى أن تُد الشـيء في غـير مظانـه. وأمـامي الآن أمثلـة ذوات عدد على هذا الذي أقوله, لا يتسع المقام لذكرها ... وأكتفي هنا بمثالين: 1- كتـــاب«دلائـــل الإعجـــاز»للشـــيخ عبـــد القـــاهر الجرجـــاني, يحعـــدّ أصـــلاً في علـــم البلاغــة وإعجــاز القــرآن. وكــان ممــا عالجــه في كتابــه هــذا الــرد علــى مــن يقولــون: «إن الفصـــاحة لا تظهـــر في أفـــراد الكلمـــات, ولكـــن تظهـــر بالضـــم علـــى طريقـــة مخصوصة». وقـد عــرضَّ الشـيخ عبــد القـاهر بأصــحاب هـذه المقالــة في مواضـع كثــيرة مـن كتابــه, كــان منها قوله: «واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قـوم لهـم نباهـة وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلـوم غـير العلـم الـذي قـالوا ذلـك القـول فيـه, ثم وقــع في الألســن فتداولتــه ونشــرته, وفشــا وظهــر, وكثــر النــاقلون لــه والمشــيدون بــذكره, صار ترك النظر فيه سحنة والتقليد ديناً ... ». ويسأل شـيخنا محمـود محمـد شـاكر- حفظـه الله - : مـن يكـون هـؤلاء القـوم الـذي لهـم نباهة وصيت ...؟ يقول شيخنا أبو فهـر: «وفتَّشـت ونقَّبـت, فلـم أظفـر بجـواب أطمـئن
عدد الصفحات ١٢١122 إليه, وتناسيت الأمر كله إلا قليلاً نحو مـن ثلاثـين سـنة, حـتى كانـت سـنة 1381 هــ- 1961م, وطحبع كتاب «المغ»للقاضـي عبـد الجبـار, المـتكلم المعتـزفي تلـك السـنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب «المغ»فإذا هو يتضمن فصولاً طويلة في الكلام علــى «ثبــوت نبــوة محمــد صــلى الله عليــه وســلم»وفي إعجــاز القــرآن وســائر المعجــزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم. فلما قرأته ارتفع كل شك, وسـقط النقـاب عـن كـل مســـتري, وإذا التعـــريض الـــذي ذكـــره عبـــد القـــاهر حـــين قـــال: واعلـــم أن القـــول الفاســـد والــرأي المــدخول ... لا يعــني بهــذا التعــريض وبهــذه الصــفة أحــداً ســوى قاضــي القضــاة المعتز, عبد الجبار» ثمَّ نقل شيخنا عبارة القاضي عبد الجبار من الجزء السادس عشر مـن «المغـ»وهـي«أن الفصاحة لا تظهـر في أفـراد الكـلام, وإنمـا تظهـر بالضـم علـى طريقـة مخصوصـة»وهـي الـ حكاها الشيخ عبد القاهر, ولم ينسبها لأحد على التعيين. أرأيت؟ هذا كتاب «المغني في أبو اب التوحيـد والعـدل»كتـاب في أصـول فكـر المعتزلـة وهـو داخل في علم الكلام, فما أبعده في تقسيم العلوم وفهارس الكتب عن علم البلاغة! ولكن الكتب العربيـة تتنـادى وتتواصـل, وهكـذا يعلمنـا أسـتاذنا محمـود محمـد شـاكر كيـف تلـتمس المعرفـــة مـــن مظانهـــا ومـــن غـــير مظانهـــا, ولـــن يكـــون ذلـــك إلا بالـــذي ذكرتـــه لـــك مـــن النظـــر للمكتبـة العربيـة علــى أنهـا كتـاب واحــد, ثم بالصـبر علـى القــراءة, والأخـذ في الكتـاب قــراءة ودرساً إلى غايته ومنتهاه. والمثال الثاني: عرض , في بعض تحقيقاتي, هذان البيتان الشهيران: اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلَّ ك من يعصيك مستريا وكـــانا عنـــدي غـــير منســـوبين فـــأردت نســـبتهما. وأول مـــا يهـــرع إليـــه المحقـــق في ذلـــك كتـــب الأدب, لا سيما تلك التي تتحدث عن العفو والاعتذار. وفي مكتبتي كتاب بـذلك العنـوان «العفو والاعتذار»لأبي الحسن العبدي, صاحب ابن دريد اللغوي, فنظـرت فيـه, فوجـدت البيتين, ولكن بغير نسبة أيضاً, فأخذت في البحث حتى انتهيـت إلى أنهمـا لهـلال بـن العـلاء الرقــي, وذلــك في ترجمتــه مــن كتــاب «ســير أعــلام النــبلاء»للحــافظ الــذهبي (وينســبان علــى
عدد الصفحات ١٢٢123 ضعف للبحـريي). وهـذا كتـاب «سـير أعـلام النـبلاء»معـدود في كتـب الـرياجم, فيـا بعـد مـا بينه وبين كتب الأدب في تصنيف العلوم ! وإذ قــد انتهيــت مــن تقريــر هــذه الحقــائق, علــى ســبيل الوجــازة والاختصــار أقــول: إن هــذا المطبوع من تراثنا - على ضخامته وازدحام المكتبات به - لا يمثل الصورة الكاملة الحقيقية لتاريخ أمتنا وقضايانا الفكرية. فما زالت الأيام تظهرنا يوماً بعـد يـوم علـى نفـائس مـن تراثنـا المخطوط كنا نجه لها أو نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا. وهذه المخطوطات التي تُود بها المكتبات الخاصة والعامة حيناً بعد حين ينبغي أن تنتهي بنا إلى الحذر في إصدار الأحكـام الحاسمـة وقـول الكلمـة الأخـيرة. فـإن القـول الفصـل في قضـايا الفكر والأدب لا يصـار إليـه قبـل اسـتيفاء أدوات البحـث, وأهـم هـذه الأدوات, بـل عـدتها الأولى: النصوص في مختلف عصورها. وقـــد أتاح , عملـــي بمعهـــد المخطوطـــات - جمعـــاً وفهرســـة - وجلوســـي إلى أشـــياخ العلـــم ونشري لبعض الكتب, ثم إشرافي على عدد من الرسائل الجامعية التي تـدور في فلـك تحقيـق النصوص - أتاح , ذلك كله أن أقف على غرائب وعجائب في بطون المخطوطات تنقض كثيراً مما استقر عند الباحثين والدارسين في تاريخنا الفكري, وذلك لاعتمادهم على مصـادر محدودة, وغياب تلك المخطوطات التي لم تنلها أيديهم. وإن في وجود هذا القدر الضخم من مخطوطاتنا التي تعج بها المكتبات العامة والخاصة شـرقً ا وغرباً, والتي تنتظـر الهمـم لبعثهـا ونشـرها, مـا يـدل علـى أن هنـاك حلقـات مفقـودة في تراثنـا المطبوع. وخذ مثلاً «الكتاب»لسيبويه. وهو قـرآن النحـو, كمـا يقولـون: مضـى علـى طبعـه أول مـرة أكثر من مائة عام. وفي «الكتاب»مـن العسـر والغمـوض علـى شـداة العلـم مـا هـو معـروف ومتعالم, بل إن بعض إشارات سيبويه ومباحثه تدق على الخاصة, فكان ينبغي أن ينشـر كـل ما يتصل بهذا الكتاب الإمام, من شروح وتقييدات, وقد نح شر شـيء مـن ذلـك, ولكـن بقـي أهم شرح له, وهو شرح أبي سعيد السيرافي. أليســـت الأحكـــام علـــى ســـيبويه وعلـــى «كتابـــه»ناقصـــة في غيـــاب هـــذا الشـــرح الكبـــير؟ «ألفية ابن مالك»أشهر نظم نحوي, نحشر كثير من شروحها, ولكن بقي أهم شرح لها, وهو
عدد الصفحات ١٢٣124 شرح ا لإمام الشاطبي, صاحب «الموافقات»و«الاعتصام» وكتــاب «التســهيل»في النحــو, لابــن مالــك أيضــاً, نحشــر شــيء مــن شــروحه, وبقــي أضــخم وأحفل شرح له, وهو شرح أبي حيان المسمَّى: «التذييلوالتكميل» وعلى كثرة ما نحشر من كتب علم القـراءات القرآنيـة, فـلا يـزال هنـاك كتـابان علـى غايـة مـن القيمة والأهمية, أولهما في القرن الرابع, وهو كتاب «الحجة في علل القـراءات السـبع»لأ بي علــــي الفارســــي, والثــــاني في القــــرن العاشــــر, وهــــو «لطــــائف الإشــــارات لفنــــون القــــراءات» للقسـطلاني شـارح البخـاري. ويمثـل الكتـاب الأول قيمـة كـبرى في ميـدان الدراسـات اللغويـة والنحوية والاشتقاق والأصوات ولهجات القبائل, وإلى الثاني المنتهـى فيمـا يتعلـق بالقـراءات العشر والأربعة الزائدة عليها, وعلم الوقف والابتداء, ومرسوم الخط العثماني, مع ما عرض له من مباحث أخرى تتعلق بالذكر الحكيم. حلقات مفقودة: وفي ميدان تفسير القرآن الكريم ما زالت هناك أسفار ضخمة تمثل خير تمثيل تلك الحلقـات المفقودة. ومن تلك الأسفار كتـاب «البرهـان في علـوم القـرآن»لأبي الحسـن الحـوفي المصـري المتوفى سنة 430 هـ. وكتابه هذا ضخم جـداً, تقـع مخطوطتـه نحـو ثلاثـين مجلـداً, ولا تقـل إن «البرهان»للزركشي, و «الإتقان»للسيوطي يكفيـان, فهـذان بالنسـبة إلى كتـاب الحـو قطـــرة في بحـــر, مـــع اخـــتلاف المـــنهج والمـــادة العلميـــة. ومنهـــا «البســـيط»في التفســـ الحســن الواحــدي المتــوفى ســنة 468 هـــ, وكتابــه كبــير أيضــاً (والبســيط هنــا بمعــ المبســوط الواســع, فعيــل بمعــنى مفعــول, ولــيس علــى مــا ســيظنه بعــض العامــة بمعــنى المــوجز المختصــر). ومنهــا «الكشــفوالبيــان في تفســير القــرآن»لأبي إســحاق النيســابوري الثعلــبي المتــوفى ســنة 427 هـ وهو كتاب كبير أيضاً, وقد رأيت منه نسخة نفيسة مكتوبة في السنوات626 هــ - 630 هــــدينـــة الفيـــوم, وهـــذه النســـخة المخطوطـــة محفوظـــة بالمكتبـــة المحموديـــة بالمدينـــة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام, وصوَّ رتهح ا لمعهد المخطوطات بالقاهرة سنة 1973م
عدد الصفحات ١٢٤125 وفي الحـــديث النبـــويوعلومـــه مـــا زالـــت هنـــاك طائفـــة كبـــيرة مـــن مخطوطاتـــه تنتظـــر التحقيـــق والنشـــر. أمـــا الفقـــه وأصـــوله فلعلهـــا مـــن أكثـــر علومنـــا غبنـــاً في ميـــدان التحقيـــق والنشـــر. والعجيب حقـاً أننـا مـا زلنـا نعـيش علـى كتـب الفقـه الـتي طبعـت بمصـر منـذ زمـن بعيـد, مثـل الأم للشــافعي, والمهــذب للشــيرازي, والمجمــوع للنــووي, وبــدائع الصــنائع للكاســاني, وشــرح فت. القدير لابن الهمام, وحاشية ابن عابدين, وبداية المجتهد لابن رشد «الحفيد»والفروق للقــرافي, والمغــني لابــن قدامــة ... ثم تنظــر في فهــارس المخطوطــات فتجــد مــا لا يحصــى كثــرة الفقــه وأصــوله الــتي لم تطبــع ... ولا ســبيل هنــا إلى ذكــر أسمــاء تلــك المخطوطــات فهــي إلى الكثرة والتنوع ما هي ! وقـــل مثـــل هـــذا في مخطوطـــات أصـــول الـــدين وعلـــم الكـــلام والفلســـفة. وإليـــك مـــثلاً كتـــاب «أبكـــار الأفكـــار»لأبي الحســـن الآمـــدي. لمـــاذا لم يطبـــع هـــذا الكتـــاب إلى الآن؟وأســـاتذتنا وزملاؤنا الجامعيون يلجأون إلى مخطوطات هذه العلوم ويجدون عناء باهظاً في الحصـول علـى هــذه المخطوطــات, وفي التعامــل معهــا, ويتمنــون اليــوم الــذي يــرون فيــه هــذه الآثار منشــورة مطبوعة. مخطوطات تاريخية كثيرة: وتحتل كتب التاريخ مكانـة عاليـة في المكتبـة العربيـة. ولعـل علـم التـاريخ أكثـر مـا صحـنّ ف فيـه من بين علومنا الأخرى, حيث يتنوع التأليف فيه بين التاريخ العام, كتصانيف الطـبري وابـن الأثير وابن كثير, وبعض تصا نيف الذهبي والصفدي والعيني وابن شاكر الكتبي, إلى التـاريخ الخــاص, وهــو مــا يعــرف بكتــب الطبقــات والــرياجم, ثم التــاريخ علــى البلــدان كتــواريخ مكــة والمدينة والقدس وبغداد ودمشق ومصر. وتتسع بعض كتب الطبقـات لمعـارف تراثيـة أخـرى غير التاريخ, كالذي نراه عند التاج السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» ومع هذا القدر الضخم المطبوع من كتب التـاريخ فـلا تـزال هنـاك أصـول مخطوطـة كثـيرة مـن هذا العلم ينبغي أن تنشر وتذيع, منها كتاب «عيون التـواريخ»لابـن شـاكر الكتـ علـــى رأس هـــذه الأصـــول التاريخيـــة المخطوطـــة كتـــاب «تاريـــخ الإســـلام ووفيـــات المشـــاهير والأعلام»لمؤرخ الإسلام الحافظ الذه وهـذا الكتـاب أضـخم مؤلفـات الـذهبي التاريخيـة, ثم هو أوسع التواريخ العامـة حـتى عصـره, تنـاول فيـه تاريـخ الإسـلام مـن بـدء الهجـرة النبويـة
عدد الصفحات ١٢٥126 حتى سـنة700 هــ, فحصـر مـادة ضـخمة في نطاقـة الزمـاني الممتـد عـبر سـبعة قـرون كاملـة وفي نطاقــه المكــاني الشــامل لجميــع الرقعــة الإســلامية الــتي امتــد إليهــا الإســلام مــن الأنــدلس غرباً إلى أقصى المشرق, وقد شمـل الحـوادث الرئيسـة الـتي مـرت بهـا الجماعـة الإسـلامية منـذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وتعاقـب الأحـداث والـدول في شـتى أنحـاء العـالم الإسـلامي حــتى نهايــة القــرن الســابع الهجــري, كمــا تضــمن تــراجم المشــهورين في كــل ناحيــة مــن نــواحي الحياة, ولم يقتصر على فئة معينة منهم, وتحقدَّ ر تراجم هذا الكتاب بأربعين ألـف ترجمـة, كمـا ذكــر الــدكتور بشـــار عــواد معـــروف في دراســته عــن «الـــذه»وقــد جمـــع مخطوطــات هـــذا الكتاب العظيم. ونأتي إلى كتب الأدب. والمطبوع منها يملأ الأرجاء, بحيث يظن الظان أنه لا زيادة لمسـتزيد, لكن المعنيين بجمـع الكتـب والمشـتغلين بعلـم المخطوطـات, والمتـابعين لمـا يح نشـر مـن فهارسـها يعلمون أن هناك قدراً كبيراً من صغار كتب الأدب وكبارها لم يعرف طريقه للمطبعـة. ولنـدعْ صغار كتب الأدب إلى كبارها ونذكر ب بعض المجاميع الشعرية والنثرية التي ما زالت مخطوطـة, فمنها كتاب جليل القدر هو «الجليس الصالح الكافي والأنيس الناص. الشا»لأبي الفرج المعـافي بـن زكــريا المتـوفى ســنة 390 هــ. ومنهـا كتــاب «جمهـرة الإســلام ذات النثـر والنظــام» للشيزري المتوفىَّ نحـو سـنة 617 هــ. وهـذا الكتـاب مرتـب علـى سـتة عشـر كتـاباً في الفنـون الأدبية, وفي كل كتاب عشرة أبواب. أشهر مخطوطة شعرية: ومــن أحفــل هــذه المجــاميع الأدبيــة كتــاب «الســفينة»لابــن مبــارك شــاه المصــري المتــوفى ســنة 862 هــــ, وهـــو كتـــاب حاشـــد جمـــع فيـــه مؤلفـــه مختـــارات مـــن دواويـــن الشـــعراء وأخبـــارهم وتراجمهم, ومـن بـدائع المنثـورات والحكـايات ومنتخبـات مـن مئـات الكتـب الطريفـة في شـتى الفنون والعلوم. ويقع مخطوط هذا الكتاب في أربعة عشر مجلداً ضخماً. ونأتي إلى أشــهر مجموعــة شــعرية مخطوطــة, وهــي كتــاب «منتهــى الطلــب مــن أشــعار العــرب» لمحمد بن المبارك بن محمد ميمون, الذي كان حيّاً سنة589 هـ قــال في مقدمتــه: «هــذا كتــاب جمعــت فيــه ألــف قصــيدة واخريتهــا مــن أشــعار العــرب الــذين يح ستشهد بأشعارهم. وجعلته عشرة أجزاء, وضـمَّ نتح كـل جـزء منهـا مائـة قصـيدة, وأدخلـتح
عدد الصفحات ١٢٦127 فيهــــا قصــــائد المفضــــليات وقصــــائد الأصــــمعي الــــتي اختارهــــا, ونقــــائض جريــــر والفــــرزدق والقصائد التي ذكرها ابن دريد في كتابه الشـوارد, وخـير قصـائد هـذيل, والـذين ذكـرهم ابـن سلاَّ م في الطبقات» وقد استفاد ناشرو الشعر من هذه المجموعة, ورجعـوا إليهـا في مخطوطتهـا عشـرات المـرات جمع وتوثيق شعر الشعراء المقلّ ين والمكثرين, ويوجد منها مجلدان مخطوطان. وهــذه المجموعــات الأدبيــة المخطوطــة فضــلاً عمــا تحتويــه مــن إضــافة عزيــزة لمواريثنــا الأدبيــة, تكمـل نقصــاً ظــاهراً في بعــض مــا انتمــى إلينــا مـن هــذه المواريــث, فإننــا لا نعــدم منهــا القطعــة والبيــت والبيتــين والثلاثــة مــن شــعر الشــعراء الــذين طح بعــت دواويــنهم المخطوطــة, أو جمح عــت جمعاً. وبعد ... فهذا حديث موجز مقتضب عن تلك الحلقات المفقـودة مـن تراثنـا المطبـوع. وهـي حلقــات توجــد مخطوطاتهــا مفرقــة في مكتباتنــا ومكتبــات العــالم, تنتظــر صــلاح الأزمــان وهمــم الرجال لنشرها وإذاعتها. * * *
عدد الصفحات ١٢٧128 دار الكتب .. ونشر التراث في مصر (1) في أوائــل الســتينات أخــذتح طريقــي إلى دار الكتــب المصــرية, طالــب علــم يلــتمس رزقــه في نسخ المخطوطات العربية, وكانت الـدار يومئـذ تقـف في ذلـك المكـان المعـروف بميـدان باب الخلق, مهيبة شامخة, فكان الداخل إليها لا يملك إلا أن يحنشد قـول الشـريف الرضـي, وقـد نظر إلى مدينة الحيرة وآثارها: شهدتْ بفضل الرافعين قبابها ... ويبينح بالبنيان فضل الباني ثم يريحم على رافع الدار وبانيها «علي باشا مبارك» وكنـــت بالغـــدو والآصـــال أمـــر علـــى قســـم المطبوعـــات بالـــدار, فأجـــد أشـــتاتاً مـــن نفـــائس المطبوعات التي أخرجتها الدار وعرضتها بأبخس الأثمان. وكنت أرى الناس أفواجاً ومـن كـل بقعة يتزاحمون على شراء هذه المطبوعات لنفاستها ور خصها. وفي تلكم الأيام أيضاً رأيت بقية من هذه الطائفة الجليلـة مـن أشـياخ العلـم الـتي كانـت تقـوم على تصحي. الكتب بالدار, فيما كان يعرف بالقسم الأدبي, وكان هنـاك رجـل مـن أفاضـل النــاس, هــو الأســتاذ محمــد أبــو الفضــل إبــراهيم, رحمــه الله, الــذي كــان يتعهــد هــذه الذُّ بالــة المرتعشة, ويمدها بالزيت حتى لا تنطفئ. ثمَّ تمادت بي الأيام, فنسختح وقرأتح وأبصرتح وسمعتح وسألتح. وكان ممـا عح نيـتح بـه التـأريخ لنشــر الــرياث العــربي, في ديارنا وغــير ديارنا - علــى ضــعفي وقلــة حيلــتي - وقــد رأيــت هــذا التاريخ يسير في مراحل مختلفة, ورأيت مطبوعات دار الكتب المصرية تمثل من هذه المراحل مرحلـــة متميـــزة غايـــة التميـــز, هـــي بالقيـــاس إلى مـــا ســـبقها مـــن مراحـــل تمثـــل مرحلـــة النضـــج والكمــال, مــن حيــث اســتكمال الأســباب العلميــة, واصــطناع الوســائل الفنيــة المعينــة علــى إخراج الرياث إخراجاً دقيقاً, يقوم على جمع نسـخ الكتـاب المخطوطـة, والمفاضـلة بينهـا, ثم اتخاذ إحدى النسخ أحمّاً أو أصلاً, وإثبات فروق ا لنح سخ الأخرى, وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات والشروح, وصنع الفهارس التحليليـة الكاشـفة لكنـوز الكتـاب, ومـا (1) مجلة«الهلال»فبراير1992م
عدد الصفحات ١٢٨