المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ١٠ من ٢٢

145 إقراء وتأليفاً, ورحل الناس إليهم من كل مكان لمشافهتهم والتلقي عنهم ومنهم. نعمة من الله: ثم نأتي إلى قرَّاء مصر بالمعنى الثـاني, وهـم الـذين يقـرأون فيسـمعهم النـاس فيطربـون لقـراءتهم ويخشعون. وهـم طائفـة مـن النـاس أنعـم الله علـيهم بحسـن الصـوت وجمـال الأداء. ويبـدو أن لمصر في ذلـك تاريخـاً قـديماً, تأخـرنا كثـيراً في كتابـة تاريـخ قـرَّاء مصـر, ومكتبتنـا العربيـة خاليـة من هذا اللون من الكتابة إلا شيئاً يسيراً كتبه الأستاذ محمود السعدني (وهـو سمّ يـع كبـير) في أواخـــر الخمســـينات سمَّـــاه: «ألحـــان مـــن الســـماء»ثم مـــا يكتبـــه أشـــتاتاً متفرقـــات في بعـــض المجلات. ثم ك نـــتح أقـــرأ بـــين الحـــين والحـــين كلامـــاً لأســـتاذنا كمـــال النجمـــي عـــن الشـــيخ محمـــد رفعـــت والشــيخ مصــطفى إسماعيــل - عرضــاً فيمــا يكتبــه عــن الغنــاء والأصــوات, ثم كنــت أحــدّ ث نفسي: لماذا لا يح فر د الأستاذ النجمي كتاباً عن الشيخ مصطفى إسماعيل, يقـرأه النـاس علـى مكــث, يح ظه ــر عظمــة هــذا الرجــل ومكانــه الضــخم في عــالم ال قــراءة والــنغم. حــتى كــان هــذا الشهر الكريم وصدَّ ق الأستاذ ما أمَّ لناه وجاء كتابه هذا مجلى لحيـاة الشـيخ مصـطفى وتقلبـه في العالمين. وزاد على هذا أن ألبس كتابه زاهية من الورق المصـقول والزخـارف المعجبـة, بمـا يليق بجلال المقروء وجمال القارئ. أولى خطوات الشيخ مصطفى: ولقـــد ردَّ ني هـــذا الكتـــاب الممتـــع إلى أيام غاليـــة عزيـــزة عشـــناها في القـــاهرة قبـــل أن يـــدهمها السيل وتغشاها النوائب, «إذ الناسح ناس والزمانح زمانح » ولقــد ذكــر الأســتاذ النجمــي أن أولى خطــوات الشــيخ مصــطفى في القــاهرة كانــت في حــي المغــربلين. نعــم نــزل الشــيخ هــذا الحــي العريــق وســكن بالمنــزل رقــم 18 بحــارة العنــاني, بجــوار قريبــة لــه, وســكن أخــوه الشــيخ محمــد بحــارة قريبــة تح عــرَ ف بزقــاق المســك, والمغــربلين تتوســط الدرب الأحمر حيث العتاقـة والـرياث, والمسـاجد والمـزارات: مسـجد المؤيـد والصـالح طلائـع بــن رزيــك, والســيَّدة فاطمــة النبويــة, والمــارداني, وإبــراهيم باشــا آغــا, وأم الســلطان شــعبان,

عدد الصفحات ١٤٥

146 وعلــى مقربــة: الأزهــر الشــريف والحســين والجماليــة وباب النصــر وباب الفتــوح, فــإذا أنــت أيسرت وجدت مساجد السـيَّدة زينـب والسـيَّدة سحـكينة, والسـيَّدة نفيسـة والإمـام الشـافعي والإمام الليثي, وكانت هذه المناطق المتجاورة هـي قلـب القـاهرة الـذي يمـوج بالعلـم والمعرفـة والفن. نزل الشيخ مصطفى إسماعيـل القـاهرة في أوائـل الأربعينـات, وتـرك وراءه طائفـة مـن مشـاهير القرَّاء: الشيخ محمد السعودي, والشيخ محمد العحقلة (بضـم العـين وسـكون القـاف) بطنطـا, والشيخ منصور بَدَّار بالمنوفية, وفي القـاهرة كانـت هنـاك طبقتـان مـن القـرَّاء: الطبقـة الأولى: محمد رفعت, وعبد الفتاح الشعشاعي, محمد الصيفي (وهو والد المخـرج السـينمائي حسـن الصــيفي), ومحمــد ســلامة, والطبقــة الثانيــة: علــى حــزين ومحمــد عكاشــة وزكــي محمــد شــرف وأحمــد ســليمان الســعدني ومــدين منصــور وعبــد الــرحمن الــدرو ي ومحمــود عبــد الحكــم وعبــد العظيم زاهر وطه الفشني وأبو العينين شعيشع وعبد السميع بيومي ومحمـد فريـد السـنديوني وكامـــل يوســـف البهتيمـــي منصـــور الشـــامي الـــدمنهوري ومحمـــد قنـــديل وعبـــد الـــرحمن عبـــده وهاشم هيبة. وكـــان المشـــايخ في ذلـــك الزمـــان يعرفـــون للقـــرآن حرمتـــه وجلالـــه, فيقـــرأون بأدب وخشـــوع ورعايــة لأصــل الــتلاوة, ثم كــانوا يقنعــون با لقليــل. ولقــد حــدثني الشــيخ عبــدالرحمن الــدروي المتوفى العام الماضـي (وهـو صـهر عـالم المخطوطـات الكبـير محمـد رشـاد عبـد المطلـب - أبـو زوجتــه رحمــه الله) حــدثني أنــه دح عــي هــو والشــيخان عبــد العظــيم زاهــر وطــه الفشــني لافتتــاح إذاعة العربية السعودية بجدة, وكان ذلك في م و سم حج كان معهم من المذيعين الأستاذ عبد الحميـد يـونس, والأسـتاذ علـي الراعـي (الــدكتور فيمـا بعـد) وافتـت. المشـايخ الثلاثـة الإذاعــة السعودية, ثم سجلوا لها بعض التسجيلات لإذاعتها. فيما بعد قال الشيخ الدوري: ثم جاءنا الأستاذ عبد الحميد يونس أو الأستاذ الراعي وقـال لنـــا إنَّ الإخـــوة الســـعوديين يريكـــون لكـــم تحديـــد الأجـــر المناســـب لمـــا قرأتمـــوه, يقـــول الشـــيخ الدوري: فبكيت وقلت: كيف نأخذ أ جراً على قرآن قرأناه في البلد الذي نزل فيه القـرآن؟ انتهى كلامه. وأقول: أين هذا من بعض قرَّاء هذا الزمـان الـذين لا يصـعدون إلى دكـة القـراءة حـتى يأتـيهم

عدد الصفحات ١٤٦

147 إيصال الإيداع عل ى رقم حسابهم بالبنك بالآلاف؟ وفي القــاهرة أدرك الشــيخ مصــطفى إسماعيــل طائفــة مــن كبــار المنشــدين, أصــحاب التواشــي. الذين خلفوا الشيخين: إبراهيم الفَرَّان وإسماعيل, وعلـى رأسـهم الشـيخ المتفـنن علـي محمـود (صاحب الأذان الشهير) والشيخ درويش الحريري, والشيخ سيَّد موسـى, ثم الشـيخ محمـود صحـــبْ., ذلـــك الرجـــل العجيــــب الـــذي كـــان يتحـــدى في أســــطواناته أم كلثـــوم ومحمـــد عبــــد الوهاب, أن يأتيـا بمثـل مـا يأتي بـه مـن الجـواب وجـواب الجـواب, وكـان يقطـع إنشـاده عقـب كل «قفلة»ويتحداهما نزل الشيخ مصطفى إسماعيـل القـاهرة وهـي تمـوج بهـذه الأصـوات: قـراءة وإنشـاداً, أصـوات عجيبــة مبدعــة, جعــل الله لكــل منهــا ش ــرْعةً ومنهاجــاً, حــتى جــاء الشــيخ مصــطفى فزلــزلهم زلزالاً, فكان مثل المتنبي الذي جاء فملأ الدنيا وشغل النـاس, نعـم جـاء الشـيخ بأفـانين مـن النغم, وتصرفات في المقامات لا ق بَ ل لهم بها, وهو لم يتلـق أصـول الـنغم عـن أحـد, ولم يحـاك أحــداً مــن أصــحاب الأصــوات, وإنمــا هــي الفطــرة والموهبــة, وفضــل الله الــذي يخــتص بــه مــن يشاء من عباده. ولقد قوبل الشيخ مصطفى بهجوم كاس. من المشايخ القرَّاء وكان أشدهم عليه وأعـنفهم بـه الشيخ محمد سلامة, وقد رفع عليه عصاه ذات ليلة زاعماً أنه يتلاعب بالقرآن. حسد الحاسدين: ولقد غَ برََّ القح رَّاء في وجه الشيخ مصطفى, ورموه بتهم كثيرة, حسداً من عنـد أنفسـهم, وهـم وإن كــانوا يتلــون كتــاب الله فهــم بشــر مــن البشــر. وقــد رح وي بســند صــحي. إلى ابــن عبــاس رضي الله عنهما أنه قال: «استمعوا علم العلماء ولا تصـدقوا بعضـهم علـى بعـض, فوالـذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايراً من التُّيوس في زح روبها»وعن مالك بن دينار قـال«يؤخـذ بقـول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض» ومن التهم التي وحجّ هت إلى الشيخ مصطفى أنه يريخص ويتساهل في قواعد التلاوة ليستقيم لــه مــا يريــد مــن نغــم وتطريــب. وهــذه فريــة كــبرى, فالــذي يســمع الشــيخ بإ نصــاف يــرى أنــه ملتزم غاية الالتزام, على ما ذكر أستاذنا النجمي ص 15, وأحـب أن أضـيف إلى مـا ذكـره أن أكــبر علمــاء القــراءات في عصــرنا: الشــيخ عبــد الفتــاح القاضــي, وســيدي الشــيخ عــامر

عدد الصفحات ١٤٧

148 عثمــان, كــانا مــن أشــد النــاس إعجــاباً بالشــيخ مصــطفى, وهمــا مــأمونان في أحكامهمــا, ومــن حــراس كتــاب الله , ولقــد ســألت مــرة ســيدي الشــيخ عــامر عمــا يقــال عــن تســاهل الشــيخ مصطفى, فقال: لا تصدقهم, إنه على الجادة, ثم أضاف: إن خامة صوت الشيخ مصـطفى تشبه خامة صوت الشيخ يوسف المنيلاوي. ومما قـالوه عنـه: إنـه لا يلتـزم بالوقـوف المنصـوص عليهـا. وهـذا غـير صـحي., ونعـم إنـه كـان يقــف أحيــاناً علــى غــير وقــف لتصــوير معــنى, كمــا وقــف علــى قولــه تعــا [31] فيكون وقفه هذا أشبهبالوقف لانقطاع النفس, وهو جائز. وأحب أن أشير هنا إلى أن الشيخ مصطفى كان أكثر تحرياً للوقوف من الشيخ محمد رفعت - وهو من هو - فالشيخ رفعت مثلاً يقف علـى قولـه تعـالى مـن سـورة الكهـف ولـــيس موضـــع وقـــف, ويقـــف علـــى قولـــه تعـــالى في ســـورة طـــه يستأنف وممـا أخــذوه عليــه أيضــاً أنـه يكثــر مــن اخــتلاف القـراءات لإثارة مكــامن الطــرب, و لــيس هــو وحــده الــذي كــان يفعــل هــذا, فقــد كــان يفعلــه أيضــاً الشــيخ محمــد رفعــت, والشــيخ محمــد الصــيفي. والجمــع بــين الــروايات في القــراءة الواحــدة مكــروه عنــد بعضــهم, لكنــه جــائز عنــد بعــض آخــر, وبخاصــة في مقــام التعلــيم. علــى أن الحــق يقتضــيني هنــا أن أشــير إلى أن الشــيخ مصــطفى قــرأ مــرة آيــة علــى وجــه مــن القــراءات لم أجــده في القــراءات العشــر المجمــع علــى تواترها والقراءة بها, وذلك في قولـه تعـالى في سـورة يوسـف - في أحـد تسـجيلاتها - «وقـال نحسوة»بضم النون, وهي في القراءة المتواترة بالكسر, ولم يقرأ بالضم إلا المفضل والأعمـش والسُّلَمي وهي قراءة شاذة. تسجيلات نادرة: ومما اتهموه به أيضـاً أنـه يقـرأ سـوراً بعينهـا. وهـذا غـير صـحي., بـل إن عكسـه هـو الصـحي. فالشــيخ يقــرأ مــن ســور القــرآن كلــه, ولــيس كبعضــهم الــذي يــؤثر الســور الــتي تقصــر آياتهــا, وتتماثل فواصلها. من خصائص صوت الشيخ مصطفى إسماعيل:

عدد الصفحات ١٤٨

149 درج كثير من القرَّاء على أن يخفضوا أصوام إلى ما يسمى بطبقة القرار حين يأتـون إلى آيـة من آيات الإنذار أو جهنم أو الموت, فإذا جـاءوا إلى آيـة بشـارة ونحوهـا رفعـوا أصـواتهم إلى مــا يعــرف بطبقــة الجــواب, كمــا تســمعهم في آخــر ســورة الزمــر, حيــث يخفضــون أصــواتهم في قوله تعا71] {73] ولم يـــؤثر عـــن الصـــحابة والتـــابعين في ذلـــك شـــيء إلا مـــا رحوي عـــن التـــابعي الجليـــل إبـــراهيم النخعــي أنــه قــال: «ينبغــي للقــارئ إذا قــرأ نحــو قولــه تعــايــر ابــن الله وقالــت النصــارى المســي. ابــن30] صوته»قال ابن الجزري«وهذا من أحسن آداب القراءة» علــى أن الشــيخ مصــطفى يخــالف قــرَّاء زمانــه في خفــض الصــوت عنــد آيات الإنــذار وذكــر الموت. واســتمع إليــه في تســجيل نادر لســورة آل عمــران في قولــه تعــا [185] الطبقة العالية في صـراخ محزلـزل كأنـه صـراخ ثكـالى فقـدن عزيـزاً أو تـذكرن غائبـاً وتكـاد التـاء المهموسة حين يصرخ بها تنقلـب إلى حـرف مجهـور يكـاد يخـرق صـماخ الأذن, ثم تأمـل أيضـاً وقفـه علـى قولـه تعــالى في سـورة يوسـف31] الهــاء عليه السلام. ويبقـى شـيء, أرجــو أن يأذن , أسـتاذنا النجمـي في مناقشــته, وذلـك مـا ذكــره في ص 24 : «أن المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشـدين كـانوا يقـرأون القـرآن بحسـب لغـاتهم المتعـــددة, وأفصـــحها ســـبع لغـــات»ثمَّ ذكـــر حـــديث«إنَّ هـــذا القـــرآن نـــزل علـــى ســـبعة أحرف»و, على ذلك بعض الملاحظات

عدد الصفحات ١٤٩

150 أولاً: إنَّ سياق الكلام على هذا النحو قد يـوحي إلى بعـض مـن لا معرفـة لهـم بعلـوم القـرآن أن المسلمين كانوا يقرأون بهذه اللغات السبع باختيارهم ومن عند أنفسهم تبعاً لما ألفوه من أعرافهم اللغوية, ومعلـوم أن القـراءة أثـر واتبـاع, لا رأي واجتهـاد, وأن جبريـل عليـه السـلام قد نزل بهذه اللغات كلها فأقرأها الرسولح صلى الله عليه وسلم أمته. ثانياً: أن صحَّة الرواية «أحنز ل على سبعة أحرف»بالبناء للمجهول, وليست«نزل» ثالثًا: أنَّ تفسير الأحرف السبعة الواردة في الحديث بأنها سبع لغات مـن لغـات العـرب, هـو أحــد التفســيرات, وهــو مــردود عليــه. ويــرى بعــض المحققــين أن أمثــل مــا جــاء في بيــان معــنى الأحــرف الســبعة هــو مــا ذكــره الحــافظ ابــن حجــر العســقلاني, فقــد قــال في فــت. البــاري 9 / 23 (طبعة السلفية«بابح أح نـز ل القـرآن علـى سـبعة أحـرف: أي علـى سـبعة أوجـه يجـوز أن يقرأ بكل وجه منها, وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه, بل المـراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة» رابعًا: إنَّ كتاب أستاذنا هذا يقع في أيدي الخاصة والعامة, فكنت أحب أن يشير هنا إشارة سريعة في الحواشي إلى أن الأحرف السبعة الواردة في الحديث ليست هـي القـراءات السـبعة التي اختارها ابن مجاهد في أوائل القرن الرابع, وهي القراءات المنسـوبة إلى: نافـع وابـن كثـير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. وبعد ... فأرجو أن يأذن لنا الأستاذ النجمي في القول بأن هـذا الكتـاب لم يحشـبع نهمتنـا ولم يـــرو عحلَّتنـــا في الوقـــوف علـــى عبقريـــة الشـــيخ مصـــطفى إسماعيـــل, ولهـــذا فســـوف نعتـــبر هـــذا الكتاب عن الشيخ مصطفى الجزء الأول, وهو عـن حياتـه كمـا جـاء بحـق في عنوانـه «حياتـه في ظل القرآن»ويأتي الجزء الثاني إن شاء الله تحليلاً ودرساً لصوت هذا القارئ العظيم * * *

عدد الصفحات ١٥٠

151 التصحيح اللغوي .. وضرورة التحري (1) «من عَرف كلام العرب لم يكد يحلحّن أحداً »تذكرت كلمة الأصم عي هذه وأنا أقرأ صفحة «لغـويات»في عـدد الماضـي مــن الهـلال, فقـد جـاء في هــذه الصـفحة«تحـوفيّ فـلان إلى رحمــة الله فهـــو «محتـَـــوَ»بضـــم المـــيم وفـــت. التـــاء والـــواو وتشـــديد الفـــاء المفتوحـــة وتنـــوين الحـــرف الأخير. وهذا من بديهيات اللغة التي كانت معروفة عند الصـحف المصـرية والعر بيـة, ولكـن إحــدى الصــحف المصــرية الكــبرى كتبــت في صــحفتها الأولى منــذ أســابيع كلمــة «محتــوف» بكسر الفاء وتنوينها بدلاً من «متو»التي بيناها, فكأنما أحـدث الرجـل الوفـاة بنفسـه, و يتوفه الله تعالى!» وهذا الكـلام صـواب, ولكنـه لـيس الصـواب الـذي لا صـوابغـيره, ولأهـل العلـم في ذلـك كـلام طريــف يصــحَّحون فيــه الوجــه الآخــر لـذلك الاســتعمال الــذي يأتي علــى ألســنة العامــة هـــذه الأيام, وهـــو الاســـتعمال الـــذي خطـــأه الكاتـــب الفاضـــل, مـــع أنـــه ضـــارب في العربيـــة بعروقه, فإنه يقال: «تـَوَفىَّ فلان فهو محتـَوَف »بفت. التاء والواو الفاء في الفعل, وكسر الفاء في اسم الفاعل, ويكـون المعـنى علـى هـذا الضـبط أنـه اسـتوفى أجلـه, واسـتنفد أيامـه في هـذه الحياة الدنيا, وعلى ذلك جاءت القراءة المروية عن علـي بـن أبي طالـب, وعـن المفضـل عـن عاصم234]«يتوفـون» قال ابن مجاهد«ولا يحقرأ بها»وقال ابن جـني في المحتسـب1 /125 :«هـذا الـذي أنكـره ابــن مجاهــد عنــدي مســتقيم جــائز, وذلــك أنــه علــى حــذف المفعــول, أي: والــذين يـَتـَوَفـَّــوْن أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم, كما قال سبحانه [117]ئكــة28] القرآن وفصي. الكلام, وذلك إذا كان هناك دليل عليـه, قـال الله تعـا شيء23 ]- أي شيئًا–. انتهى كلام ابن جني. (1) مجلة«الهلال»أغسطس1992م

عدد الصفحات ١٥١

152 وقــد رحوي أيضــاً عــن الأعمــش أنــه قــرأ قولــه تعــا5] الياء, وحكاه أبو حاتم السجستاني, كما ذكر ابن خالويه في شواذ القراءات ص 94, فهذا الذي يجري على ألسنة العامة ليس خطـأً محضـاً, وإن لم يكـن هـو الأفصـ., قـال ابـن هشـام اللخمي: «وإذا كان في الكلمة لغتان وكانت إحداهما أفص. من الأخرى فكيف تـحلَحَّـن بهـا العامة وقد نطقت بها العرب, وإنما تـحلَحَّن العامة بما لم يحتكلم به» على أن هذا التوجيه الذي يحسوغ استعمال«تـَوَ»مبنّيـاً للفاعـل لا ينبغـي أن يحقبـل إلا مـن عارف به محطيـق لوجـه الكنايـة فيـه. قـال الإمـام السـكاكي في مفتـاح العلـوم ص 98« :فـإن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة, لا ترى درجتها تعلو ولا قيمتها تغلـو ... مـا لم يكــن المســتخرج لهــا بصــيراً بشــأنها, والراغــب فيهــا خبــيراً بمكانهــا, وثمــن الكــلام أن يــوفى مــن أبلـــغ الإصـــغاء وأحســـن الاســـتماع حقـــه, وأن يتلقـــى مـــن القبـــول لـــه والاهتـــزاز بأكمـــل مـــا استحقه, ولا يقع ذلك ما لم يكن السـامع عالمـاً بجهـات حسـن الكـلام, معتقـداً بأن المـتكلم تعمدها في تركيبه للكـلام عـن علـم منـه, فـإن السـامع إذا جهلهـا لم يمحيـز بينـه وبـين مـا دونـه, وربما أنكره, وكذلك إذا أسـاء بالمـتكلم اعتقـاده ربمـا نسـبه في تركيبـه ذلـك إلى الخطـأ, وأنـزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة, ومما يشهد لك به ذا ما يح روى عن علي رضـي الله عنه أنه كان يشيّ ع جنازة فقال له قائل: من المتوفي؟ بلفظ اسم الفاعـل, سـائلاً عـن المتـوفىَّ, فلم يقـل: فـلان, بـل قـال: الله, رداً لكلامـه عليـه مخطّ ئـاً إياه, منبّ هـاً لـه بـذلك علـى أنـه كـان يجـب أن يقـول: مـن المتـوفىَّ, بلفـظ اسـم المفعـول ... ومـ ا فعـل ذلـك كـرم الله وجهـه إلا لأنــه عــرف مــن الســائل أنــه مــا أورد لفــظ «المتــو»علــى الوجــه الــذي يكســوه جزالــة في المعــ وفخامة في الإيراد, وهو وجه القراءة المنسوبة إليه بلفظ بناء الفعل للفاعل, من إرادته معنى: والذين يستوفون مدد أعمارهم» قضية لغوية وهــذا الــذي رأيتَــه مــن تســويغ «تــو»وإخراجــه مــن دائــرة الخطــأ المحــض يقــودنا إلى قضــية لغوية كبيرة شغلت اللغويين قديماً وحديثاً, وهي قضية التصويب اللغوي, وقد بدأ التصنيف

عدد الصفحات ١٥٢

153 فيها مواكباً لجمـع اللغـة وتـدوينها, علـى نحـو مـا نـرى عنـد الكسـائي189 هــ الكتـاب المنسوب إليه «ما تلحن فيه العامة» وتحت هذا العنوان كتب كثير مـن علمـاء اللغـة الأوائـل, مثـل الفـراء 207 هــ) وأبي عبيـدة (210 هـــــ) والأصــــمعي216 هـــــ) ومــــن في طبقــــتهم ومــــن جــــاء بعــــدهم, بــــل إن حركــــة التصحي. اللغوي هذه قد شارك فيها بعـض علمـاء الـريك في الدولـة العثمانيـة الـذين اتخـذوا العربيــة قلمــاً ولســاناً, فرأينــا ابــن كمــال باشــا (940 هـــ) يؤلــف كتابــه «التنبيــه علــى غلــط الجاهل والنبيه»ثم جاء علي بن با, القسـطنطي992 هــ) فصـنَّ ف كتابـه «خـير الكـلام عن أغلاط العوام» ومعلوم أن حركة التصحي. اللغوي قد تغيَّ ت غاية كبيرة, هي المح افظة على سلامة اللغة, في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها وإعرابها ودلالة ألفاظهـا. ومعلـوم أيضـاً أن التنبـه للخطـأ اللغـوي قديم, وأن محاصرته والتوقّ ي منه مما جاءت به السنة والأثر, فقد رحوي: أن رجلاً لحن بحضرة رســول الله صــلى الله عليــه وســلم, فقــال: «أرشــدوا أخــاكم»ورحوي عنــه عليــه الســلام أنــه قال: «أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنىَّ , اللحن؟ » وقال أبو بكر رضي الله عنه«لأن أقرأ فأحسق ط أحب إ,ّ من أن أقرأ فألحن» وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «من أبـو موسـى» فكتــب إليــه عمــر«أمــا بعــد, فاضــر ب كاتبــك ســوطاً واحــداً وأخّ ــ ر عطــاءَه - أي راتبــه - سنة» ومن أصدق وأدق ما قيل في استنكار اللحن واستبشاعه مـا رحوي عـن عمـر بـن عبـد العزيـز رضي الله عنه: «إن الرجل ليحكلمني في الحاجـة يسـتوجبها فـيلحن فـأرده عنهـا, وكـأني أقضـم حـــب الرمـــان الحـــامض, لبغضـــي اســـتماع اللحـــن, و يكلمـــني آخـــر في الحاجـــة لا يســـتوجبها فيحعــرب - أي يــتكلم كلامــاً صــحيحاً - فأجيبــه إليهــا, التــذاذاً لمــا أسمــع مــن كلامــه»وروي عنه أيضاً أنه قال: «أكاد أضرس إذا سمعت اللحن»وقال عبد الملك بن مروان«اللحـن في الكلام أقب. من الجحدري في الوجه»

عدد الصفحات ١٥٣

154 وينتهي عصرالراشدين واللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل ولم يتطرق إليه الزلل, وتأتي الدولة الأموية, ومن بعدها العباسية, وتكثر الفتوح ويدخل النـاس في ديـن الله أفواجاً, فتختلط الألسنة, وتتداخل الأصوات واللهجات, ويستعمل العربي ما لا بحـد لـه منــه في الحــوار والخطــاب اليــومي, مــن أجنــبي ودخيــل, فيضــاف إلى عامــل «اللحــن»القــد عامل آخر, هو هذا الدخيل, فينهض له علماء اللغـة, فتكثـر الجهـود والتصـانيف في حركـة التنقية اللغوية. وفي عصرنا الحديث يطرأ عامل ثالث: هو الاستخفاف باللغة والنحو والصرف, وإشاعة أن الاشتغال بمثل هذه العلوم مضيعة للوقت والجهد الذي ينبغي أن يحصرف إلى الفكـر وحـده, ثم ظهرت بدعة «التفكير الموضوعي»الذي يرفض الاحتفـال بهـذه الشـكليات مـن حركـات الإعــراب وأبنيــة الأسمــاء والأفعــال, والرســم «الإمــء»ثم يكــون التخلــيط في هــذه القواعــد والضوابط سمةً من سمات التحرر والانعتاق من ربقة التخلف وأكفان الموتى ورمائم القبور! ويفزع لهـذه الغاشـية طائفـة مـن علمـاء اللغـة والنحـو المحـدَ ثين, فيتصـدون لهـذا الانحـراف عـن سَــنَن العربيـــة, فيمـــا عحــرف بالتـــأليف في الأخطـــاء الشــائعة. ومـــن أبـــرز مــا كح ت ـــب فيهـــا «لغـــة الجرائــد»لإبــراهيم اليــازجي, الــتي نشــرها مقــالات في مجلــة الضــيا ء الــتي أنشــأها بمصــر ســنة 1898م, و«حــول الغلــط والفصــي. علــى ألســنة الكتــاب»لأحمــد أبي الخضــر منســي, و «تذكرة الكاتب »لأسعد خليل داغر, و«أخطاؤنا في الصحف والدواوين»لصـلاح الـدين سعدي الزعبلاوي, و «الكتابة الصحيحة»لزهدي جار ثم كتــب العلامــة النحــوي الشــيخ محمــد علــي النجــار عــدة مقــالات في مجلــة الأزهــر, باســم: «لغويات»نشرها بعد ذلك مجموعةً بمعهـد الدراسـات العربيـة بجامعـة الـدول العربيـة. وكتـب العالم العراقي الدكتور مصطفى جواد عدة مقالات أيضاً بمجلـة عـالم الغـد البغداديـة, بعنـوان «قل ولا تقل»نشرها بعد ذلك في كتاب, إضافة إلى ما ذكـره في كتابـه: «مباحـث لغويـة العراق»

عدد الصفحات ١٥٤

155 على أن هذه الجهود التي بحذلت في التنقية اللغوية وتصحي. اللسان العربي, قد تعرضـت القديم والحديث لحركة نقدية واسعة, تبعاً لمقياس الصـواب اللغـوي وعلـى أي صـورة يكـون؟ وهل يقتصر القياس على المشهور الشَّائع دون القليل النادر كما يـرى البصـريون, أم يقـاس علــى الشــاهد الواحــد والشــاهدين, كمــا يقــول الكوفيــون؟ وهــل نقــف عنــد أفصــ. اللغــات ونلغي ما سواها, أم نجعل الشاذ والفصي. واحـداً؟ وقـد كـان بعـض اللغـويين يتشـدد ويحكـم بالخطأ على ما لم يكن فصيحاً وإن جـاءت بـه لهجـة مـن لهجـات العـرب ولـو كانـت ضـعيفة, وكــذلك يعــد صــحيحاً كــل مــا رواه لغــوي ولــو كــان منفــرداً بروايتــه. ولعــل أعــدل مــنهج في القبول والرد هو ما أح ثر عن أبي عمرو بن العلاء, وقال له أحدهم: «أخبرني عما وضعتَ مما سميتَ ه عربيةً , أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا, فقال: كيف تصـنع فيمـا خالفـك فيـه العرب وهم حجة؟ قال: أعمـل علـى الأكثـر, وأسمّـي مـا خـالفني لغـات»فهـذا مـنهج يقـوم على اعتبار الأكثر, وعدم إنكار الأقل, فهو يقبله ولكنه يضعه في دائرة اللغـات. واللغـات عندهم تعني ما نسميه نحن الآن: لهجات. ومـــن أشـــهر كتـــب نقـــد مؤلفـــات التصـــحي. اللغـــوي قـــديماً: مـــا صـــنفه ابـــن هشـــام اللخمـــي الإشبيلي (577 هـ) فقـد ألـف كتابـه «المـدخل إلى تقـويم اللسـان وتعلـيم البيـان»وعـرض فيه بالنقـد لكتـابين تقـدماه في لحـن العامـة, همـا: «لحـن العامـة»لأبي بكـر الزبيـدي الإشـبيلي (379 هـ), و «تثقيف اللسان وتلقي. الجنان»لابن مكي الصـقلي501 هــ). وقـد ذكـر ابن هشام أن الزبيدي «تعسف على عامة زمانه في بعض الألفا , وأنحى عليهم بالإغـ وخطأهم فيما اسـتح عمل فيـه وجهـان وللعـرب فيـه لغتـان, وأنَّ ابـن مكـي الصـقلي أنكـر علـى العامة ما يحتمل التأويل أو يكون عليه من كلام العرب دليل » لغة الجرائد وفي عصرنا الحديث أيضاً تعرَّ ض مؤلفو الأخطاء الشائعة إلى كثير من النقـد والمراجعـة, ومـن ذلك ما كحتب من نقد حول «لغة الجرائد»لليازجي, وما أحثير حول «قل ولا تقل»لمصطفى جواد. وقد دارت معظم هـذه النقـود والتعقبـات حـول معيـار الحكـم بالخطـأ والصـواب علـى هـــذا الاســـتعمال أو ذاك. ويكشـــف عـــن اخـــتلاف معـــايير الحكـــم بالخطـــأ والصـــواب هـــذان

عدد الصفحات ١٥٥

156 المثالان: خطَّأ أبو بكر الزبيدي العامة في قولهم: امرأة سكرانة, وبينَّ أن الصـواب: سـكرى ثم ذكر أن بني أسد كانوا يقولون: سكرانة. فـرد عليـه ابـن هشـام اللخمـي: «فـإذا قالهـا قـوم من بني أسد فكيف تحلحن بها العامة, وإن كانت لغة ضعيفة, وهم قد نطقوا بها كمـا نطقـت بعض قبائل العـرب»ورحوي عـن أبي عثمـان المـازني أنـه قـال«دخلـت بغـداد فأحلقيـتْ علـيَّ مسائل, فكنت أجيب فيها على مـذهبي, ويخطئـونني علـى مـذهبهم»مغـني اللبيـب (مبحـث إذا). علــى أن أعظــم مــا تعــرض لــه الــذين كتبــوا في التصــحي. اللغــوي في القــديم والحــديث: هــو التسرع وعدم الاست قصاء والتحـري, والوقـوف عنـد حـدود القاعـدة اللغويـة والنحويـة, دون التفات إلى المسموع والمأثور المتناثر في كتب العربية على اختلاف علومها وفنونها, فالمعاجم على تنوعهـا واتسـاع بعضـها لم تححـص اللغـة كلهـا, وآيـة ذلـك مـا تـراه في فهـارس أئمـة تحقيـق النصوص, من تلك الألفا والرياكيب التي جـاءت في أشـعار العـرب وكـلام أهـل العلـم مـن السابقين الأولين, مما لم يذكر في المعاجم اللغوية المتداولة, ومن ذلك ما ذكره شـيخنا محمـود محمــد شــاكر بآخــر طبقــات فحــول الشــعراء باســم «ألفــا مــن اللغــة أخلَّــت بهــا المعــاجم أو قصرت في بيانها» ومــا تــراه في فهــارس أســتاذنا عبــد الســلام هــارون رحمــه الله, للبيــان والتبيــين, والأصــمعيات والمفضَّ ليات ومقاييس اللغة. وليس غريباً أن تغيب بعض الألفا والرياكيب عن معاجمنا اللغوية, فإن لغتنا العربية أوسـع من أن تحيط بها المعاجم وحدها. وقد قال الإمام الشافعي: «لسـان العـرب أوسـع الألسـنة مـذهباً وأكثرهـا ألفاظـاً, ولا نعلمـه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي» وعلى هذا فإن اللغة ينبغي أن تحلتَمس من كتب العربية كلها, لأنك واجد في كتـب التفسـ والحــديث والفقــه وأصــوله وعلــم الكــلام والأدب والبلاغــة والتــاريخ والجغرافيــة وســائر فنــون

عدد الصفحات ١٥٦

157 الرياث, من اللغة ما لا تُد بعضه في كتبها المصنفة فيها المقصورة عليها, وذلك لأن العربية كتاب واحد. وإذ قد ثبت هذا - إن شـاء الله - فإنـه مـن الواجـب علـى مـن يتصـدى للتصـحي. اللغـوي أن يتحلى بالأناة والتوقف والصبر, وألا يهجم على التخطئة دون سند قوي وحجة غالبة. نماذج: وقــد كنــت عحنيــتح في مطــالع الشــباب بتلــك الكتــب المصــنَّ فة في اللحــن والأخطــاء الشــائعة, وكنـت أحفــظ منهــا مسـائل ذوات عــدد, أحديرهــا علــى لسـاني في مجــالس المــذاكرة والمطارحــة, مزهوَّاً بما أحفظ, إذ كان عندي هو الصواب الذي لا صواب غيره. وحين أذن الله - وهو الذي بيده الخير كله - أن أتصل بما كتبه أهل ال علم في كتب العربية, وبخاصــــة شــــروح الشــــعر وغريــــب القــــرآن والحــــديث, والأمــــا, والمجــــالس, وكتــــب الــــرياجم والطبقــات, ووقفــت علــى تصــرف أهــل البيــان في الأبنيــة والألفــا والرياكيــب, حــين تم , ذلــــك - علــــى ضــــعفي وقلــــة حيلــــتي - أيقنــــت أن لــــيس الطريــــق هنالــــك, وأن التخطئــــة والتصويب لا يحصار إليهما إلا بعد عناء وجهد, لأن الأفق رحب, والمـدى واسـع, والشـوط بعيــد, وبخاصــة أننــا في زمــن انقطعــت دونــه الروايــة, وغــاب الأشــياخ, فأح وص ــد بغيــابهم باب ضخمح من أبواب العلم, لأننا أبناء أمة قام تراثها على الرواية والتلقي والمشافهة والتوقيـف, والكتب وحدها لا تصنع عالماً. وقد قال أبو الفت. ابن جني فيمـا وقـع لـه مـن كـلام شـيخه أبي علـي الفارسـي: «ولمثـل هـذه المواضع يححتاج مع الكتب إلى الأستاذين »- شـرح تصـريف المـاز 1/210 –, وقـال ابـن قيم الجوزيـة: «ولمثـلهـذه الفوائـد الـتي لا تكـاد توجـد في الكتـب يححتـاج إلى مجالسـة الشـيوخ والعلماء»بدائع الفوائد 1 /101, وإذ قد وض. , بعض الطريق جمعـتح طائفـة مـن تلـك الألفـا والرياكيـب الـتي خطَّأهــا النـاس, ورأيـت صـوابها أو اســتعمالها عنـد بعـض أهـل العلــم قـــديماً, وأكتفـــي مـــن ذلـــك هنـــا بـــبعض النمـــاذج الـــتي تمهّ ـــد لمـــا أردتحـــه مـــن ضـــرورة التحـــري

عدد الصفحات ١٥٧

158 والمراجعة أمام كل تخطئة أو تضعيف 1-يخحطـــئ بعضـــهم اســـتعمال «الـــنفس»في غـــير التوكيـــد, يريـــدون أنـــك تقـــول «الشـــيء نفســـه, ولا تقـــول: نفـــس الشـــيء»وقـــد وجـــدت اســـتعمال هـــذا الـــذي يخطّئونـــه في كتـــاب سـيبويه 1 /266 - وحسـبك بـه- وذلـك قولـه: «وتُـري هـذه الأشـياء الـتي هـي علـى مـا يســتخفون بمنزلــة مــا يحــذفون مــن نفــس الكــلام»وقولــه أيضــاً في 2 /379 وذلــك قولــك «نزلت بنفس الجبل, ونفس الجبل مقابلي» وقال الجاحظ في الحيوان1 /76 :«ولا بد للريجمان مـن أن يكـون بيانـه في نفـس الريجمـة في وزن علمه في نفـس المعرفـة»قـال ابـن جـني في الخصـائص1 /348 :«وإنمـا جـاز ذلـك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نف س «أو»بـل لقرينـة انضـمت مـن جهـة المعـنى إلى أو» وقال المرزوقي في شرح الحماسي ص 892 :«وأشار بقوله الأبد إلى نفـس الـدهر»بـل إن هـذا الاســتعمال قـد ورد عنــد مـن هــو أقـدم مــن هـؤلاء جميعــاً, وهـو الخليــل بـن أحمــد, شــيخ العربية وشيخ سيبويه وذلك قوله في كتاب العين 8 /117 :«والريباء: نفس الرياب» 2- يخحطــئ بعــض النحــويين اســتعمال «قــد لا يكــون»لأن«قــد»لا تــدخل علــى النفــي والصواب أن يقال: «ربما لا يكون»وقد وجدته في كلام ابن جني, قـال في الخصـائص 1 / 20 :«كما أن القول قد يتم معناه إلا بغيره»وفي كلام للمرزوقـي قـال في شـرح الحماسـة ص 57: «والاكتفــاءبــه قــد يقــع وقــد لا يقــع»ثم وجدتــه كــذلك عنــد المــالقي في كتابــه رصف المبـاني في شـرح حـروف المعـاني ص 455, قـال في (مبحـث قـد«إن نفيـت فقلـت قد لا يقوم, توقعت العدم» 3- يــرى بعضــهم أن كلمــة «مجــاناً»مبتذلــة وغــير فصــيحة وتوشــك أن تكــون عاميــة, وأن الصواب أن يستعمل مكانها «بدون مقابل»ونحوه. وقد رأيتها عند ابـن فـارس, في مقـاييس اللغـــة 5 /299, قـــال«والمجـــان: هـــو عطيـــة الرجـــل شـــيئاً بـــلا ثمـــن»وقـــد اســـتعملها ابـــن خلدو ن في مقدمته ص 557, قال«فليست اللغات وملكاتها مجاناً» 4- يستسقط بعضهم تركيب «عبارة عن كذا »وقد رأيتحه في كم ابن جني, قـال في كتابـه الخاطريات ص 58 :«ويؤكد ذلك أن لفظ الجبال قد وحض ـع عبـارة عمـا لا تحدركـه المعاينـة»

عدد الصفحات ١٥٨

159 وقد رأيت هذا الريكيب كثيراً في كلام الفقهاء, وكحتحب التعريفات 5- منــع بعــض النحــويين دخــول«أل»علــى«بعــض»فــلا يجــوز أن تقــول: أحبــوا بعضــهم البعض, وإنما تقول: أحب بعضهم بعضاً. وقد أدخل سيبويه «أل»على بعض, وذلك قوله في الكتاب 4/51 :«وربما قالوا في بعض الكلام: ذهبت بعـض أصـابعه, وإنمـا أنـث الـبعض لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه»وكذلك صنع ابن جني في الخصائص 1 /64, قال«فلما كان الأمـر كـذلك واقتضـت الصـورة رفـض الـبعض واسـتع مال الـبعض»وكـذلك اسـتعملها ثـــلاث مـــرات في الخصـــائص 3 /334. ومـــن قبـــل ســـيبويه وابـــن جـــني دخلـــت«أل»علـــى «بعض»في الشعر الجاهلي, وذلك قول المرقش الأصغر, في إحدى رواياته, يصف فرسه شهدتح به عن غارة محسبطرَّ ة ... يطاعن بعض القوم والبعض طَ وَّحوا 6- وكــذلك منــع بعضــهم دخــول «أل»علــى«غــ»لكــني وجــدتها في ديــو ان المعــاني لأبي هلال العسكري 2 /98, وكتاب الهوامل والشوامل, لأبي حيـان التوحيـدي, ومسـكويه ص 117, ثم رأيتها قديماً في كلام لصاحب القاموس في موضع غاب عني الآن 7- يخطّ ــئ بعضــهم اســتعمال الفعــل «ســـاهم»بمعــ«شــارك»علــى أســاس أنـــه يأت في المعاجم إلا: ساهم فلان القوم: أي دخل معهم في القرعـة فقـرعهم وغـالبهم. لكنـه قـد جـاء بمعنى «شارك»في شعر يحنسب لزهير ولأبي الأسود الدؤ,, وهو قوله: أبا ثابت ساهمت في الحزم أهله ... فرأيك محمود وعهدحك دائم وعلى ذلك جاء في المعجم الوسيط, الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وهكذا نتبين صدق كلمة الأصمعي السابقة: «من عرف كلام العرب لم يكد يحلحّن أحداً » لكــن هـــذه الكلمــة علـــى صــدقها لا ينبغـــي أن تحتخــذ ســـبيلاً للفوضــى اللغويـــة أو الحريـــة اســتعمال مــا نشــاء, وارتكــاب الضــرورات والمحظــورات اللغويــة, بــدعوى أن مــن الأوائــل مــن ارتكـب الضـرورة واسـتعمل الشـاذ, ثم بـزعم أننــا يجـب أن نرفـع العـائق ونحطـم الحـواجز أمــام الإبداع والمبدعين ... ولهذا وأشباهه حديث آخر. * * *

عدد الصفحات ١٥٩

160 الكتب الصفراء .. والحضارة العربية (1) كتــــب الشــــاعر الأســــتاذ أحمــــد عبــــد المعطــــي حجــــازي, كلمــــة في جريــــدة الأهــــرام بتــــاريخ 26/8/1992م قدَّم فيها كتاب الأستاذ الكبير النبيـل الـدكتور مصـطفى ناصـف«صـوت الشاعر القديم» وقــد ذكــر الأســتاذ حجــازي في صــدر كلمتــه أنــه مــدين لثلاثــة أســاتذة بمــا يعرفــه عــن الشــعر الجاهلي: أولهم مفتش لغـة عربيـة رآه أيام الدراسـة, وقـد دخـل علـيهم الفصـل, وكـان أسـتاذ اللغة العربية يشرح شيئاً من شعر الأعشى الكبير ميمون بن قيس, فلم تـَرحقْ طريقةح المـدرس في شرح شعر الأعشى ذلـك المفـتش, فأخـذ الكـلام مـن المـدرس, وانـدفع في شـرح بلـغ مـن الأستاذ حجازي مبلغـاً كبـيراً مـن الرضـى والارتيـاح, ثم غـاب ذلـك المفـتش, ولم يـره الأسـتاذ حجازي, ولم يسمع به بعد ذلك. ولا نعتقد أن مثل هذه اللحظـة الخاطفـة في حصـة دراسـية محـدودة, أخـذ فيهـا ذلـك المفـتش في شرح بيتين اثنين من شعر الأعشى على نحو مطرب معجب, تضع هـذا المفـتش - حـذْوَ القحــذَّة بالقحـــذَّة - مــع عميـــد الأدب العـــربي الــدكتور طـــه حســـين, والأســتاذ الكبـــير الـــدكتور مصطفى ناصف, وتُعل الأستاذ حجازي مديناً لهؤلاء الثلاثة بما يعرفه عن الشعر الجـاهلي! غايــة مــا يقــال عــن ذلــك المفــتش الحــاذق اللبــق أنــه حبَّــب إلى ذلــك الفــتى الصــغير الشــعر الجاهلي ومهَّد لأنغامه الشجية أن تنصَ بَّ إلى سمعه وتتولجَّ في قلبه. (1) مجلة«ال»نوفم1992 م

عدد الصفحات ١٦٠