97 صيحة من أجل اللغة العربية (1) : هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم ؟! لم يعد خافياً على أحد ذلك التدني الذي وصل إليه خريجـو أقسـام اللغـة العربيـة في جامعتنـا خلال العقـود الأخـيرة, وهـؤلاء الخريجـون هـم الـذين يتولـون تعلـيم أولادنا في المـدارس, وهـم أيضاً الذين يح سم عوننا الكلمة العربية من خلال الإذاعة والتلفزيون, ولو تح رك الأمـر علـى مـا هــو عليــه الآن فــالله وحــده هــو الــذي يعلــم أبعــاد الكارثــة الــتي ســتح طب ق علــى هــذه الأمــة, ومشى أن تغشانا طوارقها ذات يوم وقد استحال تراثنا الذي ضني به الأوائل خـلال أربعـة عشر قرناً من الزمان: ألغازاً وط لَّسـمات, كالـذي تـراه علـى جـدران المقـابر والمعابـد ولفـائف البردي, رموزاً قديمة تخفى على جمهرة الناس, ولا يعقلها إلا العالمون, ويومها سنقول: استعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار وهــا هــي نــذر الفتنــة قــد أطلــت برأســها, فلــن يســتطيع أحــد مهمــا غــلا في تقــدير كليتــه أو معهده أن يزعم أن طالباً متخرجاً في هذا المعهد أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطراً مــن كتــاب ســيبويه, فضــلاً عــن أن يفهمــه أو يحــل رمــوزه, وإذا لم يســتطع خــرَّيج كليــة تح عــنى باللغــة العربيــة وآدابهــا أن يقــرأ ســيبويه, فمــن ذا الــذي يقــرأه؟ وإذا لم يقــرأه في ســني دراســته فمتى يقرأه؟ إن الأخطاء اللغوية والنحْوية صارت تأخذ علينا الطرق وتأتينا من كل مكان؛ وهـي أخطـاء بشعة مفزعة تشمل كل شيء: من الأخطاء في أبنية الأسمـاء وأبنيـة الأفعـال ومخـارج الحـروف وصـــفاتها, وأسمـــاء الأعـــلام والكـــنى والألقـــاب والأنســـاب, ولا تســـأل عـــن غيـــاب العلامـــة الإعرابيــة أو التخلــيط فيهــا, وقــد كنــت عح نيــتح يومــاً برصــد هــذه الأخطــاء وتحليلهــا, ولكــني رأيت الأمر قد اتسع اتساعاً عظيماً, وتشـعب تشـعباً مفزعـاً, وأصـبحت أنا وهـذه الأخطـاء كالذي قاله الأول: تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيدح (1) مجلة«الهلال»سبتم1990 م
عدد الصفحات ٩٧98 وإنأبنـــاءنا وبناتنـــا في معاهـــد العلـــم ليأتوننـــا كـــل يـــوم بكـــل غريبـــة وعجيبـــة مـــن معلمـــيهم ومعلمــاتهم, وكلمــا رتقـــتَ فتقــاً تخـــرَّق عليــك آخــر, وكلمـــا ســددتَ ثلمـــة انفتحــت أمامـــك أخوات لها أوسع وأبشع. والســوأة الســواء في تــلاوة القــرآن العزيــز, فقــد اســتعجم كــلام ربنــا عــز وجــل علــى ألســنة معلمي المدارس, وصاروا يتلونه على تلاميذهم محرفاً ومزالاً عن جهتـه, ثم أصـبحت تسـمعه من بعض المذيعين والمذيعات كذلك مغلوطاً ملحوناً. وهذه هي المصيبة الـتي تتضـاءل دونهـا كل مصـيبة, وهـذا هـو الخطـر المـاحق الـذي يجـب أن نقـف جميعـاً أمامـه نـدرأه وندفعـه, فـإن القضية بهذه المثابة قـد صـارت دينـاً يح غتـال وشـريعة تح نتهـك, ولا بـد أن يقـول فيهـا كـل غيـور علــى ديــن الله كلمتــه, لا يتتعتــع ولا يــتلجلج , لا يفزعــه ســخط الســاخط, ولا يخيفــه ســلطان هؤلاء الذين يظنون أن بيدهم إغلاق الأبواب وفتحها, وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه» عود على بدء: ولقد تابعت هذه القضية منذ زمان بعيد, ورأيت أهل العلم يردونهـا إلى أسـباب كثـيرة, علـى أني لم أرَ مــن وضــع يــده علــى أصــل الــبلاء ومكمــن الــداء إلا قــارئاً كريمــاً هــو الأســتاذ طــارق البوهي - بكَفْر الشيخ – وقد علمت فيما بعد أنه من رجال الريبية, وقد جاء رأيه هذا في سطر واحد منشور في باب (مجرد رأي) بجريدة الأهرام قـال: «لا يجـب أن نقسـو كثـيراً علـى الشــباب, فهــم نتــاج البــذور الــتي أح لقيــت والتعلــيم الــذي أعطــي لهــم ومجــالات الثقافــة الــتي تلقوهـــا»وهـــذا رجـــل صـــادق, عـــرف الحـــق فقالـــه, ولم يضـــيّع نفســـه و يضـــيّ عنا في متاهـــات التفلسف والتنظير واللف والدوران. ثم إنه أحسن الله إليه قد وضع القضية في حاق موضعها: ماذا يتلقى طالب العربيـة الآن في كليات اللغة العربية وأقسـامها بالجامعـات؟ أمشـاج مـن قواعـد النحـو والصـرف مطروحـة في مـــذكرات يمليهـــا الأســـاتذة إمـــلاء أو يطبعونهـــا طبعـــ ات تزيـــد عامـــاً وتـــنقص عامـــاً, واختفـــى الكتاب القديم لتحل محله هذه المـذكرات والمختصـرات, ودح فـع الطـلاب دفعـاً إلى الملـل مـن قراءة الكتب, و «المللح من كواذب الأخلاق»كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه إن هجــــر الكتــــاب القــــديم - وهــــو وعــــاء العلــــم ومســــتودع الــــرياث - والاستعاضــــة عنــــه
عدد الصفحات ٩٨99 بالمذكرات والمختصرات, قد حجب عن هذا الجيل كـوى النـور, وحلأهـم عـن مـوارد العلـم . وكان من أخطر الأمور ردُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة, ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هـذا الـذي نشـكو منـه ونضـيق بـه, ونسأل الله السلامة منه. على أن تيسير النحو قد سلك دروباً مظلمـة, فلـيس مـن التسـهيل والتيسـير أن تـدع «زيـداً وعمراً »في التمثيل لتقول«سمير وأشرف»وليس مـن التسـهيل والتيسـير أن تـريك التمثيـل علـــى القاعـــدة النحويـــة بالشـــاهد القـــرآني والحـــديثي وأشـــعار العـــرب وأمثالهـــا لتكتـــب قصـــة متكلفة عن نزهة في القناطر الخيرية, أو زيار ة إلى أهرامات الجيزة, أو حكايـة عـن الفـلاح في الحقل, لتستخرج من كل ذلك شواهدك على القاعدة النحوية والصرفية. وليس يشك عاقل في أن التمثيـل لتقـدم المفعـول علـى الفاعـل بمثـل: «قطـف الـوردة طفـل» ليس في قوة الاستشهاد بقوله تعاتلي إبراهيم ربه124] حضــر يعقــوب المــوت133] مثلـــه140]37 ,] وقوله28 ,] وقولـه صــلى عليــه وســلم في الحــديث الســابق: «ألا لا يمــنعن رجــلاً هيبــةح النــاس أن يقــول بحق إذا علمه»وقول جرير جاء الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر فأنت مع المثال الأول أمام تركيب تمثلت فيه القاعدة النحوية, لكنـه كالتمثـال الأصـم, فـاز من الوسامة والقسامة بأوفـر الحـظ والنصـيب, ولكنـه تمثـال جامـد فاقـد الحركـة والنطـق. أمـا مع الأمثلة القرآنية والحديثية والشعرية فأنت أمام نماذج تتنعَّش بالحياة وتمور بالحركة, مع ما تعطيه من أنس خبرة بالأبنية والرياكيب العربية. ومن هنا احتلت الشـواهد الرياثيـة في تقعيـد النحو مكانة عالية. على أنه ينبغي أن يكـون واضـحاً أن فكـرة التيسـير علـى الناشـئة كانـت ظـاهرة بيّ نـة في فكـر النحاة الأوائل رضوان الله عليهم: فابن السراج المتوفى 316 هـ يؤلف كتـاباً كبـيراً في النحـو هــو «الأصــول»ثم يضــع إلى جانبــه مؤلفــاً صــغيراً جــداً هــو«المــوجز»وأبــو علــي الفارســي
عدد الصفحات ٩٩100 377 هـ يؤلف«الإيضـاح»وهـو مـ صـغير سـهل العبـارة إلى جانـب كتبـه الكبـار: التـذكرة والشعر والحجة والشيرازيات ... وغلامه ابن جني العظيم - كما كان يصفه أستاذنا الطيب الــدكتور كمــال بشــر أطــال الله في النعمــة بقــاءه - يؤلــف بجانــب الخصــائص والمنصــف وســر صـــناعة الإعـــراب والمحتســـب رســـائل مـــوجزة في النحـــو والصـــرف, مثـــل اللمـــع والملـــوكي في التصريف. وأبــو القاســم الزجــاجي 340 هـــ يصــنف كتــاباً في الفكــر النحــوي هــو«الإيضــاح في علــل النحو»ثم يؤلف للناشئة كتابه الشهير «الجحمـل»وهـو كتـاب سـهل رهـو, وقـد جـاء عنوانـه في الأصل المخطوط هكذا: «كتاب الجمـل في النحـو.. اختصـار أبي القاسـم عبـد الـرحمن بن إسحاق الزجاجي »أرأيت إلى كلمة «اختصار»؟ وقــد وقفــتح عنــد كتــاب غريــب أراه صــورة واضــحة الدلالــة علــى أن علمــاءنا الأوائــل كــانوا مشــغولين حقــاً بريبيــة الناشــئة والتيســير علــيهم والتــدرج معهــم في تعلــيم النحــو. وذلــك هــو كتــاب «إعــراب ثلاثــين ســورةمــن القــرآن الكــريم»لأبي عبــد الله الحســين بــن أحمــد المعــروف بابــن خالويــه المتــوفى ســنة 370 هـــ. لقــد كــان المــألوف زمــن ابــن خالويــه والأزمــان الــتي ســبقته والــتي جــاءت بعــده أن يتصــدى العلمــاء لإعــراب القــرآن الكــريم كلــه, ولكــن الــذي صنعه ابن خالويه شيء عجب: لقد وضـع كتابـه لإعـراب ثلاثـين سـورة فقـط, مبتـدئاً بسـورة الطــارق, ومنتهيــاً بســورة النــاس, ثم افتــت. كتابــه هــذا بإعــراب الاســتعاذة والبســملة, وفاتحــة الكتـاب ... ولا تفســير لصــنيع ابـن خالويــه هــذا وإيثـاره لإعــراب قصــار السـور هــذه إلا أنــه وضع الناشئة أمامه, لأن هذه السور من أوائل ما يحفظه الصبيان من الكتـاب العزيـز, وأنهـا كثــيرة الــدوران علــى ألســنتهم, وأن عــرض قواعــد النحــو والصــرف مــن خــلال هــذه الســور القصار مما يثبّ تها ويمكّ نها في النفوس. فتعلــيم النحــو مــن خـــلال هــذه الكتــب القديمـــة المــوجزة فيــه تثبيـــت للعربيــة وتمكــين لهـــا في النفوس, مـع التقـاط معـارف أخـرى تأتي مـن خـلال الشـواهد والنصـوص, وينبغـي أن نحسـن الظــن بناشــئتنا ولا مشــى علــيهم مــن التعامــل مــع الكتــاب القــديم فــإن فــيهم خــيراً كثــيراً ... ولقد كانت , تُربة جيدة هذا العام, حين دعيت إلى تدريس النحو لطالبـات السـنة الأولى بكليــة البنــات بجامعــة عــين شمــس, وقــد قــرأت معهــن شــيئاً مــن كتــاب شــذور الــذهب علــى
عدد الصفحات ١٠٠101 خــوف مـــني ووجـــل, لكــني صـــبرت نفســـي معهــن واحتشـــدت لهـــن احتشــاداً, وكانـــت تُربـــة ناجحـــة جـــداً, وتلقـــت الطالبـــات كـــلام ابـــن هشـــام بقبـــول حســـن, وقـــد رأيـــت مـــن هـــؤلاء الطالبات نماذج مبشرة بخير كثير. والغريب حقاً أن زملاءنا الأكـرمين بالجامعـات المصـرية ينفـرون مـن تـدريس الكتـاب القـديم, وحين يخرجون إلى جامعات دول الخليج يحح ملون حملاً على تدريسه, وهناك يؤدونـه بكفـاءة عاليــة جــداً, لأنهــم بــلا ريــب أهــل فقــه وبصــيرة, ولأنهــم أيضــاً ينتمــون إلى جيــل المتــون الــذي سأحدثك عنه. جيل المتون: على أن أخطر ما في هذه القضية أن يقرين تعليم النحـو مـن خـلال المـذك رات والمختصـرات بالطعــن علــى أئمــة النحــاة والإزراء بتصــانيفهم وغيــاب المنهجيــة في يلــيفهم ومحــاكمتهم إلى مناهج غربية ظهرت بعدهم بقرون. ومما لا شك فيه أن أساتذتنا الأفاضل, وزملاءنا الأكرمين الذين يدورون في هذا الفلك إنمـا ينتمــون جميعــاً إلى الجيــل العظــيم: جيــل المتــون و الحواشــي, نعــم كلهــم مــن جيــل الحفظــة ... حفظة القرآن الكريم والمتون والمنظومات, وهذا شيء أعرفه تماماً, وبخاصة عند أبناء كليتي: دار العلوم, من الجيل الذي سبقني والـذي زاملـني والـذي جـاء بعـدي بقليـل, فهـؤلاء جميعـاً قـد تعلمـوا النحـو مـن خــلال الكتـاب القـديم, علـى هــذا السـياق, وبـذلك الريتيـب: التحفــة الســنية بشــرح المقدمــة الآجروميــة - تنقــي. الأزهريــة للشــيخ خالــد الأزهــري - قطــر النــدى وبــلّ الصــدى - شــذور الــذهب في معرفــة كــلام العــرب, كلاهمــا لابــن هشــام - شــرح ابــن عقيل على ألفيـة ابـن مالـك - أوضـ. المسـالك علـى ألفيـة ابـن مالـك لابـن هشـام - شـرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه. وبهذه المسيرة الأصيلة الضخمة استطاع أستاتذتنا وزملاؤنا أن يفقهوا النحـو ويبرعـوا فيـه ثم يكتبوا مذكراتهم ومختصراتهم. وأيضاً نقـدهم للفكـر النحـوي. ولـو أنهـم تربـوا مـن أول أمـرهم علــى المــذكرات وتعلمــوا مــن المختصــرات لمــا فقهــوا و لمــا برعــوا, ولمــا كتبــوا «نحــوهم الكــا والشافي والصافي والوافي» ثم إن الخطر كل الخطر: أن يصدر التشكيك في النحو ومصطلحاته من أساتذة كبار لهـم
عدد الصفحات ١٠١102 النفوس مكان ومكانة, ولكلامهم في القلوب وقع وتأثير. ومن ذلـك مـا وقـع في يـدي ذات يـوم, مــن كلمــة للأســتاذ الكبـير الــدكتور زكــ ي نجيــب محمـود - متعــه الله بالصــحة والعافيــة - بجريـــدة الأهـــرام بتـــاريخ 1/12 /1988 بعنـــوان«العـــربي بـــين حاضـــره وماضـــيه»ضـــمن سلســلة مقالاتــه الــتي اختــار لهــا عنــوان: «عــربي بــين ثقــافت»وقــد أدار كلمتــه هــذه حــول تقييم الموروث الذي انتهـى إلينـا مـن ماضـينا, وأنـه ينبغـي علينـا أن ننتقـي ومتـار, وأن ننظـر إلى «نــوع الحصــيلة الــتي اخريناهــا لتكــون هــي ماضــينا المبثــوث فينــا, وذلــك لأننــا قــد نســيء الاختيــار - وكثــيراً جــدّاً مــا نفعــل - فنبــث عوامــل الضــعف والشــلل مــن حيــث أردنا القــوة وانطلاقه الحياة» ثم دلل على سوء الاختيار هذا بنموذج من تُربته الشخصية مع مدرس اللغـة العربيـة الـذي التقــى بــه في الســنة الثالثــة الابتدائيــة, وذلــك مــا أمــلاه علــيهم عــن «إذا»و«أنهــا ظــرف لمــا يســـتقبل مـــن الزمـــان خـــافض لشـــرطه منصـــوب بجوابـــه»ثم تســـاءل الـــدكتور الفاضـــل عـــن جــدوى تلــك العبــارة لا ســيما والمتلقــي طفــل في الحاديــة عشــرة مــن عمــره؟ وعقــب فقــال: «وإلأدعو القارئ إلى استعادة ما أسـلفناه, وهـو أن العـربي إذ يحيـا حياتـه حـاملاً في رأسـه هذا الذي قيـل لـه عـن كلمـة «إذا»ومـا تؤديـه, فإنمـا هـو يحيـا حـاملاً معـه نتفـة مـن الماضـي لكنهــا نتفــة عســيرة الهضــم, قــد تصــيب المعــدة بالأذى, وأمــا اليقــين عنهــا فهــو أنهــا لــن تنفــع حاملها غذاء يقتات منه ليكون عربيّاً موصول الهوية بماضيه, فإذا تصورنا أن مئات الألـوف ممن يعدون بين حملة العلم في بـلادنا يحيـون وهـم يحملـون في رؤوسـهم أطنـاناً مـن أمثـال هـذه «المعرفــة»الــتي إن صــلحت في الأركــان الأكاديميــة المعزولــة عــن الهــواء الطلــق فهــي لا تصــ لحياتنا الناهضة وسيلة حفز ودفع وتحريك» هــذا كــلام الــدكتور الفاضــل, وفيــه مــن ســلطان الــذكاء وقــوة العارضــة ومــن بريــق العذوبــة والحلاوة ما ترى! ولكنه عند التحقيق منقوض ومردود عليـه. والأسـتاذ الـدكتور زكـي نجيـب محمود رمز من رموز فكرنا المعاصر, وهـو أيضـاً واحـد مـن هـذا النفـر الكـريم الـذين أسـهموا إسهاماً واضحاً في نشاط «لجنة التأليف والريجمة والنشر»هـذه القلعـة الضـخمة مـن قـلاع الفكر العربي. فأقول: إن هذا المثال الذي ذكـره الـدكتور, ورأى فيـه أسـاس الـداء ومـدخل الـبلاء في تعلـم
عدد الصفحات ١٠٢103 العربيــة«إذاظــرف لمــا يســتقبل مــن الزمــان خــافض لشــرطه منصــوب بجوابــه»هــذا المثــال يســتدعي - بــلا ريــب - عنــد بعــض القــراء أمثلــة أخــرى مــن بابــه, ضــاقوا بهــا أشــد الضــيق حــين تلقوهــا أول مــرة, وخاصــة إذا لم يشــتغلوا بالعربيــة وقضــاياها فيمــا اســتقبلوا مــن أيام ومـــا صـــرفوا مـــن اهتمامـــات, لكنـــه في الوقـــت ذاتـــه وبالقـــدر نفســـه عنـــد مـــن اشـــتغلوا بالعربية, وجعلوها ميداناً لدراساتهم وأبحاثهم فيما بعد: يذكر بأيام زاهية جادة صـارمة وضـع فيها الأساس متيناً صلباً, فقام البناء عالياً شامخاً, «وإنما يمدح السوق مـن ربـ»كمـا تقـول العرب في أمثالها. الضوابط الراسخة: وإني ســـائل الـــدكتور الفاضـــل: أي بأس في ذكـــر هـــذا الضـــابط النحـــوي؟ وأي ضـــرر في أن يتلقاه الصغار فيما يتلقون في النشأة الأولى؟ والـدكتور يعلـم أن طبيعـة تعلـم العربيـة تقتضـي حفـــظ كثـــير مـــن النصـــوص والضـــوابط لريســـيخ القاعـــدة, ولـــذلك لجـــأ المصـــنفون قـــديماً إلى المنظومـات العلميــة لضــبط القواعــد وتثبيتهــا, ثم كــان مــن ذلــك أيضــاً تلــك الضــوابط النثريــة لــبعض القواعــد, مثــل «ســألتمونيها»لحصــر حــروف الــزيادة في الصــرف, و«ســكت فحثــه شـــخص»لضـــبط الحـــروف المهموســـة, و«لم أر علـــى ظهـــر جبـــل سمكـــة»لبيـــان الأســـباب والأوتاد والفاصلة في العروض. ومــن أطــرف مــا حفظنــاه مــن مشــايخنا في الصــغر قــولهم «صــن شملــه»رمــوزاً لأسمــاء الأنبيــاء المصروفة, أي المنونة: فالصاد لصالح, والنون لنوح, والشين لشعيب, والميم لمحمد صلى الله عليه وسلم, واللام للوط, والهاء لهود, عليهم السلام أجمعين. فهذه الأسماء الستة تنوَّ ن وما عداها من أسماء الأنبياء يمنع من التنوين. وكـــانوا يقولـــون لنـــا أيضـــا: «لا تكســـر الصـــحاح ولا تفـــت. الخزانـــة»يريـــدون«الصَّـــحاح» للجــوهري وأنــه بفــت. الصــاد, وخزانــة الأدب للبغــدادي وأنهــا بكســر الخــاء. وقــالوا«مــن حفظ المتون حاز الفنـون»ولا شـك أن الأسـتاذ الكبـير يعـرف في جيلـه هـذه المجموعـة الـ طبعــت باســم «مجمــوع مهمــات المتــون »يشــتمل علــى ســتة وســتين متنــاً في مختلــف العلــوم والفنون, وتاريخ الطبعة الرابعة منه 1369 هـ- 1949م ولا ينبغي أن يلتفـت إلى مـا يقـال مـن أن هـذا عيـب في اللغـة العربيـة أن تعتمـد علـى الحفـظ
عدد الصفحات ١٠٣104 الأصم الأعمى, فهـذا أمـر معـروف في سـائر اللغـات. يقـول العـالم الأديـب الـدكتور عبـد الطيــــب, في دفــــع تلــــك الفريــــة: «ومســــاكين اللغــــة العربيــــة ينفــــرون مــــن الحفــــظ ليكونــــوا متمــدينين»ثم يقــول«وأشــهد علــى نفســي أني عنــدما كنــت أدرس في الخــارج (لنــدن) كنــا ندرس بعض القطع المسـرحية لشكسـبير, فكـان التلاميـذ يسـمع بعضـهم لـبعض القطـع عـن ظهــر قلــب, حــتى أمثــال «يــدخل يطــارده القتلــة»أو«يخــرج يطــارده ســبع »وكانــت لهــذه المسرحيات القديمة شر وح, وقد تكون الأبيات أربعـة أسـطر في أعلـى الصـحيفة, بخـط كبـير, وســائر الصــحيفة بخــط دقيــق, شــرح لمــا فــوق, ويح قبــل التلاميــذ علــى ذلــك ولا ينفــرون, فــإذا قحـدّ م لهـم شـيء يشـبه ذلــك بالعربيـة نفـروا منـه نفـوراً شــديداً. ومـن عجيـب الأمـر أن الكتــب التي كنا ندرسها بالإنجليزيـة كـان ورقهـا أصـفر, والـورق الأصـفر لعلـه ألـين علـى عـين القـارئ من الرَّ ق الناصع الأبيض» ملحوق الرياث بجريدة المدينة المنـورة بالسـعودية- 21 مـن ربيـع الأول1408 هــ12 من نوفم1987م فهــذا الــذي يــراه الــدكتور زكــي نجيــب محمــود «نتفــة مــن الماضــي عســيرة الهضــم قــد تصــيب المعدة بالأذى» هو عند النظر والتحقيق أساس العلم ومدخله, بل هو الغذاء الذي تصـ به المعدة, وتتكون عليه الأنسجة والخلايا, ومـا دخـل علينـا الـبلاء, واسـتبد بنـا الضـعف إلا يــوم أن هجــرنا هــذه الضــوابط الكليــة, ونفــرنا مــن الحفــظ, واجتوينــا النصــوص, ثم غرقنــا في البحث النظري الذي أسلَ مَ نا إلى التجريد والمطلق. أمــا إشــفاق الــدكتور الفاضــل علــى الصــبي الــذي هــو في الحاديــة عشــرة, أن يؤخــذ إلى هــذه الرياكيب والمصطلحات المعقدة الـتي تصـيب المعـدة بالأذى فـإن الـدكتور الكـريم يعلـم علمـاً ليس بالظـن أن مـن أصـحاب هـذه السـن في جيلـه مـن أتم حفـظ القـرآن الكـريم, وحفـظ إلى جانبه شيئاً من المتون, مثل (م نور الإيضاح) في فقه الحنفية, أو (م العشـماوية) في فقـه المالكية, أو (م أبي شجاع) في فقه الشـافعية, أو (مـ زاد المسـتقنع) في فقـه الحنابلـة, إلى جانب (م الآجرومية) الشهير ... وإني أعيـد هنـا مـا ذكرتـه مـن قبـل: أن أسـاتذتنا الـذين كتبـو ا في الدراسـات اللغويـة والنحويــة الحديثــة وشـــرَّقت كتــبهم وغرَّبـــت, ينتمــون جميعـــاً إلى جيــل الحفظـــة: حفظــة القـــرآن والمتـــون
عدد الصفحات ١٠٤105 والحواشــي والمصــطلحات, ومــا كــان لهــؤلاء الأســاتذة أن يكتبــوا مــا كتبــوا لــو لم يحفظــوا منــذ الصغر: «إذاظرف لما يح ستقبل من الزمان خافض لشرطه منصـوب بجوابـه» وأخواتهـا مثـل «لا يجحمَ ع بين العوض والمعـوَّ ض عنـه»«اجتمعـت اليـاء والـواو وسـبقت إحـداهما بالسـكون فقح لبت الواو ياء وأح دغمت في الياء. وذلك في مثل سيّ د» ولا زلنــا نحــن أبنــاء الجيــل التــا, الــذي تســتطيع أن تشــم فيــه رائحــة العلــم, لأننــا وردنا المــاء صافياً قبل أن تكـدره الـدلاء, ولأننـا أدركنـا معاهـد العلـم قبـل أن يـدهمها السـيل, أقـول: لا زلنا نذكر هذه المشاكل النحوية التي التقينا بها في طراءة الصبا وريق الشباب, مثل إعـراب قوله تعافـع قولـه تعـاة الكريمـة [69] تمــنن تســتكثر6[ })6] تـــوارت بالحجـــاب32[ })32]در المتصـــيد في قولـــه تعـــا {7]فهم فمــا يزيــدهم إ طغيا60] وقوله110] مثل قول الشاعر إذا نهحي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف أي جرى إلى السفه .. كل هذا كنا نستظهره ونديره على ألسنتنا في سهولة ويسر, كانت أسناننا في تلـك الأيام لا تتجـــاوز الخامســـة عشـــرة ... نعـــم كـــل هـــذا عرفنـــاه وخـــبرناه, وجـــرى منـــا مجـــرى المحفوظـــات والمــأثورات, فــأورث ملكــة في النحــو, وأكســب إحساســاً بالعربيــة في أبنيتهــا وتراكيبهــا, حــتى إذا غــبي علينــا شــيء مــن هــذه الأبنيــة والرياكيــب فزعنــا إلى ذلــك المــذخور مــن أيام الصــبا, فأسفر وجهه, ودان عصيه ... فهل عند أبناء اليوم من ذلك شيء؟ ولا يصــ. أن يقــال: إن هــذا الــذي ذكرتــه كــان سمــة التعلــيم الــديني أو التعلــيم الــذي تغلــب عليه العربية, كالذي في الأزهر الشريف ودار العلوم, فإن الدكتور الفاضل يعلم علم اليقين
عدد الصفحات ١٠٥106 مواد العربية التي كانت تحقدَّ م لتلاميذ المدارس في التعليم العام, أو الأميري. وأمامي الآن طبعة ثانية من «معجم المصباح المنـ»للفيـومي المتـوفى سـنة 770 هــوتاريـخ هــذه الطبعــة 1909 م وكح تــب علــى صــدرها «قــررت نظــارة المعــارف العموميــة طبــع هــذا الكتاب على نفقتها واستعماله بالمدارس الأميرية»وكذلك يعلم الدكتور كتب الـرياث الـ كانــت مقــررة علــى طلبــة المــدارس الثانويــة, مثــل «الــبخلاء»للجــاحظ, الــذي نشــره أحمــد العوامري بك, وعلي الجارم بك سنة 1356 هـ1938م, و «نقد النثر»المنسـوب إلى قدامة بن جعفر - وثبت فيمـا بعـد أنـه البرهـان في وجـوه البيـان لابـن وهـب - الـذي نشـره الدكتور طه حسين, والأستاذ عبد الحميد العبادي سنة 1356 هـ1937م, وقد قررته وزارة المعــارف لطــلاب الســـنة الخامســة التوجيهيـــة إلى طائفــة أخــرى مـــن الكتــب المشـــحونة بالنصوص, مثل «مجموعة النظم والنثر»لعبد الله باشا فكري والمنتخب من أدب العرب هــذا إلى أن الأزهــر الشــريف كـــان موجهــاً لتعلــيم النحــو في المـــدارس ومهيمنــاً عليــه, فهـــذا الكتاب الشهير «الـدروس النحويـة»الـذي ألفـه حفـني بـك ناصـف مـع محمـد أفنـدي دياب والشيخ مصطفى طموم و محمد أفندي صـالح: قـررت نظـارة المعـارف العموميـة سـنة 1304 هـ طبعه على نفقتها بعد تصديق شيخ الجامع الأزهر. وهكـذا كـان تعلـيم النحـو والعربيـة مصر أيام عزها ومجدها من خلال الكتاب القديم أو الكتاب الحـديث المؤسـس علـى القـديم والماضي في طريقه. فهـذه العبــارة النحويــة الــتي نقلهــا الــدكتور زكـي نجيــب محمــود عــن شــيخه ينبغــي أن تؤخــذ في إطار الجد والصرامة الذي كان يشمل تدريس سائر العلوم في ذلك الزمان. ومــا أخــذت مصــر مكانتهــا الــتي تزهــو بهــا في العــالمين في مختلــف العلــوم والفنــون إلا بــذلك الجيل الذي أخذ بالجد في كل أموره منذ النشأة الأولى وال ناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. ولا ســـبيل لنـــا إذا أردنا صـــلاح الحـــال وإصـــلاح الألســـنة إلا إحيـــاء جيـــل المتـــون والحفظـــة, وذلك لن يكون إلا بالعودة في تدريس النحو إلى الكتاب القديم والـنص الرياثـي, فـإن آخـر هذه الأمة لن يصل. إلاَّ بما صل. به أولها. * * *
عدد الصفحات ١٠٦107 الحفظ وأثره في ضبط قوانين العربية (1) كتب الأستاذ الدكتور محمـود الربيعـي كلمـة في أسـبوعيات الأهـرام 6/7/1990م, بعنـوان «ترتيـــب الأولـــويات»قـــال فيهـــا«إن تلقـــين المنـــاهج لطـــلاب العلـــم الـــذين يدرســـون الجامعــات لــدينا يجعلهــم يتحــدثون عــن «أعــوص»المنــاهج الغربيــة الأجنبيــة كــأنهم أصــحابها, فإذا طلبـت إلـيهم أن يقـرأوا (مجـرد قـراءة) نصـاً إبـداعياً باللغـة الـتي يـحعَـدُّون للتخصـص فيهـا (عربيــة أو أجنبيــة) لم يقيمــوا الــنص قــراءة, فضــلاً عــن التعمــق في فهمــه بالتحليــل والريكيــب والتفكيك» وهذا كلامح حكيم (بالتنوين والإضـافة), وهـو أيضـاً كـلام ظـاهر الوضـاءة والحسـن والتـيقظ, لأنـه يلخــص المأســاة الـتي نعيشــها منــذ نحــو ثلاثـين عامــاً, في هــذا المسـتوى المتــدنىَّ مــن علــوم العربية: قراءة وكتابة, ثم هو كلام يفضي بنـا إلى قضـية ذات خطـر, لـيس في الأدب وحـده, بل إن هذا الخطر يمتد ليشمل مختلف فروع الرياث العربي, وأعني تلك الفجوة الواسـعة بـين النظرية والتطبيق, أو بين المحفو والملفو . فأنت قد تصادف شخصاً دارساً لـلأدب: تاريخـه ومذاهبـه ومدراسـه, وإذا فاتشـتَ ه في قضـية مــن قضــاياه النظريــة تلــك, صــال وجــال, ولاك ومضــغ, وخلــط عربيــاً بعجمــي, وأتاك بكــل عجيبــة وغريبــة, فــإذا أخذتــه إلى نــص ممــا كتبــه الســابقون الأولــون, وأر دتــه علــى شــيء مــن التفسير أو التحليل والتذوق حارَ وأبلس, «وصار لسـانه قطعـة لحـم خرسـاء تـدور في جوبـة الحنك»كما يقول شيخنا محمود محمد شاكر- في سياق آخر. ومثل ذلك يقال في نحويّ خالطت بشاشة النحو قلبه, وخـبر سـواده وبياضـه (زعـم), أسـهر فيه ليله, وأدأب له نهاره, حتى ظن أنه ملك ناصـيته: قواعـد وخلافيـات ونقـداً, فـإذا أخـذ في كــلام, أو أدار قلمــه علــى بيــان خلَّــط واعتســف وأخطــأ, ومــا أح تي هــذا النحــوي وذلــك الأديـــب إلا مـــن قبيـــل الإغـــراق في النظـــريات والمنـــاهج والقواعـــد, واطّ ـــراح الحفـــظ, وهجـــر (1) مجلة«الهلال»فبراير1991م
عدد الصفحات ١٠٧108 النصوص, وإهمال التطبيق وقـــد ســـرى هـــذا الـــداء الخبيـــث إلى ع لْ مـــين جليلـــين في تراثنـــا - ومـــا كـــان ينبغـــي أن يســـرى إليهما, لأنهما ملاك الأمر كله - وهما التفسير والحديث, ففي ميـدان التفسـير قـد تصـادف دارساً يحدثك بإفاضة وإحاطة عن مدارس التفسير واتُاهاتـه, مـن تفسـير بالمـأثور إلى تفسـير بالــرأي, والتفســير الموضــوعي للقــرآن, والتفســير الفقهــي, والتفســير الإشــاري الصــوفي, إلى آخر هذه القائمة, فإذا طلبت منـه تفسـير شـيء مـن كتـاب الله لم تظفـر منـه بشـيء إلا شـيئاً لا يحعبــأ بــه! وقــد اختفــت تلــك الصــور الجليلــة النبيلــة, حــين كنــت تســتوقف شــيخاً فاضــلاً عقب صـلاة الجمعـة, أو في طريـق عـام, فتسـأله عـن آيـة مـن كتـاب الله فـإذا أنـت أمـام علـم حاضر وإجابة شافية. وقل مثل هـذا في حـديث سـيدنا رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم, فقـد اشـتغل بـه كثـير مـن طلبة العلم الآن: دراسة نظرية, تح عنى بتدوينه وعلومـه وتصـانيفه مـن الصـحاح والمسـانيد ... إلى غير ذلك مما كان يعرف قديماً بعلم «الدرايـة»لكنـك قـلأن تُـد مـنهم مـن اعتـنى بهـذا العلم الجليل «رواية»من حيث حفظ المتون وإتقان الغريب وقـــد أدى هـــذا الأمـــر إلى مصـــيبة كـــبرى اجتاحـــت بعـــض الشـــباب المســـلم المحـــب لحـــديث المصطفى صلى الله عليه وسلم, ومعرفـة السـنة المطهـرة, فقـد اتُـه كثـير مـنهم في هـذه الأيام إلى طلــب معرفــة الأحاديــث الضــعيفة والموضــوعة, وتُــري. الــرواة وتعــديلهم - وهــذا بحــر لا ساحل له, ولا يقوى عليه إلا أولـو العـزم مـن الرجـال - وقـد صـرفوا في ذلـك جهـوداً كثـيرة كـــان الأولى أن تصـــرف إلى قـــراءة صـــحيحي الإمـــامين الجليلـــين: البخـــاري ومســـلم, وبقيـــة الكتب الستة التي هي دواوين السنة, ثم بعض المسانيد الأخرى, قراءة فهم وبحث وإمعان, فإذا أتقنوا ذلـك كـان لهـم أن يبحثـوا في الضـعيف والموضـوع, وقـد بلغـت السـفاهة ببعضـهم أن يقول عن حـديث رواه الإمـام الجليـل أبـو عبـد الله البخـاري: «صـحَّحه فـلان»يشـير إ أحد العلماء المعاصرين. أفبعد إخراج البخاري للحديث, يقال: صحَّحه فلان؟ إن الإسراف في النظريات والمناهج هـو الـذي أضـعف إحسـاس أبنائنـا بالعربيـة الأولى, وهـو الذي أورثهم العجز الذي يأخذ بألسنتهم وأقلامهم, فلا يستطيعون قولاً ولا بياناً. على أن هـذا الـذي ذكـره الـدكتور الربيعـي, والـذي ذكرتـه أنا, يرجـع إلى أننـا أهملنـا جوانـب
عدد الصفحات ١٠٨109 ضرورية تعلم العربية. ومن هذه الجوانب الـتي أحهم لـت: جانـب النصـوص أو الحفـظ, فإنـه يشيع في أيامنا هذه كـلام عجيـب, يـبغّ ض إلى طالـب العربيـة «الحفـظ»ويزهّ ـده فيـه, بـل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى تثبيت قاعدة تُعـل «الحفـظ»مقابـل«الفهـم»وأن الطالـب الـذي يحفظ «صمام»وغير قادرعلى الفهم والاستيعاب, ونقرأ لمسؤول كبير عن التعليم في مصر قوله: «ولا بد أن يدرك الطالب أن زمن الحفظ والصمامين قد انتهى» تراثنا قائم على الرواية وهذا الكلام إن صدق على العلـوم المعمليـة والتطبيقيـة, لا يصـدق علـى علـوم العربيـة, مـن أدب وبلاغة ولغة ونحو, وذلك لأن تراثنـا كلـه قـائم علـى الروايـة والدرايـة, والروايـة مقدمـة, ولذلك قالوا: «الرواية من العشرين والدراية من الأربعين»والجوهري صاحب«الصَّـحاح» يقول في مقدمته«قد أودعت هذا الكتاب ما ص. عندي من هذه اللغةبعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية» وقــد وصــل إلينــا تراثنــا في أول أمــره عــن طريــق الحفــظ والروايــة, فقــد وعتــه صــدور الــرواة والنقلة, وسلَّمته أجيال إلى أجيال, حتى أظل زمان التدوين والكتابة, فالحفظ هو الأسـاس, وقــد حثــوا عليــه ومــدحوا أهلــه, فــروي عــن الأصــمعي أنــه قــال: «كــل علــم لا يــدخل معــي الحمــام فلــيس بعلــم»ويريــد أنــه حافظــه ومستحضــره في كــل وقــت وعلــى كــل حــال. وقــال محمد بن يسير - من شعراء الدولة العباسية الأولى: أأشهد بالجهل في مجلس ... وعلمي في البيت مستودع إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع وقال بعض أهل العلم: حفظ اللغات علينا ... فرض كفرض الصلاة فليس يحضبط دين ... إلا بحفظ اللغات ولولا الحفظ في تاريخنا الرياثي لما أمكن لهذه الطائفة من عبـاقرة العربيـة العميـان أن يسـجلوا لنا هذا القدر الضخم مـن المعـارف الإنسـانية, كالـذي نقـرأه عنـد أبي العـلاء المعـري - وأبـو العــلاء فــوق شــاعريته صــاحب لغــة ونحــو وصــرف وعــروض –, وابــن ســيده صــاحب المحكــم والمخصـــص, والإمـــام الريمـــذي صـــاحب الســـنن, وغـــيرهم كثـــير, ممـــا ذكـــره صـــلاح الـــدين
عدد الصفحات ١٠٩110 الصـــفدي في كتابـــه الطريـــف «نَكْـــت اله مْيـــان في نحكَـــت العميـــان»وحســـبك بقحـــرَّاء القـــرآن وعلماء القراءات, كالشاطبي صاحب المنظومة الشهيرة في القراءات السبع المسمَّاة: «حـرز الأمــاني ووجــه التهــاني»وفي هــذا العصــر الحــديث يأتي الــدكتور طــه حســ - رحمــه الله - على رأس أفذاذ العميان المعاصرين. إن طبيعـة تعلــم العربيــة تقتضــي حفــظ كثــير مــن النصــوص لتثبيــت القواعــد والتمكــين للأبنيــة والرياكيــب في ذهــن طالــب العلــم. وقــد قيــل - الحفــظ الإتقــان - وذلــك مــا رواه أيــوب بــن المتو كل قال: سمعت عبد الـرحمن بـن مهـدي يقـول: كـان الرجـل مـن أهـل العلـم إذا لقـي مـن هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته, سأله وتعلم منه, وإذا لقـي مـن هـو دونـه في العلـم علمـه وتواضع له, وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه. وقال: لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم, ولا يكون إماماً في العلم من روى كل ما سمع, ولا يكون إماماً في العلم من روى عن كل أحد, والحفظ الإتقان» حفظ كلام العرب ويقـول ابـن خلـدون: «ووجـه التعلـيم لمـن يبتغـي هـذه الملكـة ويـروم تحصـيلها أن يأخـذ نفسـه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم, من القرآن و الحـديث وكـلام السـلف ومخاطبـات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم, وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنـونهم, حـتى يتنـزل لكثرة حفظه لكلامهـم مـن المنظـوم والمنثـور منزلـة مـن نشـأ بيـنهم ولقـن العبـارة عـن المقاصـد منهم» ويقول أيضاً«وتعلم مماقررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب, حـتى يرتسـم في خيالـه المنـوال الـذي نسـجوا عليـه تـراكيبهم فينسـج هو عليه, ويتنزل بذلك منزلة مـن نشـأ معهـم, وخـالط عبـارتهم في كلامهـم حـتى حصـلت لـه الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم » ويقول أيضاً عن هذه الملكة التي تحصل بالحفـظ والدُّربـة: «.. فـإن الملكـات إذا اسـتقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلَّة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعــرف شــأن الملكــات أن الصــواب للعــرب في لغــتهم إعــراباً وبلاغــة أمــر طبيعــي, ويقــول: كانت العرب تنطق بالطبـع, ولـيس كـذ لك, وإنمـا هـي ملكـة لسـانية في نظـم الكـلام تمكنـت
عدد الصفحات ١١٠111 ورســـخت فظهـــرت في بادئ الـــرأي أنهـــا جبلـــة وطبـــع. وهـــذه الملكـــة كمـــا تقـــدم إنمـــا تحصـــل بممارســة كــلام العــرب وتكــرره علــى الســمع, والــتفطن لخــواص تراكيبــه ... وليســت تحصــل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك, التي استنبطها أهل صناعة اللسـان, فـإن هـذه القـوانين إنمـا تفيد علماً بذلك اللسان, ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها» وهــذا الكــلام الأخــير هــو الــذي ينتهــي إليــه كــلام الــدكتور الربيعــي, وهــو الــذي أدرت عليــه مقـــالتي هـــذه. فـــإن «معرفـــة القـــوانين العلميـــة الـــتي اســـتنبطها أهـــل صـــناعة اللســـان»هـــي «النظريات والمناهج»في أيامنا هذهفكما أن الوقوف عند «معرفة القوانين العلميـة»هـذه لا يصنع ملكة أدبية لغوية, كذلك الاكتفاء «بالنظريات والمناهج»لا يكسب هذه الملكة ويقرر ابن خلدون أيضاً: «أنـه لا بـد مـن كثـرة الحفـظ لمـن يـروم تعلـم اللسـان العـربي, وعلـى قــدر جــودة المحفــو وطبقتــه في جنســه وكثرتــه مــن قلتــه تكــون جــودة المَ لَ كَــة الحاصــلة عنــه للحافظ» ويقــول القاضــي عبــد الــرحيم بــن علــي بــن شــيث الإســنائي القوصــي, في ســياق حديثــه عــن أدوات الكاتـــب وعدّ تـــه: «والحفـــظ في ذلـــك مـــلاك الأمـــر, فإنـــه يؤهّ ـــل ويـــدرّ ب, ويســـهّ ل المطلوب ويقرّ ب» هل الحفظ مطلوب؟ هــذا وقــد و قعــت علــى نــص خطــير جــداً, هــو خــير رد و أوفــاه علــى هــؤلاء الــذين يشــريطون للحفــظ: الفهــم, ويقولــون: لا تطلبــوا مــن الصــبي حفــظ مــا لا يفهــم, فــإن هــذا غــير مجحــد في العملية التعليمية. يقول أبو الفت. عثمان بـن جـني: «قـال لنـا أبـو علـي- الفارسـي - يومـاً قال لنا أبـو بكـر - ابـن السـراج - : إذا لم تفهمـوا كلامـي فـاحفظوه, فـإنكم إذا حفظتمـوه فهمتموه» وهذا كلام صحي., يصدقه الواقع وتؤكده التجربة, فإن الإلحاح بالحفظ الدائم المسـتمر ممـا يمهّ ــد للفهــم لا محالــة. وآيــة ذلــك أن صــغار التلاميــذ في دور الحضــانة والروضــة يــرددون مــع إطلالة كل صباح النشيد الوطني لبلا دهم, وهـم بالقطـع لا يعرفـون شـيئاً عـن معـاني مفرداتـه فضلاً عن تراكيبه, ولكنهم بمـرور الأيام يـدركون ويفهمـون. والشـواهد علـى ذلـك أكثـر مـن أن تحصى في اكتسـاب وإدراك المعـارف. ونحـن الـذين حفظنـا القـرآن صـغاراً نعـرف هـذا مـن
عدد الصفحات ١١١112 أنفسنا, فما زلنا نذكر ألفا القرآن وتراكيبه الغريب ة علينا في مطالع أيامنا, ثم إضاءة معانيـه في نفوسنا بعد ذلك بالتدريج, وإن كنا لا نـدرك بالضـبط مـتى تم هـذا, كمـا لا يـدرك النـاظر في السماء انسلاخ النهار من الليل إلا حين يغشاه نوره ويغمره سناه. ولــيس أدل علــى أهميــة «الحفــظ»في العمليــة التعليميــة في تراثنــا, مــن هــذا القــدر الهائــل مــن المنظومــات في اللغــة والنحــو والفــرائض (المواريــث), والقــراءات, وعلــوم الحــديث والأصــول والبلاغة والمنطق والعروض والميقات والطب, وكل ذلك لضـبط القاعـد ة وتثبيـت الأحكـام. وما أمر «ألفيه ابن مالك»ببعيد ومـــع المنظومـــات المطولـــة في النحـــو والصـــرف كـــان هنـــاك البيتـــا ن والثلاثـــة والأربعـــة لضـــبط القاعدة وترسيخها. فهذا جمع التكسير ينقسم إلى جموع قلة وإلى جموع كثرة, وللأول أربعـة أوزان, وللثاني سبعة عشر وزناً, ولصعوبة حصـر هـذه الأوزان صـاغها بعضـهم شـعراً ليسـهل حفظها, فجموع القلة جمعت في قوله: بأفعل ثم أفعال وأفعلة ... وفعلة يعر ف الأدنى من العدد كأفلس وكأثواب وأرغفة ... وغلمة فاحفظنْ ها حفظ مجتهد وجموع الكثرة جمح عت في قوله: في السفن الشهب البغاة صور ... مرضى القلوب والبحار عبر غلمانهم للأشقياء عمله ... قطاع قضبان لأجل الفيلة والعقلاء شرد ومنتهى ... جموعهم في السبع والعشر انتهى وترتيب الخليل بن أحمد لمواد المعجم نظمها بعضهم في قوله: عن حزن هجر خريدة غناجة ... قلبي كواه جوى شديد ضرار صحبي سيبتدئون زجري طحلَّباً ... دهشي تطلب ظالم ذي ثار رغماً لذي نصحي فؤادي بالهوى ... متلهب وذوي الملام يماري وواض. أن المراد الحروف الأولى من كلمات هذ ا النظم هكذا: ع ح هـ خ غ ... الخ. هـــذا إلى الضـــوابط النثريـــة, مثـــل «ســـألتمونيها»لضـــبط حـــروف الـــزيادة, و«ســـكت فحثـــه شخص»لضبط الحروف المهموسةفبهذه الضوابط الشـعرية والنثريـة تعلمنـا الأدب واللغـة والنحـو, وتعلـم مـن قبلنـا, لأننـا ســلمنا ولأنهـم سـلموا مـن زلازل التطـوير وأعاصـ ير التيســير.
عدد الصفحات ١١٢