المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ج1

محمود محمد الطناحي

صفحة ٦ من ٢٢

81 عينية ابن زريق (1) ذهب الشعراء المكثرون بالذيوع والشـهرة في مجـال قـراءة الشـعر ودرسـه, وبقـي علـى سـاحة القريض طائفة كبيرة من الشعراء الذين عح رفوا بالشعراء المقلّـين, وقـد قـال هـؤلاء مـن الشـعر أحلاه, وصاغوا مـن الـنغم أعذبـه, وتوزعـت أغاريـدهم وأنغـامهم في المجـاميع الأدبيـة والأمـا, و المجـالس, وكتــب التــاريخ والــرياجم والبلــدان, وموســوعات العلــوم, كالتفســير والنحــو واللغــة والبلاغة. ولن يسـتقيم درس الشـعر العـربي وتـبرز صـورته واضـحة الملامـ. بيَّنـة القسـمات إلاَّ إذا جمحـ ع شعر هؤلاء الشعراء المقلّ ين, وأوتي حظه من البحث والتأمل. وقــد نشــط إخواننــا أدباء العــراق هــذه الأيام لجمــع هــذا الشــعر وإذاعتــه في دواويــن صــغيرة, وعلــى الــرغم ممــا شــاب عملهــم مــن بعــض العجلــة والقصــور في تخــريج الشــعر وتوثيقــه, فإنــه جهد طيب خليق بكل الاحتفال والمؤازرة والاقتداء. وليــت أســاتذة الجامعــات العربيــة يغــرون تلاميـــذهم في الدراســات العليــا بجمــع هــذا الشـــعر ودرسه, وليتجه هذا الجمع إلى البلدان في عصورها المختلفة, فيقال مثلاً: «شـعراء مصـر القرن الرابع الهجري»وهكذا في سائر البلدان العربية علـى امتـداد العصـور, ومـن أعجـب العجب أن ما كتبه أسـلافنا لإقامـة مثـل هـذه الدراسـات كبـير وفـير, ولكنـه يخفـى علـى كثـير ممن يتعاطون الأدب والشعر هذه الأيام, كأنه كح تب بلغة غير لغتنا لأمة سوى أمتنا: فدع عنك نهباً ص ي. في حَجَراته ... ولكنْ حديثاً ما حديث الرواحل وأقـــول: إن بعـــض هـــؤلاء الشـــعراء المقلّـــين عحـــرف بقصـــيدة واحـــدة تناقلهـــا الـــرواة وأنشـــدها المنشدون. ومنهم ابـن زريـق صـاحب القصـيدة العينيـة البديعـة الـتي يسـمع المحـب فيهـا رجـع أناّ تــه, ويحــس الغريــب منهــا لــذع الغربــة يكــوي فــؤاده ويشــده إلى مراتــع صــباه ومراتــع لهــوه, ويغذي الصوفي بها مواجيده وأشواقه, ثم يجد فيها قارئ الشعر متعته بما يسري فيها من نغم علوي وإيقاع آسر. (1) مجلة الشعر, العدد الأول, يناير76, القاهرة

عدد الصفحات ٨١

82 وقد شرَّقت هذه القصيدة وغرَّبت, وعحدَّ حفظها من أسباب الظرف. روى أبو عبد الله الحح ميــدي المتــوفى ســنة 488 هـــ, عــن الإمــام أبي محمـــد بــن حــزم, قــال«يقــال: مــن تخـــتم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زح ريق فقد استكمل الظرف»(1). وابن زريق صـاحب هـذه القصـيدة هـو: أبـو الحسـن علـي بـن زحريـق الكاتـب البغـدادي, عــاش في بغــداد ثم رحــل إلى الأنــدلس وبهــا تــوفي. ولم أجــد لــه ترجمــة تعــينّ تاريــخ مولــده أو وفاته. ويرى المستشرق الألماني كارل بروكلمان (2) أنه تو نحو سنة 420 هـ, وقد أورد لـه صـلاح الـدين الصـفدي (3) ترجمـة مـوجزة جـداً, ذكـر فيهـا أنـه أنشـأ هـذه القصـيدة في مــدح العميد أبي نصـر وزيـر طغرلبـك. وأبـو نصـر هـذا هـو: عميـد الملـك الـوزير محمـد بـن منصـور الكندري المتوفى سنة 456 (4), لكن أبا حيان التوحيدي أنشد بيتين من قصيدة ابـن زريـق لم ينسبهما, وهما قوله: أستودع الله في بغداد , قمراً ... بالكوخ من فلك الأزرار مطلعحهح ودّ عته وبودّي لو يودعني ... صفو الحياة وإني لا أودعحهح (5) وأبو حيان توفي نحو سنة400 هـ, فيتطرق الشك إذن إلى أمرين الأول كــون القصــيدة قيلــت في مــدح عميــد الملــك الــذي تأخــرت وفاتــه كثــيراً عــن وفــاة أبي حيان. الثاني: نسبة البيتين لابن زريق. ولما كنا لا نملك ما ندفع به الأمر الأول, ب رغم أن القصيدة لــيس فيهــا ذكــر لعميــد الملــك, لا مــن قريــب ولا مــن بعيــد, فــإن الشــك ينحصــر في الأمــر الثاني, وهو أن البيتين ليسا لابن زريق, ويقـوي هـذا دلـيلان: الأول: أن أبا حيـان لم ينسـب (1) الظرف, بفتح الظاء: هو البراعة وذكاء القلب, وقيل: الظرف في اللسان: البلاغة, وفي الوجه: الحسن, وفي القلب الذكاء. (2) تاريخ الأدب العربي, الملحق 1 /133, الطبعة الأوربية, ومعجم المؤلف ين, للأستاذ عمر كحالة 7 /95. (3) الوافي بالوفيات, مصوَّرة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية, برقم861 تاريخ (4) وفيات الأعيان لابن خلكان4 /223, تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد, والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي 5 /26. (5) الإمتاع والمؤانسة 2 /616, تحقيق الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين

عدد الصفحات ٨٢

83 البيتين لقائل, لا لابـن زريـق ولا لغـيره. الثـاني: أن أبا منصـور الثعـال(1, نسـبهما مـعبيتـين يأتيان بعدهما في ترتيب القصيدة إلى الوأواء الدمشـقي المتـوفى نحـو سـنة 385 هــ, والثعـال حجة فيما يورده, لأنه يسجل أدب عصره, وقد أورد محقق ديـوان الـوأواء (2) هـذه الأبيـات الأربعة عن الثعالبي, ووضعها في الزيادات الـتي ليسـت بأصـل الـديوان, ثم ذكـر أن الأبيـات من قصيدة ابن زريق, وأحال على كتاب «الكشكول»للعاملي وإذا صـ. كـلام الثعــالبي فيكـون ابـن زريــق قـد ضــمَّن هـذه الأبيـات الأربعــة قصـيدته الــتي لا شــك في نســبتها إليــه, أو أن بعــض الــرواة أقحـــم الأبيــات علــى القصــيدة, لاتفــاق القافيـــة والوزن والنفس الشعري. ولعل مما يتصل بهذه القضية أني وجدت أبياتاً للتهامي المتوفى سنة 416 هــ, شـديدة الشـبه بأبيات ابن زريق, أوردها أسامة بن منقذ(3), أولها أستودع الله في أرض الحجاز رش ا ... في روضة القلب مأواه ومرتعحهح ونأتي إلى مــن أثبــت قصــيدة ابــن زريــق, فــأول مــن عرفــتح : أبــو ســعد الســمعاني المتــوفى ســنة 563 هـ وذكر أبياتاً من القصيدة غير تامة, وبعده: أسامة بن منقذ المتوفى سنة 584 هــ وذكــر مــن القصــيدة عشــرة أبيــات, وصــلاح الــدين الصــفدي المتــوفى ســنة 764 هـــ, وتاج الـدين الســبكي المتــوفى ســنة 771 هــ, وأبــو بكــر بــن حجـة الحمــوي المتــوفى ســنة 837 هـــ وبهــاء الــدين العــاملي المتــوفى ســنة 1301 هـــ(4), وهــؤلاء الأربعــة ذكــروا القصــيدة كاملــة (1) يتيمة الدهر1 /293, تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد, الطبعة الثانية (2) ديوان الوأواء الدمشقي, ص273, تحقيق الدكتور سامي الدهان, طبعة دمشق (3) المنازل والديار, ص 220, تحقيق أخي الأستاذ مصطفى حجازي ولم ترد هذه الأبيات في ديوان التهامي المطبوع في دمشق. (4) السمعاني في كتابه ذيل تاريخ بغداد, كما حكى عنه السبكي في الموضع الآتي من كتابه الطبقات, وأسامة بن منقذ في كتابه المنازل والديار المذكور من قبل, ص 33 ,34, والصفدي في كتابه الوافي بالوفيات الذي مر ذكره, والسبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى 1 /308 - 311, تحقيق أخي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو وكاتب هذه المقالة, وابن حجة في كتابه ثمرات الأوراق ص 475 - 478, تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم, والعاملي في كتابه الكشكول 1 /118 - 120, تصحيحالشيخ طاهر الزاوي, وقد خمس قصيدة ابن زريق هذه طه أفندي أبو بكر, وسمى تخميسه: بث الشجن على عينية أبي الحسن, وطبع هذا التخميس بمطبعة بولاق سنة 1312, مع كتاب الدر الذي انسجم على لامية العجم, للشيخ سيد بن علي المرصفي, كما جاء

عدد الصفحات ٨٣

84 وانفرد السبكي وابن حجة بإيرادها بسندهما المتصل إلى ابن زريق ومما ينبغي التنبه له أن هناك شاعراً آخر في القرن الرابع, عحـرف أيضـاً بابـن زح ريـق, وقـد ترجم له الثعالبي في اليتيمة, وأورد له شعراً, ولم يذكر له اسماً , إنما ذكره بكنيته, فقال: «أبـو محمـــد بـــن زريـــق الكـــوفي الكاتـــب» (1), وأنشـــد لـــه بيتـــين في مـــدح بغـــداد, في كتابـــه «ثمـــار القلوب في المضاف والمنسوب»(2), وأنشـد هـذين البيتـين أيضـاً ياقـوت الحمـوي«معجـم البلدان»عند كلامه على بغداد وقــد أنشــد ابــن خلكــان البيــت: أســتودع الله في بغــداد ... إلخ. ثم قــال: وهــذا البيــت لمحمد بن زريق الكاتب الكوفي, من جملة قصيدة طويلة (3). ومهما يكن من أمر فهذه رائعة ابن زريق, وقبل أن أخلي بينك وبينها, أقول: إن هـذه القصيدة ليست كل ما تركـه ابـن زريـق مـن إنتـاج شـعري, فقـد وجـدت لـه قصـيدة جيـدة في رثاء ديـــك, أوردهـــا صـــلاح الـــدين الصـــفدي في كتابـــه «الـــوافي بالوفيـــات»ولعلـــي أوفـــق في نشــرها قريبــاً, ثم ذكــر بروكلمــان أن لــه أرجــوزة في الأخــلاق, مخطوطــة في بــرلين, ومــن يــدري لعل له أشياء غير هذه وتلك, فكم في الزوايا من خبايا: [«عينية ابن زريق]» لا تعذليه فإن العذل يولعحهح ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعحهح (4) جاوزت في لومه حداً أضرَّ به ... من حيث قدّ رت أن اللوم ينفعهح فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عذله فهو محضنى القلب موجَعحهح قد كان مضطلعاً بالبين يحمله ... فضح لّ عتْ بخطوب البين أضلعهح (5) يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروّ عهح (1) فهرس الأدب بدار الكتب المصرية (1) يتيمة الدهر2 /277. (2) ثمار القلوب ص512, تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم (3) وفيات الأعيان4 /420, ترجمة موسى بن عبد الملك الأصبهاني, و «أبو محمد»عند الثعالبي جاءت عند ابن خلكان «محمد»كما ترى (4) أشير هنا إلى أن هناك بعض اختلاففي رواية أبيات القصيدة, فمن أراده فليطلبه فيما ذكرت من مراجع. (5) ضلعت: أي أثقلت وتكسرت, يقال: داهية مضلعة: أي تثقل الأضلاع وتكسرها

عدد الصفحات ٨٤

85 ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي على سفر بالعزم يجمعهح كأنما هو من حل ومر تحَ ل ... موكّ ل بفضاء الأرض يذرعهح (2) إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعهح (3) تأبى المطامع إلا أن تُشمهح ... للرزق كدَّ اً وكم ممن يودّ عهح وما مجاهدة الإنسان واصلةً ... رزقاً ولا دعةح الإنسان تقطعهح والله قسّ م بين الخلق رزقهمح ... لم يخلق الله مخلوقاً يضيّ عه لكنهم مح لئوا حرصاً فلست ترى ... مسريزقاً وسوى الغايات تقنعهح والحرص في الرزق والأرزاق قد قح س مت ... بغي ألا إن بغي المر ء يصرعهح والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوماً ويح طمعه من حيث يمنعهح أستودع الله في بغداد , قمراً ... بالكَ رخ من فـَ لَ ك الأزرار مطلعهح ودّ عته وبودّ ي لو يودّ عني ... صفوح الحياة وأني لا أودعهح وكم تشفّ ع بي ألا أفارقهح ... وللضرورات حال لا تشفّ عهح وكم ت شبّ ث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعهح لا أَ كذ ب الله: ثوب العذر منخزق ... عني بفرقته لكن أرقّ عهح إني أوسّ ع عذري في جنايته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسّ عهح أح عطيتح ملكاً فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعهح ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكر عليه فعنه الله ينزعهح اعتضتح من وجه خ لّ ي بعد فرقته ... كأساً تُرَّع منها ما أجرَّعه كم قائل ,َ ذقتَ البين قلتح له ... الذنب والله ذنبي لستح أدفعهح ألا أقمتَ فكان الرشد أجمعهح ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعهح إني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطّ عهح (1) التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي, وفي التنزيل العزيز, حكاية عن يعقوب عليه السلام 94}) الفراء: يقول تكذبون وتعجزون وتضعفون. معاني القرآن 2 /55. (2) الحل: نقيض الارتحال, وهو بفتح الحاء, وكثير من الناس ينطقه بكسر الحاء, وهو خطأ (3) الزماع, بفتح الزاي وكسرها: المضاء في الأمر والعزم عليه

عدد الصفحات ٨٥

86 بمن إذا هجع النوّام بتح له ... بلوعة منه ليلي لستح أهجعهح لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا ... لا يطم ئن له محذ ب نْ تح مضجعهح ما كنتح أحسب ريب الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعهح حتى جرى البين فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حظّ ي وتمنعهح وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً ... فلم أوقَّ الذي قد كنت أجزعهح بالله يا منزل الأنس الذي درست ... آثاره وعفت مح ذ بنتح أربـح عحهح هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليا, التي أمضته ترجعهح في ذمة الله مَ ن أصبحت منزلهح ... وجاد غيث على مغناك يسرعهح مَ ن عنده , عهد لا يضيّ عه ... كما له عهد صدق لا أضيّ عه ومن يصدّ ع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدّ عه لأصبرنَّ لدهر لا يمتّ عني ... به ولا بي في حال يمتّ عهح علماً بأن اصطباري مح عق ب فرجاً ... فأضيق الأمر إن فكرتَ أوسعهح عسى الليا, التي أضنَ تْ بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتُمعهح وإن تغ ل أحداً منا منيتح ه ... فما الذي بقضاء الله يصنعهح * * *

عدد الصفحات ٨٦

87 التحقيق (1) تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواتـه, ولـه جانبـان: جانـب الصـنعة وجانب العلم. فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجمع النسـخ المخطوطـة للكتـاب المـراد تحقيقـه, والموازنـة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل كما سنعرض له فيما بعد, ثم مـا يكـون بعـد ذلـك مـن توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف, ونسبة المخطوط إليه, ونسخه والتعليق عليه, وتخـريج شواهده وتوثيق نقوله وصنع الفهارس الفنية اللازمة, فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً, ولا يكاد يفضل أحـد أحـدًا فيـه, إلا بمـا يكـون مـن الوفـاء بهـذه النقـاط أو التقصير فيها. وأمــا جانــب العلــم في تحقيــق النصــوص: فهــو الغايــة الــتي لــيس وراءهــا غايــة, وهــو المطلــب الكبــير الــذي ينبغــي أن تصــرف إليــه الهمــم, وتبــذل فيــه الجهــود, ولاءً لهــذا الــرياث العريــق, وكشفاً لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة. وتلخــيص هــذا الجانــب الآن في هــذه المحاضــرة المحــدودة عس ــ ر كــل العســر, والتــدليل عليــه لا يكون إلا بالنظر في أعمال المحققـين الأثبـات, وقـراءة حواشـيهم, وسـريون أن هـؤلاء المحققـين العلماء دائرون في قضايا العربية كلها التي يدور حولها النص, أصالة أو استطراداً, ثم تأملـوا جريدة مراجعهم وستجدون أنها تكـاد تغطـي المكتبـة العربيـة كلهـا, فعـدة المحقـق هـي الكتـب في كل فن, لأنه في كل خطوة يخطوها مع النص مطالب بتوثيق كل نقل, وتحرير كل قضـية, بل إن المحقق الجـاد قـد يبـذل جهـداً مضـنياً لا يظهـر في حاشـية أو تعليـق, وذلـك حـين يريـد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه, ولا يشفع له إذا كبـا أو تعثـر أنـه متخصـص في النحـو فقط, أو في البلاغة فقط, فلا بد أن يكون على صلة باللغة والنحو والتفسـير والحـديث - متنــــاً وســــنداً - وعلــــم الكــــلام, والأصــــول والفقــــه, والأدب والبلاغــــة والعــــروض والتــــاريخ والبلدان (الجغرافيا) وسائر فروع العلم, إن لم يكن مـن طريـق الإلمـام الكامـل - وهـذا شـاق (1) مجلة فن تحقيق التراث, مركز الدراسات والبحوث الإسلامية, كلية دار العلوم, جامعة القاهرة.

عدد الصفحات ٨٧

88 بــلا ريــب- فمــن طريــق الأنــس بكتــب هــذه الفنــون, والدُّربــة علــى التعامــل معهــا والإفــادة منها. ومعرفة مظنة العلم نصف العلم. وعلى ذلك فإن طالب الدراسات العليـا حـين يحقـق نصـاً تراثيـاً علـى هـذا النحـو, إنمـا يقـول مــادة علميــة محــررة, تقــوم عليهــا دراســات الدراســين, فــلا دراســة صــحيحة مــع غيــاب الــنص الصحي. المحرَّر. وكم رأينا مـن دراسـات انتهـت إلى نتـائج غـير صـحيحة, لأنهـا اتكـأت علـى نصوص محرفة, وأوض. ما نرى هذا في الدراسات الشـعرية الـتي قامـت علـى دواويـن شـعرية غير محققة. والتحقيــق في اللغــة: التصــديق أو قــول الحــق, والإحقــاق: الإثبــات, يقــال: أحققــت الأمــر إحقاقًا: أي أثبتـه وأحكمتـه وصـححته. والجـاحظ يسـمي العلمـاء الأثبـات: العلمـاء المحقـين. (رســالة فصــل العــداوة والحســد - رســائل الجــاحظ 1/339), والشــريف الرضــي يســمَّيهم «العلماء المحقق»(حقائق التأويل ص20.) والتحقيق في اصطلاح نشر الرياث«هو أن يـؤدَّى الكتـاب أداءً صـادقاً كمـاوضـعه مؤلفـه كماً وكيفاً بقدر الإمكان»والكتاب المحقـق «هـو الـذي صـ. عنوانـه واسـم مؤلفـه ونسـبة الكتاب إليه, وكان مت نه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه » ولتحقيق هذه الغاية لا بد من إجراءات علمية تدور على النقاط التالية 1- تحقيق عنوان الكتاب 2 - تحقيق اسم المؤلف 3- تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه 4- تحقيق م الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقارباً لنص مؤلفه والخطوة الأو لى في تحقيق الكتاب هـي: جمـع قـدر معقـول مـن مخطوطاتـه, والموازنـة بـين نسـخ هذه المخطوطات لاختيار النسخة الأصل أو النسخة الأم, والنح سخ المساعدة, ويتم اختيار هذه النسخة الأصل وفق معايير معينة, هي على هذا الريتيب: 1- أن تكون النسخة بخط المؤلف, أو تكون مـن إملائـه علـىأحـد تلاميـذه, أو تكـون قـد سمعت عليه, أو أجاز روايتهـا عنـه, علـى أن يح ثب ـتَ في أول النسـخة أو آخرهـا مـا يـدل علـى

عدد الصفحات ٨٨

89 ذلك 2- أن تكـــون النســـخة مـــأخوذة عـــن النســـخة الســـابقة الـــتي هـــي الأصـــل, أو تكـــون فـــرع فرعها. 3- إذا فحقــدت نســخة المؤلــف أو النســخة المنقولــة عنهــا - وهــي فرعهــا أو فــرع ف رعهــا - فيكون المعيار العام في تفضيل نسـخة علـى أخـرى هـو ق ـدم تاريـخ النسـخ, وقربـه مـن عصـر المؤلف, مع سلامة الم وصحة النح سخ. ويــدور عمــل المحقــق بعــد أن ينســخ الكتــاب مــن الأصــل المخطــوط الــذي اختــاره وارتضــاه, وبعد المقابلة على النح سخ الأخرى, على جملة من التعليقات, هي: 1- ذكر فروق النسخ, ولا يذكر من هذه الفروق إلا ما له وجه ومع 2- تخريج النصوص (قرآن- حديث - شعر - مثل). وتخريج النصوص هو الدلالة على مواضعها في مصادرها. 3- توثيق النقول التي صرح المؤلـف بنسـبتها إلى أصـحابها, أو الـتي سـكت عنهـا, ثم عـرف المحقق أصولها وأصحابها. 4 - التعريف بالأعلام والأماكن, ولا يحعرّ ف منهما إلا ما كان مجهولاً أو قليل الشهرة. 5- الشروح اللغوية للألفا الغربية, ويتصل بها شرح المصطلحات, والإشارات التاريخية وواض. أن تعليقـات المحقـق الـتي تقـوم علـى هـذه النقـاط الخمـس, ينبغـي أن تكـون في دائـرة إضــاءة الــنص وتوضــيحه فقــط, فــلا يصــ. أن يتوســع فيهــا حــتى تخــرج إلى التفســير الكامــل, فتحقيق النصوص ليس شرحاً لها. ويسبق هذا العمل عمل ويقفوه عمل, فأمـا الـذي يسـبقه فهـو ترجمـة لمؤلـف الكتـاب, علـى المنهج المعروف عنـد أئمـة التحقيـق, ثم حـديث عـن الكتـاب المحقـق, ومكانـه في الفـن الـذي يدور حوله, تأثراً وتأثيراً, ثم مكانة الكتاب في المكتبة العربية على وجه العموم. وأما الذي يقفوه فهو فهارس فنية تكشف عن كنوز الكتاب وفوائده, وتُرى هذه الفهارس على النحو الذي عح رف عند شيوخ صنعة التحقيق. ويح ستعمَ ل مصطل. التحقيق مرادفاً لمصطل. «التصـحي»أو«النشـر»وفي بدايـة الطباعـة

عدد الصفحات ٨٩

90 العربيــة لم يحعــرف هــذا المصــطل. «التحقيــق»ولعــل أول مــن اســتعمله ووضــعه علــى صــدر الكتب التي نشرها هو: أحمد زكي باشا, شيخ العروبـة, المتـوفى سـنة 1353 هــ- 1934 م, وذلك فيما نشره من هذه الكتب الأصــــنام, لابــــن الكلــــبي 1332 هـــــ- 1914 م, والتــــاج في أخــــلاق الملــــوك, المنســــوب للجـــاحظ, في الســـنة نفســـها, وأنســـاب الخيـــل, لابـــن الكلـــبي, الـــذي طح بـــع بعـــد وفاتـــه ســـنة 1365 هـ- 1946 م وقد مرَّ تحقيق الرياث أو نشره في الديار المصرية بأربع مراحل. المرحلة الأولى: مطبعة بـولاق والمطـابع الأهليـة. وفي هـذه المرحلـة نح شـرت النصـوص الرياثيـة فقـط خاليـة مـن دراسة الكتاب وترجمة مؤلفه وذكـر مخطوطاتـه وفهرسـته, لكـن النشـر في تلـك المرحلـة اتسـم بالدقة المتناهية والتحرير الكامل, وكان يقوم على التصحي. (التحقيق) فئة من أهل العلـم, يأتي علـــى رأســـهم الشـــيخ نصـــر الهـــوريني, والشـــيخ محمـــد بـــن عبـــد الـــرحمن, المعـــروف بقطـــة العدوي, كما شمل النشـر في تلـك المرحلـة أصـول الـرياث العـربي كلـه, دون تخـير إلى مـذهب أو اتُاه. المرحلة الثانية: عح نيَـتْ هــذه المرحلــة إلى حـد مــا بجمــع النح سـخ المخطوطــة للكتــاب المـراد نشــره, وذكــر ترجمــة المؤلــف, وبعــض الفهــارس, وتح عــرف هــذه المرحلــة بهــذه الأسمــاء: محمــد أمــين الخــانجي, ومحــب الدين الخطيب, ومحمد منير الدمشقي, وحسام الدين القدسي. المرحلة الثالثة: مرحلة دار الكتب المصرية. وفي هـذه المرحلـة أخـذ تحقيـق الكتـب ونشـرها يتجـه إلى النضـج والكمـال, مـن حيـث جمــع النسـخ المخطوطـة مـن مكتبــات العـالم, وإضـاءة النصـوص بــبعض التعليقــات والشــروح, وصــنع الفهــارس الت حليليــة الكاشــفة لكنــوز الكتــب, ومــا يســبق ذلــك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية. وقد تأثـر هـذا المـنهج إلى حـد مـا بمنـاهج المستشـرقين الـذين نشـطوا إلى نشـر تراثنـا وإذاعتـه من القرن الثامن عشر الميلادي. وقد وقـف علـى رأس هـذه المرحلـة أحمـد زكـي باشـا, شـيخ

عدد الصفحات ٩٠

91 العر و بة. المرحلة الرابعة: مرحلة الأفذاذ من الرجال, وهي مرحلـة الأعـلام: أحمـد محمـد شـاكر, ومحمـود محمـد شـاكر, وعبد السلام محمد هـارون, والسـيد أحمـد صـقر. وقـد دخـل هـؤلاء الرجـال ميـدان التحقيـق والنشر مزوَّدين بزاد قوي من علم الأوائل وتُاربهم, ومدفوعين بروح عربية إسـلامية عارمـة, اســـتهدفت إذاعـــة النصـــوص الدالـــة علـــى عظمــــة الـــرياث, الكاشـــفة عـــن نـــواحي الجــــلال والكمال فيه. ومن أعظم آثار هذه المرحلة تحقيق هـذه الكتـب العاليـة: الرسـالة, للشـافعي, وطبقات فحول الشعراء, لابن سلام, والبيان والتبيين, والحيوان, للجاحظ, وتأويل مشكل القــرآن لابــن قتيبــة, وإعجــاز القــرآن للبــاقلاني. وقــد أثَّــرت هــذه المرحلــة تأثــيراً كبــيراً, في كــل مكان نح شر فيه تراث عربي. وفي العقود الأربعة الأخـيرة أفسـحت الجامعـات العربيـة صـدرها لتحقيـق المخطوطـات سـبيلاً للحصــول علــى الشــهادات الجامعيــة العليــا (ماجســتير - دكتــوراه), لكــن الجامعــات العربيــة حــين فعلــت ذلــك لم تــزود الطالــب بمــا يعينــه علــى تحقيــق ذلــك الــنص, مــن معرفــة لمنــاهج التحقيــق, وقــراءة المخطوطــات المشــرقية والمغربيــة, وتوثيــق النقــول وتخــريج الشــواهد, وصــنع الفهارس, وحدود التعليق على النص, والتقديم له, ثم الوقوف على أمهات المراجع العربية, في فنون الرياث المختلفة, ومعرفة التعامل معها, والإفادة منها. وكان مأمولاً أن تثمر تلـك الجهـود الـتي بـدأها شـيخنا عبـد السـلام هـارون رحمـه الله, في دار العلوم, والأستاذ مصطفى جواد رحمه الله, في كلية الآداب بجامعة بغـداد, تلـك الجهـود الـتي اســتهدفت تعريــف الطــلاب بفــن تحقيــق النصــوص ومناهجــه, مــن واقــع تُــارب الشــيخين, ولكـــن تلـــك الجهـــود, لم تـــتم ولم يح كتـــب لهـــا الشـــيوع. ولم تبـــق إلا تلـــك الإشـــارات العاجلـــة الخاطفة عن تحقيق النصوص, والتي تُيء في ثنايا مادة «مناهج البحث»التي تحدرَّ س للطلبة في السنة المنهجية المؤه لة للدراسات العليا, ومعظمها مما يسقط إلى أسـاتذة هـذه المـادة مـن الريجمات الغربية, ومن منظور اسشراقي بحت. فلم يجد الطالب الذي يتصدى لتحقيق نص ســبيلاً أمامــه إلا أن يــركض هنــا وهنــاك, ويتخــبط بــين مــنهج ومــنهج ولا يخــرج بشــيء, لأنــه دخل بغير شيء.

عدد الصفحات ٩١

92 وقد كان موقف بعض الجامعات العربية من تحقيق النصوص, موقفاً غربياً متناقضاً, فهي قد قبلتــه طريقــاً للحصــول علــى الماجســتير والــدكتوراه, ثم رفضــته في أعمــال الريقيــات العلميــة (يحلوُّنــه عامــاً ويحرَّمونــه عامّــاً ) -. وليســت الريقيــة العلميــة أشــد خطــراً مــن إجــازة الــدكتوراه. وكانت حجة الرافضين أن تحقيق النصوص قد اتخح ذ مركباً سهلاً. وهذا حق, ولكن م ا هكذا تكـــون الأحكـــام عامـــة مطلقـــة, والأولى أن يقـــال: إن تحقيـــق النصـــوص عمـــل مـــن الأعمـــال العلمية, جيَّدهح جيَّد, ورديئح ه رديء. ومهما يكن من أمر: فقد كانت مشاركة الجامعات العربية في تحقيق النصوص سبيلاً لإظهـار بعض النصوص التي لا يح قب ل عليها الناشرون كثيراً, ولا يهتمون بها, لأنها لا تحقَّق ربحاً, لقلَّة جمهورها من القراء. والله أعلم. * * *

عدد الصفحات ٩٢

93 محمد مرسي الخولي .. والبنيان الذي تهدم (1) جــاء نعيــه مــن القــاهرة, فلفَّــني حــزن أســود كئيــب, وغشــي نفســي مــا غشــاها, ثم اســريجعت وسألت ربي أن يحذهب عني ما أجد, من الجزع المردي, والأسى الماحق؛ فإن فقـد الأحبـاب مما يكوي الفؤاد, ويهد النفس هدّاً! وسبحان من تفرد بالبقاء. لقــد كــان محمــد مرســي الخــو, آخــر حـــارس مــن حــراس معهــد المخطوطــات, هــذا الصـــرح الشامخ الباذخ, الذي قدم للرياث الإسلامي والعربي الكثير. إن من أوجب الواجبات أن يح كتـب تاريـخ هـذا المعهـد, الـذي صـان الـرياث وجمعـه وحفظـه, وإنه من حق الأجيال أن تعرف تاريخ أبنائها الأبرار, الذين عرفوا لرياثهم حقه من الإجلال والتكرمة. نعم من حق الأجيال أن تعـرف مـاذا صـنع: أحمـد أمـين, ويوسـف العـش, ومحمـد بـن تاويـت الطنجـــي, وصـــلاح الـــدين المنجـــد, وعبـــد الحلـــيم النجـــار, وخليـــل عســـاكر, وعبـــد العزيـــز الأهــواني, وفــؤاد ســيد, ورشــاد عبــد المطلــب, وحمــد الجاســر, وخــير الــدين الزركلــي, ثم عبــد الفتاح الحلو, ومحمد مرسـي الخـو,. رحـم الله مـن مضـى, وأطـال عمـر مـن بقـي, وعسـى ألا يكون سقط علي من أسماء هؤلاء الرواد أحد؛ فإني أتكلم عن هؤلاء الـذين عملـوا في دائـرة معهد المخطوطات, وظيفة فيه, أو قرباً منه, أو دعماً له. لقـد أح نشــئ معهــد المخطوطــات, منـذ نحــو خمســة وثلاثــين عامـاً, تابعــاً لــلإدارة الثقافيــة بجامعــة الــدول العربيــة بالقــاهرة, وقــد كــان يحــدو المنشــئين لــه, والقــائمين عليــه, غــرض نبيــل: وهــو تلمُّ س المخطوطات العربية في مظانها, وتصويرها, ثم فهرستها, ووضعها أمام الدارسين. وقـــد رســـم معهـــد المخطوطـــات لنفســـه منهجـــاً دقيقـــاً, فأقـــام لجنـــة عكفـــت علـــى موســـوعة «بروكلمـــان »العظيمـــة«تاريـــخ الأدب العـــر»واســـتخرجت نفـــائس المخطوطـــات, وأسمـــاء المكتبــات الــتي تحــتفظ بهــا, وكــان مــن أعضــاء هــذه اللجنــة أســتاذنا الكبــير الــدكتور خليــل عســـاكر, والمرحـــوم الـــدكتور عبـــد الحلـــيم النجـــار, وهمـــا مـــن همـــا في فقـــه العربيـــة والألمانيـــة, (1) صحيفة«المدينة المنورة »بالمملكة العربية السعودية, العدد 5505, بتاريخ 20 من جمادى الآخرة 1402 هـ

عدد الصفحات ٩٣

94 والــدكتور عبــد الحلــيم رحمــه كــان مــن فضــلاء هــذا الزمــان, وهــو مــريجم كتــاب «العربيــة» ليوهان فك, وقد ترجم, أيضاً, للإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية, الأجزاء الثلاثة الأو من «تاريخ الأدب العر»لبروكلمان, ثم أعجلته المنية عن إتمامه, وهو أيضاً شـقيق الشـيخ محمد علي النجار, الذي كان يقال له: سيبويه العصر, وهو محقق «الخصائص»لابن جـ وقــد أخــبرني المرحــوم فــؤاد ســيد - وكــان مخالطــاً للــرجلين - أن معرفــة الــدكتور عبــد الحلــيم بالنحو العربي قد تفوق معرفة أخيه, على جلالة قدره. تنبيــه: «مــا أكتبــه عــن تاريــخ معهــد المخطوطــات إنمــا أكتبــه عــن قــرب ومعايشــة؛ لأني قــد عملت فيه نحـو خمـس عشـرة سـنة, لكـن أسـتاذي الكبـير الـدكتور خليـل عسـاكر أخـبرني أن الــذي اشــريك معــه في لجنــة «بروكلمــان »هــو الــدكتور عبــد العزيــز الأهــواني, رحمــه , وكــان هذا من رواد الدراسات الأندلسية في العالم العربي» وأعود إلى ما كنت آخذاً فيه, فأقول انصرف رجال معهـد المخطوطـات إلى عملهـم الجـاد في صـمت وصـبر, وكـان المقابـل المـادي زهيــداً جــداً, وإن تعجــب فعجــب أن الواحــد منــا الآن, يكتــب صــفحتين اثنتــين, أو يــذيع حــديثاً مدتــه عشــر دقــائق عــن الــرياث, ويتقاضــى عــن هــذا وذاك مــا كــان يتقاضــاه, هــؤلاء الأعلام في شهور ! وسبحان من قدر الأرزاق, وقسم الحظو : وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكنْ أحا قح سّ مت وجدودح انطلقـت بعثـات معهـد المخطوطـات إلى أمــاكن وجودهـا, فصـورت نفـائس مخطوطـات الهنــد, وتر كيــا, والقــدس, والشــام, والمغــرب, والمملكــة العربيــة الســعودية, والــيمن, وســائر البلــدان العربيـة, ثم مــا أتــي. لهــا مــن مكتبـات أوروبا وأمريكــا, وصــورت نــوادر مكتبــات القــاهرة: دار الكتب المصرية, والمكتبة الأزهرية, والبلدية بالإسكندرية, وسوهاج, ودمياط وطنطا. ثم صـــبَّت كـــل ذلـــك في مكتبـــة المعهـــد بالقـــاهرة, وقـــدمت للدارســـين زاداً طيبـــاً, انتفـــع بـــه المخلصون, ورب. منه الرابحـون. وحـين أفسـحت الجامعـات العربيـة صـدرها لتحقيـق الـرياث, حصــولاً علــى شــهادتها العليــا, كــان معهــد المخطوطــات ملجــأ ومــلاذاً, فــزع إليــه الدارســون, فأمدهم بالأصول, ودلهم على المراجع, ور بط بينهم وبين الهيئات العلمية خارج مصر. وفي السنوات الأخيرة كاد عمل موظفي معهد المخطوطات يخلص لخدمـة طـلاب الدراسـات

عدد الصفحات ٩٤

95 العليا, وقد ذكرهم من ذكر, ونسيهم من نسي, وعند الله في ذلك الجزاء ولقــــد كــــان محمــــد مرســــي الخــــو, واحــــداً مــــن هــــذا النفــــر الكــــريم الــــذين أخلصــــوا لمعهــــد المخطوطات, وقدَّ موا للمريددين عليه أجلَّ الخدمات. تخــرَّج, رحمـــه الله, في كليــة اللغـــة العربيــة, مـــن كليـــات الأزهــر الشـــريف, وبعــد تخرجـــه عمـــل مصــححاً بــدار المعــارف بمصــر, وهنــاك أشــرف علــى كثــير مــن مطبوعــات «سلســلة ذخــائر العرب» وتصحي. الكتب كـان ولا يـزال المدرسـة الأصـلية لتخـريج ال علمـاء, وفي هـذه المدرسـة تخـرج الأخوان الفاضلان الدكتور عبد الفتـاح الحلـو, والـدكتور مصـطفى عبـد الواحـد؛ فقـد عمـلا زماناً بمطبعة عيسى البابي الحلبي, هذه الدار العريقـة في نشـر الكتـب, وقـد صـح. الأخـوان كثيراً من كتب الرياث كانت لهما عدة وعتاداً فيما استقبلاه بعد ذلك من أعمال. وفي دار المعارف, حيـث عمـل الفقيـد العزيـز, وقعـت عليـه عـين فاحصـة, هـي عـين الـدكتور صــلاح الــدين المنجــد, مــدير معهــد المخطوطــات آنــذاك - ولهــذا الرجــال أثــر بارز في تاريــخ المعهد - وقد التقطه الدكتور المنجـد ليكـون لـه عـوناً وسـنداً, فيمـا كـان يرومـه وينشـده مـن أعمال المعهد. وصـار محمــد مرسـي الخــو, عضــواً نشـطاً في معهــد المخطوطــات, وشـارك في مختلــف أعمالــه: مفهرساً لمصوراته, ودليلاً لزائريه, ومصححاً لمطبوعاتـه, ومحـرراً لمجلتـه, ومسـؤولاً عـن نشـرته, وموفداً في بعثاته. وكان رحمه الله حلـو الشـمائل, رقيـق الطبـع, مرهـف الحـس, ولم يكـن يضـيق بالزائـرين, علـى كثرتهم وإزعاج بعضهم, ولقد كـان مـن قضـاء الله عليـه أن داهمتـه علتـان منهكتـان, واسـتبد به داءان عحضالان: القلب والربو, ولقد قاسى منهما كثيراً, وفي سنواته الأخيرة عـرض عليـه رؤســاؤه أن يخلــد إلى الراحــة غــير مقطــوع عنــه رزقــه, ولا مســلوب منــه حقــه, ولكنــه رفــض, وظل متشبثاً بموقعه في معهد المخطوطات يفيد ويدل, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن عجيـب أمـره - رحمـه الله - أنـه كـان مـع اشـتداد العلـة, وتفـاقم الـداء, متـيقظ الحـس, مشبوب الذاكرة, لم يسقط عليه شيء من كنـوز المعهـد, مـا فح هـرس مـن هـذه الكنـوز, ومـا لم يح فهرس, ولقد أخبرني من نعاه إ,َّ أنه رآه في المعهد قبل موته بيوم واحد.

عدد الصفحات ٩٥

96 وقد حصل الفقيد رحمه على درجتي «الماجست»و«الدكتوراه »من كلية اللغة العربية وكانت أطروحته الأولى: تحقيق ديوان أبي الفت. البستي, وكانت الثانية: تحقيـق الجـزء الأول من كتاب «الجليس والأنيس»للمعافى بن زكريا ا لحر يري, وقد أشار إليه العلامـة الز ر كلـي في الأعلام 7 /260 «الطبعة الرابعة» ثم كان له نشاط في تحقيق الكتب ونشرها, فمن ذلك : 1- بهجة المحجالس وأنس المجالس- للحافظ ابن عبد البر, صـاحب الاسـتيعاب, طح بـع في جزئين, نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2- أخبار الأذكياء - للحافظ أبي الفرج بن الجوزي, نشر مؤسسة الأهرام بمصر. 3- الجــزء الأول مــن محاضــرة الأبــرار ومســـامرة الأخيــار- لابــن عــربي, نشــر مؤسســـة الأهرام بمصر - أيضا. 4- البرصان والعرجان - للجاحظ, نشر دار الاعتصام بمصر. 5- ديــوان أبي الفــت. البســ- تحقيــق؛ وهــو أطروحتــه للماجســتير, كمــا ســبق, نشــر بيروت. هذا إلى بعض المقالات والنصوص الصغيرة المحققة التي نشرها بمجلة المعهد. رحمك الله أيها الأخ الصادق الإخاء, وجزاك خير ما يجزي به عباده المخلصين. وبعد: فقــد رحــل رشــاد عبــد المطلــب, ورحــل بعــده محمــد مرســي الخــو,, ثم خــرج عبــد الفتــاح الحلــــو - أطــــال الله بقــــاءه - وخــــرج معــــه مــــن خــــرج, فهــــل نقــــول: إن بنيــــان معهــــد المخطوطات قد تهدم؟ نســـأل الله أن يقيـــل المعهـــد عثرتـــه - في أي مكـــان وجـــد - وأن يهيـــئ لـــه مـــن يواصـــل المســيرة الــتي تكــاد تتعثــر, ويقــيم البنيــان الــذي يريــد أن يــنقض, ورحمــة ربنــا وســعت كــل شيء, وإنا لله وإنا إليه راجعون. * * *

عدد الصفحات ٩٦